Makki ibn Abi TalibAr‑Ra'd · 13:30–43

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

Ar-Ra'd 13:30–43

13:30–31Page 253

كَذَٰلِكَ أَرۡسَلۡنَٰكَ فِيٓ أُمَّةٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهَآ أُمَمٞ لِّتَتۡلُوَاْ عَلَيۡهِمُ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَهُمۡ يَكۡفُرُونَ بِٱلرَّحۡمَٰنِۚ قُلۡ هُوَ رَبِّي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ مَتَابِ ٣٠

Thus have We sent you to a community before which [other] communities have passed on so you might recite to them that which We revealed to you, while they disbelieve in the Most Merciful. Say, "He is my Lord; there is no deity except Him. Upon Him I rely, and to Him is my return."

وَلَوۡ أَنَّ قُرۡءَانٗا سُيِّرَتۡ بِهِ ٱلۡجِبَالُ أَوۡ قُطِّعَتۡ بِهِ ٱلۡأَرۡضُ أَوۡ كُلِّمَ بِهِ ٱلۡمَوۡتَىٰۗ بَل لِّلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ جَمِيعًاۗ أَفَلَمۡ يَاْيۡـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۗ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوۡ تَحُلُّ قَرِيبٗا مِّن دَارِهِمۡ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ وَعۡدُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ٣١

And if there was any Qur’ān [i.e., recitation] by which the mountains would be removed or the earth would be broken apart or the dead would be made to speak,1 [it would be this Qur’ān], but to Allāh belongs the affair entirely. Then have those who believed not accepted that had Allāh willed, He would have guided the people, all of them? And those who disbelieve do not cease to be struck, for what they have done, by calamity - or it will descend near their home - until there comes the promise of Allāh. Indeed, Allāh does not fail in [His] promise.

قوله: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِيۤ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ﴾ إلى قوله ﴿لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ﴾: المعنى: هكذا يا محمد ﴿أَرْسَلْنَاكَ فِيۤ أُمَّةٍ﴾: أي: إلى أمة قد خلت من قبلها أمم على ما هم عليه من الكفر، لتتلو عليهم القرآن ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ﴾ أي: يجحدون وحدانيته.

قل يا محمد: هو ربي: أي: إن كفر هؤلاء الذين أرسلت إليهم، فقل أنت الله ربي ﴿لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ أي: وإليه مرجعه، وأَوْبتي. وهو مصدر تاب متاباً، وتوبة.

ثم قال تعالى (ذكره): ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ﴾.

هذه الآية نزلت جواباً لقريش، وذلك أنهم قالوا للنبي ﷺ: إن سرك أن نتبعك فسيّر لنا جبال تهامة، أو زد لنا في حرمنا حتى نتخذ قطائع نحترث فيها، أو أحي لنا فلاناً، أو فلاناً لناس ماتوا: فأنزل الله (عز وجل): ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً﴾ - الآية - أي: ولو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم لفعل ذلك بقرآنكم.

وقال الضحاك: قال كفار مكة للنبي ﷺ: سير لنا الجبال كما سيرت لداود (ﷺ)، واقطع لنا الأرض كما قطعت لسليمان، وكلِّم لنا الموتى، كما كان عيسى يكلمهم. فنزلت هذه الآية. وهذا قول ابن زيد.

وجواب "لو" محذوف، وتقديره: لو فعل هذا بقرآن لفعل مثله بقرآنكم وقيل: التقدير: لما آمنوا.

وقال الكسائي: "لو" بمعنى: "وددنا" فلا تحتاج إلى جواب.

والتقدير: وددنا أن قرآناً (سيرت به الجبال).

وقيل المعنى: لو قضيت ألا يقرأ هذا القرآن على الجبال، إلاَّ مرَّت، وعلى الأرض إلا تخرقت، ولا على الموتى إلا حَيّوا، وتكلموا: ما آمن من سبق عليه في علمي الكفر.

ويدل على هذا التفسير قوله بعد ذلك: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً﴾ أي: أفلم يعلم الذين صدقوا ذلك.

وقال الفراء: الجواب: وهم يكفرون بالرحمن، والتقدير: ولو أن قرآناً سيرت به الجبال لكفروا بالرحمَن.

وقيل: إن قوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ﴾ نزلت في أبي جهل، لعنه الله، وذلك أن النبي عليه السلام كان في الحجر يدعو يقول: يا رحمن، وأبو جهل لعنه الله يستمع إليه، فولى أبو جهل، (أخزاه الله) مُدْبراً إلى قريش، فقال لهم: إن محمداً ينهانا أن نعبد الآلهة، وهو يدعو إلاهين: يدعو الله، ويدعو إلهاًَ آخر يقال له الرحمن. فأنزل الله (عز وجل) ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ﴾، وأنزل ﴿قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] الآية.

ثم قال تعالى (ذكره): ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ﴾ والمعنى: أفلم يعلم الذين آمنوا، والتفسير: أن الكفار لما سألوا تسيير الجبال بالقرآن، وتقطيع الأرض، وتكليم الموتى. طمع المؤمنون أن يُعطى الكفار ما سألوا، فيؤمنوا فقال الله: أفلم يعلم الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً، ولا يحتاجون إلى رؤية ما ذكروا.

وقيل: المعنى: أفلم ييئس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء، لعلمهم أن الله، (عز وجل)، لو أراد أن يهديهم لهداهم.

ثم قال (تعالى): ﴿وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ (قَارِعَةٌ)﴾ (الآية): أي: لا يزال يا محمد الكفار من قومك تصيبهم بما صنعوا من الكفر، ومن إخراجك (من) بين أظهرهم قارعة: وهو ما يقرعهم من البلاء والعذاب، من القتل والحرب. والسرايا التي تمضي إليهم.

وقيل: القارعة: النكبة، أو تحل أنت يا محمد قريباً من ديارهم بجيشك، وأصحابك ﴿حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ﴾: (أي) الذي وعدك فيهم، وهو الظهور عليهم، وقهرك إياهم بالسيف.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ﴾ ما وعدك به، وهو فتح مكة.

وعن الحسن: وعد الله: القيـ(ـا)مة في هذا الموضع.

وقيل: أن تحل القارعة قريباً من دارهم. قاله الحسن.

13:32–34Page 253

وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَمۡلَيۡتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ ٣٢

And already were [other] messengers ridiculed before you, and I extended the time of those who disbelieved; then I seized them, and how [terrible] was My penalty.

أَفَمَنۡ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۗ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلۡ سَمُّوهُمۡۚ أَمۡ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَم بِظَٰهِرٖ مِّنَ ٱلۡقَوۡلِۗ بَلۡ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكۡرُهُمۡ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٣

Then is He who is a maintainer of every soul, [knowing] what it has earned, [like any other]? But to Allāh they have attributed partners. Say, "Name them. Or do you inform Him of that1 which He knows not upon the earth or of what is apparent [i.e., alleged] of speech?"2 Rather, their [own] plan has been made attractive to those who disbelieve, and they have been averted from the way. And whomever Allāh sends astray - there will be for him no guide.

لَّهُمۡ عَذَابٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَقُّۖ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ ٣٤

For them will be punishment in the life of [this] world, and the punishment of the Hereafter is more severe. And they will not have from Allāh any protector.

قوله: ﴿وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ إلى قوله ﴿مِن وَاقٍ﴾ والمعنى إن يستهزئ هؤلاء من قومك يا محمد، فاصبر على أذاهم، وامض على أمر الله عز وجل في إنذارهم.

﴿وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: أَطَلْتُ للمستهزئين بربهم في الأجل والأمل، ثم أحللت بهم العقوبة. فكيف رأيت عقوبتي؟.

والإملاء: الإطالة، ومنه قيل: لليل والنهار الملوان، لطولهما. ومنه قيل للخرق الواسع من الأرض ملأ لطول ما بين طرفيه.

ثم قال تعالى ذكره: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ "من": رفع بالابتداء، والخبر محذوف، وبه يتم المعنى.

والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفسٍ بما كسبت كشركائهم، والتقدير: أفمن هو حافظ على كل نفس لا يغفل، ولا يهلك (كمن يهلك ولا يحفظ) ولا يحصي شيئاً. (فالجواب محذوف) لعلم المخاطب).

وقيل المراد به الملائكة الموكلون على بني آدم، والقول الأول أشهر، وأكثر.

ثم قال (تعالى): ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ﴾ هذا يدل على المحذوف، والمعنى: أفمن هو قائم كشركائهم. ودلّ ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ﴾ على المحذوف ثم قال: قل لهم يا محمد ﴿سَمُّوهُمْ﴾: أي يسموا هؤلاء الشركاء، فإن قالوا: آلهة فقد كذبوا، لأنه لا إله إلا هو الواحد (القهار)، لا شريك له.

﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلأَرْضِ﴾ (أم) تخبرونه بأن في الأرض إلهاً، ولا إله إلا هو في الأرض والسماء.

* *

وقوله: ﴿أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ﴾: أي: أم قلتم ذلك بظاهر قول، وهو في الحقيقة باطل لا صحة له.

ثم قال (تعالى) ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ﴾ المعنى ما لله شريك، بل زين للذين كفروا مكرهم: أي: زيِّن لهم عملهم، وصدوا الناس عن الإيمان.

ومن قرأ بضمِّ الصاد، فمعناه: أن الله أعلمنا أن صدَّهم عن الهدى عقوبة لهم. ودلّ على ذلك قوله: ﴿وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ أي: من أضله الله عز وجل عن إصابة الحق، فلا يقدر أحد على هدايته.

* *

ثم قال تعالى: ﴿لَّهُمْ عَذَابٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: لهؤلاء الكفار الذين تقدم ذكرهم عذاب في الحياة الدنيا، وهو القتل والأسر.

﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ أي: أشد من عذاب الدنيا. ﴿وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ أي: ليس يقيهم من عذاب الله (سبحانه) أحد.

13:35–37Page 254

۞ مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ أُكُلُهَا دَآئِمٞ وَظِلُّهَاۚ تِلۡكَ عُقۡبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْۚ وَّعُقۡبَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ ٣٥

The example [i.e., description] of Paradise, which the righteous have been promised, is [that] beneath it rivers flow. Its fruit is lasting, and its shade. That is the consequence for the righteous, and the consequence for the disbelievers is the Fire.

وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَۖ وَمِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ مَن يُنكِرُ بَعۡضَهُۥۚ قُلۡ إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشۡرِكَ بِهِۦٓۚ إِلَيۡهِ أَدۡعُواْ وَإِلَيۡهِ مَـَٔابِ ٣٦

And [the believers among] those to whom We have given the [previous] Scripture rejoice at what has been revealed to you, [O Muḥammad], but among the [opposing] factions are those who deny part of it [i.e., the Qur’ān]. Say, "I have only been commanded to worship Allāh and not associate [anything] with Him. To Him I invite, and to Him is my return."

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ حُكۡمًا عَرَبِيّٗاۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا وَاقٖ ٣٧

And thus We have revealed it as an Arabic legislation.1 And if you should follow their inclinations after what has come to you of knowledge, you would not have against Allāh any ally or any protector.

قوله: ﴿مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَلاَ وَاقٍ﴾ التقدير عند سيبويه: "وفيما يتلى عليكم"، أو: "مما يقص عليكم مثل الجنة، وهذا قياس مذهب سيبويه.

وقال الفراء: التقدير الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ومثل (...).

وقيل: هو مردود إلى قوله: ﴿لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ [الرعد: ١٨].

ثم قال: صفة الجنة التي وعد المتقون، تجري من تحتها الأنهار.

* *

ثم قال: ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ﴾ أي: المأكول منها دائم لأهلها لا انقطاع له، كما قال (عز وجل): ﴿لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣]، وظلها دائم أيضاً.

﴿تِلْكَ عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ﴾ أي: عاقبتهم، وعاقبة الكافرين النار.

ويروى أن ابن عباس كان يتوقف عن تفسـ(ـيـ)ر هذه الآية، ويحلف بالله لو فسرت ما حملها جميع إبل العالمين. يريد ابن عباس أن الجنة لو وصفت على حقائقها، ما حمل صفتها مكتوباً جميع إبل العالمين: لجلالة أمرها، وعظيم شأنها، في نعيمها وملكها. وما أعد الله (عز وجل) لأوليائه فيها. ويدل على ذلك (أيضاً): قول النبي ﷺ: فيها ما لا أذن سمعت، ولا عين رأت

وقال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧].

وقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ [الإنسان: ٢٠].

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَفْرَحُونَ﴾ المعنى والذين آتيناهم الكتاب مـ(ـمن) آمن بمحمد ﷺ فهم يفرحون بما أنزل إلى محمد.

قال قتادة: هم أصحاب، محمد ﷺ، يفرحون بما أنزل إليه.

وقيل: ﴿وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ (ٱلْكِتَابَ)﴾ عني بهم اليهود والنصارى، يفرحون بالقرآن، لأنه مصدق لأنبيائهم، وكتبهم، وإن لم يؤمنوا بمحمد، (ﷺ).

وقيل: عني بذلك الثمانون الذين آمنوا من نصارى نجران: أربعون وثمانية من الشام، واثنان وثلاثون من أرض الحبشة. آمنوا بالنبي (عليه السلام) وصدقوا به.

ثم قال (تعالى): ﴿وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾ أي: ومن أهل الملل المتحزبين عليك يا محمد من ينكر بعض ما أنزل إليك.

وقيل: هم من اليهود والنصارى.

* *

ثم قال: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ﴾: (أي: قل لهم يا محمد: إنما أمرت أن أعبد الله، ولا أشرك به) في عبادته. ﴿إِلَيْهِ أَدْعُواْ﴾: أي: إلى طاعته أدعو الناس. ﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ أي: مصيري.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً﴾ أي: كما أنزلنا عليك الكتاب يا محمد فأنكره بعض الأحزاب، كذلك أيضاً أنزلنا الذكر والحكم حكماً عربياً.

ونصب (حكم) على الحال "وعربي": نعت (له). وإنما وصف الحكم بالعربي، لأنه أنزله على عربي، فنسب الدين إليه، إذ كان عليه أنزل.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ، والمراد به: أمته، وفيه تهدد.

13:38–40Page 254

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَذُرِّيَّةٗۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ لِكُلِّ أَجَلٖ كِتَابٞ ٣٨

And We have already sent messengers before you and assigned to them wives and descendants. And it was not for a messenger to come with a sign except by permission of Allāh. For every term is a decree.

يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ ٣٩

Allāh eliminates what He wills or confirms, and with Him is the Mother of the Book.1

وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ وَعَلَيۡنَا ٱلۡحِسَابُ ٤٠

And whether We show you part of what We promise them or take you in death, upon you is only the [duty of] notification, and upon Us is the account.

قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ﴾ إلى قوله ﴿وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ﴾ المعنى أن الله (عز وجل) أعلم نبيه ﷺ، أنه قد أرسل من قبله رسلاً إلى أمم قبل أمته، وأنهم بشر مثله: لهم أزواج وذرية، وأنه لم يجعلهم ملائكة، لا ينكحون ولا ينسلون، ولم يكن ﴿لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ أي: ما يقدر أن يفعل ذلك رسول إلا بإذن الله. والمعنى: لا يقدر رسول (الله) أن يأتي بعلامة، (أو) آية: من تسيير الجبال، ونقل بلدة إلى بلدة أخرى، وإحياء الموتى، وغير ذلك من الآيات التي سألت قريش النبي (ﷺ).

﴿إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ أي: (إلا) بإذن الله له أن يسأل الآية فيعلم أن في ذلك صلاحاً.

وقيل: إن هذا الكلام لفظه حظر، ولا يجوز أن يخطر على أحد ما لا يقدر عليه. فظاهره خطر، ومعناه: نفي. وتقديره: وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله. نفى الله ذلك عن الرسل وبرأهم منه، (ومثله): ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ﴾ [آل عمران: ١٦١]، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥]. وهو كثير في القرآن، ظاهره الحظر (والمنع)، ومعناه النفي.

* *

قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ أي: "لكل أمر قضاه الله، كتاب كتبه فهو عنده". وقيل: المعنى: لكل كتاب أنزل الله من السماء أجل: فيمحو الله من ذلك ﴿مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ﴾ ما يشاء، ﴿وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ﴾.

قال الفراء: هذا مقدم ومؤخر، معناه: لكل كتاب أجل، كقوله:

﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩]: أي: سكرة الحق بالموت.

(وقد قيل: إنه لا تقديم في هذا)، ولا تأخير، والمعنى: وجاءت سكرة الموت لأن سكرة الموت غير الموت. فالحق: هو الموت الذي ختمه الله على جميع خلقه.

وقيل: معناه: لكل مدة كتاب مكتوب، وأمر مَقَدَّرٌ، مقضى لا تقف عليه الملائكة.

* *

ثم قال تعالى: ﴿يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ﴾ أي: يَمْحُوَ الله ما يشاء من أمور عباده فيغيره، إلا الشقاء والسعادة، فإنهما لا يغيران قاله ابن عباس.

وقال مجاهد: يدبر الله أمر السنة في رمضان، فيمحو ما يشاء (من ذلك) إلا الشقاء والسعادة، والموت والحياة. وتدبير ذلك في ليلة القدر.

وعن ابن عباس أيضاً معناه: يمحو ما يشاء، ويثبت من كتاب سوى، أم الكتاب الذي لا يغير منه شيء.

قال ابن عباس: هما كتابان: كتاب يمحو منه ما يشاء، ويثبت وعند(ه) أم الكتاب: لا يغير منه شيء، وهو قول عكرمة.

وعن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: يمحو كل ما يشاء، ويثبت كل ما أراد وسمع ، وهو يقول في الطواف: اللهم إن كنت كتبت علي الذنب والشقاء، فامْحَنْي واكتبني في أهل السعادة. فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب. وهو قول ابن مسعود وسفيان.

وعن ابن عباس، رضي الله عنه، أن معناه: يمحو الله ما يشاء من أحكام كتابه، فينسخه، أو يبدله، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، ولا يبدله.

﴿وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ﴾ أي: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب، ما ينسخ، وما لا ينسخ. وهو اللوح المحفوظ. وهو قول قتادة، وابن زيد وابن جريج، وعليه أكثر أهل المعاني، وعامة المفسرين، وهو شاهد لجواز النسخ (في القرآن).

وقيل: معناه: يمحو الله من قد حان أجله، ويثبت من لم يحن أجله. قاله الحسن، قال: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾: أي: أجل بني آدم في كتاب الله، (عز وجل) يمحو الله ما يشاء، من جاء أجله، ويثبت الذي هو حي حتى يجيء أجله.

وعن ابن عباس من رواية أبي صالح، عنه أنه قال: إن أعمال العباد تعرض على الله مما كتبت الحفظة، مما ليس للإنسان، ولا عليه. فيمحو ما ليس له، وما ليس عليه. ويثبت ماله، وما عليه، فيجازى بذلك.

فالحفظة تكتب كل شيء، والله يمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء، دليله قوله تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]: أي: حاضر.

وعن مجاهد رضي الله عنه: أنها نزلت في قريش، قالت: لما نزلت على رسول الله ﷺ، ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ قالت: ما نراك يا محمد تملك من شيء، ولقد فرغ من الأمر، فنزلت هذه الآية تخويفاً لهم ووعيداً.

﴿يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ﴾ ما يشاء، أي: إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما نشاء وروي ذلك أيضاً (عن الحسن).

وعن ابن عباس: أن المعنى ينسخ الله ما يشاء من القرآن ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، وقاله محمد بن كعب. وعن عكرمة مثله.

وروى ابن جبير، عن ابن عباس في معنى الآية: أن الله، جل ذكره، يدبر أمر السنة في ليلة القدر، فيمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء إلا الموت والحياة، والسعادة والشقاء: وكل (هذا) قد تقدم في علمه، علم ما يكون بلا أمد.

وقيل: المعنى يغفر ما يشاء من ذنوب عباده، ويترك ما يشاء فلا يغفره قاله ابن جبير.

وقيل: المعنى: يمحو الله ما يشاء مما تكتب الحفظة، مثل الأشياء التي ليس للإنسان، ولا عليه، ويثبت ما له، وما عليه. قاله أبو صالح، وقالـ(ـه) أبو سليمان الداراني: قال: يمحو الله ما ليس بحسنة، ولا سيئة، ويثبت ما هو حسنة، وما هو سيئة.

﴿وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ﴾ أي: ذلك (كله) في اللوح المحفوظ، قد جرى به القلم قبل خلق الخلق.

وعن ابن عباس أيضاً: أنه قال في قوله ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، قال: يكتب كل ما يتكلم به العبد من خير، أو شر حتى إنه ليكتب: أكلت، شربت، ذهبت، جئت، رأيت. حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله جملة. فأقر ما كان فيه من خير وشر، وألقى ما عدا ذلك وذلك قوله: ﴿يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ﴾.

واختار جماعة من أهل العلم قول الحسن ومجاهد: يجعلونه جواباً للمشركين.

* *

وقوله: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ﴾. قال الحسن: أم الكتاب: الحلال والحرام. والحمد لله هي أم القرآن.

وقيل: أم الكتاب: اللوح المحفوظ.

وقال قتادة: ﴿أُمُّ ٱلْكِتَابِ﴾: جملة الكتاب، وأصله: أي: جملة ما ينسخ، وما يثبت.

وقال كعب: علم الله ما هو خالق، وما يعلم خلقه.

يقال: محوت الكتاب، أمحوهُ محواً، وهي لغة القرآن. ويقال: محوته، أمْحَاهُ، محواً، ومحيت، أمحى لغة.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ﴾: أي: إن أَرِيَنَّكَ يا محمد! بعض الذي نعد هؤلاء المشركين من العذاب.

﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾: قبل ذلك، فليس عليك في الحالين إلا بَلاغٌ ما أرسلت به، وعلينا حسابهم في الآخرة. فنجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.

13:41–42Page 254

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٤١

Have they not seen that We set upon the land, reducing it from its borders?1 And Allāh decides; there is no adjuster of His decision. And He is swift in account.

وَقَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَلِلَّهِ ٱلۡمَكۡرُ جَمِيعٗاۖ يَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٖۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلۡكُفَّٰرُ لِمَنۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٤٢

And those before them had plotted, but to Allāh belongs the plan entirely. He knows what every soul earns, and the disbelievers will know for whom is the final home.

قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ﴾ إلى قوله ﴿عُقْبَى ٱلدَّارِ﴾ معناه عند ابن عباس: أَوَلَمْ ير أهل مكة الذين سألوا محمداً الآيات أنا نفتح على محمد الأرض (بعد الأرض) من حولهم، ولا يخافون أن يفتح عليه أرضهم كما فتحنا له غيرها. ودلّ على ذلك قوله في الأنبياء: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾: بل، محمد وأصحابه الغالبون.

وأكثر المفسرين على أنه يراد به: ذهاب خيار الناس، وعلمائهم، وصالحيهم.

وقال الضحاك، والحسن: هو ظهور المسلمين على المشركين.

وقيل: هو هلاك الأمم قبلهم، وخراب أرضهم. فيقول: أَلَم تر قريش هلاك الأمم قبلهم، وخراب أرضهم بعدهم؟ أفلا يخافون أن يَحُلَّ بأرضهم ما حلَّ بمن قبلهم، قاله مجاهد، وابن جريج.

وروي عن ابن عباس، (رحمه الله) نحوه.

وروي عن ابن عباس أنه قال: هو نقص بركات الأرض وثمارها، وأرضها بالموت. وجماعة من العلماء على أن المعنى في النقص: موت أهل الأرض، وهو قول عكرمة.

وروي عن مجاهد، وقال ابن عمر: نقص الأرض هي موت فقهائها، وخيار أهلها. ثم قال (تعالى): ﴿وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ أي: يحكم ويقضي، فينفذ حكمه وقضاءه، لا رَادَّ لحكمه، ولا مانع لقضائه. فإذا أراد بهؤلاء المشركين (شراً) لم يرده أحد.

والأطراف جمع طرف، والطرف: الكريم من كل شيء.

قال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: العلم أودية، في أي واد أخذت منه حَسِرْت، فخذ من كل شيء طرفاً: أي: خياراً. ومنه قولهم:

ما يدري: أيُّ طرفيه أطول، أي: ما يدري الكرم يأتيه من ناحية أبيه، أو من ناحية أمِّه. فصار معنى ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾: أي: من علمائها، لأن العلماء هم الخيار. ومعنى ﴿وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ أي: يحصي أعمال هؤلاء المشركين، لا يخفى عليه شيء منها.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً﴾ والمعنى: وقد مكر الذين من قبل هؤلاء المشركين من الأمم، فوقع بهم العذاب، فلله أسباب المكر كلها، وبيده الضر والنفع. فلن يضر الماكرون بمكرهم أحداً إلا بإذن الله، لأن أسباب المكر كلها بأمر الله، وإنما يضرون بمكرهم أنفسهم، لأنهم أسخطوا ربهم عليهم حتى أهلكهم. فكذلك هؤلاء يمكرون بك يا محمد، والله منجيك من مكرهم، وملحق ضرر مكرهم بهم دونك.

ومعنى المكر من الله "أن ينزل العقوبة بمن يستحقها من حيث لا يعلمون".

ثم قال (تعالى): ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي: يعلم ما يفعل هؤلاء المشركون، وما يسعون فيه من المكر بك، ويعلم جميع أعمال الخلائق كلهم.

﴿وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ﴾ أي: سيعلمون، إذ قدموا على ربهم يوم القيامة لمن عاقبة (عقبى) الدار في الآخرة.

وقيل: الكافر هنا يراد به أبو جهل لعنه الله.

(ومن قرأ): "الكفار" بالجمع. قيل: عني به المستهزءون وهم خمسة، والمقتسمون، وهم ثمانية وعشرون.

13:43Page 255

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسۡتَ مُرۡسَلٗاۚ قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ وَمَنۡ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡكِتَٰبِ ٤٣

And those who have disbelieved say, "You are not a messenger." Say, [O Muḥammad], "Sufficient is Allāh as Witness between me and you, and [the witness of] whoever has knowledge of the Scripture."1

قوله: ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً﴾ إلى قوله: ﴿عِلْمُ ٱلْكِتَابِ﴾ المعنى: ويقول الذين كفروا من قومك يا محمد! لست مرسلاً، تكذيباً لك.

فقل لهم يا محمد ﴿كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً﴾ أي: حسبي الله ﴿شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: عليَّ وعليكم، والذي ﴿عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ﴾.

أي: علم الكتب التي أنزلت قبل القرآن، كالتوراة، والإنجيل، وهو عبد لله ابن سلام في قول مجاهد، وكذلك روى عبد الله بن سلام أنه قال يوم قتل عثمان لما نهاهم عن قتله: قالوا: كذب اليهودي، فقال: كذبتم وأثمتم، إني لمسلم، يعلم الله ذلك، ورسوله، والمؤمنون. وقد أنزل فيَّ: ﴿كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾.

﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ﴾ وهذا يدل على (أن) هذه الآية مدنية، لأن عبد الله بالمدينة أسلم.

وقل قتادة أيضاً: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ﴾: هم ناس من أهل الكتاب، كانوا يشهدون بالحق، ويقرون به، ويعلمون أن محمداً رسول الله، كنا نحدث أن منهم عبد الله بن سلام.

وروي عنه أنه، قال: منهم عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وتميم الدار(ي).

وقال الحسن: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ﴾ هو الله؟

يذهب إلى أن المعنى: كفى بالله، والذي عنده علم الكتاب.

واختار النحاس هذا القول، واستبعد أن يستشهد الله لأحد من خلقه. ودل على ذلك قول عكرمة، وابن جبير، وغيرهما: نزلت هذه الآية بمكة، فلا سبيل إلى ذكر عبد الله بن سلام هنا، لأنه بالمدينة أسلم. ويدل على ذلك أيضاً أنه قد قرأ ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ﴾: فهذا هو الله، جل ذكره، لا يجوز غيره، أي: ومن عند الله علم الكتاب. وهي قراءة مروية عن ابن عباس ، وغيره.

ومن فتح "وَمَنْ عنده" كانت الهاء تعود على "من".

و "من": هو الله، أو على ابن سلام، وشبهه على الاختلاف المذكور.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском