Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:102–111
2:102Page 16
وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتۡلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَيۡمَٰنَۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ وَلَقَدۡ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖۚ وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٢
And they followed [instead] what the devils had recited during the reign of Solomon. It was not Solomon who disbelieved, but the devils disbelieved, teaching people magic and that which was revealed to the two angels at Babylon, Hārūt and Mārūt. But they [i.e., the two angels] do not teach anyone unless they say, "We are a trial, so do not disbelieve [by practicing magic]."1 And [yet] they learn from them that by which they cause separation between a man and his wife. But they do not harm anyone through it except by permission of Allāh. And they [i.e., people] learn what harms them and does not benefit them. But they [i.e., the Children of Israel] certainly knew that whoever purchased it [i.e., magic] would not have in the Hereafter any share. And wretched is that for which they sold themselves, if they only knew.
قوله: ﴿وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ﴾ الآية.
* *
قوله: ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ﴾.
يجو أن تكون "ما" نافية فيحسن الابتداء بها. وأن تكون بمعنى "الذي" أي: واتبعوا الذي أنزل على الملكين، فلا يبتدأ بها.
وقيل: "ما" في موضع نصب بـ "يعلمونَ"، أي: ويعلمون ما أنزل على الملكين فيتعلمون أي فهم يتعلمون.
وقال الفراء: هو معطوف على ﴿يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ﴾ ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ وأجاز أن يكون مردوداً على قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ على إضمار تقديره. "فيأتون فيتعلمون". ويجوز أن يكون مردوداً على ﴿فَلاَ تَكْفُرْ﴾ لأن معناه: "فلا تتعلم السحر". فيكون تقديره: "فلا تتعلم فيأتون فيتعلمون".
* *
قوله: ﴿عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ﴾.
أي: في حين ملكه، "فعلى" بمعنى "في" كما وقعت "في" بمعنى "على" في قوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي على: جذوع النخل.
ومعنى "تَتْلُو" تقرأ، وقيل: تروي.
* *
قوله: ﴿لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ﴾.
"من" بمعنى "الذي"، وأجاز الفراء أن تكون للشرط ولا يجوز ذلك عند البصريين. والضمير في ﴿وَٱتَّبَعُواْ﴾ يعود على اليهود الذين وصفهم الله قبل، بنبذ الكتاب والكفر والجحود وغير ذلك، وهم اليهود الذين هم بحضرة رسول الله [عليه السلام] لأنهم تركوا كتابهم واتبعوا السحر.
﴿عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ﴾: أي: على عهده.
قال السدي: "كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتسمع ما أُخْبِرَ به الملائكة مما يحدث في الأرض من موت أو جدب أو غير ذلك فيخبرون به الكهنة، فتحدث الكهنة الناس ويزيدون فيه مع كل كلمة سبعين كلمة من الكذب. فاكتتب الناس ذلك في الكتب، وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب. فجمع سليمان تلك الكتب فجعلها في صندوق ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين يدنو من كرسيه إلا احترق. وانتهى الناس عن إضافة الغيب إلى الشياطين. فلما مات سليمان ﷺ وانقرض العلماء، تمثل الشيطان في صورة الإنسان، وأتى نفراً من بني إسرائيل فقال: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبداً؟ قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسي. وذهب معهم فأراهم المكان فحفروا، فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها قال: إن سليمان إنما كان يملك الجن والإنس والطير بهذا السحر. ثم ذهب عنهم، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحراً، فطلب بنو إسرائيل السحر، فلما بعث النبي ﷺ خاصموه بها، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُواْ﴾".
وقال الربيع في خبر رفعه إلى النبي ﷺ: أن اليهود سألوا النبي ﷺ عن السحر فقال لهم النبي [عليه السلام]: إِنِّما عَمَدَتِ الشَّيَاطِينُ فِي عَهْدِ سُلَيْمَانَ إِلَى السِّحْرِ وَالكَهَانَةِ فَوَضَعَتْهُ فِي كُتُبٍ وَدَفَنَتْه تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ، فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَانُ اسْتَخْرَجُوا الكُتُبَ وَخَدَعُوا بِهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَاتَّبَعوهَا
وقال ابن جريج: "عني بذلك اليهود الذين كانوا على عهد سليمان".
وقال ابن إسحاق: "إنما كتبت الشياطين ما كتبت حين علمت بموت سليمان ﷺ؛ كتبت: من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا فليفعل كذا وكذا. فكتبوا أصنافاً وختموا عليه وعنونوا: هذا ما كتب آصف بن برخيا الصِّديق للملك سليمان بن داود. ثم دفنوه تحت الكرسي. فاستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل واتبعته، وقالوا: ما ملك سليمان إلا بهذا. فأفشوا السحر في الناس، فليس السحر في أحد أكثر منه في اليهود. وقد سحروا النبي ﷺ".
وبابل: موضع يقال الملكان فيه في سرب من الأرض معلقين في ضوء كضوء النهار.
وقيل: إنما سمي بابلاً لأن الألسنة فيه تبلبلت، وافترقت الأمم من ذلك المكان في الآفاق لاختلاف ألسنتها.
وقيل: إن ذلك إنما كان على عهد فرعون إذ جمع الناس لبنيان الصرح، ومن ذلك الوقت لا تدع الريح بنياناً يبلغ ذراعاً إلا دمرته.
وقال ابن عباس: "إن سليمان لما ذهب ملكه ارتد فئام من الناس من الجن والإنس وأحدثوا سحراً، واتبعوا الشهوات. فلما رجع سليمان إلى ملكه، أخذ تلك الكتب ودفنها. فلما مات ظهرت الإنس والجن على تلك الكتب، وقالوا: هذا كتاب من عند الله أخفاه عنا سليمان فجعلوه ديناً".
* *
ومعنى ﴿تَتْلُواْ﴾: تحدث وتروي وتتكلم.
وقيل: معناه تتبع.
* *
قوله: ﴿عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ﴾.
أي: في ملكه وعهده.
قال ابن عباس: "كان سبب محنة سليمان ﷺ أن أهل امرأة له يقال لها جرادة اختصموا إليه مع خصماء لهم فكان هوى سليمان أن يكون الحق لأهل جرادة فيقضي لهم فعوقب حين لم يكن هواه فيهم واحداً. وكان سليمان ﷺ إذا أراد أن يدخل الخلاء أو يقضي حاجة أعطى خاتمه لجرادة، فلما أراد الله منه ما أراد جاء الشيطان يوماً في صورة سليمان إلى جرادة فقال: هاتي الخاتم. فأخذه فلبسه فدانت له الشياطين والجن والإنس. فلما جاءها سليمان يطلب الخاتم، قالت له: كذبت لست سليمان فعرف سليمان أنه ابتلي، فعند ذلك كتبت الشياطين سحراً ودفنوه تحت الكرسي، وأخرجوه بعد موته، فضل الناس به، وتبرأ كثير منهم من سليمان ﷺ.
* *
قوله: ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ﴾.
"ما" في موضع نصب عطفاً على "ما" في قوله: ﴿وَٱتَّبَعُواْ مَا﴾. وإن شئت عطفاً على السحر أي: ﴿يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ﴾.
وقيل: ما جحد قاله ابن عباس . أي لم ينزل على الملكين السحر.
* *
ومعنى ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ أي يخبرانه بالسحر ليتجنبه ولئلا يقع فيه وهو لا يدري فيقولان: "السحر هو كذا وكذا، فاجتنبه فإنه كفر".
وتقدير قول من جعل "ما". [نفيا أن يكون في] الكلام تقديم وتأخير على ترتيب: "واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان، وما كفر سليمان، وما أنزل على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمان الناس السحر ببابل هاروت وماروت".
وقيل: يعني بالملكين هنا: جبريل وميكائيل عليهما السلام، لأن سحرة اليهود تزعم أن الله تعالى أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل، فأكذبهم الله بذلك وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأن تعلم الناس ذلك ببابل وأن الذي يعلمه رجلان اسمهما هاروت وماروت. فهو رد على الشياطين.
وقيل: الذي يتعلمه من الناس هاروت وماروت. فهو رد على الناس.
وقال قتادة والزهري عن عبد الله: "كانا ملكين أهبطا إلى الأرض للحكم بين الناس فحاكمت إليهما امرأة فحافا، فأتيا ينهضان إلى السماء فلم [يقدرا، وخُيّرا] بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا فكانا يعلمان الناس السحر، فأخذ عليهما ألا يعلما أحداً حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾.
وذكر ابن الأعرابي في "الياقوتة" أن معنى "يُعَلِّمَان": "يُعْلِمانِ" مخففاً. قال: والعرب تقول: "تعلم مني" أي: اعلم. قال: ومعناه: أن الساحر يأتي الملكين فيقول: أخبراني عما نهى الله عنه [فننتهي عنه]، فيقولان: نهى عن الزنا، فيقول: وما الزنا؟ فيصفانه له. ويقولان: نهى عن اللواط ويصفانه. ونهى عن السحر ويصفانه له لينتهي عنه، فينصرف ويخالف ويكفر.
فالمعنى: وما يعلمان من أحد حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ [فَلاَ تَكْفُرْ]﴾" أي: اختبار من الله فلا تكفر، فتعمل بما ينهاك عن العمل به.
وروي عن ابن عباس في قصة الملكين: "أن الله تعالى أطلع الملائكة على أعمال بني آدم، فقالوا: يا رب هؤلاء بنو آدم الذي خلقته بيدك، و [أسجدت له] ملائكتك، وعلمته أسماء كل شيء يعملون بالخطايا. فقال الرب لهم: أما إنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم. قالوا: سبحانك، ما كان ينبغي لنا. قال: فأمروا أن يختاروا ملكين ليهبطا إلى الأرض، فاختاروا هاروت وماروت فأهبطا إلى الأرض وأحل لهما كل شيء إلا الشرك والسرقة والزنا وشرب الخمر، وقتل النفس. قال: فما أشهرا حتى عرض لهما بامرأة، قد قسم لها بنصف الحسن، فلما أبصراها تعرضا لها، قالت: لا، إلا أن تشركا بالله شيئاً ، وتشربا الخمر وتقتلا النفس، وتسجدا لهذا الصنم. قالا: ما كنا لنشرك بالله شيئاً. فقال أحدهما للآخر: ارجع إليها. فقالت: لا، إلا أن تشربا الخمر، فشربا حتى ثملا، ودخل عليهما سائل فقتلاه. فلما وقعا فيما وقعا من الشر، أفرج الله لملائكة السماء لينظروا إليهما فقالوا: سبحانك أنت أعلم. فأوحى الله تعالى [إلى سليمان] بن داود أن يخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا".
وروي عن ابن عباس أنه قال: "نزلت الزهرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس، وكانت الملائكة من قبل يستغفرون للذين آمنوا: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً﴾ [غافر: ٧] فلما وقع الملكان في الخطيئة استغفروا لمن في الأرض".
وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: "كانت الزهرة امرأة جميلة من أهل فارس، فلما أراداها قالت: لا، إلا أن تعلماني الكلام الذي إذا تكلم به عرج إلى السماء. فعلماها فعرجت إلى السماء، فمسخت كوكباً".
قال كعب: "والله ما أمسيا في الأرض من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استكملا فعل جميع ما نهيا عنه".
وقال السدي : "إن هاروت وماروت طعنا في بني آدم وأحكامهم. فقيل لهما: إني أعطيت بني آدم عشراً من الشهوات فيها يعصون. فقالا: لو أعطينا تلك الشهوات ونزلنا لحكمنا بالعدل. فأعطيا ذلك، ونزلا ببابل. فكانا يحكمان إلى المساء، ثم يصعدان، فإذا أصبحا نزلا. فأتتهما امرأة تخاصم زوجها فأعجبهما حسنها [فكلماها في نفسها]، فقالت: لا، حتى تقضيا لي على زوجي، فحكما لها عليه، ووعدتهما قرية خربة فأتياها. فلما أرادا منها الحاجة، قالت: لا، حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء، وبأي كلام تنزلان، فأخبراها، [فتكلمت فصعدت وأنساها الله] الاسم الذي تنزل به، فبقيت مكانها وجعلها الله تعالى كوكباً وهي الزهرة. فخُيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا".
وكان ابن عمر يلعن الزهرة. رواه نافع عنه.
وكل هذه الأخبار تدل على أن "ما" في قوله: ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ﴾ ليست بنفي.
وروى ابن وهب أن خالد بن أبي عمران ذُكر عنده هاروت وماروت أنهما يعلمان السحر، فقال: "ننزههما عن هذا". فقرأ بعض القوم ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ﴾ فقال خالد: لم ينزل عليهما. وقرأ الحسن "المَلِكَيْنِ "بكسر اللام، وقال: "هاروت وماروت علجان من أهل بابل، وكذلك قرأه عبد الرحمن بن أبزى، لكنه قال: "هما داود وسليمان".
قال السدي: "إذا أتى الملكين أَحَدٌ يتعلم السحر يقولان له: "لا تكفر إنما نحن فتنة". فإذا أبى قالا له: "إئت هذا الرماد فبل فيه. فإذا بال عليه خرج منه نور ساطع فيسطع حتى يدخل السماء، فذلك الإيمان. ثم أقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه فذلك غضب الله. فإذا أخبرهما بما رأى وبما فعل علماه".
ومعنى ﴿إِنَّمَا نَحْنُ [فِتْنَةٌ]﴾: أي اختبار وابتلاء.
وروي أن الله جل ذكره أخذ على هاروت وماروت الميثاق ألا [يعلما أحداً] السحر حتى يقولا له: "إنما نحن فتنة فلا تكفر بفعل السحر".
وهذا يدل على قتل الساحر إذا سحر وظفر به من غير استتابة، لأنه شيء يخفيه فلا يُعلم بصحة توبته منه لو تاب.
ويقال: إنهم كانا يعلمان من السحر ما يفرق به بين الزوجين خاصة كما ذكر الله.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾.
أي: بعلمه وقضائه لا بأمره لأن الله سبحانه لا يأمر بالفحشاء، فلا تقع الفحشاء من فاعلها، إلا بعلم الله وقضائه وقدره. هذا مذهب أهل السنة والجماعة. وتعليمهم السحر هو فتنة أختبر بها الخلق.
وقيل: هو تعليم إنذار منه وتحذير منه، لا تعليم دعاء له ورغبة في العمل به.
* *
قوله: ﴿إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾.
أي: بقضائه المتقدم أنهم يفعلونه ويضرون به.
وقيل: معناه بعلم الله.
* *
وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ﴾.
* *
قوله: ﴿لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ﴾.
أي: لمن استحبه وقبله وعمل به، ما له في الآخرة من خلاق.
أي: علمت يهود في التوراة أن من اشترى السحر ما له في الآخرة من خلاق.
أي: من نصيب وحظ.
وقيل: من دين.
وقيل: من قوام.
وقيل: إن (علموا) يراد به الشياطين لأنه لو رد إلى اليهود لكان قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ نفى عنهم العلم، وقد أخبر أنهم علموا.
وقيل: علموا هو للمَلَكَين لأنهم يقولون: لا تكفر، فقد علموا أنه لا خلاق لمن اشتراه في الآخرة، وثُني كما يقال: "الزَّيدان قاموا".
وقال الزجاج: "علموا": هم علماء اليهود".
* *
وقوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾.
قيل لهم ذلك لأنهم صاروا في محل من لا علم عنده إذ لم ينتفعوا بعلمهم، فصاروا بمنزلة الجاهل بهذا الأمر، فنفى عنهم العلم بعد أن أخبر أنهم علموا من أجل ذلك. وهذا مشابه لقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لأنهم لما لم ينتفعوا بهذه الأعضاء كانوا بمنزلة من عَدِمَها، فوصفوا بذلك وهم غير صم ولا بكم ولا عمي.
﴿وَشَرَوْاْ﴾ هنا بمعنى باعوا. وتقدير الكلام عند الطبري: وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون"، أي: يَعْلَمون أنه يضرهم في الآخرة ولا ينفعهم. يريد به الذين يتعلمون السحر للتفريق بين المرء وزوجه.
* *
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ﴾.
يريد به علماء اليهود. فإيجاب العلم لعلماء اليهود ونفيه هو عن الذين يتعلمونه للتفريق.
وقتل الساحر عند مالك واجب بهذه الآية إذا سحر بنفسه لأنه كفر لقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَكْفُرْ﴾. والكافر إذا ستر كفره [قتل إلا أن] يأتي قبل أن يُعرف به، فيخبر بما كان سَتَر، فإن توبته تقبل. ومثله الزنديق عند مالك يقتل إذا قدر عليه ولا يستتاب. فإن أَظْهَره قبل أن يُظهر عليه استتيب، فإن تاب وإلا قتل. وهو والزنديق سواء.
والزنديق هو الذي يظهر الإسلام ويُسِر الكفر، فلا تقبل توبته لأنا لا ندري ما في ضميره، وقد قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]. فلا تنفع الساحر، [و] الزنديق توبتهما إذا ظفر بهما، وتنفعهما إذا أتيا قبل أن يُقدر عليهما، كما كان هؤلاء تنفعهم توبتهم قبل إتيان العذاب، ولا ينفعهم ذلك عند رؤية العذاب. وهو قول عثمان بن عفان، وابن عمر، وحفصة، وجماعة من الصحابة والتابعين.
ولا يقتل ساحر أهل الكتاب عند مالك، ولكن يعاقب إلا أن يقتل بسحره فيقتل أو يُحدِث حَدثاً فيؤخذ منه بقدر ذلك.
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: "لا يقتل ساحر أهل العهد إلا أن يدخل بسحره ضرراً لم يعاهد عليه على مسلم".
وكذلك روى ابن القاسم: قال مالك في المرأة تعقد زوجها عن نفسها أو عن غيرها. قال: "ينكل بها ولا تقتل".
وقال الشافعي: "لا يقتل الساحر ولكن يسأل عن سحره، فإن كان كفراً استتيب منه، فإن تاب وإلا قتل، وكان ماله فيئاً".
2:103Page 16
وَلَوۡ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَمَثُوبَةٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ خَيۡرٞۚ لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٣
And if they had believed and feared Allāh, then the reward from Allāh would have been [far] better, if they only knew.
قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ وٱتَّقَوْا﴾.
أي: لو أن الذين [يتعلمون السحر آمنوا أي: بمحمد ﷺ، وما أنزل الله، ﴿وٱتَّقَوْا﴾] أي اتقوا الكفر وعمل السحر - لوجب لهم عند الله الثواب على ذلك. فهو خير لهم لو كانوا يعلمون قدر ذلك.
وقيل: ﴿لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾: أي لو علموا مبلغ ثواب الله ورضاه ومقدار ذلك.
وقيل: معنى: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾: لرجعة إلى الله خير.
وقيل معنى ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾: أي: لأثيبوا على ذلك، فَاسْتُغْنِيَ بالمثوبة عن الثواب، لأن المثوبة مصدر يشتمل على الماضي وغيره. "ولو" تحتاج إلى جواب يكون ماضياً، ودلت المثوبة على الماضي.
وقال ابن إسحاق: "معنى ﴿لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعملون بعلمهم.
وقيل: يعلمون حقيقة الفضل في ذلك.
2:104Page 16
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَٰعِنَا وَقُولُواْ ٱنظُرۡنَا وَٱسۡمَعُواْۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٠٤
O you who have believed, say not [to Allāh's Messenger], "Rāʿinā" but say, "Unẓurnā"1 and listen. And for the disbelievers is a painful punishment.
قوله: ﴿لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا﴾. أي: خلافاً.
وقيل: معناه أرعنا سمعك، أي: اسمع منا ونسمع منك.
قال الضحاك: "كان الرجل من المشركين يقول: "أرعني سمعك"".
قال قتادة: "هي كلمة كانت اليهود تقولها على الاستهزاء، فنهى الله المؤمنين أن يقولوا كقولهم".
وقيل: إنها لغة كانت في الأنصار فنهوا عن قولها تعظيماً للنبي ﷺ وتبجيلاً له، لأن معناها: "أرعنا نرعك"، فكأنهم لا يرعونه حتى يرعاهم، بل يرعى ﷺ على كل حال. ولا يعرف أهل اللغة: "راعيت" بمعنى "خالفت" كما روى مجاهد.
وقرأ الحسن "راعنا" من "الرعونة" منوناً ونصبها على المصدر: كأنه قال: رُعُونة. وقيل: بالقول انتصبت.
وقرأ الأعمش: "أنظِرنا - بقطع الألف وكسر الظاء - أي: أخرنا، وذلك بعيد لأنهم لم يؤمروا بالتأخير ، إنما أمروا بالقرب منه والتلطف في الخطاب.
وقيل: معنى قراءة الأعمش: أمهلنا.
* *
وقوله: ﴿وَٱسْمَعُواْ﴾ أي: واستمعوا ما يقال لكم، وَعُوه.
2:105Page 16
مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَلَا ٱلۡمُشۡرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ خَيۡرٖ مِّن رَّبِّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ١٠٥
Neither those who disbelieve from the People of the Scripture [i.e., the Jews and Christians] nor the polytheists wish that any good should be sent down to you from your Lord. But Allāh selects for His mercy whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.
ثم قال: ﴿مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ الآية.
يعني بها اليهود والنصارى أنهم لا يحبون أن ينزل على المؤمنين خير من الله.
* *
﴿وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ﴾.
أي: بنبوته ورسالته فيرسلها إلى من يشاء، ويهدي من يشاء.
2:106–107Page 17
۞ مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٠٦
We do not abrogate a verse or cause it to be forgotten except that We bring forth [one] better than it or similar to it. Do you not know that Allāh is over all things competent?
أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ١٠٧
Do you not know that to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and [that] you have not besides Allāh any protector or any helper?
قوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾.
أي: من حكم آية، قرأ ابن عامر: ما نُنسِخْ - بضم النون الأولى وكسر السين، بمعنى: "ننسخك".
قال أبو غانم: "يقال: نسخته وأنسخته مثل قبرته وأقبرته، [فقبرته دفنته، وأقبرته جعلت له] قبراً".
* *
قوله: ﴿أَوْ نُنسِهَا﴾.
من ضم النون الأولى وَكَسَر السين، فمعناه: نتركها لا نبدلها. وهو مروي عن ابن عباس على معنى: نأمرك بتركها.
ويلزم على هذا المعنى فتح النون ليصح معنى الترك إذ هو غير معروف في اللغة: أَنْسَيْتُ الشيء تركته، إنما يقال: "نسيت"، كما قال ﴿نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، أي: تركوه فتركهم. وهذا إنما يصح على قراءة من قرأ "نَنْسِهَا" بالفتح.
والصواب في معنى: "نُنْسِها" بضم النون أن يكون من النسيان على معنى: "ننسكها" يا محمد فتذهب من حفظك".
وعن ابن عباس أن في الآية: [تقديماً وتأخيراً]، والتقدير: ما نبدل من حكم آية نأت بخير منها أي بأنفع منها لكم أو مثلها.
* *
ثم قال: ﴿أَوْ نُنسِهَا﴾ أي نؤخرها فلا ننسخها ولا نبدلها.
وقيل: معناه: نأمرك بتركها كأنه: "أو ننسكها"، أي: نجعلك تتركها.
وقيل: معناه: ننسكها من النسيان أي: نزيل ذكرها من قلبك فلا تذكرها.
والفرق بين إباحة الله تعالى لنبيه ﷺ النسخ، وبين إباحته الترك، أن النسخ أن تنسخ آية بآية أخرى كنسخ قوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] لقوله: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. والترك هو ترك الآية من غير آية تنسخها كإباحة الله للمؤمنين ترك امتحان من أتاهم بعد أن قال: ﴿فَٱمْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠].
فأما قراءة من قرأ "نَنْسَأَهَا" بالهمز، فمعناه أو نؤخرها فلا ننزلها البتة.
وقيل: معناه نؤخرها بعد إنزالها وتلاوتها فلا تتلى.
وقيل: معناه نؤخر العمل بها [وننسخه ويبقى لفظه متلواً غير معمول] به. ولكل واحد من هذه المعاني أمثلة في كتاب الله عز وجل قد بيناها في كتاب: "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه".
فالنسخ يكون فيما نزل، والنَّسْءُ فيما لم ينزل فيؤخر. يقال: "نسَّأَ الله في أجلك وأَنسأَ" أي: أخر فيه.
وقيل: معنى هذا القول: ما ننسخ من آية من اللوح المحفوظ فننزلها على محمد ﷺ "أو ننسأها" أي نؤخرها في اللوح فلا ننزلها، فالمنسوخ جميع القرآن، والمنسوء ما أخر، فلم ينزل هذا على هذا التأويل.
وفيها قول ثان: وهو أن يكون معناه: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ أي: نرفعها، "أو ننسأها": أي نؤخرها فلا نرفعها.
وفيها قول ثالث: وهو أن يكون "ننسأها" [معناه نؤخرها عن] التلاوة ويبقى الحكم بها نحو آية الرجم.
وفيها قول رابع: وهو أن يكون "ننسأها" معناه نؤخره إلى وقت ما، نحو ما روي في قوله، ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥].
وقرأ الضحاك بن مزاحم "أو تُنْسَها" - بالتاء مضمومة وفتح السين - على ما لم يُسَمَّ فاعله، أي: "ينسكها الله أو الشيطان" بدلالة قوله: ﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ﴾ [الأنعام: ٦٨].
وقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾.
معناه عند أبي إسحاق وقطرب: "نأت منها بخير" وهو غلط عند النحويين. لأن من حقها أن تكون بعد "أفعل" لا قبله "وخير" أفعل فإن جعلت "خيرا" فعلاً الذي هو ضد الشر، ولم تجعله أفعل، جاز ذلك.
وقيل: المعنى: نأت بخير منها لكم، إما في تخفيف وإما في زيادة أجر في الآخرة.
وقيل: معنى ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ أي: بأنفع لكم منها في زيادة الأجر إذا صح من الأصل إذا [عملتم بها].
* *
وقوله: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾.
أي: مثلها في الآخرة، لكنها أحب إليكم من المنسوخة نحو نسخ القبلة إلى بيت المقدس، نسخت بالتوجه إلى الكعبة فهي مثلها، وهو أحب إليهم من بيت المقدس فلذلك قال: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤]. فنسخت القبلة بمثلها، والناسخة أحب إليهم من المنسوخة.
وقيل: المعنى نأت بأنفع لكم منها في الوقت الثاني، وأصلح لِحَالِكُم في النفع وصلاح الحال.
وقال السدي وغيره: "﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ أي: من التي نسخنا، ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾: أي: مثل التي تركنا فلم ننزلها".
وقيل: بخير من هذه أو هذه.
ولا يجوز لذي علم ودين أن يتأول بهذا النص تفضيل بعض القرآن على بعض لأن القرآن كلام الله جل ذكره ليس بمخلوق وإنما يقع التفضيل بين المخلوقات فاعلمه.
* *
قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾.
معناه أن النبي [عليه السلام] قد كان عالماً بذلك فضلاً من الله عليه، فخرج هذا الكلام مخرج التقرير على عادة العرب. تقول العرب للرجل: "ألم أكرمك، ألم أفضل عليك" يخبره بذلك، وينبهه عليه، وهو عالم به. ومعناه: قد علمت ذلك، فكذلك هذا.
ومعناه: قد علمت يا محمد أن الله على كل شيء قدير وعلمت أن الله له ملك السماوات والأرض.
وقال الطبري: "حرف الاستفهام في هذا داخل لمعنى الاستثبات والتنبيه لأصحاب النبي [عليه السلام] الذين قيل لهم: لا تقولوا راعنا. ويدل على صحة ذلك قوله بعد ذلك: ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾، فأتى بلفظ الجماعة. وقد قال تعالى: ﴿يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ﴾ [الطلاق: ١]، ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ [الطلاق: ١]. وقال: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١]. ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [الأحزاب: ١].
ومعنى ذلك: "أَلَمْ تعلموا أن الله قادر على تعويض ما ينسخ من أحكامه وفرائضه للتخفيف عليكم أو لزيادة أجر لكم". وهذا كله إنما هو تنبيه لليهود على أن أحكام التوراة جائز أن [تُنسخ على يدي] نبي، أو بكتاب آخر لأنهم أنكروا ما أتى به ﷺ مما ليس في التوراة، فنبهوا على أن التوراة يجوز نسخها على لسان نبي غير موسى كما كانت التوراة ناسخة لما تقدمها من الكتب. ومعنى "يَنسخ بعض كتب الله بعضاً": أنه إنما ينسخ بعضها بعضاً في الشرائع لا غير، كما قال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: ٤٨]. فالدين في الكتب كلها واحد وهو التوحيد، وهو دين الإسلام. والشرائع مختلفة يتعبد الله جل ذكره أهل كل كتاب بما شاء وبما أراد لا معقب لحكمه لا إله إلا هو.
2:108Page 17
أَمۡ تُرِيدُونَ أَن تَسۡـَٔلُواْ رَسُولَكُمۡ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١٠٨
Or do you intend to ask1 your Messenger as Moses was asked before? And whoever exchanges faith for disbelief has certainly strayed from the soundness of the way.
قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ﴾.
"أم" تقع منقطعة بعد الخبر والاستفهام تقول: "جاءني زيد" ثم تقول: "أم جاءني عمرو"، وتقول: "هل عندك زيد أم [عندك عمرو]، "و - أزيد عندك أم لا؟" كأنه في هذا كله أدركه الشك، بعد أن مضى صدر الكلام فاستدرك بـ "أم".
وتكون "أم" عاطفة بعد الاستفهام خاصة، تدل على ثبوت أحد الشيئين غير معين وعن عينه يسأل بها. فهي بمنزلة أيهما عندك" فتسأل عن العين بعد أن يستقر عندك أن ثمّ شخصاً ولا تدري من هو، ولا يكون الجواب إلا بالعين. يقول المجيب: "قلان أو فلان" ولا يجوز أن يقول: "لا، ولا نعم. وإنما لا ونعم جواب. أو إذا قلت: "أذا عندك أو ذا؟". وتقول "سواء علي أقمت أم قعدت"، فبالتسوية أجريته مجرى الاستفهام لأنك سويت الأمرين في علمك، كما استوى علمك في قولك: "أزيد عندك أم عمرو؟".
فالتسوية تُجري هذا على حروف الاستفهام، كما أجرى الاختصاص ما ليس بمنادى على حروف النداء.
قال بعض النحويين في ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾: "معناه: أتريدون".
وقيل: هي منقطعة مما قبلها بمنزلة قول العرب: "إنها لإبل أم شاء". وهذا القول بعيد لأنه لا يصح في أكثر كلام العرب إلا على حدوث شك دخل المتكلم، وذلك لا يليق بالقرآن.
وقيل: إنها مردودة على الاستفهام الذي قبلها وهو ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لأنه بمعنى: "ألم تعلموا"، ثم قال: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾.
* *
قوله: ﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ﴾.
قال ابن عباس: "[أتى رجلان من] اليهود إلى النبي [عليه السلام] فقالا له: إئتنا بكتاب نقرأه، وفَجِّر لنا أنهاراً نتبعك. فأنزل الله عز وجل: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ﴾ الآية.
* *
ومعنى ﴿سُئِلَ مُوسَىٰ﴾، هو قولهم: ﴿أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً﴾.
وقال مجاهد: "سألت قريش [النبي عليه السلام] أن يجعل لهم الصفا ذهباً، فقال: نعم، هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل. فأبوا ورجعوا، فأنزل الله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ الآية".
وقال أبو العالية: "جاء رجل إلى النبي [عليه السلام] فقال: لو كانت كفاراتنا كفارات بني إسرائيل. فقال النبي [ عليه السلام لا نبغيها]: مَا أَعْطَاكُمُ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا أَعْطَى بَنِي إِسْرائِيلَ؛ كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا أَصَابَ أَحَدُهُمْ الْخَطِيئَةَ وَجَدَهَا مَكْتُوبَةً عَلَى بَابِهِ وَكَفّارَتَها، فَإِنْ كَفَّرَهَا كَانَتْ لَهُ خِزْياً في الدُّنْيا. وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، كَانَتْ لَهُ خِزْياً فِي الآخِرَةِ. فَقَدْ أَعْطَاكُمُ الله خَيْراً مِمّا أَعْطَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قال: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ و "الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ كَفَّارَات لِمَا بَيْنَهُنْ". و "مَنْ هَمّ بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ [لَهُ حَسَنَةٌ، فَإنْ] عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عشْر أَمْثَالِهَا". ثم أنزل الله بعقب ذلك: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ الآية.
* *
قوله: ﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ﴾.
قال أبو العالية: "الشدة بالرخاء".
وقيل: الجحود بالإيمان، وهو أولى.
* *
قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾.
أي: ذهب عنه وزاغ.
والسواء هنا قصده ومنهجه. وأصل السواء الوسط.
2:109Page 17
وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَٱعۡفُواْ وَٱصۡفَحُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٠٩
Many of the People of the Scripture wish they could turn you back to disbelief after you have believed, out of envy from themselves [even] after the truth has become clear to them. So pardon and overlook until Allāh delivers His command. Indeed, Allāh is over all things competent.
قوله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾.
قيل: "كثير" هنا واحد، وهو كعب بن الأشرف . قاله الزهري.
وقيل: هما ابنا أخطب. قاله ابن عباس.
وقيل: هو عام في أكثرهم.
وفي الآية تقديم وتأخير، معناها: "وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً".
ومعنى: ﴿مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: لم يؤمروا به، ولا وجدوه في كتاب إنما اخترقوه واخترعوه من قبل أنفسهم.
﴿مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ﴾ أي: من بعد ما ظهر لهم أمر محمد ﷺ في التوراة [وصفته وعلاماته] فكفروا به وأحبوا أن تكفروا معهم به بعد إيمانكم حسداً وبغياً.
* *
ثم قال: ﴿فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ﴾.
أمر الله عز وجل المؤمنين بالعفو عنهم إلى وقت يأتي فيه أمر الله تعالى بترك العفو. فالآية منسوخة بالأمر بقتالهم وقتلهم وهو قوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وقوله: ﴿قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيتان.
* *
وقوله: ﴿وَٱقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١].
2:110Page 17
وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٠
And establish prayer and give zakāh, and whatever good you put forward for yourselves - you will find it with Allāh. Indeed Allāh, of what you do, is Seeing.
وقوله: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ﴾.
إقامة الصلاة هو أداؤها بفروضها لوقتها وهي الخمس الصلوات المفروضة.
قال أنس بن مالك: "فرضت الصلاة على النبي ﷺ ليلة الإسراء خمسين، ثم نقصت حتى جعلت خمساً تخفيفاً من الله، ثم نودي يا مُحَمَّدُ: إِنَّهُ لاَ يُبَدَّلُ القَْولُ لَدَيَّ، وَإِنَّ لَكَ بِهَذَه الخَمْسِ خَمْسِين
ويجمع أوقاتها قوله: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾[الروم: ١٧]. يريد المغرب والعشاء الآخر ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] يريد الصبح. ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]. يريد الظهر ﴿وَعَشِيّاً﴾ [الروم: ١٨]. العصر. فأما قوله تعالى: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. فقال علي بن أبي طالب "دلوكها غروبها". وهو قول ابن مسعود.
وروي عن ابن عباس: "دلوكها زوالها". وقاله ابن عمر وأبو هريرة. ﴿وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] صلاة الصبح.
وقال قتادة: "﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ﴾ [طه: ١٣٠]: هي صلاة الفجر ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] صلاة العصر. ﴿وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ﴾ [طه: ١٣٠] صلاة المغرب والعشاء الآخرة.
وأجمع أهل العلم على أن أول وقت الظهر الزوال.
وقال مالك: "آخر وقتها أن يصير ظل كل شيء مثله بعد الزوال".
وبه قال الثوري والشافعي وأبو ثور.
وقال عطاء: "لا تفريط في الظهر حتى تصفرّ الشمس".
وقال طاوس: "لا تفوت حتى الليل".
وقال النعمان: "آخر وقتها ما لم يصر الظل قامتين" وأول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله". هذا قول مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأحمد بن حنبل وأبي ثور.
وقال النعمان: "أول وقت العصر أن يصير الظل قامتين بعد الزوال، ولا تجزئ الصلاة قبل ذلك".
وآخر وقتها أن يصير ظلك مثليه.
وقال أحمد وأبو ثور: "آخر وقتها ما لم تصفرّ الشمس على وجه الأرض".
وقال إسحاق: "آخر وقتها أن يصلي منها ركعة قبل غروب الشمس لقول النبي عليه السلام "مَنْ أَدْرَكَ مِنَ العَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَدْ أَدْرَكَهَا
وهذا عند الشافعي وغيره إنما هو لأهل العذر.
وروي عن ابن عباس: "أن آخر وقتها غروب الشمس". "ووقت المغرب غروب الشمس وقتاً واحداً"، وهو قول مالك والشافعي والأوزاعي.
وقال الثوري وأحمد وإسحاق: "وقتها إلى أن يغيب الشفق".
ووقت العشاء مغيب الشفق. وهو الحُمرة في قول ابن عمر وابن عباس ومالك وسفيان وابن أبي ليلى والشافعي.
وروي عن أبي هريرة "أنه البياض"، وهو قول زفر. وآخر وقتها عند النخعي ربع الليل.
وروي عن عمر رضي الله عنه وأبي هريرة، وعمر بن عبد العزيز "إلى ثلث الليل" وهو قول مالك. وقال الثوري وابن المبارك وإسحاق "إلى نصف الليل". وروي ذلك عن عمر أيضاً. ووقت صلاة الصبح انصداع الفجر إلى طلوع الشمس، ووقت الجمعة بعد الزوال، ومن صلى الجمعة قبل الزوال لم تجزه عند الجميع إلا أحمد بن حنبل فإنه أجازه قبل الزوال.
ومعنى قولهم في التشهد: "التحيات"، قال أبو عبيد "التحيات الملك، والصلوات هي الصلوات الخمس لله، والطيبات هي الأعمال الزكيات لله".
2:111Page 17
وَقَالُواْ لَن يَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡۗ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١١١
And they say, "None will enter Paradise except one who is a Jew or a Christian." That is [merely] their wishful thinking. Say, "Produce your proof, if you should be truthful."
قوله: ﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ﴾.
معناه قالت اليهود ذلك، وقالت النصارى ذلك، فأخبرنا الله أن ذلك هما يتمنون، فقيل لهم: هاتوا برهانكم على ذلك، أي حجتكم وبيّنتكم إن كنتم صادقين. وقد [أكذب الله تمنيهم وقولهم] ذلك بقوله: ﴿فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤]، إي إن كنتم من أهل الجنة كما زعمتم، فتمنوا الموت لأنكم تنتقلون إلى ما هو خير لكم. فلما لم يفعلوا عُلم أن قولهم ذلك شيء لا حقيقة له وكذب وبهتان.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences