Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic
Ibrahim 14:23–41
14:23–26Page 258
وَأُدۡخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡۖ تَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٌ ٢٣
And those who believed and did righteous deeds will be admitted to gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein by permission of their Lord; and their greeting therein will be, "Peace!"
أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا كَلِمَةٗ طَيِّبَةٗ كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتٞ وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٢٤
Have you not considered how Allāh presents an example, [making] a good word like a good tree, whose root is firmly fixed and its branches [high] in the sky?
تُؤۡتِيٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِۭ بِإِذۡنِ رَبِّهَاۗ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٥
It produces its fruit all the time, by permission of its Lord. And Allāh presents examples for the people that perhaps they will be reminded.
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٖ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجۡتُثَّتۡ مِن فَوۡقِ ٱلۡأَرۡضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٖ ٢٦
And the example of a bad word is like a bad tree, uprooted from the surface of the earth, not having any stability.
قوله: ﴿وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾ - إلى قوله - ﴿مِن قَرَارٍ﴾. المعنى: وأدخل الذين آمنوا بالله ورسله وكتبه وعملوا الأعمال الصالحات ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾: أي: بساتين تجري دونها الأنهار.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾: أي: ماكثين فيها أبداً بأمر ربهم.
﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ﴾: يعني: الملائكة يسلمون عليهم فيها.
فالضمير في تأويل مفعول لم يسم فاعله. أي: يحيون بالسلام (يعني الملائكة يسلمون): (ويجوز) أن يكون الضمير فاعلاً، والمعنى: ويحيي بعضهم بعضاً بالسلام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ ، (أي): ألم تر بعين قلبك يا محمد، كيف ضرب الله مثلاً للإيمان (به): ومثلاً للكفر به. فجعل مثل المؤمن في نطقه بالتوحيد، والإيمان بنبيه ﷺ، وأتباع شريعته (جلت عظمته): مثل الشجرة (الطيبة). فنفعُ الإقامة على توحيده، كنفع الشجرة التي لا ينقطع نفعها في كل حين، وهي النخلة.
قال ابن عباس (رحمه الله): ﴿مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾: يعني أن شهادة (أن) لا إله إلا الله، ﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ﴾، هي المؤمن، أصلها ثابت: هو قول لا إله إلا الله. ثابت في قلبه ﴿وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: يرتفع بها عمل المؤمن في السماء.
وقال مجاهد: ﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ﴾: يعني: النخلة.
وقيل: الكلمة الطيبة أصلها ثابت، هي ذات أصل في القلب، يعني التوحيد.
﴿وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ يُعرج بها فلا تحجب حتى تنتهي إلى الله، عز وجل. وقال ابن عباس أيضاً، (رحمه الله): في رواية أخرى عنه: الشجرة الطيبة: المؤمن، والأصل الثابت: في الأرض، (والفرع): في السماء: يكون المؤمن يعمل في الأرض، ويتكلم فيبلغ عمله، وقوله السماء، وهو في الأرض.
وقال عطية العوفي: ذلك مثل المؤمن، لا يزال يخرج منه كلام طيب، وعمل صالح، يصعد إلى الله عز وجل.
وقال الربيع بن أنس: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ في الأرض: ذلك المؤمن ضرب مثله.
وقيل: معنى: وفرعها في السماء: بركتها وثوابها لمعتقدها صاعد إلى الله (عز وجل)، وهي قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وقيل: معنى (أصلها ثابت): (أي) شهادة أن لا إله إلا الله (محمد رسول لله) ثابتة في القلب المؤمن، ﴿وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ﴾: أي: يرتفع بها أعمال المؤمن إلى السماء.
(و)قال: مجاهد، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، وابن جبير، وابن عباس: الشجرة هنا النخلة.
وعن الضحاك أنه قال: هذا مثل ضربه الله (عز وجل):، للمؤمن يطيع الله بالليل، ويطيعه بالنهار، (و)يطيعه: كل حين، (كما): أن هذه الشجرة تؤتي أكلها كل حين.
* *
وقوله: ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾: مثل الكافر عمله خبيث، وجسده خبيث، وروحه خبيث. وليس لعمله قرار في الأرض، ولا يصعد إلى السماء.
وقيل: الشجرة هنا: شجرة في الجنة، روي ذلك عن ابن عباس، رضي الله عنه.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: هي النخلة ومعنى كل حين: كل غدوة وعشية في أحد قولي ابن عباس على أنها شجرة في الجنة.
وقيل: كل حين: كل وقت، وهو المؤمن يطيع الله، (عز وجل): بالليل والنهار، وفي كل وقت.
وقال الربيع بن أنس (رحمه الله): (كل حين): كل وقت يصعد عمل المؤمن من أول النهار وآخره.
وقيل: الحين هنا: ستة أشهر، من حيث تُصرْمُ النخلة إلى حين تُطْلِع وذلك ستة أشهر.
وقيل: الحين: سنة، وذلك من حين تُصرْمُ النخلة إلى حين تصرم.
وقال سعيد بن المسيب: الحين: شهران، وهو ما دام التمر في النخل، وذلك شهران.
واختلفوا في رجل حلف ألا يكلم رجلاً إلى حين، وألا يدخل الدار إلى حين، على مثل ما اختلفوا في الآية.
والحين عند أهل اللغة: اسم للوقت، يصلح لجميع الأزمان كلها طالت، أو قصرت.
واختيار الطبري قول من أن الحين غدوة وعشية، وكل ساعة، على أن الشجرة شجرة في الجنة، لأن الله (عز وجل) ضرب ما تؤتى هذه الشجرة كل حين من الأكل لعمل المؤمن، وكلامه مثلاً. ولا شك أن المؤمن يرتفع له إلى الله، عز وجل، في كل يوم عمل صالح.
واختار النحاس أن يكون الحين سنة، على أن الشجرة: النخلة، تؤتي ثمرها من سنة إلى سنة.
والحين عند مالك، (رحمه الله): سنة، ولو نذر رجل أن يصوم حيناً (لصام) سنة وهو قول مجاهد.
وقال عكرمة، وسعيد بن جبير، وأصحاب الرأي: الحين ستة أشهر، فمن نذر صوم حين، صام ستة أشهر.
وقال الشافعي: ليس عليه في نذره شيء، ولا يحنث في ترك الصوم، ولا يلزمه نذر. لأن الحين يكون مدة الدنيا كلها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾، معناه: ومثل الشرك بالله، سبحانه وهي الكلمة الخبيثة: كشجرة خبيثة، وهي: الحنظلة، قالـ(ـه) مجاهد، وأنس بن مالك وروي عن ابن عباس.
ومعنى: ﴿ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ﴾، أي استؤصلت.
ومعنى: ﴿مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾: أي: ليس من أصل في الأرض تثبت عليه وتقوم. فليس لكفر الكافر ومعصيته ثبات، ولا نفع.
كما أن هذه الشجرة ليس لها أصل، ولا ثبات ولا نفع.
وقيل: الشجرة الخبيثة: الثوم: وقيل: الكثوث.
14:27–31Page 259
يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَۚ وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ٢٧
Allāh keeps firm those who believe, with the firm word,1 in worldly life and in the Hereafter.2 And Allāh sends astray the wrongdoers. And Allāh does what He wills.
۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا وَأَحَلُّواْ قَوۡمَهُمۡ دَارَ ٱلۡبَوَارِ ٢٨
Have you not considered those who exchanged the favor of Allāh for disbelief1 and settled their people [in] the home of ruin?
جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ ٢٩
[It is] Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the settlement.
وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِۦۗ قُلۡ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمۡ إِلَى ٱلنَّارِ ٣٠
And they have attributed to Allāh equals to mislead [people] from His way. Say, "Enjoy yourselves, for indeed, your destination is the Fire."
قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ ٣١
[O Muḥammad], tell My servants who have believed to establish prayer and spend from what We have provided them, secretly and publicly, before a Day comes in which there will be no exchange [i.e., ransom], nor any friendships.
قوله: ﴿يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَلاَ خِلاَلٌ﴾.
ومعناه: يثبت الله الذين آمنوا به وبرسله وكتبه بقوله لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله: أي: يثبتهم (بذلك في الحياة الدنيا: أي: في قبورهم قبل قيام الساعة.
﴿وَفِي ٱلآخِرَةِ﴾: قال البراء بن عازب: يثبت الله الذين آمنوا بالشهادة في القبر، إذ أتاهم الملكان، فقالا: من ربك؟ فيقول ربي (الله فيقولان) ما دينك؟ فيقول: دينـ(ـي) الإسلام، فيقولان من نبيك؟ فيقول: محمد ﷺ: فذلك القول الثابت في الحياة الدنيا.
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا الإنسان دفن، وتفرق عنه أصحابه جاءه ملك بيده مِطْرَاقٌ، فأقعده فقال (له): ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمناً: قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. فيقول له: صدقت
فيفتح له باب إلى النار، فيقال (له): هذا منزلك لو كفرت بربك. فأما إذ آمنت، فإن الله أبدلك به هذا، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيريد أن ينهض فيقال له: اسكن، ثم يفسح له في قبره. وأما الكافر ، والمنافق، فيقال له: ماذا تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: لا دَرَيْت، ولا تدريت ولا اهتديت، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذ كفرت، فإن الله عز وجل أبدلك به هذا. ثم يفتح له باب إلى النار، ثم يقمَعُهُ الملك بالمطراق قمعة يسمعه خلق الله كلهم، إلا الثقلين. فقال (له) بعض أصحابه: يا رسول الله ما منا أحد يقوم على رأسه ملك بيده مطراق إلا يفشل عند ذلك فقال له النبي ﷺ: ﴿يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ﴾ الآية.
ولهذا الحديث طرق كثيرة وألفاظ زائدة على ما ذكرنا، وناقصة (عن) ما ذكرنا، والمعنى فيها قريب من الآخر.
وقيل: معنى الآية: يثبتهم الله في الحياة على الإيمان، حتى يموتوا عليه ﴿وَفِي ٱلآخِرَةِ﴾ المساءلة في القبر، قاله طاووس، وقتادة وهو اختيار جماعة من العلماء.
* *
ومعنى ﴿وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّالِمِينَ﴾: أي: لا يوفقهم في الحياة الدنيا إلى الإيمان، ولا في الآخرة عند المساءلة في القبر.
* *
وقوله: ﴿وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾: أي: بيده الهداية والضلالة يضل من يشاء فلا يوفقه، ويهدي من يشاء فيوفقه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً﴾: أي: غيّروا نعمة الله، وهي كون محمد ﷺ من قريش وإرساله إليهم، فجعلوا النعمة كفراً.
قيل: نزلت في قتلى بدر من المشركين. وقيل: في كفار قريش كلهم.
* *
قوله: ﴿وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ﴾: أي: أنزلوا قومهم من مشركي قريش دار الهلاك. يقال: بار الشيء: إذا هلك، ثم بينها فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ﴾: أي: بئس المستقر لمن صلاها.
ووقيل: نزلت في المشركين يوم بدر قاله ابن عباس.
﴿وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ﴾: يعني: الذين اتبعوهم.
وقيل: نزلت في أهل مكة عامة: أسكنهم الله عز وجل حرمه، وآتاهم نعمه، وجعلهم قوام بيته. فبدلوا ذلك كفراً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ﴾: أي: جعل هؤلاء الذين بدلوا نعمة الله كفراً (لله) أنداداً: أي: شركاء. (﴿لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ﴾) لكي يضلوا الناس عن سبيل الله.
أي: عن الإيمان بالله، وعن إخلاص العبادة لله.
ومن فتح الياء من "ليَضلوا" فالمعنى: أنه لما آل أمرهم إلى الضلال كانوا بمنزلة من فعل ذلك ليضل عن سبيل الله.
قال ابن مسعود: كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون نُصُباً، يعني: تمثالاً، تعبدها قريش من دون الله: فهي الأنداد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُواْ﴾: أي: قل لهم يا محمد! تمتعوا في هذه الحياة الدنيا، وهذا على طريق التهدد، والوعيد.
﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ﴾: أي عاقبتكم إلى النار تكون.
وقيل: معناه: إن الكافر لو كان في الدنيا مريضاً سقيماً، طول عمره لا يجد ما يأكل ولا (ما) يشرب لكان ذلك نعيماً عندما يصير إليه من عذاب الآخرة. ولو كان المؤمن في الدنيا لا يعرض له سقم، ولا مرض طول عمره، يتنعم بأنعم ما يكون من مأكول (في) الدنيا، ويلبس أحسن ما يكون من اللباس لكان ذلك بؤساً عندما يصير إليه من نعيم الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ﴾:
ومعناه: قل يا محمد! لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلوات الخمس بحدودها.
﴿وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾: أي: مما خولناهم: يعني: الزكاة. سراً وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه، أي: لا يباع ما وجب عليه من العقاب بفدية (ولا عوض).
قال أبو عبيدة: البيع هنا: الفدية.
* *
وقوله: ﴿وَلاَ خِلاَلٌ﴾: أي: ولا مخالة خليل، فيصفح عمن استوجب العقوبة لمخاللته. والخلال مصدر خاللته، قاله الأخفش. (و) الخلال جمع خلة، وهو بمعنى: الصداقة.
وقال ابن عباس: ﴿يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ﴾ يعني: الصلوات الخمس، ﴿وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾: يعني: زكاة أموالهم.
14:32–34Page 259
ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ ٣٢
It is Allāh who created the heavens and the earth and sent down rain from the sky and produced thereby some fruits as provision for you and subjected for you1 the ships to sail through the sea by His command and subjected for you the rivers.
وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ٣٣
And He subjected for you the sun and the moon, continuous [in orbit], and subjected for you the night and the day.
وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ ٣٤
And He gave you from all you asked of Him.1 And if you should count the favor [i.e., blessings] of Allāh, you could not enumerate them. Indeed, mankind is [generally] most unjust and ungrateful.2
قوله: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ - إلى قوله - ﴿كَفَّارٌ﴾: والمعنى: "الله الذي أنشأ السماوات والأرض من غير شيء.
﴿وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ﴾: أي: أحيى به الأرض والشجر، والزرع، والثمرات، رزقاً لكم: تأكلونه.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ﴾ وهي السفن: ﴿لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ ومعنى "بأمره" لكم، تركبونها، وتحملون فيها أمتعتكم من بلد إلى بلد.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ﴾: أي: سخر ماءها شراباً وسقياً لكم.
﴿وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ﴾: أي: متعاقبين عليكم أيها الناس بالليل والنهار لصلاح أنفسكم ومعايشكم.
وقيل: معنى دائبين: متماديان في اختلافهما عليكم. وقال ابن عباس (رحمه الله): هو دؤوبهما في طاعة الله، عز وجل، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ﴾: أي: يسخر تعاقبهما عليكم لمنافعكم، وصلاح أحوالكم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾: أي: وأعطاكم مع ما تقدم من ذكر إنعامه عليكم: ﴿مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾، أي: من كل سؤلكم، قاله الفراء.
وقال الأخفش: "من كل ما سألتموه (شيئاً)، وحذف شيئاً لدلالة لفظ التبعيض عليه، ولدلالة "ما" التي أضيف إليها "كل" لأنها بمعنى شيء.
وقيل: هذا لفظ عام، ويراد به الخصوص، كما يقال: فلان يعلم كل شيء، وأتاني كل إنسان: يريد البعض، ومثله ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤].
قال مجاهد: معناه: وآتاكم من كل ما رغبتم إليه فيه.
وقيل: المعنى: وآتاكم من كل الذي سألتموه، والذي لم تسألوه.
وقيل: معناه: إن الناس قد سألوا الأشياء عن تفرق أحوالهم، فخوطبوا على ذلك: أي: قد أوتي بعضهم منه شيئاً، وأوتي الآخر منه شيئاً آخر، مما قد سأله.
وروى محمد بن إسحاق المسيبي، عن أبيه، عن نافع "من كل" بالتنوين، وهي قراءة الضحاك. والحسن: أي: أعطاكم أشياء ما سأَلْتُمُوهَا ولا التمستموها، ولكن فعل ذلك لكم، برحمته وسعة فضله.
قال الضحاك (رحمه الله): فكم من شيء أعطانا الله ما سألناه، ولا طلبناه، ولا خطر لنا على بال.
وجعل الحسن "ما" بمعنى "الذي" مع التنوين. وقال في معناه: وآتاكم من كل ما سألتموه: أي: أعطاكم من كل الأشياء الذي سألتموه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾: أي: (إن) تعدوا نعم الله عليكم لا تحصوا عددها، والقيام بشكرها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾، الإنسان: اسم للجنس وظلوم بني للمبالغة.
والمعنى أن الإنسان غير شاكر من أنعم عليه، وقد وضع الشكر في غير موضعه، يعبد غير من أنعم عليه.
كفار: جحود نعمة من أنعم عليه.
14:35–36Page 260
وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ ٣٥
And [mention, O Muḥammad], when Abraham said, "My Lord, make this city [i.e., Makkah] secure and keep me and my sons away from worshipping idols.
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٦
My Lord, indeed they have led astray many among the people. So whoever follows me - then he is of me;1 and whoever disobeys me - indeed, You are [yet] Forgiving and Merciful.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً﴾ - إلى قوله - ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
المعنى: واذكر يا محمد! إذ قال إبراهيم: رب اجعل مكة (بلداً) آمناً، سكانه وأهله. فهذا إشارة إلى البلد، والبلد نعت لهذا، أو عطف بيان. و "آمنا" مفعول ثان لجعل.
ثم قال تعالى حكاية عن قول إبراهيم ﷺ وعلى نبينا محمد وسلم: ﴿وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ﴾: أي: اجعلني وإياهم جانباً عن عبادتها.
وقيل: معناه أنقذني، وإياهم من عبادة الأصنام. والصنم: التمثال المصور، فإن لم يكن مصوراً فهو وثن.
قال مجاهد: أجاب الله، جل ذكره، دعوة إبراهيم في ولده، فلم يعبد أحد منهم صنماً.
ثم قال تعالى، ذكره: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾: أي إن الأصنام أضللن كثيراً من الناس عن طريق الهدى والحق، حتى عبدوهن فكفروا بك. وأضاف الفعل إلى الأصنام على ما تعرف العرب من مخاطبتها. يقول العرب: أفتنتني الدار، والمعنى: استحسنتها.
فالمعنى: إنه افتتن (كثير) من الناس بهن، أي: استحسنهن كثير من الناس، أي: استحسن عبادتهن كثير منهم.
﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾، أي: من تبع ما أنا عليه من الإيمان بالله، (عز وجل)، وإخلاص العبادة (له فهو مني): أي: من أهل ديني.
﴿وَمَنْ عَصَانِي ﴾ فخالف أمري ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ﴾ لذنوب المذنبين. أي: ستار لها إذا تابوا منها بالإيمان. وهذا قريب من قول عيسى ﷺ:
﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] - الآية -: أي: إن تغفر لهم ذنوبهم بعد توبتهم وإيمانهم. (وفي) ذلك أقوال غير هذا، قد ذكرتها في المائدة.
وغير جائز أن يتأول أحد أن المغفرة ترجى لمن مات على كفره، لقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦]، ولقوله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً﴾ [آل عمران: ٩١] - الآية - وهو كثير في القرآن، فلا يَيْأَس من مغفرة الله لعبدٍ مع الإيمان، ولا ترجى مغفرة لعبدٍ من الكفر.
وقوله: رحيم: أي: رحيم بعبادك إذا آمنوا قبل موتهم.
14:37–41Page 260
رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ ٣٧
Our Lord, I have settled some of my descendants in an uncultivated valley near Your sacred House, our Lord, that they may establish prayer. So make hearts among the people incline toward them and provide for them from the fruits that they might be grateful.
رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِي وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٣٨
Our Lord, indeed You know what we conceal and what we declare, and nothing is hidden from Allāh on the earth or in the heaven.
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٩
Praise to Allāh, who has granted to me in old age Ishmael and Isaac. Indeed, my Lord is the Hearer of supplication.
رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ ٤٠
My Lord, make me an establisher of prayer, and [many] from my descendants. Our Lord, and accept my supplication.
رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ ٤١
Our Lord, forgive me and my parents and the believers the Day the account is established."
قوله: ﴿رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ - إلى قوله - ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ﴾. معنى الآية: إنه دعاء من إبراهيم ﷺ بمكة، وذلك حين أسكن اسماعيل، وأمه هاجر مكة.
قال ابن عباس: إن أول من سعى بين الصفا والمروة لأم اسماعيل (وإن) أول ما أحدث النساء جر الذيول، لمن أم اسماعيل، وذلك أنها لما فرت من سارة أرْخَتْ من ذيلها لتعفي أثرها، فجاء بها إبراهيم، ومعها إسماعيل حتى انتهى بها إلى موضع البيت، فوضعها، ثم رجع. فأتبعته، فقالت: إلى (أي) شيء تكلنا؟ (إلى أي طعام تكلنا)، إلى أي شراب تكلنا؟.
فجعل إبراهيم لا يرد عليها عيناً، فقالت: (آلله) أمرك بهذا؟ قال نعم. قالت: إذن لا يضيعنا. فرجعت ومضى حتى إذا استوى على ثنية كداء. أقبل على الوادي، فدعا، فقال: ﴿رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ - الآية - قال: وكان مع هاجر شن، فيه ماء. فنفد الماء فعطشت، فانقطع اللبن. فعطش الصبي، فنظرت أي: الجبال أدنى من الأرض، فصعدت الصفا، فتسمعت هل تسمع صوتاً أو ترى أنيساً. فلم تسمع شيئاً، فانحدرت. فلما أتت إلى الوادي سعت وما تريد السعي، كالإنسان المجهود الذي يسعى وما يريد السعي. فنظرت أي الجبال أدنى من الأرض، فصعدت المروة، فتسمعت هل تسمع صوتاً، أو ترى أنيساً فسمعت صوتاً كالإنسان الذي يكذب سمعه حتى استيقنت، فقالت: قد أسمعتني صوتك، فأغثني، فقد هلكت وهلك من معي. فجاء الملك بها، حتى انتهى (بها) إلى زمزم. فضرب بقدمه ففارت، فجعلت هاجر تفرغ من شنها. فقال رسول الله ﷺ: رحم الله أم إسماعيل! لولا أنها عجلت لكانت زمزم عيناً معيناً. وقال الملك لها: لا تخافي الظمأ على أهل هذا البلد، فإنما (هي) عين لشرب ضيفان الله. وقال لها: إن أبا هذا الغلام سيجيء، فيبنيان لله (جل وعز) بيتاً، وذا موضعه، ثم ذهب، وبقيت هاجر، فأتت رفقة من جرهم تريد الشام، فرأوا الطير على الجبل، فقالوا: إن هذا الطير لعائف على ماء، فهل علمتم بهذا الوادي من ماء؟ فقالوا: لا. ثم أشرفوا فإذا هم بهاجر وابنها، فأتوها، فطلبوا أن ينزلوا عندها، فأذنت لهم، فسكنوا عندها. ثم أتتها المنية فماتت، رحمة الله عليها، فتزوج اسماعيل امرأة من جُرْهم، ثم كان من قصة إبراهيم في إتيانه إلى (بناء) البيت ما ذكر الله (عز وجل).
وقد تقدم منه ذكر (كثير) في البقرة. ومعنى: ﴿بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ﴾: أي: المحرم من استحلال حرمات الله (تعالى) فيه، والاستخفاف بحقه.
* *
وقوله: ﴿فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ﴾: أي: اجعل قلوب بعض خلقك تنزع إليهم، فلذلك قلوب الناس إلى الآن تنزع إلى الحج، ولا تقدر على التخلف.
وقد قال ابن جبير: لو قال: فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم، لحجت اليهود والنصارى، والمجوس، ولكنه قال: ﴿أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ فحج المسلمون.
قال مجاهد (رحمه الله): لو قال أفئدة الناس، لازدحمت عليه فارس، والروم، ولكنه قال: من الناس.
والأفئدة جمع فؤاد، وهو القلب، وسمي القلب فؤاداً لتفاؤده:
أي: لتوقده، والتفاؤد: التوقد، والمقتاد: موضع وقود النار.
قال عكرمة، وطاووس، وعطاء: قلوبهم تهوى إلى البيت حتى يأتونه: (أي) يحجون، وهو قول ابن عباس.
وعن ابن عباس أن معنى: ﴿تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ﴾: أي: تهوى السكنى عندهم.
وهذا المعنى إنما يكون على قراءة من قرأه بفتح الواو، وهي قراءة مروية عن مجاهد.
ولما دعا إبراهيم بأن يرزقهم من الثمرات نقل الله (عز وجل)، الطائف من فلسطين إلى موضعها الآن، ففيها من من كل الثمرات.
روي أن إبراهيم ﷺ لما دعا بهذا بعث الله جل ذكره، جبريل عليه السلام، فاقتلع الثمار من الشام من موضع يقال له الأردن، وهو نهر، ثم أقبل بالثمار حتى طاف بها حول البيت أسبوعاً، ثم أنزلها جبال تهامة وهي الطائف. ولذلك سميت الطائف.
﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾: أي: يشكرون نعمك.
ثم حكى الله (عز وجل)، عنه أنه قال: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾: أي: تعلم ما نخفي في قلوبنا عند مسألتنا إياك ما نسألك، وفي غير ذلك من أحوالنا.
﴿وَمَا نُعْلِنُ﴾ من دعائنا، فنجهر به. وغير ذلك من أحوالنا.
﴿وَمَا يَخْفَىٰ﴾ عليك يا رب (من) شيء في الأرض، ولا في السماء.
ثم قال جل ذكره ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي﴾ - الآية -
قال ابن جبير: بشر إبراهيم بإسحاق بعد تسع عشرة ومائة (سنة).
(وقوله): ﴿رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ﴾: أي: مؤدياً ما ألزمتني من فرائضك، ﴿وَمِن ذُرِّيَتِي﴾: أي: واجعل أيضاً من ذريتي مقيم الصلاة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ﴾: الدعاء هنا العبادة. والمعنى: "وتقبل عملي الذي أعمله لك، وعبادتي إياك، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الدعاء هو العبادة ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
فالمعنى: اعبدوني أستجب لكم، ودل على ذلك قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠].
﴿رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾: استغفر إبراهيم لأبيه من أجل ﴿مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤]: أي: مات على كفره.
وقيل: عنى بوالديه: آدم وحواء (عليهما السلام).
وقرأ يحيى بن يعمر، والنخعي: ﴿ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ يعني: إسماعيل، وإسحاق.
وقرأ ابن جبير: "ولوالدي" يعني أباه وجده.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences