Makki ibn Abi TalibAr‑Ra'd · 13:12–29

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

Ar-Ra'd 13:12–29

13:12–14Page 250

هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ ١٢

It is He who shows you lightning, [causing] fear and aspiration, and generates the heavy clouds.

وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ بِحَمۡدِهِۦ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مِنۡ خِيفَتِهِۦ وَيُرۡسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمۡ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلۡمِحَالِ ١٣

And the thunder exalts [Allāh] with praise of Him - and the angels [as well] from fear of Him - and He sends thunderbolts and strikes therewith whom He wills while they dispute about Allāh; and He is severe in assault.

لَهُۥ دَعۡوَةُ ٱلۡحَقِّۚ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيۡءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيۡهِ إِلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ ١٤

To Him [alone] is the supplication of truth. And those they call upon besides Him do not respond to them with a thing, except as one who stretches his hands toward water [from afar, calling it] to reach his mouth, but it will not reach it [thus].1 And the supplication of the disbelievers is not but in error [i.e., futility].

قوله: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ إلى قوله ﴿إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ البرق: مخاريق من حديد بأيد(ي) الملائكة تضرب بها. هذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وقال مجاهد: الملائكة تضرب بأجنحتها، فمن ذلك البرق. وقد تقدم شرح هذا بأشبع من هذا. فالمعنى: الله يريكم البرق خوفاً للمسافر من أذاه، وطمعاً للمقيم لينتفع (به)، والبرق هنا على قول ابن عباس: الماء.

وقيل: الآية مخصوصة، والمعنى: خوفاً لمن لا يحتاج إليه كمصر، وشبهها التي لا تحتاج إلى المطر. وكونه فيها ضر عليها، "وطمعاً" لمن يحتاج إليه، ويرجو الانتفاع به.

وقيل: الآية على العموم لكل من خاف، أو طمع.

وقيل: المعنى: خوفاً من الصواعق (وطمعاً بالمطر).

"وقال الضحاك: أما الخوف فما يرسل الله معه من الصواعق"، وأما الطمع فما نرجو فيه من الغيث.

ثم قال (تعالى): ﴿وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ﴾: بالمطر، أي: ويثير السحاب الثقال بالمطر، وبيديه. يقال: أنشأ الله السحاب أبداه، والسحاب: جمع سحابة. ولذلك قال (الثقال) ولو كان موحداً لقال: الثقيل.

ثم قال (تعالى): ﴿وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ قال مجاهد: الرعد: ملك يزجر السحاب.

وقال أبو صالح: الرعد (ملك) يسبح.

وقال شهر بن حوشب: الرعد: ملك موكل بالسحاب، يسوقه كما يسوق الحادي الإبل. فكلما خالفته سحابة صاح (بها)، فإذا اشتد غضبه طارت النار من فيه. فذلك الصواعق الذي رأيتم.

وقال ابن عباس: الرعد: ملك اسمه (الرعد)، (وهو) الذي تسمعون صوته. وكان ابن عباس إذا سمع الرعد قال: سبحان الذي سبحت له. وكان يقول: الرعد: ملك ينعق بالغيث، كما ينعق الراعي بغنمه.

وروى مجاهد، عن ابن عباس (أنه قال): الرعد (اسم ملك) وصوته هذا تسبيحه، فإذا اشتد زجره للسحاب اضطرب السحاب من خوفه فيحتك. فتخرج الصواعق من فيه.

وسئل علي رضي الله عنه عن الرعد: فقال: هو ملك، وسئل عن البرق، (فقال): مخاريق بأيدي الملائكة تزجر السحاب.

وعن الضحاك أنه قال: الذي يسمع تسبيح الملك، واسمه الرعد.

قال مجاهد: الرعد: ملك يزجر السحاب بصوته.

وعن ابن عباس، رضي الله عنه أن الرعد: ريح يختنق تحت السحاب، فتتصاعد فيكون منها ذلك الصوت.

وعنه أيضاً أنه، قال: البرق: ملك يتراءى. وأكثر المفسرين على أنه ملك كما تقدم.

(وكان النبي ﷺ، إذا سمع الرعد الشديد، قال: اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك). وهذا الدعاء يدل على أنه صوت ملك.

(وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ، كان يقول إذا سمع الرعد: سبحان من يسبح الرعد بحمده): فهذا يدل على أن الرعد ملك.

وكان ابن عباس، وعلي (رضي الله عنهما) يقولان إذا سمعا الرعد: سبحان من سبحت له، فهذا يدل على أنه ملك.

* *

ومعنى ﴿وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾: أي: "يعظم الله ويمجده، ويثنى عليه بصفاته. وحكي عن العرب سبحان من يسبح الرعد بحمده، يريدون (من) فأقعوا (ما)، مكان "مَنْ".

* *

ثم قال: ﴿وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾: أي: وتسبح الملائكة من خيفته، أي: من رهبته.

وروي أن خوف الملائكة ليس كخوف بني آدم، لأن طائفة من الملائكة ساجدون، منذ خلقوا، باكون، ومنهم طائفة يسبحون ويهللون، لا يعرف أحدهم من على يمينه، ولا من على شماله، ولا يشغلهم عن عبادة الله، (عز وجل) شيء.

قال الله عز وجل عن الملائكة: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]: فعلى قدر أعمالهم واجتهادهم، كذلك خوفهم.

* *

وقوله: ﴿وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ﴾: الصاعقة من النار التي تخرج من فم الرعد إذا غضب، فقد تقدم ذكرها بأشبع من هذا في سورة البقرة.

وهذه الآية نزلت في يهودي جاء إلى النبي ﷺ فقال له: أخبرني عن ربك: من أي شيء هو؟ من لؤلؤ أو ياقوت. فجاءت صاعقة، فأخذته فأنزل الله عز وجل: ﴿وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ﴾.

ودل على هذا القول قوله: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي ٱللَّهِ﴾: فالضمير في "هم" لليهودي، وجمع لأن له أتباعاً على قوله ومذهبه.

وروي أنها نزلت في رجل من فراعنة العرب، وهو أربد، وجه إليه النبي ﷺ، يدعوه إلى الله، فقال: وما الله؟ أمِنْ ذهب هو أم مِنْ فضةٍ؟ أمْ مِن نُحاس؟ فأخبر النبي عليه السلام بذلك. فدعاه ثانية، فبينما النبي عليه السلام يراجع الكافر في الدعاء إلى الله سبحانه، إذ بعث الله سَحَابَةً بِحُيال رأس الكافر، فرعدت، فوقعت منها صاعقة، فذهبت بقحف رأسه، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ﴾ الآية.

وقال قتادة: (أنكر رجل) القرآن، وكذب النبي ﷺ، فأنزل الله، (عز وجل) عليه صاعقة، فأهلكته، فنزلت الآية فيه.

وقال ابن جريج: نزلت في أَرْبَد أخي لبيد بن ربيعة، هَمَّ هو، وعامر بن الطفيل بقتل النبي ﷺ. فبعث الله تعالى عليه صاعقة فاحترق.

ومعنى قوله: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ﴾ قال علي (بن أبي طالب) عليه السلام: "شديد الأخذ".

وقال مجاهد: (رحمه الله): "شديد القوة".

وقال قتادة (رحمة الله عليه): المحال: "القوة والحيلة".

وقال ابن عباس (رضوان الله عليه): "شديد الحَوْل".

وقال الحسن: (نضر الله وجهه): شديد المكر، من قولهم: مَحَل به: إذا مكر به، ومن جعله من الحوْل، والحيلة، فالأشبه بقراءته أن يقرأ بفتح الميم، لأن الحيلة لا يأتي مصدرها إلا بفتح الميم نحو: محالة، ومنه قولهم: "المرء يعجز لا محالة". وبه قرأ الأعرج فأما من كسر الميم فهو مصدر من: "ماحلت فلاناً، مماحلة، ومحالاً، فالمماحلة بعيدة المعنى من الحيلة.

فإذا جعلته من الحول فوزنه "مِفْعَلٌ"، وأصله "مِحْوَل" ثم قلبت حركة الواو على الحاء، وقلبت الواو ألفاً كاعتلال "مقال" و "محال". وإن جعلته من "مُحال" فوزنه "فُعال" لا اعتلال فيه.

* *

ثم قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ﴾ وهي شهادة ألا إله إلا الله، قاله ابن عباس، وقتادة.

وقال علي رضي الله عنه: هي التوحيد.

وقال ابن زيد رحمه الله: هي لا إله إلا الله، ليست تنبغي لأحد إلا الله.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ الآية: أي: والآلهة التي يدعوها المشركون من دون الله (سبحانه) لا تجيب من دعاها بشيء من النفع، والضر، ولا ينتفع بها إلا كما ينتفع الذي يبسط كفيه إلى الماء. ليأتيه من غير أن يرفعه، فلا هو ببالغ فاه، ولا نافعه كذلك. هذه الآلهة التي يدعون هؤلاء العرب. فضرب المثل لمن طلب ما لا يبلغه بالقابض على الماء.

قال علي، رضي الله عنه "معناه": كالرجل العطشان مد يده إلى البئر ليرتفع الماء إليه، وما هو ببالغه، ولا نافعه، كذلك هذا الذي يدعو من دون الله.

وقال مجاهد (رضي الله عنه) معناه: يدعو الماء بلسانه، ويشير إليه بيده، فلا يأتيه أبداً، أي: فهذا الذي يدعو من دون الله، هو الوثن، وهذا الحجر لا يستجيب له بشيء أبداً، ولا يسوق إليه خيراً، ولا يدفع عنه شراً: كمثل هذا (الذي) بسط ذراعيه إلى الماء ﴿لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ (وما) يبلغ فاه أبداً.

وروي عن ابن عباس أن المعنى: هذا الذي يدعو الآلهة، كمثل من بسط كفيه إلى الماء، ليتناول خياله فيه، وما هو ببالغه أبداً، ولا يأخذه.

وقيل المعنى: إن هؤلاء الذين يعبدون الآلهة لا ينتفعون بها، إلا كما ينتفع من بسط كفيه إلى الماء يدعوه ليأتيه، وهو لا يأتيه أبداً، ولا ينتفع به. فكذلك لا ينتفع بعبادة الآلهة. وهذا كله ضرب مثلاً لمن يعبد غير الله، جل ذكره.

(وقيل معنى): مثل من يعبد الأصنام كمثل من يفيض على الماء، ليبلغ فاه، فلا يحصل له نفع من ذلك.

13:15–16Page 251

وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَظِلَٰلُهُم بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ۩ ١٥

And to Allāh prostrates whoever is within the heavens and the earth, willingly or by compulsion, and their shadows [as well] in the mornings and the afternoons.

قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ قُلِ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ لَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗاۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُۗ أَمۡ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلۡقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلۡخَلۡقُ عَلَيۡهِمۡۚ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّٰرُ ١٦

Say, "Who is Lord of the heavens and earth?" Say, "Allāh." Say, "Have you then taken besides Him allies not possessing [even] for themselves any benefit or any harm?" Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Or is darkness equivalent to light? Or have they attributed to Allāh partners who created like His creation so that the creation [of each] seemed similar to them?"1 Say, "Allāh is the Creator of all things, and He is the One, the Prevailing."2

قوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ إلى قوله ﴿ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾: المعنى فإن امتنع هؤلاء الذين يدعون الآلهة من دون الله من الطاعة (والإخلاص لله عز وجل) فلله عز وجل، يسجدُ من في السماوات من الملائكة، ومن في الأرض من المؤمنين طوعاً)، ويسجد (الكافرون) كرهاً، حين يكرهون على ذلك. فيدخلون في الدين كارهين، قاله قتادة.

وعنه أنه قال: أما المؤمن يسجد طائعاً، وأما الكافر فيسجد كارهاً، فيسجد لله حين لا ينفعه.

وقال ابن زيد: ﴿كَرْهاً﴾: من لم يدخل الإسلام إلا بالسيف، فأول دخوله كرهاً، ﴿طَوْعاً﴾: من دخله طائعاً، أي: من أسلم طائعاً.

وقال الزجاج: جائز أن يكون السجود بالخضوع لله. فمن الناس من يخضع، ويقبل أمر الله (سبحانه) طائعاً، ومنهم من يقبله وإن كان كارهاً (له).

وقيل: معناه: إن عباد الله الصالحين يسجدون لله، والكفار يسجدون خوف القتل.

وقيل: المعنى: وبعض من في الأرض يسجد، وبعض المؤمنين طائعين، قد سهل ذلك عليهم، وبعضهم يكره نفسه على ذلك لله (سبحانه).

وقيل: السجود هنا الخضوع لتدبير الله عز وجل في جميع خلقه: من صحتهم، وسقمهم، وتصرفهم، (فهم) منقادون لذلك أحبوا، أو كرهوا لا حيلة لهم في دفع ذلك. وظلالهم أيضاً منقادة لتدبير الله (عز وجل) وإجرائه الشمس بزيادة الظل، ونقصانه وزواله.

وقال ابن عباس: يعني: حين يفيء ظل أحدهم عن يمينه، وشماله.

قال أبو العالية: ما في السماء من شمس، ولا قمر، ولا نجم يقع لله (سبحانه) ساجداً حين يغيب، فما ينصرف حتى يؤذن له.

وقال مجاهد: ظل المؤمنين يسجد لله طوعاً، وهو طائع، وظل الكافر يسجد طوعاً، وهو كاره.

والآصال: جمع أصل، والأصل (جمع أصيل) كرغيف ورغف. والأصيل: ما بين العصر إلى مغرب الشمس.

* *

ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله: من رب السماوات والأرض، ومدبرها؟ قل: الله أتى الجواب والسؤال فيه من جهة واحدة. وذلك على تقدير أنهم لما قيل لهم: من رب السماوات والأرض، (ومدبرها). جهلوا الجواب فقالوا: ومن هو؟ فقيل لهم الله: ومثله: ﴿مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ ٱللَّهُ﴾ [يونس: ٣٤].

وهو كثير في القرآن: يأتي السؤال والجواب من جهة (واحدة، من جهة السائل. وإنما حق الجواب أن يكون من جهة) السؤال، لكن أتى الجواب) من جهة السائل (الجوابِ: على معنى أنهم جعلوا الجواب، وطلبوه من جهة السائل): فأعلمهم به السائل، فصار السؤال الجواب من جهة واحدة.

ثم أمر أن يقول لهم: ﴿أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً﴾ يجتلبونه لها، ﴿وَلاَ ضَرّاً﴾ يدفعونه عنها، وهي إذا لم تملك ذلك لأنفسها، تكون أضعف عن ملكه لغيرها، فعبدتم من هذه صفته، وتركتم (عبادة) من بيده النفع والضر، والموت والحياة. (ثم) ضرب لهم مثلاً، فقال: قل لهم يا محمد ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ﴾ يريد به المؤمن والكافر.

﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ﴾: (أي): الإيمان والكفر، فالظلمة طرف الكفر، والنور طرف الإيمان.

قال مجاهد: الظلمات والنور: "الهدى والضلالة".

* *

ثم قال تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ﴾ الآية المعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أخلق أوثانكم خلقاً كخلق الله، فاشتبه عليكم أمرها فيما خلقت، وخلق الله (سبحانه)، فجعلتموها شركاء لله من أجل ذلك.

ثم قال (تعالى): ﴿قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: (أي: قل لهم يا محمد: إذا أقروا أن أوثانهم لا تخلق: فالله، ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾)، فهو أحق بالعبادة ممن لا يخلق، ولا يضر، ولا ينفع.

﴿وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾: أي: "الفرد الذي لا ثاني له"، ﴿ٱلْقَهَّارُ﴾: أي: (القهار) بقدرته كل شيء، ولا يقهره شيء.

13:17–18Page 251

أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَالَتۡ أَوۡدِيَةُۢ بِقَدَرِهَا فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّيۡلُ زَبَدٗا رَّابِيٗاۖ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيۡهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَآءَ حِلۡيَةٍ أَوۡ مَتَٰعٖ زَبَدٞ مِّثۡلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ ١٧

He sends down from the sky, rain, and valleys flow according to their capacity, and the torrent carries a rising foam. And from that [ore] which they heat in the fire, desiring adornments and utensils, is a foam like it. Thus Allāh presents [the example of] truth and falsehood. As for the foam, it vanishes, [being] cast off; but as for that which benefits the people, it remains on the earth. Thus does Allāh present examples.

لِلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُۥ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفۡتَدَوۡاْ بِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ سُوٓءُ ٱلۡحِسَابِ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٨

For those who have responded to their Lord is the best [reward], but those who did not respond to Him - if they had all that is in the earth entirely and the like of it with it, they would [attempt to] ransom themselves thereby. Those will have the worst account, and their refuge is Hell, and wretched is the resting place.

قوله (تعالى): ﴿أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ إلى قوله ﴿وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾: هذا مثل ضربه الله تعالى (جل ذكره) للحق والباطل، والإيمان به والكفر. فالمعنى: مثل الحق في ثباته، (والكفر) في اضمحلاله مثل ماء أنزله الله، ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾: (أي) فاجتمعت الأودية، الماء بقدر ملئها الكبير بكبره، والصغير بصغره.

﴿فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً﴾: أي: "عالياً على الماء".

فهذا أحد مثلي الحق والباطل. فأما النافع فهو الحق، والزبد: الرائب الذي لا ينفع هو الباطل.

وتحقيق معنى هذا المثل: أن الماء المنزل مَثَلٌ للقرآن المنزل.

فالماء يعم نفعه كل أرض طيبة، والقرآن يعم نفعه كل قلب طيب، والأودية مثل للقلوب، لأن الأودية يستكن فيها الماء. كذلك والإيمان والقرآن يستكنان في قلوب المؤمنين. والسيل مثل للأهواء العارضة في القلوب، لأن الهوى يغلب على القلوب، كما يغلب السيل بما حمل من الماء وغيره. والزبد مثل للباطل، وما يستقر من الماء الخالص (مثل لما يستقر في قلب المؤمن من الإيمان، فينتفع بذلك كما تنتفع الأرض بما يستقر من الماء الخالص) فيها. ومثله المثل الثاني: ما يتحصل من جيد الذهب، والفضة، والحديد والنحاس مَثَلٌ لما يستقر في قلب المؤمن من الإيمان.

ثم ضرب مثلاً آخر أيضاً للحق والباطل، فقال: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ﴾ إلى آخر المثل: أي: والحق والباطل كمثل فضة، أو ذهب، أو نحاس، يوقد عليه الناس في النار، في طلب حلية يتخذونها، أو متاع. وذلك من النحاس: وهي الأواني التي تتخذ منه، (و) من الرصاص والحديد فيكون له زبداً، مثل زبد السيل، وزبده: خبثه الذي لا ينتفع به، فالذي يُصَفّى من هذه الأشياء هو مثل الحق ينتفع بهما. والخبث مثل الباطل لا ينتفع بهما، ثم بين لنا، في أي (شيء) ضربت هذه الأمثال فقال:

﴿كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ﴾: أي: يضرب مثل الحق والباطل، ثم حذف المضاف. "والحق": الإيمان، و "الباطل": الكفر: وكما أن زيد السيل، وخبث ما يوقد عليه في النار لا ينتفع به، كذلك لا ينتفع الكافر بعمله عند حاجته إليه. وكما ينتفع بالماء، وبما يوقد عليه في النار، كذلك ينتفع المؤمن بإيمانه عند حاجته إليه.

* *

وقوله: ﴿فَيَذْهَبُ جُفَآءً﴾: أي: يذهب بدفع الريح، وقذف الماء به. فيتعلق في جوانب الوادي، وبالأشجار. وهو من: أَجْفَأتِ القدر: إذا رمت بزبدها، وهو الغشاء: فيقول: إن الباطل، وإن ظهر على الحق في بعض الأشياء وعلا، فإنه يتمحق، ويذهب. وتكون العاقبة للحق. كما أن هذا الزبد، وإن علا (على الماء)، فإنه يذهب ويتمحق، وكذلك الخبث من الحديد، وغيره هو وإن علا فإنه يذهب ويتمحق، ويطرحه الكير، ويبقى من الماء وغيره ما ينتفع به. كذلك يبقى الحق ويثبت: هذا (كله) معنى قول ابن عباس، وتفسيره (رحمة الله عليه) قال: "هو مَثَلٌ ضربه الله للناس عند نزول القرآن، فاحتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها. فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينتفع به.

(فالزبد): الشك في الله، (والذي يمكث في الأرض): اليقين.

وروي (عنه) أنه قال: هو مثل ضربـ(ـه) الله للعمل الصالح، والعمل السوء: فالصالح كالماء الذي يمكث في الأرض، ينتفع به الناس كذلك ينتفع أصحاب العمل الصالح به في الآخرة، وكذلك ما تحت الخبث من الرصاص، والحديد، والذهب ينتفع به، مثل العمل الصالح.

وأما الزبد منها فلا ينتفع به، كما لا ينتفع أصحاب العمل السوء (بعملهم).

وقرأ رُؤبة: "فيذهب جُفَالاً". يقال: جفأت الريح السحاب: إذا قطعته، وأذهبته.

* *

ثم قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: (الحسنى) للذين آمنوا حين دعوا إلى الإيمان الحسنى، وهي الجنة، قاله قتادة.

وقيل: المعنى: جزاء الحسنى ﴿وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ﴾ أي: لم يؤمنوا حين دعوا أن لهم ملك ما في الأرض، ومثله معه ما قبل منهم فداء لهم من العقوبة.

ومعنى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ﴾ "يأخذهم بذنوبهم كلها، فلا يغفر لهم منها شيئاً".

قال شهر بن حوشب: سوء الحساب: ألا يتجاوز لهم عن شيء.

وقال ابن عباس: سوء الحساب، المناقشة بالأعمال.

وقال ابن وهب: عن إبراهيم النخعي أنه قال: سوء الحساب: أن يحاسب بذنبه ثم لا يغفر له.

وروي في الآثار: من نوقش الحساب هلك.

وقيل: سوء الحساب: المناقشة، والتوبيخ (وإحباط) الحسنات بالسيآت. وقيل: سوء الحساب: أشده، وهو لا يغفر لهم شيئاً من ذنوبهم، وهم الكفار ومعنى ﴿وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾: أي: بئس الفراش، والغطاء جهنم لمن هي مأواه.

وعن النبي ﷺ: (من نوقش الحساب هلك) (أو قال): "عذب"

13:19–22Page 252

۞ أَفَمَن يَعۡلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ كَمَنۡ هُوَ أَعۡمَىٰٓۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩

Then is he who knows that what has been revealed to you from your Lord is the truth like one who is blind? They will only be reminded who are people of understanding -

ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلۡمِيثَٰقَ ٢٠

Those who fulfill the covenant of Allāh and do not break the contract,

وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلۡحِسَابِ ٢١

And those who join that which Allāh has ordered to be joined1 and fear their Lord and are afraid of the evil of [their] account,

وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٢٢

And those who are patient, seeking the face [i.e., acceptance] of their Lord, and establish prayer and spend from what We have provided for them secretly and publicly and prevent evil with good - those will have the good consequence of [this] home1 -

قوله: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ﴾ إلى قوله: ﴿عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ﴾ المعنى: الذي يؤمن بما جئت به يا محمد، كمن لا يؤمن (وهو) الأعمى عن الإيمان، لا يبصره بقلبه.

قال قتادة: هؤلاء قوم انتفعوا بما سمعوا من كتاب الله عز وجل ووعوه والأعمى: الذي عمي عن الخير، فلا يبصره. وإنما يتعظ بآيات الله (سبحانه)، ويتذكر بها، وينتفع بها أهل العقول، والحجى.

ثم بين تعالى ذكره أولي الألباب ووصفهم فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ﴾ الآية أي: هم "الذين يوفون بوصية الله، (عز وجل) التي أوصاهم بها. والعهد: الإيمان بالله، (سبحانه) وملائكته وكتبه ورسله، (سبحانه) واليوم الآخر، وما جاءت به الرسل. وأن يطيعوه، ويتقوه.

﴿وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ﴾: أي: لا يخالفون العهد الذي عاهدوا الله عليه (سبحانه): فيعمل بغير ما أمرهم به.

ثم زادهم بياناً ومدحاً، فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾: يعني: يصلون الرحم التي أمر الله، عز وجل بوصلها، وهم مع ذلك ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾: أي: يخافون الله، ومخالفته، ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾: أي: يخافون المناقشة يوم القيامة، وألا يصفح لهم عن ذنب. فهم وجلون لذلك، خَائِفُونَ.

و "إن" في قوله (أن يوصل) في موضع خفض على البدل من الهاء في "به".

وقيل: معنى: ﴿يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾: لا يفرقون بين أحد من رسله، ولا كتبه، يؤمنون بالكل، ويقبلون أمر الله، عز وجل، ونهيه (جلت عظمته).

ثم بين تعالى أمر نوع آخر منهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي: صبروا على الوفاء بإقامة الطاعة، والانتهاء عن المنكر من أجل ابتغاء وجه الله (عز وجل)، أي: طلب تعظيم الله.

﴿وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ﴾: أي: أدوها بفروضها، وحدودها في أوقاتها.

﴿وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً﴾: أي: أدوا الزكاة من أموالهم، وما يجب عليهم سراً، وغير سر.

قال ابن عباس: النفقة هنا: الزكاة.

* *

ثم قال: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ﴾ أي: "يدفعون إساءة من أساء إليهم من الناس بالإحسان إليهم".

وقال ابن زيد: معناه: "يدفعون الشر بالخير".

وقيل: المعنى: "إنهم إذا همّوا بالسيئة فكروا، فرجعوا عنها، واستغفروا. ﴿أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ﴾: أي: الذين تقدمت صفتهم لهم عقبى طاعة ربهم في الدنيا، دار الجنان في الآخرة.

وقيل: المعنى: أعقبهم الله عز وجل دار الجنان من دارهم في النار، لو لم يكونوا مؤمنين.

وقيل: ﴿بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ﴾ بشهادة أن لا إله إلا الله (وتجنب) (الشرك بالله).

وقال عطاء: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ﴾: السلام.

ويروى أن قوله: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ الآية نزلت في حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، وفي أبي جهل بن هشام لعنه الله.

13:23–29Page 252

جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ ٢٣

Gardens of perpetual residence; they will enter them with whoever were righteous among their forefathers, their spouses and their descendants. And the angels will enter upon them from every gate, [saying],

سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٢٤

"Peace [i.e., security] be upon you for what you patiently endured." And excellent is the final home.

وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ٢٥

But those who break the covenant of Allāh after contracting it and sever that which Allāh has ordered to be joined and spread corruption on earth - for them is the curse, and they will have the worst home.1

ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ وَفَرِحُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعٞ ٢٦

Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]. And they rejoice in the worldly life, while the worldly life is not, compared to the Hereafter, except [brief] enjoyment.

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَنۡ أَنَابَ ٢٧

And those who disbelieved say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" Say, [O Muḥammad], "Indeed, Allāh leaves astray whom He wills and guides to Himself whoever turns back [to Him] -

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ ٢٨

Those who have believed and whose hearts are assured by the remembrance of Allāh. Unquestionably, by the remembrance of Allāh hearts are assured."

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ طُوبَىٰ لَهُمۡ وَحُسۡنُ مَـَٔابٖ ٢٩

Those who have believed and done righteous deeds - a good state is theirs and a good return.

قال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ إلى قوله ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾. معناه: أنه فسر ﴿عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ﴾ ما هي؟ فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أي: جنات إقامة لاظَعْنَ معها، يدخلها هم ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾: أي: من عمل صالحاً منهم.

قال ابن مسعود: جنات عدن: بُطنانُ الجنة.

قال أبو مِجْلَز: علم الله (عز وجل) أن المؤمن يحب أن يجمع له شمله، فجمعهم الله (عز وجل)، له في الآخرة.

وقال ابن جريج: معناه من آمن في الدنيا.

ثم أخبرنا الله (عز وجل) عن حالهم إذا دخلوا الجنة، فقال: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ﴾ يقولون: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ على طاعة الله (عز وجل) في الدنيا. ﴿فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ﴾. وسلام عليكم: خبر، معناه: الدعاء لهم، أي: سلمكم الله بما صبرتم، وليس هو تحية، لأن التحية ليست بجزاء للصبر. ولكن دعاء الملائكة لهم بالسلامة جزاء الصبر. والخبر: يأتي بمعنى الدعاء، كثير في القرآن والكلام.

* *

وقوله: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ﴾: الخبر محذوف، وتقديره: فنعم عقبى الدار ما أنتم فيه.

وذكر أن لجنات عدن خمسة آلاف باب.

روي عن ابن عمر(و) أنه قال: إن في الجنة قصراً، يقال له: عدن، حوله البروج والمروج، فيه خمسة آلاف، (باب، على كل باب خمسة آلاف) حِبَرة، لا يدخله إلا نبي، أو صديق، أو شهيد.

وقال الضحاك: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ مدينة الجنة، فيها الرسل والأنبياء، وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد، والجنات حولها.

ومعنى: ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾: أي بصبركم في الدنيا على عمل الطاعات، وعلى الانتهاء عن المعاصي. وهذا هو أفضل الصبر، أن يصبر الإنسان على فعل ما أمر(ه) الله به، وعلى ترك ما نهاه (الله) عنه.

وروي أن قوله: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الرعد: ١٩] الآية، نزلت في حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، وفي أبي جهل، لعنه الله.

ثم أخبرنا الله بحال الكفار، بعد إخباره لنا بحال المؤمنين، فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ﴾ [الرعد: ٢٠]: أي: ويخالفون ما أمرهم الله، عز وجل، من بعد ما وثقوا على أنفسهم لله (عز وجل)، أن يعلموا بما عهد إليهم، إذ قال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ﴾ [الأعراف: ١٧٢].

ثم قال (تعالى): ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ وهو الرحم وقيل: يفرقون بين الإيمان بجميع الأنبياء، فيؤمنوا ببعض (ويكفرون ببعض). والله أمرنا بالإيمان بجميعهم.

قوله: و ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: يعملون فيها المعاصي.

﴿أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ﴾ أي: لهم البعد من رحمة الله.

﴿وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ﴾ أي: لهم ما يسوؤهم من الدار الآخرة، وهي النار، أعاذنا الله منها. وقيل معناه: سوء العاقبة.

ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ (وَيَقَدِرُ)﴾ أي: يوسع على من (يشاء، ويضيق على من) يشاء.

﴿وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: فرح المشركون بما وسع عليهم في الدنيا، ولم يُفكروا أن متاع الدنيا عند متاع الآخرة قليل.

وهذه الآية فيها تقديم وتأخير، لأن ﴿وَفَرِحُواْ﴾ (معطوف على ﴿وَيُفْسِدُونَ﴾ في الأرض).

وقوله ﴿أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ﴾ إلى قوله ﴿ٱلدَّارِ﴾: مقدم قبل ﴿وَفَرِحُواْ﴾ وتقدير الآية: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض، وفرحوا بالحياة الدنيا، وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع: أولئك لهم اللعنة، ولهم سوء الدار ثم ابتدأ: ﴿ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ﴾.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ أي: تقول قريش: هلاّ أنزل عليه آية تدل على نبوته، كما قالوا: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢]، فأخبر عنهم بما يشترطون، ثم قال لنبيه (ﷺ): قل لهم يا محمد: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ أي: يخذل من يشاء، فيصرفه عن الهدى، ويوفق من يشاء، فيرجع إليه، ويتوب من كُفره.

فالهاء في "إليه" تعود على الحق، وقيل: على محمد ﷺ. وقيل: على الإسلام. وقيل: على الله، جل ذكره، على معنى (إلى) دينه.

ثم بَيّن تعالى من ينيب إليه ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ﴾: أي: الذين يتُوبون هم الذين آمنوا، وتطمئن قلوبهم بذكر الله: أي: تسكُنُ، وتستأنس بذكر الله.

قال سفيـ(ـا)ن بن عيينة: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ تطمئن قلوبهم بأمر الله وقضائه.

وقال قتادة: هشت قلوبهم إلى ذكر الله، فاستأنست به.

قال الضحاك: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ﴾: أي: تصدق قلوبهم بذكر الله والقرآن.

﴿أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ أي: "تستأنس، وتسكن قلوب المؤمنين".

وقيل: عني به قلوب أصحاب النبي ﷺ.

* *

ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ المعنى: الذين صدقوا بما جاء به محمد ﷺ، وعملوا الأعمال الصالحات ﴿طُوبَىٰ لَهُمْ﴾: أي: نِعم ما لهم. قاله عكرمة.

وقيل: معناه: غبطة لهم. قاله الضحاك.

وقال ابن عباس: فرحٌ لهم، وقُرَّة عين.

وقال قتادة: معناه: "حسنى لهم، وهي كلمة من كلام العرب".

وقيل: المعنى: أصابوا خيراً: تقول العرب للرجل: "طوبى لك" أي: أصبت خيراً. وقال النخعي: ﴿طُوبَىٰ لَهُمْ﴾ أي: خيراً لهم.

وقيل: هي اسم من أسماء الجنة. فالمعنى: الجنة لهم، رُوي ذلك عن ابن عباس، قال: طوبى لهم: اسم الجنة بالحبشية.

وروي عنه أيضاً: طوبة لهم: هي اسم أرض الجنة بالحبشية.

وقيل: طوبى لهم: اسم الجنة بالهنديـ[ـة].

وعن عكرمة أيضاً: طوبى لهم: الجنة لهم.

وعن ابن عباس: إنما طوبى لهم: اسم شجرة في الجنة.

وقال شهر بن حوشب: طوبى لهم شجرة في الجنة، أغصانها من وراء سور الجنة.

وعن النبي ﷺ: أنها شجرة في الجنة.

(وسئل عليه السلام: ما طوبى؟ فقال: شجرة في الجنة، مسيرها مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها، غرسها الله، عز وجل بيده، ونفخ فيها من روحه. تنبت الحلي والحلل، وإن أغصانها لتُرى من وراء سور الجنة

).

ومعنى: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾: حسن منقلب ومرجع.

وقال أبو أمامة الباهلي: طوبى: شجرة في الجنة ليس منها دار إلا وفيها غصن منها، ولا طير حسن إلا هو فيها، (ولا ثمرة إلا وهي فيها) وموضع (طوبى): رفع بالابتداء، و ﴿لَهُمْ﴾: الخبر، ودلَّ على أنها في موضع رفع قوله: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ بالرفع بلا اختلاف بين القراء، وهي "فُعْلَى"، من "أطيب" فالواو منقلبة عن ياء لضمه بالفعل، وأصلها "طُيْبى" على "فُعلى". لكن لما كانت اسماً غير صفة، ردت إلى فعلـ(ى)، لخفة الأسماء، فانقلبت الياء واواً لانضمام الأول.

ألا ترى أن ضمير أصل الياء فيها واو، وأصلها "فعلى" (على) صور. ولكن لما كانت صفة، ردت إلى الياء للخفة، وثقل الصفة. ودل على أنها فعلـ(ـى) أنـ(ـه) ليس في الصفات (فعلى): وهي في الآية صفة "لقسمة". فعلم أن أصلها فعلـ(ـى)، فجاز أن تقع فعلـ(ـى) صفة، لأنه يقدر فيها أصلها، وهو فعلى"، ولولا ذلك ما جاءت فعلـ(ـى) صفة.

وحَسُنَ رَدُّها إلى فُعلى لما ذكرناه من ثقل الصفة، فخففت بردها إلى الياء، لأن الياء أخف من الواو.

وكذلك ردت طوبى إلى الواو. ولأنها اسمٌ، والاسم أخف من الصفة، فسهل نقله إلى الواو، وإن كانت الواو أثقل من الياء.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском