Makki ibn Abi TalibAl‑Kahf · 18:21–41

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:21–41

18:21–24Page 296

وَكَذَٰلِكَ أَعۡثَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ لِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيۡبَ فِيهَآ إِذۡ يَتَنَٰزَعُونَ بَيۡنَهُمۡ أَمۡرَهُمۡۖ فَقَالُواْ ٱبۡنُواْ عَلَيۡهِم بُنۡيَٰنٗاۖ رَّبُّهُمۡ أَعۡلَمُ بِهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِمۡ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيۡهِم مَّسۡجِدٗا ٢١

And similarly, We caused them to be found that they [who found them] would know that the promise of Allāh is truth and that of the Hour there is no doubt. [That was] when they1 disputed among themselves about their affair and [then] said, "Construct over them a structure. Their Lord is most knowing about them." Said those who prevailed in the matter, "We will surely take [for ourselves] over them a masjid."2

سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا ٢٢

They [i.e., people] will say there were three, the fourth of them being their dog; and they will say there were five, the sixth of them being their dog - guessing at the unseen; and they will say there were seven, and the eighth of them was their dog. Say, [O Muḥammad], "My Lord is most knowing of their number. None knows them except a few. So do not argue about them except with an obvious argument1 and do not inquire about them among [the speculators] from anyone."

وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاْيۡءٍ إِنِّي فَاعِلٞ ذَٰلِكَ غَدًا ٢٣

And never say of anything, "Indeed, I will do that tomorrow,"

إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا ٢٤

Except [when adding], "If Allāh wills." And remember your Lord when you forget [it] and say, "Perhaps my Lord will guide me to what is nearer than this to right conduct."

قوله: ﴿وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ هَـٰذَا رَشَداً﴾.

أي: كما بعثناهم بعد طول رقدتهم ﴿وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: أطلعنا عليهم الفريق الذين كانوا في شك من بعث الأجساد [ليعلموا أن وعد الله حق في بعث الأجساد] يوم القيامة وأن الساعة لا ريب فيها أي: إتيانها لا شك فيه.

* *

ثم قال: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾.

أي: أطلعنا عليهم إذ يتنازعون، أي: وقت المنازعة في بعث الأجساد. والمنازعة المناظرة.

وقيل: المعنى: ليعلموا في وقت منازعتهم أن وعد الله في بعث الأجساد حق فيكون العامل في "إذ" على القول الأول "أعثرنا" وعلى الثاني "ليعلموا".

* *

ثم قال: ﴿[فَقَالُواْ] ٱبْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً﴾.

أي قال الذين اطلعوا على أمرهم: ابنوا عليهم بنيانا ﴿رَّبُّهُمْ [أَعْلَمُ بِهِمْ]﴾ أي: [الله] أعلم بشأنهم قال ذلك: الكافرون. ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً﴾ قال ذلك: المسلمون.

قال: عبيد بن عمير عمى الله [عز وجل] على الذين أعثرهم على أصحاب الكهف مكانهم فلم يهتدوا، فقال المشركون: نبني عليهم بنياناً فإنهم أبناء آبائنا، ونعبد الله فيها. وقال المسلمون: نحن أحق بهم، فإنهم منا، نبني عليهم مسجداً نصلي فيه، ونعبد الله عز وجل فيه. وقال قتادة: ﴿ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ﴾ الولاة.

وقد روى ابن وهب: أن النبي ﷺ قال: ليحجن عيسى ابن مريم عليه السلام في سبعين. منهم أصحاب الكهف مسورين مخلخلين بالفضة

ثم قال: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾.

[أي: سيقول بعض الخائضين في أمر الفتية هم ثلاثة رابعهم كلبهم] ويقول بعضهم: خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب، أي: قذفاً بالظن. ويقول بعضهم: هم سبعة وثامنهم كلبهم. قل [يا محمد للقائلين ذلك] ربي أعلم بعدتهم ما يعلم عددهم إلا ناس قليل من خلقه، قاله قتادة.

وقال ابن عباس: عني بالقليل هنا أهل الكتاب. وكان يقول: أنا ممن استثنى الله [عز وجل].

وروي عنه أنه قال: أنا من ذلك القليل. ويقول: عددهم سبعة، وكذلك قال: عكرمة وابن جريج هم سبعة وثامنهم كلبهم.

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً﴾.

أي: [لا] تجادل في عدد أصحاب الكهف يا محمد أحداً من اليهود ﴿إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً﴾ أي: بما أنزل عليك من القرآن تتلوهم عليهم لا غير. وقال ابن عباس: يقول حسبك ما قصصت عليك في أمرهم فلا تمار فيهم.

قال مجاهد: ﴿إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً﴾ إلا ما قد أظهرنا لك من أمرهم. وقال ابن زيد: معناه: أن نقول لهم: ليس كما تقولون، ليس كما تدعون.

* *

ثم قال: ﴿وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً﴾.

أي لا تستفت في أهل الكهف أحداً من أهل الكتاب فإنهم لا يعلمون ذلك.

* *

ثم قال: ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾.

هذا تأديب للنبي ﷺ عهد إليه ألا يجزم في الأمور أنه كائن لا محالة إلا أن يصله بمشيئة الله. إذ لا يكون شيء إلا بمشيئته وأمره. وإنما أمر بذلك النبي ﷺ [لأنه] وعد سائليه عن المسائل التي تقدم ذكرها أن يجيبهم عنها غد يومهم ولم يستثن. فاحتبس الوحي عنه من أجل ذلك خمس عشرة ليلة حتى حزنه إبطاؤه. ثم أنزل عليه الجواب فيهن فعرف الله [عز وجل] نبيّه [عليه السلام] سبب احتباس الوحي عنه وعلمه ما الذي ينبغي له أن يستعمله في عداته فيما يحدث من الأمور التي [لم] يأته من الله عز وجل فيها تنزيل.

وتقدير ﴿أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾ عند الكسائي والفراء: إلا أن يقول إن شاء الله. وقال البصريون: المعنى: إلا بمشيئة الله [عز وجل]. فأن: في موضع نصب على حذف [الباء على] هذا.

ثم قال: [تعالى]: ﴿وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾.

معناه عند ابن عباس: واستثنِ في يمينك إذا ذكرت أنك نسيت [ذلك] في حال اليمين. قال فيه: [فإن] له أن يستثني ولو إلى سنْة، وكذلك قال: أبو العالية، والحسن. وقال عكرمة: معناه: واذكر ربك إذا عصيت. وقيل: معناه: واذكر ربك إذا تركت ذكره لأن أحد معاني النسيان التي استعمل بها الترك.

ومعنى قول: من أجاز الاستثناء بعد سنة أنه يسقط ذلك الاستثناء الحرج بتركه ما أمر به في الاستثناء لأن الله [عز وجل] أمر بالاستثناء. فإذا ذكر الإنسان، متى ما ذكر يمينه، وجب عليه أن يستثني فيسقط عنه الحرج في تركه ما أمر به ولا يسقط ذلك لكفارة إذا حنث [إلا أن يكون الاستثناء متصلاً باليمين فيسقط عنه الكفارة إذا حنث]، والحرج جميعاً، هذا معنى قول ابن عباس: أنه يستثني بعد سنة. ولم يقل أحد أن الاستثناء بعد حين يسقط عنه الكفارة إذا حنث. ولو وجب أن يسقط الكفارة بالاستثناء بعد حين لم يكن قوله تعالى: ﴿وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] الآية. فائدة: لأنه كان يستثني كل من أراد الحنث متى ما أراد الحنث ولا يكفر، وتبطل فائدة الآية، ولا يلزم أحد الكفارة. ويدل على ذلك أيضاً، قول النبي ﷺ: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر وليأت الذي هو خير"فأمر بالكفارة عند الحنث، ولم يقل: فليقل إن شاء الله.

* *

ثم قال: ﴿وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً﴾.

أي قل لهم يا محمد لعل ربي أن يرشدني لأقرب مما وعدتكم وأخبرتكم أنه يكون إن هو شاء.

وقيل: إن هذا أمر من الله [عز وجل] لنبيه [ﷺ] أن يقوله إذا نسي الاستثناء في كلامه الذي هو عنده في أمر مستقبل مع قوله إن شاء الله إذا ذكر ذلك.

وقيل: المعنى قل لعل ربي أن يعطيني من الآيات والدلالات على النبوة ما يكون أقرب من الرشد وأدل من قصة أصحاب الكهف.

18:25–26Page 296

وَلَبِثُواْ فِي كَهۡفِهِمۡ ثَلَٰثَ مِاْئَةٖ سِنِينَ وَٱزۡدَادُواْ تِسۡعٗا ٢٥

And they remained in their cave for three hundred years and exceeded by nine.1

قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُواْۖ لَهُۥ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَبۡصِرۡ بِهِۦ وَأَسۡمِعۡۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا يُشۡرِكُ فِي حُكۡمِهِۦٓ أَحَدٗا ٢٦

Say, "Allāh is most knowing of how long they remained. He has [knowledge of] the unseen [aspects] of the heavens and the earth. How Seeing is He and how Hearing! They have not besides Him any protector, and He shares not His legislation with anyone."

قوله: ﴿وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾.

معناه: ويقولون لبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين. هذا حكاية عن قول أهل الكتاب، فرد الله [عز وجل] ذلك عليهم. وقال: [الله] لنبيّه [ﷺ]

﴿قُلِ [ٱللَّهُ] أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ﴾ الآية.

قال: قتادة: وفي حرف ابن مسعود "[و] قالوا: ﴿وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ﴾. وقال مجاهد والضحاك: هو خبر من الله [عز وجل] عن مبلغ لبثهم في الكهف ولما قال: ﴿وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً﴾ قالوا سنين أو ليال أو غيرها فأنزل الله: ﴿قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ﴾ الآية.

وقيل: إن أهل الكتاب قالوا [على] عهد النبي [ﷺ]: إن للفتية من لدن دخلوا الكهف إلى عصرنا هذا ثلاث مائة سنة وتسع سنين، فرد الله [عز وجل] عليهم وأعلم نبيّه أن قدر لبثهم في الكهف إلى أن بعثوا ثلاث مائة سنة وتسع.

ثم قال: تعالى لنبيّه [عليه السلام]. ﴿قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ﴾.

[أي] بعد أن بعثهم وقبض أرواحهم إلى يومهم هذا لا يعلم مقدار ذلك إلا الله.

ومن نوَّن "مائة" جعل "سنين" بدلاً من "ثلاث" أو يكون عطف بيان على "ثلاث". وقيل: هو نعت لمائة لأن مائة في معنى جمع.

وحكى بعض أهل اللغة أن العرب إذا نونت العدد أتت بعده بحمع يفسره، فيقولون: عندي ألفٌ دراهم [وثلاثمائة دراهم] وألف رجالاً، فيكون "سنين" على هذا القول تفسيراً.

ومن أضاف، أتى بالعدد على أصله. لأنا إذا قلنا عندي مائة درهم فمعناه مائة من الدراهم. فالجمع هو الأصل فأتى به في هذه القراءة على الأصل .

[و] قوله: ﴿ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ﴾.

أي: أعلم بلبثهم من المختلفين في ذلك. وقيل: أعلم بمعنى عالم.

وقوله ﴿وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً﴾.

أي: تسع سنين. ولا يحسن أن يكون تسع ساعات ولا تسع ليال، لأن العدد إذا فسر في صدر الكلام [جرى] آخره [على] ذلك التفسير. تقول عندي مائة درهم وخمسة. فتكون "الخمسة" دراهم أيضاً، لدلالة ما تقدم من التفسير على ذلك.

* *

ثم قال: ﴿لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾.

أي: له علم ذلك وملكه لا يشاركه فيه أحد.

* *

ثم قال: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾.

أي: ما أبصر الله [جلت عظمته] واسمعه لا يخفى عليه شيء ﴿مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ﴾ أي ليس لخلقه دون ربهم ولي يلي تدبيرهم ولا ينقذهم من عذاب الله [سبحانه] إذا جاءهم.

* *

﴿[وَ]"لاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾.

أي: ليس يشرك الله [عز وجل] في تدبيره لعباده أحداً ولا يظهر على غيبه أحداً.

وقيل معناه: لا يجوز أن يحكم حاكم إلا بما حكم الله [عز وجل] أو بما دل عليه حكمه، وليس لأحد أن يحكم من ذات نفسه فيكون لله [سبحانه] شريكاً في حكمه.

فأما من قرأه بالتاء والجزم، فمعناه: لا تنسبن أحداً إلى أنه يعلم الغيب ويلي تدبير الخلق.

18:27–28Page 296

وَٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدٗا ٢٧

And recite, [O Muḥammad], what has been revealed to you of the Book of your Lord. There is no changer of His words, and never will you find in other than Him a refuge.

وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا ٢٨

And keep yourself patient [by being] with those who call upon their Lord in the morning and the evening, seeking His face [i.e., acceptance]. And let not your eyes pass beyond them, desiring adornments of the worldly life, and do not obey one whose heart We have made heedless of Our remembrance and who follows his desire and whose affair is ever [in] neglect.1

قوله: ﴿وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾.

المعنى: واتبع يا محمد ما أنزل إليك من كتاب [ربك] والزم تلاوته والعمل بما فيه ﴿لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: لا مغير لما وعد بكلماته التي أنزلها عليك.

* *

ثم قال: ﴿وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾.

أي وإن لم تفعل ما أمرت به من الاتباع للكتاب ولزوم التلاوة فلن تجد من دونه ملتحداً. قال: مجاهد ["ملتحداً"] ملجأً. وقيل معناه: موئلاً. وقيل: معدلاً والمعنى واحد. وهو مفتعل من اللحد. يقال: لحدت إلى كذا أي ملت إليه. ولذلك قيل لِلَّحد لَحْد لأ[نه] في ناحية القبر وليس هو الشق الذي في وسطه. ومنه الالحاد في الدين لأنه ميل عن الحق فيه.

* *

ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ﴾.

والمعنى أن الله يقول لنبيّه عليه السلام: احبس نفسك يا محمد في أعمال الطاعت ﴿مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ﴾ بالذكر والحمد والتضرع يريدون بذلك وجه الله.

* *

﴿وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾.

أي: لا تصرفهما عنهم إلى غيرهم من الكفار. وقال: ابن المسيب: هم أهل الصلاة المكتوبة، ومثله عن مجاهد.

وروي أن ذلك نزل في الذين [كان] النبي ﷺ يقرئهم القرآن أُمّر أَن يصبر نفسه ليقرئهم.

وروي أنه أمر للنبي عليه السلام أمر أن يقرئ الناس القرآن.

[و] هذه الآية نزلت في جماعة من عظماء المشركين أتوا النبي عليه السلام وقالوا له: باعد عنك هؤلاء الذين رائحتهم رائحة الظأن وهم موال وليسوا بأشراف، لنجالسك ونفهم عنك، يعنون بذلك خباباً وصهيباً وعماراً وبلالاً ومن أشبههم فأمر[ه] الله [عز وجل] [ألا] يفعل ذلك وأن يقبل عليهم ولا يلتفت إلى غير[هم] من المشركين.

فهو قوله ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ يعني المشركين الذين أمروه أن يبعد عنهم هؤلاء المؤمنين.

وقيل: عني بذلك عيينة بن حصن والأقرع بن حابس. ولما نزل ذلك على النبي عليه السلام وهو في بيته التمسهم فوجد قوماً يذكرون الله [عز وجل] ثائري الرؤوس والجلود وفي ثوب واحد فلما رآهم قال: "الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم"

وفي ذلك نزل ﴿وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]. وذلك أن النبي عليه السلام همّ بابعادهم طمعاً أن يؤمن به عظماء قريش فنهاه الله [عز وجل] عن ذلك.

وقيل [معنى] ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ﴾: يعني صلاة الصبح والصلاة بالعشي. وقيل: هم الذين يقرءون القرآن.

ثم قال: تعالى: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾.

فمعنى تريد زينة الحياة الدنيا أي تريد مجالسة الأشراف ذوي الأموال، وهم كفار، وتترك مجالس المؤمنين الفقراء. وروي أنهم كانوا لا يلبسون الأثياب الصوف من الفقر.

وقال: مجاهد: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ أي ضائعاً، وعنه ضياعاً. وقيل معناه: ندامة. وقيل هلاكاً. وقال: ابن زيد معناه: مخالفة للحق. وهو من قولهم أفرط فلان في كذا، إذا أسرف فيه وجاوز قدره فيكون معناه وكان أمره سرفاً في كفره وافتخاره وتكبره.

18:29–31Page 297

وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا ٢٩

And say, "The truth is from your Lord, so whoever wills - let him believe; and whoever wills - let him disbelieve." Indeed, We have prepared for the wrongdoers a fire whose walls will surround them. And if they call for relief, they will be relieved with water like murky oil, which scalds [their] faces. Wretched is the drink, and evil is the resting place.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا ٣٠

Indeed, those who have believed and done righteous deeds - indeed, We will not allow to be lost the reward of any who did well in deeds.

أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَيَلۡبَسُونَ ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۚ نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقٗا ٣١

Those will have gardens of perpetual residence; beneath them rivers will flow. They will be adorned therein with bracelets of gold and will wear green garments of fine silk and brocade, reclining therein on adorned couches. Excellent is the reward, and good is the resting place.

قوله: ﴿وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مُرْتَفَقاً﴾.

المعنى: أن الله جل ذكره أمر نبيّه عليه السلام أن يقول لمن تقدم ذكره في قوله ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الكهف: ٢٨] الحق من ربكم أي الهدى والتوفيق والخذلان من عند الله يهدي من يشاء فيوفقه فيؤمن، ويضل من يشاء فيخذله فيكفر، وليس إلي من ذلك شيء، ولست بطارد لهواكم من وفقه الله [عز وجل] فآمن، فإن شئتم فاكفروا وإن شئتم فآمنوا. فإن كفرتم فقد أعد لكم [ربكم] ناراً أحاط [بهم] سرادقها.

وقوله ﴿فَلْيُؤْمِن﴾ و ﴿فَلْيَكْفُرْ﴾ لفظه لفظ الأمر ومعناه التهدد والوعيد. ومثله

﴿تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ﴾ [هود: ٦٥] وقوله: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُواْ﴾ [العنكبوت: ٦٦] وشبهه كثير.

والأمر من الله [عز وجل] على أقسام: فمنه ما معناه الإيجاب والإلزام نحو

﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ﴾ [المائدة: ٦] الآية، وشبهه. فهذا لا بد من فعله ويأثم من تركه، ويكفر إن عاند في تركه.

ومنه ما معناه التأديب والإرشاد نحو قوله: ﴿وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وفيه اختلاف. فهذا لا يخرج المأمور بتركه إلى إثم. وإن تأدب به وعمله فقد أحسن، إذ قد اتبع ما ندبه الله [عز وجل] إليه.

ومنه ما معناه الاباحة [والاطلاق نحو قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ﴾ [المائدة: ٢] وقوله:] ﴿فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فهذا إن شاء [فعله، وإن شاء] لم يفعله، ولا يشكر على فعله، ولا يندم على تركه.

ومنه ما معناه الحتم والتكوين والإحداث نحو قوله: ﴿كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] وقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧ ويس: ٨٢] فهذا تكوين وإحداث. ويوجد المأمور فيه مع الأمر ولا يتقدم ولا يتأخر.

وكل أوامر النبي [ﷺ] على هذه الأقسام تأتي إلا التكوين والإحداث فليس يكون إلا لله عز وجل، غير أنه قد يكون ذلك على أيدي أنبيائه دلالة على صدقهم. كقول نبينا ﷺ لشجرة دعاها: "أقبلي" فأقبلت تجري عروقها وأغصانها حتى وقفت بين يديه، ثم قال: لها: "ارجعي" فرجعت إلى مكانها، وشبهه كثير. وهذه الأوامر إنما يميز الواجب منها [من غيره] بالبراهين والدلائل والتوقيف لا غير.

* *

وقوله: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾.

قال: ابن زيد: هو حائط من نار يحيط بهم كسرادق الفسطاط، وقاله ابن عباس. وقال: معمر: هو دخان يحيط بالكفار يوم القيامة وهو الذي قال: الله: [عز وجل] ﴿ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠].

وقيل هو البحر المحيط الذي في الدنيا، أي: أحاط بهم سرادق الدنيا أي: بحرها المحيط.

وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: "البحر هو جهنم وتلا هذه الآية. وقال: لا أدخله أبداً وما دمت حياً، ولا تصيبني منه قطرة" فيكون معناها أحاط بهم أي عمهم.

وروى [عنه] أبو سعيد الخدري أنه قال: "سرادق النار أربع جدر، كتف كل واحد منها مسيرة أربعين سنة

ثم قال: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ﴾.

أي إن يستغيثوا من العطش يغاثوا بماء كالمهل أي "كعكر الزيت. فإذا قربه من فمه سقطت فروة وجهه فيه"كذا رواه الخدري عن النبي عليه السلام.

وعن ابن مسعود: أن المهل هو كفضة وذهب أذيبا واختلطا. وقال: مجاهد: "كالمهل" كالقيح والدم الأسود إذا اختلطا. وقال: ابن عباس: المهل ماء غليظ مثل دُرَدَيّ الزيت.

وقال: الضحاك: المهل ماء جهنم أسود، وهي سوداء، وشجرها أسود وأهلها سود. وقال: ابن جبير: المهل الذي قد انتهى حره. وقيل: المهل عكر القطران.

وعن النبي عليه السلام أنه قال: "المهل صديد أهل جهنم إذا دني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه ولحم وجهه من حره

والمهل عند أهل اللغة: كل شيء أذبته من رصاص أو نحاس ونحوه.

* *

ثم قال: ﴿يَشْوِي ٱلْوجُوهَ﴾.

وقال: ابن جبير: إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم فيأكلون منها فاختلست جلودهم ووجوههم. فلو أن ماراً مر بهم يعرفهم لعرف جلود وجوههم. فيتضاعف عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل. فإذا أدنوه من أفواههم انشوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود.

* *

وقوله: ﴿بِئْسَ ٱلشَّرَابُ﴾.

أي بئس الشراب هذا الذي يغاث به هؤلاء القوم.

* *

وقوله: ﴿وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً﴾.

أي ساءت هذه النار التي أعدت لهؤلاء الظالمين: ﴿مُرْتَفَقاً﴾ أي متكئاً. والمرتفق في كلام العرب المتكا. يقال: ارتفقت أي: اتكأت.. وقال: مجاهد "مرتفقاً" مجمتعاً" وهو مفتعل من الرفق.

* *

قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ [مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً]﴾ إلى قوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾.

أي [إن] الذين صدقوا محمداً [ﷺ] وما أتى به وعملوا بما جاءهم [به] لا نضيع ثواب من أحسن عملاً.

وخبر إن الأول قوله: ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ على تقدير من أحسن عملاً منهم. وحذفت "منهم" لأن الله قد أخبرنا أنه محبط عمل غير المؤمنين. وقيل التقدير: إنا لا نضيع أجرهم. وقيل: الخبر أولئك لهم جنات عدن.

وروي أن أعرابياً سأل النبي ﷺ وهو واقف بعرفات على ناقته الصهباء عن قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ﴾ الآية. فقال: النبي [ﷺ]: "يا أعرابي: ما أنت منهم وما هم منك ببعيد. هؤلاء الأربعة الذين هم وقوف معي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. فاعلم قومك أن هذه الآية نزلت في هؤلاء الأربعة"

ولا تقف على ﴿عَمَلاً﴾ إن جعلت الخبر ﴿أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ وإن جعلت الخبر: ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ﴾ وقفت عليه.

ثم قال: تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾.

أي جنات إقامة لا زوال منها. ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ﴾ أي من دونهم الأنهار. كما يقال: داري تحت دارك، أي دونها. وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه كعباً. فقال: [له]: إني سمعت الله [عز وجل] يذكر جنات عدن، فما عدن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، هو قصر في الجنة لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل. فقال: عمر: أما النبوة فقد جعلها [الله عز وجل] في أهلها، وأما الصديق فوالله إني لأرجو أن [أكون] قد صدقت بالله [عز وجل] وبرسوله، وأما الحكم العدل فوالله إني لأرجو أن أكون ما فرقت في حكم أحداً، وأما الشهادة فأنّى لي بالشهادة؟ قال: الحسن فجمعهن الله [عز وجل] والله له ثلاثتهن. فجعله: صديقاً، حكماً عدلاً، شهيداً.

* *

وقوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾.

أساور جمع [أسورة، وأسورة جمع] سِوار وسُوار يقال: بالضم والكسر. وحكى قطرب إسوار. وإن أساور جمع أسوار على حذف الياء لأن أصله أساوير على هذا. والمعروف أن إسوار واحد أساورة الفرس.

* *

وقوله: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾.

قال: الكسائي: السندس جمع سندسة. وقال: واحد العبقري عبقرية وواحد الرفرف: رفرفة، وواحد الأرائك: أريكة.

والسندس ما رقَّ من الديباج، والإستبرق ما ثخن منه وغلظ. والأرائك السور في الحجال، وقيل: هي الفرش في الحجال.

* *

ثم قال: ﴿نِعْمَ ٱلثَّوَابُ﴾ أي نعم الثواب [في] جنات عدن وما وصف فيها لمن ذكر. ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ أي حسنت هذه الأرائك والجنات التي وصف الله [عز وجل] في هذه الآية ﴿مُرْتَفَقاً﴾ أي متكئاً.

18:32–34Page 297

۞ وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا ٣٢

And present to them an example of two men: We granted to one of them two gardens of grapevines, and We bordered them with palm trees and placed between them [fields of] crops.

كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَيۡنِ ءَاتَتۡ أُكُلَهَا وَلَمۡ تَظۡلِم مِّنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ وَفَجَّرۡنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرٗا ٣٣

Each of the two gardens produced its fruit and did not fall short thereof in anything. And We caused to gush forth within them a river.

وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٞ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا ٣٤

And he had fruit, so he said to his companion while he was conversing with him, "I am greater than you in wealth and mightier in [numbers of] men."

قوله: ﴿وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ إلى قوله ﴿وَأَعَزُّ نَفَراً﴾.

وروي عن [ابن] عباس: أنهما أخوان ورثا مالاً فصار لكل واحد أربعة آلاف دينار. فأعطى أحدهما نصيبه للفقراء والمساكين واكتسب الآخر بنصيبه الأجنة والعبيد، فاحتاج المتصدق فتعرض لأخيه ليصله. فقال: [له] أخوه: ما فعل مالك؟ قال: قدمته بين يدي. قال: [له]: لكني اشتريت بمالي لنفسي ولولدي ﴿وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف: ٣٦] الآية.

وقيل: "كانا رجلين من بني إسرائيل اشتركا في تجارة فربحا ستة آلاف دينار. فاقتسماها وتفرقا. ثم اجتمعا فقال: أحدهما لصاحبه: ما فعلت؟ قال: نكحت امرأة، أفضل نساء بني إسرائيل بألف دينار. فانطلق الآخر فأخرج ألفاً فقال: اللهم إن صاحبي نكح من يموت ويبلى بألف دينار. وأنا أخطب إليك امرأة من نساء الجنة بهذه الألف، وتصدق بها ... القصة بطولها.

و [المعنى و] اضرب يا محمد لهؤلاء المشركين، الذين سألوك أن تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين أي بستانين من كرم ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ أي أظللنا البستانين بنخل حولهما. من قولهم حف القوم بفلان إذا حد قوابه.

وقيل: إن هذا مما سأل عنه اليهود مع قصة أهل الكهف وذي القرنين والروح، فأعلمنا الله [عز وجل] به وجعله مثلاً للكفار ولجميع المؤمنين.

وروي أن الرجلين هما أبناء فطر سويسِ ملك كان في بني إسرائيل توفي وترك ابنين أحدهما يسمى مليخا. وكان زاهداً في الدنيا وراغباً في الآخرة، فأنفق ماله في ذات الله [عز وجل] وكان الآخر يبني القصور، ويكسب الأجنة والعبيد، فزار الزاهد أخاه فوجد عليه حجاباً فلم يدخل إلا بعد إذن فسأله عن ماله. فقال: أنفقته في ذات الله، وقدمته بين يدي لأقدم عليه. وجئتك زائراً. فقال: له الغني ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ أي عبيداً. ثم كان من شأنهما ما قص الله علينا.

وقوله ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً﴾.

أي جعلنا وسط هذين البستانين زرعاً ﴿كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ أي: أطعم ثمرها ﴿وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً﴾ أي: لم تنقص من الأكل شيئاً ﴿وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً﴾ أي: بين أشجارهما. وفجرنا: سيلنا.

وأجاز النحويون في غير القرآن: آتتا أكلهما.

وأجاز الفراء كلتا الجنتين آتى أكله، رده على معنى كل. وفي حرف عبد الله "كلا الجنتين اتى أكله".

* *

ثم قال: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾.

أي: ذهب وفضة، قاله مجاهد وكذلك ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢] وقال: قتادة: هو المال الكثير من أنواع شتى. وقال: ابن عمر [وابن عباس]، ثمر: مال.

وقال: مجاهد: كل ما في القرآن من "ثُمر" بالضم فهو المال، وما كان "من ثَمر" بالفتح" فهي من الثمار.

وقال ابن زيد: الثمر هنا الأصل، وكذلك ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢] أي: بأصله.

وهو جمع ثمار، كحمار وحمر، وثمار جمع ثمرة، فأما من أسكن الميم فإنما أسكن استخفافاً. ومعناه كمعنى قراءة من ضم. فأما من فتح الميم والثاء، فإنه جعله جمع ثمرة كخشبة وخشب.

* *

ثم قال: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ [وَهُوَ يُحَاوِرُهُ]﴾ الآية.

أي قال: صاحب الجنتين لصاحبه، الذي لا مال له، وهو يخاطبه ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ أي: أعز عشيرة ورهطاً.

18:35–41Page 298

وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا ٣٥

And he entered his garden while he was unjust to himself.1 He said, "I do not think that this will perish - ever.

وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا ٣٦

And I do not think the Hour will occur. And even if I should be brought back to my Lord, I will surely find better than this as a return."

قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا ٣٧

His companion said to him while he was conversing with him, "Have you disbelieved in He who created you from dust and then from a sperm-drop and then proportioned you [as] a man?

لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٣٨

But as for me, He is Allāh, my Lord, and I do not associate with my Lord anyone.

وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا ٣٩

And why did you, when you entered your garden, not say, 'What Allāh willed [has occurred]; there is no power except in Allāh'? Although you see me less than you in wealth and children,

فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا ٤٠

It may be that my Lord will give me [something] better than your garden and will send upon it a [disastrous] penalty from the sky, and it will become a smooth, dusty ground,

أَوۡ يُصۡبِحَ مَآؤُهَا غَوۡرٗا فَلَن تَسۡتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبٗا ٤١

Or its water will become sunken [into the earth], so you would never be able to seek it."

قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ إلى قوله ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾.

أي دخل هذا الذي له جنتان جنته، وهو كافر بالله [سبحانه] وبالبعث شاكاً كما في قيام الساعة، وذلك ظلمه لنفسه، فقال: ﴿مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً﴾ لما رأى جنته وحسن ما فيها من الثمار والأنهار شك في المعاد.

فقال: ما أظن أن تبيد هذه الجنة أي لا تخرب ولا تفنى.

* *

ثم قال: ﴿وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ [قَائِمَةً]﴾ شك في قيام الساعة. ثم قال: غير موقن بالبعث: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾ يقول: إن كان ثَمَّ بعثٌ فلي عند ربي خير من جنتي. لأنه لم يعطني هذا في الدنيا إلا ولي عنده أفضل منهما في المعاد إن كان ثم معاد.

وتحقيق المعنى، ولئن رددت إلى ربي، على قول صاحبي وقد أعطاني هذا في الدنيا فهو يعطيني في الآخرة أفضل من ذلك. فدل هذا على أن صاحبه المؤمن أعلمه أن ثم بعث ومجازاة. ومثله ﴿أَيْنَ شُرَكَآئِيَ﴾ [النحل: ٢٧] فأضافهما إلى نفسه، والمعنى أين شركائي على قولكم.

ثم قال: تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾.

أي قال: له صاحبه المؤمن وهو يخاطبه ﴿أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ﴾ يعني خلق آدم أباك من تراب ﴿ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾ أي: خلقك أنت من نطفة الرجل والمرأة.

﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ أي عدلك سوياً رجلاً لا امرأة، فكفرت به أن يعيدك خلقاً جديداً بعد موتك. [﴿لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي﴾ أي] لكن [أنا] أقول هو الله ربي ولا أشرك بربي أحداً.

وهذا يدل على أن صاحب المال كان مشركاً إذ نفى هذا المؤمن الإشراك عن نفسه.

* *

ثم قال: ﴿وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾ أي هلا إذ دخلت بستانك فأعجبك ما رأيت فيه قلت: ما شاء الله كان ولا قوة على ما نحاول من الطاعة إلا بالله، قال: أبو عامر الباجي: من أكثر من قول ما شاء الله لم يصبه شيء إلا رضي به.

قال: أبو محمد [رضي الله عنه]: وقوله المسلمين بأجمعهم ما شاء الله كان، وقبولهم لهذا القول واستمالتهم له بأجمعهم يدل على أن ما حدث في الدنيا وما يحدث من خير وشر فبمشيئة الله [سبحانه]، وبقدرته [عز وجل] وإرادته [تعالى] [كان] خلافاً لقول المعتزلة أن ثم أشياء كثيرة حدثت بغير مشيئة الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً، بل كل بمشيئته وارادته يفعل ما يشاء. كما قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ [الحج: ١٨] ولو حدث شيء بغير مشيئته وإرادته لكان مقهوراً مغلوباً، جل وتعالى عن ذلك.

وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة تحت العرش؟ قال: قلت: بلى بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال: [لا] قوة إلا بالله إذا قالها العبد قال: الله: "أسلم عبدي واستسلم

ثم قال: [له]: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ أي: في الدنيا ﴿فعسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً [مِّنَ ٱلسَّمَآءِ]﴾ أي: عذاباً.

وواحد الحسبان حسبانة وهي المرامي، قاله قتادة والضحاك وقال: ابن زيد الحسبان قضاء الله [عز وجل يقضيه].

والحسبان في اللغة الحساب كما قال: تعالى: ﴿ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] أي: بحساب. وتقدير الآية على هذا: أن يرسل عليها عذاب حسبان ما كسبت يداك مثل ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].

* *

ثم قال: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾.

أي: فتصبح أرضاً ملساء لا شيء فيها من شجر ولا غرس، ﴿زَلَقاً﴾ لا ينبت في أرضها قدم لإملاسها ودروس ما كان ثابتاً فيها.

والصعيد وجه الأرض الذي لا نبات فيه قال: قتادة ﴿صَعِيداً زَلَقاً﴾ أي قد حصد ما فيها ولم يترك شيء. قال: ابن عباس: مثل الجرز.

* *

ثم قال: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً﴾.

أي غائراً. وهو مصدر وضع موضع اسم الفاعل كما قال: رجل عدل أي عادل. وهذا مما يبقى على لفظه في الواحد والاثنين والجماعة والمؤنث.

ومعنى غائر ذاهب في الأرض فلا يلحقه الرشاء.

* *

ثم قال: ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾.

أي: فلن تدرك الماء الذي كان في جنتك إذا غار.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском