Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:127–141
2:127Page 20
وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٢٧
And [mention] when Abraham was raising the foundations of the House and [with him] Ishmael, [saying], "Our Lord, accept [this] from us. Indeed, You are the Hearing,1 the Knowing.2
قوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ﴾.
القواعد أساس البيت.
قال عطاء: هي قواعد آدم ﷺ كانت قد اندرست وخفي أثرها فبوأها الله [إبراهيم. قال عطاء: قال آدم] حين أهبط: ربي إني لأسمع أصوات الملائكة. قال: بخطيئتك، ولكن اُهبط إلى الأرض فابْنِ لي بيتاً، ثم احفُف به كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء. فبناه من خمسة أجبل، من حراء، وطور سيناء، وطور زيتا، والجودي، وأبي قبيس".
وروي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: "أهبط الله مع آدم ﷺ من السماء إلى الأرض بيتاً يطاف به كما يطاف بعرشه في السماء. ثم رفعه أيام الطوفان، فرفع إبراهيم ﷺ قواعد ذلك البيت. فكانت الأنبياء عليهم السلام يحجونه ولا يعلمونه حتى بوأه الله إبراهيم فأعلمه مكانه".
وقال عطاء: لمَّا أهبط الله آدم من الجنة إلى الأرض، وأهبط طوله أي: نقص، شكا أنه استوحش لِفَقْدِ أصوات الملائكة، فَوُجه إلى مكة فكان موضع قدمه قَرْية، وما بين القدمين مفازة، فأنزل الله عز وجل عليه ياقوتة من ياقوت الجنة فكانت في موضع البيت. فلم يزل يطوف به حتى أنزل الطوفان، فرفعت إلى أن بعث الله إبراهيم ﷺ فبناه".
وقال مجاهد: "لما أراد الله خلق الأرض علا الماءَ زبدةٌ حمراء أو بيضاء كهيئة القبة، ثم دحا الأرض من تحتها، وبقيت تلك الزبدة ربوة حتى بوأها الله إبراهيم ﷺ فبناه على أساسه، وأساسه على أركان أربعة في الأرض السابعة".
وقال ابن عباس: "وضع البيت على أركان الماء؛ أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت".
وفي حرف ابن مسعود: "وإسماعيل يَقُولاَنِ: رَبَّنَا" فدل على أنهما جميعا دَعَوا. وقيل: القائل هو إسماعيل ﷺ وحده. والمعنى إذ يقول إسماعيل "ربنا".
قال ابن عباس، "كان إبراهيم يبني، وإسماعيل ينقل الحجارة، فلما انتهى إلى موضع الحجر قال لإسماعيل: جئني بحجر حسن يكون عَلَماً للناس. فذهب إسماعيل فأتى بحجر فقال له: جئني بأحسن من هذا. فمضى إسماعيل ﷺ يطلب فنادى أبو قبيس: "يا إبراهيم، يا خليل الرحمن، إن لك عندي وديعة فَخُذها، فإذا هو بحجر أبيض من ياقوت الجنة كان قد نزل به آدم عليه السلام من الجنة".
وروي أن أبا قبيس جبل هاجر من خراسان إلى مكة. وقال النبي [عليه السلام] "الحَجَرَ يَاقُوتَةٌ مِنْ يَاقُوتِ الجَنَّةِ [بَيْضَاءٌ، وَلَولاَ مَا لاَمَسَهُ] مِنْ أَجْنَاسِ المُشْرِكينَ وَأَرْجَاسِهِمْ مَا مَسَّهُ ذُو عَاهَةٍ إلاَّ شَفَاهُ اللهُ عز وجل
وقال عليه السلام: "الحَجَرُ يَمينُ اللهِ يُصَافِحُ بِهِ عِبَادَهُ وَلَيَأْتِيَنِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالمَقَامُ، وَلَهُمَا لِسَانَانِ وَشَفَتَانِ يَشْهَدَانِ لِمَنْ وَافَاهُمَا بِالوَفَاءِ
وذكر السدي أن إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما وسلم لما أرادا البناء لم يدريا أين البيت. فبعث الله عز وجل ريحاً يقال لها الخجوج لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، فوضعا المعاول يحفران حتى وضعا الأساس فذلك قوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ﴾ [ الحج: ٢٦]، فلما بلغا في البناء إلى الركن قال إبراهيم لإسماعيل: اطلب لي حجراً حسناً أضعه هنا. قال: يا أبت. إني كسلان تعب. قال: على ذلك. فانطلق يطلب [حجراً فجاءه بحجر فلم يرضه، فقال ائتني بحجر أحسن من هذا، فانطلق [يطلب حجراً] وجاء جبريل [عليه السلام] بالحجر الأسود وكان ياقوتة بيضاء مثل الثغامة وكان آدم ﷺ هبط به من الجنة فاسودّ من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل ﷺ بحجر فوجده عند الركن، فقال: يا أبت من جاءك بهذا؟ فقال: جاء به من هو أنشط منك فبنياه".
وقال عبيد بن عمير الليثي: أتى إبراهيم، وإسماعيل عليهما السلام يَبْرَى نبلاً قريباً من زمزم، فلما رآه [قام إليه]، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل إن الله [جل وعز] أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً - وأشار إلى الكعبة مرتفعة على ما حولها - قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فكان إسماعيل صلى الله على محمد [و] عليه وسلم يأتي بالحجارة وإبراهيم ﷺ يبني، حتى ارتفع البناء، فجاء بهذا الحجر يعني المقام، فقام [عليه إبراهيم] يبني، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾.
فمعنى الآية: أنها خبر من الله عز وجل عن إبراهيم وإسماعيل صلى الله على محمد و[عليهما وسلم] وما كانا يفعلان في بناء البيت، وما كانا يقولان وهما يبنيان.
2:128–129Page 20
رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٨
Our Lord, and make us Muslims [in submission] to You and from our descendants a Muslim nation [in submission] to You. And show us our rites [of worship] and accept our repentance. Indeed, You are the Accepting of Repentance, the Merciful.
رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٢٩
Our Lord, and send among them a messenger from themselves who will recite to them Your verses and teach them the Book and wisdom and purify them. Indeed, You are the Exalted in Might,1 the Wise."
وقوله: ﴿رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾.
أي: خاضعين لأمرك، مستسلمين لك، لا نشرك معك في الطاعة أحداً، فالمسلم الذي قد استسلم لأمر الله [عز وجل]. والمؤمن هو الذي أظهر القبول لأمر الله سبحانه فأضمر مثل ذلك.
فأما قوله: ﴿قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]. فمعناه ولكن قولوا: خضعنا وأظهرنا الإسلام. فالمسلم على ضربين: مسلم أظهر مثل ما أضمر فهذا مؤمن مسلم، ومسلم يظهر غير ما يبطن، فهذا غير مؤمن. إنما هو مستسلم في الظاهر ولذلك قال لهم: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] أي: إنما أظهرتم الإسلام خشية القتل، ولم يدخل في قلوبكم منه شيء.
وقوله في الدعاء: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾.
دخول "مِنْ" يدل على التخصيص لبعض الذرية، لأن الله تعالى قد أعلم إبراهيم ﷺ أن من ذريته من لا يناله عهده لظلمه وفجوره. فخص إبراهيم عليه السلام بدعوته، ولم يعم لما تقدم عنده من الخبر عن الله تعالى.
والأمة هنا عني بها الجماعة.
وتكون الأمة الإمام كقوله في إبراهيم ﷺ ﴿كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]، أي: إماما يقتدى به.
وتكون الأمة السنين كقوله:﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ﴾ [هود: ٨]، أي: إلى سنين.
وتكون الأمة الملة كقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]. أي: على ملة ودين.
وقيل: الأمة هنا محمد وأمته ﷺ.
[قوله] ﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾.
يعني [محمداً عليه السلام].
وقول إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ يدل على أن الإسلام والإيمان سواء، إذ لم يسألا إلا أعلى الرتب وأشرف المنازل، وهو الإيمان الذي هو الإسلام.
[قال] مالك: "لما وقف إبراهيم على المقام أوحى الله إلى الجبال أن تأخري عنه، فتأخرت حتى أراه موضع المناسك وهو قوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ﴾ إلى قوله: ﴿لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. معناه أظهر لأعيننا مكان المناسك ان جعلته من رؤية العين.
وقيل: معناه عَلِّمناها وعَرِّفناها.
والمناسك: مناسك الحج ومعالمه.
وقال قتادة: "فأراهما الله مناسكهما بالطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة والإفاضة من عرفات، ومن جمع، ورمي الجمار حتى أكمل لهما الدين".
قال السدي: "لما فرغ إبراهيم ﷺ وعلى محمد من بنيان البيت، أمره الله [أن] ينادي، فقال: ﴿وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]، فنادى بين أخشبي مكة: يا أيها الناس، إن الله يأمركم أن تحجوا بيته. قال: فوقرت في قلب كل مؤمن، فأجابه كل شيء سمعه من جبل أو شجر أو دابة: لبيك، لبيك - أجابوه بالتلبية -: لبيك اللهم لبيك، فأتاه من أتاه. وأمره الله عز وجل أن يخرج إلى عرفات، ونعتها الله له فخرج. فلما بلغ الشجرة عند العقبة، استقبله الشيطان يرده، فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، فطار اللعين فوقع على الجمرة الثانية [أيضاً فصده]، فرماه وكبّر فطار اللعين فوقع على الجمرة الثالثة فرماه وكبّر. فلما رأى أنه لا يطيقه انطلق حتى أتى ذا المجاز، ولم يدر إبراهيم ﷺ أين يذهب فلما أتى إبراهيم ﷺ ذا المجاز لم يعرفه فجازه، فسمي ذا المجاز. ثم انطلق، حتى وقع بعرفات فلما نظر إليها إبراهيم ﷺ عرف النعت، فقال: قد عرفت، فسمى ذلك المكان عرفات. فوقف إبراهيم ﷺ بعرفات حتى إذا أمسى ازدلف بجمع، فسميت المزدلفة. فوقف بجمع ثم أقبل حتى أتى الشيطان حيث لقيه أولاً فرماه بسبع حصيات، سبع حصيات، ثم أقام بمنى حتى فرغ من الحج".
وقيل: المناسك المذابح. فالمعنى على هذا: وأرنا كيف ننسك لك يا رب نسائكنا، فنذبحها لك.
قال عطاء: "مناسكنا ذبحنا". وعنه: "مذابحنا". وكذلك قال مجاهد.
وقيل: مناسكنا متعبداتنا. ومنه قيل للعابد ناسك.
قال ابن عباس: "لما قال إبراهيم ﷺ: "﴿رَبَّنَا وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾، أتاه [جبريل ﷺ] وعلى محمد بهذا الحجر من الجنة الذي يقال له المقام - وهو ياقوتة بيضاء - فأقامه عليه. ثم رفعه إلى السماء حتى أشرف به على البلاد كلها. فأراه أعلام الحرم وجميع مناسك الحج كلها عرفات، والمزدلفة، ومنى، وجميع المناسك. ثم قال له: ﴿وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ﴾.
وواحد المناسك منسك مثل "مسجد".
وقيل: منسك وكان يجب أن يكون على "مَنْسُك" بالضم لأنه من "فَعَلَ يَفْعُلُ" إلا أنه ليس في الكلام "مَفْعُلُ".
وقيل: المنسك الموضع الذي ينسك فيه لله عز وجل، ويتقرب فيه إليه سبحانه بما يرضيه من الأعمال الصالحة.
وأصله الموضع الذي يعتاده الإنسان يفعل فيه الخير، ولذلك [قيل: مناسك الحج لأنها مواضع] قد اعتادها الناس لفعل الخير.
* *
ثم قال: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَآ﴾.
التوبة الرجوع من مكروه إلى محبوب، فتوبة العبد إلى ربه رجوعه مما هو عليه من المكروه بالندم عليه والإقلاع عنه والعزم على ترك العمود فيه.
وتوبة الرب سبحانه على عبده عوده عليه بالعفو عنه عن جرمه وذنبه.
- فإن قيل: وهل كانت لهما ذنوب فاحتاجا إلى مسألة ربهما التوبة؟.
- فالجواب: أنه ليس أحد من خلق الله عز وجل إلا وله من العمل فيما بينه وبين ربه عز وجل ما يجب عليه الإنابة [منه والتوبة، فخصا] الموضع الذي كانا فيه بالدعاء ليستجاب لهما على طريق التبرك به، وليكون دعاؤهما في ذلك المكان سُنة لمن بعدهما، وليتخذ الناس بعدهما تلك البقعة موضع تنصل من الذنوب ورجوع عن المكروه.
وقيل: عَنَيا بقولهما: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَآ﴾: وتب على الظلمة من ذريتنا الذين أعلمتنا أن منهم ظالماً.
* *
وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾.
معناه إنك أنت العائد في الفضل على عبادك، المتفضل بالغفران لذنوبهم، الرحيم بهم.
* *
ثم قال: ﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
هذه دعوة إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما وسلم لنبينا محمد ﷺ.
وكان النبي [عليه السلام يقول]: "أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْراهيمَ وَبُشْرَى عِيسَى
قال قتادة: "[فأجاب] الله دعوتهما، فبعث الله فيهم رسولاً من أنفسهم يعرفون وجهه ونسبه، يخرجهم من الظلمات إلى النور، وهو محمد ﷺ" قال الربيع: "فقيل لإبراهيم: قد استجيب لك، وهو في آخر الزمان".
* *
وقوله: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ﴾.
من نعت الرسول. أي: يقرأ عليهم كتابك، وكذلك ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ﴾ ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾، كله من نعت الرسول ﷺ.
والكتاب القرآن.
قال قتادة: "الحكمة: السنة".
وقال ابن وهب: "قلت لمالك: ما الحكمة؟ فقال: المعرفة في الدين والفقه فيه والاتباع له".
وقال ابن زيد: "الحكمة. العقل في الدين".
* *
ومعنى ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾: ويطهرهم من الشرك بك ويكثرهم بطاعتهم لك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ﴾.
أي: أنت القوي الذي لا يعجزه شيء المنيع الغالب. وأصل العزة المنع والغلبة، والعرب تقول: "مَنْ [عزّ بَزّ]"، أي: من غلب استلب.
وقولهم: "أَدَامَ اللهُ عِزَّكَ"، أي: غلبتك وظفرك.
والحكيم الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل.
وقال الطبري: "الحكيم ذو الحكمة".
وقيل: "الحكيم الحاكم".
وقيل: "الحكيم: معناه المحكم، أي المحكم ما خلق".
وقال ابن عباس: "العليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته".
2:130Page 20
وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَقَدِ ٱصۡطَفَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٣٠
And who would be averse to the religion of Abraham except one who makes a fool of himself. And We had chosen him in this world, and indeed he, in the Hereafter, will be among the righteous.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾.
أي: ومن يزهد في دين إبراهيم الحنيفية المسلمة إلا من سفه نفسه ورغب عن ملته. واتخاذ اليهودية والنصرانية بدعة ليست من عند الله، هذا معنى قول قتادة والربيع.
وقيل: المعنى: ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا سفيه جاهل بموضع حظ نفسه فيما ينفعها ويضرها في معادها.
قال ابن زيد: "﴿إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: معناه من أخطأ حظّه".
ومذهب الفراء أن "نفسه" منصوب على التفسير مثل "ضِقْتُ بهِ ذَرْعاً".
قال: وهو من المعرفة كالنكرة، ولا يجوز أن يكون التمييز معرفة عند البصريين ومثلها عنده: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: ٥٨]. ولا يجوز عند الفراء التقديم.
وقال الكسائي وهو أحد قولي الأخفش - المعنى: إلا من سفه في نفسه، فلما حذف الحرف نصب. ويُجيزان التقديم.
ومذهب أهل التأويل أن معناه: سفه نفسه. فهو مفعول به.
وقال يونس: "أراها لغة".
وقال أبو عبيدة: "معناه: [أهلك نفسه".
ومذهب] البصريين أنه مثل: "ضرب فلان الظهر والبطن" أي: في الظهر [والبطن] فلا حذف في نصبه. كذلك معناه: سفه في نفسه، ثم نصب لما حذف "في".
"وقال الزجاج": معناه: جهل نفسه". فهو مفعول به عنده بجهل" أي: لم يفكر في نفسه. فالسفه والجهل سواء.
وقيل: التقدير إلا من جهل رأي نفسه وقول نفسه، ثم حذف، مثل:
﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
وقيل: التقدير، إلا من جهل قولُه نفسه، ثم حذف المؤكد وأقام التوكيد مقامه.
* *
ثم قال ﴿وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا﴾.
أي اخترناه للخلة والإمامة.
[ثم قال]. ﴿وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.
أي: وإن إبراهيم ﷺ لمن المؤدين حقوق الله. وتقدير تعلق حرف الجر: "وإنه صالح، في الآخرة، لمن الصالحين"، ثم حذف.
وقيل: إنه متعلق بالصالحين، والألف واللام ليستا بمعنى "الذي"، ولكنه اسم على حدته كالرجل والغلام.
2:131–135Page 20
إِذۡ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسۡلِمۡۖ قَالَ أَسۡلَمۡتُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٣١
When his Lord said to him, "Submit," he said, "I have submitted [in Islām]1 to the Lord of the worlds."
وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٣٢
And Abraham instructed his sons [to do the same] and [so did] Jacob, [saying], "O my sons, indeed Allāh has chosen for you this religion, so do not die except while you are Muslims."
أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ حَضَرَ يَعۡقُوبَ ٱلۡمَوۡتُ إِذۡ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعۡبُدُونَ مِنۢ بَعۡدِيۖ قَالُواْ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗا وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ١٣٣
Or were you witnesses when death approached Jacob, when he said to his sons, "What will you worship after me?" They said, "We will worship your God and the God of your fathers, Abraham and Ishmael and Isaac - one God.1 And we are Muslims [in submission] to Him."
تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٣٤
That was a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.
وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰ تَهۡتَدُواْۗ قُلۡ بَلۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِـۧمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٣٥
They say, "Be Jews or Christians [so] you will be guided." Say, "Rather, [we follow] the religion of Abraham, inclining toward truth, and he was not of the polytheists."1
قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ إلى قوله ﴿وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾.
أي واذكروا إذ قال له ربه أسلم، أي أخلص لي العبادة والطاعة.
﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾: أي قال إبراهيم ﷺ [و] على محمد مجيباً لربه عز وجل: خضعت بالطاعة وأخلصت العبادة لِمالِك جميع الخلق. ومدبرهم.
ويجوز أن يكون العامل في: ﴿وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ﴾ أي ولقد اخترناه في الدنيا إذ قال له ربه أسلم، قال أسلمت، وهذا كان منه حين قال: ﴿يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً﴾ [الأنعام: ٧٨-٧٩].
قال الطبري: "وذلك في الوقت الذي قال له ربه فيه: أسلم، من بعد ما امتحنه بالكوكب والقمر والشمس".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾.
أي: وأوصى بقوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ إبراهيم - ﷺ [و] على محمد - بنيه، وأوصى بها يعقوب ﷺ [و] على محمد [بنيه].
والهاء في "بها" تعود على كلمة الإسلام وهي قوله: ﴿أَسْلَمْتُ﴾.
وقيل: تعود على الملة، وكلمة الإسلام أقرب إليها.
[وقيل: بل] أوصاهم باتباع الملة، فـ "يعقوب" على هذا معطوف على "إبراهيم".
وقيل: إن يعقوب مرفوع بإضمار فعل. والتقدير "وقال يعقوب: يا بني إن الله".
والمعنى في "أَوْصَى" عهد إليهم بذلك، وأمرهم به.
قال ابن عباس: "وصّاهم بالإسلام".
وفي التشديد في "وصَّى" معنى تكرير الوصية.
* *
وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ﴾.
معناه: اختاره لكم. ودخلت الألف واللام في "الدين" لتقدم علمهم به وتكرير الوصية عليهم.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾.
أي: فاتقوا الله أن تموتوا إلا على الإسلام.
والمعنى: لا تفارقن هذا الدين أيام حياتكم لأن أحداً لا يدري متى تأتيه منيته، فلذلك قال لهم: لا تموتن إلا وأنتم مسلمون، لأنكم لا تدرون متى يأتيكم الموت، ولم ينههم عن الموت لأن ذلك ليس إليهم.
وقيل: المعنى: الزموا الإسلام، فإذا أدرككم الموت صادفكم مسلمين.
وعرف المعنى كما عرف في قول العرب "لا أَرَيَنَّكَ هَا هُنَا". فالنهي في اللفظ للمتكلم، وفي المعنى للمتكلم أي: لا تكن ها هنا، فإنه من يكن ها هنا أراه.
قال الأخفش: "﴿بَنِيهِ﴾، قطع، ثم يبتدئ: ﴿وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ﴾، أي: وقال يعقوب: يا بني".
وقال أبو حاتم وغيره: "الوقف ﴿وَيَعْقُوبُ﴾، ثم يبتدئ ﴿يَابَنِيَّ﴾". أي: وقال كل واحد منهما: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ﴾.
ثم قال: "عز وجل ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ﴾.
﴿أَمْ﴾ بمعنى الألف، أي: أكنتم حاضرين يا معشر اليهود والنصارى المكذبين بمحمد ﷺ إذ نزل بيعقوب الموت حين قال لبنيه: ما تعبدون من بعد موتي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وهو جده - وإسماعيل - وهو عمه - وإسحاق - وهو أبوه - صلوات الله عليهم [و] على محمد.
وقدم إسماعيل لأنه أكبر من إسحاق.
﴿إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾؛ أي: معبوداً واحداً، لا نشرك به شيئاً.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: أي: خاضعون متذللون بالعبادة له.
وروي أنه لم يقبض الله نبياً قط حتى يخيّره بين الموت والحياة، فلما خيّر يعقوب عليه السلام قال: أنظرني حتى أسأل ولدي، وأوصيهم ففعل الله ذلك. فجمع يعقوب ولده وهم إثنا عشر - وهم الأسباط -، وجمع أولادهم فقال لهم: إنه قد حضرتْ وفاتي، وأنا أريد أن أسألكم وأوصيكم: فما تعبدون من بعدي؟ فأجابوه بما حكى الله تعالى عنهم، فدعا لهم ثم قبضه الله صلوات الله عليه وعليهم أجمعين وعلى محمد.
فمعنى الكلام: إنكم يا أهل الكتابين لم تحضروا ذلك - ولا شاهدتموه فكفرتم بغير علم ولا يقين فادَّعَيْتُمْ على أنبياء الله الأباطيل ونحلتموهم إلى اليهودية والنصرانية، وإنما بعثهم الله [بالحنيفية المسلمة، وبذلك وصّوا بنيهم] فلو حضرتم ذلك وسمعتموه لعلمتم أنهم على غير ما تنحلونهم من الدين.
وهذه الآيات نزلت تكذيباً من الله لليهود والنصارى في دعواهم إبراهيم ويعقوب أنهما كانا على ملتهم.
وقرأ يحيى بن يعمر والحسن وأبو رجاء والجحذري "وإله أبيك" بلفظ التوحيد. فيحتمل أن يكون جمعاً مسلماً، فيكون كالقراءة التي عليها الجماعة. ويحتمل أن يكون موحداً وإبراهيم بدل منه وإسماعيل وإسحاق عطف على الأب وهما في القول الأول بدل الجمع الذي قبلهما.
وجمع "إبراهيم" وإسماعيل" عند سيبويه والخليل: "بَرَاهيمُ" و "سَمَاعِيلُ".
وحكى الكوفيون "بَرَاهِمَةٌ" و "سَمَاعِلَةٌ"، فالهاء بدل من الياء كزنادقة وزناديق.
وجمعهما عند المبرد: "أَبَارِهٌ" و "أَسَامِعٌ" و "أَبَارِيهٌ" و "أَسَامِيعٌ". قال: لأن الهمزة ليس هذا موضوع زيادتها.
وأجاز أحمد بن يحيى: "بِرَاهٌ" كما يجوز في التصغير "بُرَيْهٌ".
وجمع إسحاق أَسَاحِيقٌ. وحكى الكوفيون أَسَاحِقَةٌ وأَسَاحِيقٌ وَيَعْقُوبٌ وَيَعَاقِيبٌ، وَيَعَاقِبَةٌ وَيَعَاقِبٌ".
ولا يجوز عند أحد حذف الهمزة من "إسرائيل"، ويقال في جمعه: "أساريل".
وحكى الكوفيون "أَسَارِلَةٌ" و "أَسَارِلٌ"، وجمعه كله مسلماً أحسن.
* *
وقوله: ﴿إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾.
نصب على الحال أو على البدل من "إله" الأول. فإذا كان حالاً كان تقديره: نعبد إلهك في حال انفراده ووحدانيته.
وأجاز يعقوب الوقف على ﴿آبَائِكَ﴾ ويبتدئ: ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾، ينصب ذلك على إضمار فعل.
ومن قرأ (أَبِيكَ) بالتوحيد وقف على (إِسْحَاقَ).
* *
ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾.
أي: قد مضت، أي: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب صلوات الله عليهم وعلى محمد، وولدهم قد مضوا، فَدَعُوا ذكرهم والكذب عليهم يا معشر اليهود والنصارى، ولا تنحلوهم الكفر واليهودية والنصرانية. والأمة الجماعة هاهنا.
وإنما قيل لمن مضى وانقرض: "قد خلا" لتخليه من الدنيا وانفراده من الإنس والبشر. وأصله: من "خَلاَ الرَّجُلُ" إذا صار بالمكان الذي لا أنيس به.
* *
ثم قال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أي: عملت.
* *
﴿وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
أي: لا تؤاخذون بذنوبهم ولا يؤاخذون بذنوبكم، فدعوا ما تنحلونهم من الأديان.
قال الأخفش: "﴿قَدْ خَلَتْ﴾ وقف التمام".
وقال أبو حاتم: "﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ هذا الوقف الكافي الحسن".
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ﴾.
أي: قالت اليهود: كونوا هوداً، وقالت النصارى: كونوا نصارى تهتدوا.
وقال بعض العلماء: "أو" هذه [يقال لها المصنفة] ليست التي للتخيير ولا للإباحة ولا للشك".
والمعنى: "وقال صنف: كونوا هوداً، وقال صنف: كونوا نصارى. وروي أن ابن صوريا الأعور قال لرسول الله [عليه السلام] ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتّبِعنا يا محمد تهتدي. وقالت النصارى مثل ذلك. فأنزل الله عز وجل هذه الآية، ثم قال لرسوله عليه السلام: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾، أي: بل نتبع ملة إبراهيم حنيفاً لأن معنى ﴿كُونُواْ هُوداً﴾: اتّبعوا دين اليهودية]. والتقدير: بل نتبع أهل ملة إبراهيم.
وقال أبو عبيدة: "هو نصب على الإغراء، و ﴿حَنِيفاً﴾ نصب على الحال".
وقيل: على "أعني"، لأن الحال لا يكون من المضاف إليه.
* *
وقوله: ﴿هُوداً﴾ جمع هائد كحالٍ وحُولٍ.
وقيل: هو مصدر يؤدي عن الجمع كقولك: "قوم صُومٌ"، و "قوم عدلٌ"، فيكون المعنى ذوي هود.
وقيل: الأصل يهود ثم حذفت الياء.
* *
ومعنى ﴿حَنِيفاً﴾ مائلاً عن الكفر إلى الإيمان.
وقيل: الحنيف الحاج.
وقيل: الحنيف المخلص.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾.
أي: لم يكن ممن يدين بعبادة الأوثان.
قال ابن مسعود: "سميت اليهود يهوداً لقول موسى ﷺ ﴿إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
وسميت النصارى نصارى لقول عيسى ﷺ: ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢].
2:136–141Page 21
قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ١٣٦
Say, [O believers], "We have believed in Allāh and what has been revealed to us and what has been revealed to Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants [al-Asbāṭ]1 and what was given to Moses and Jesus and what was given to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [in submission] to Him."
فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٣٧
So if they believe in the same as you believe in, then they have been [rightly] guided; but if they turn away, they are only in dissension, and Allāh will be sufficient for you against them. And He is the Hearing, the Knowing.
صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةٗۖ وَنَحۡنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ ١٣٨
[And say, "Ours is] the religion of Allāh. And who is better than Allāh in [ordaining] religion? And we are worshippers of Him."
قُلۡ أَتُحَآجُّونَنَا فِي ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡ وَلَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُخۡلِصُونَ ١٣٩
Say, [O Muḥammad], "Do you argue with us about Allāh while He is our Lord and your Lord? For us are our deeds, and for you are your deeds. And we are sincere [in deed and intention] to Him."
أَمۡ تَقُولُونَ إِنَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ قُلۡ ءَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ ٱللَّهُۗ وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٤٠
Or do you say that Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants were Jews or Christians? Say, "Are you more knowing or is Allāh?" And who is more unjust than one who conceals a testimony1 he has from Allāh? And Allāh is not unaware of what you do.
تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤١
That is a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.
قوله ﴿قُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ إلى قوله ﴿عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ معناه: قولوا أيها المؤمنون لهؤلاء اليهود والنصارى الذين قالوا لكم كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا: "آمنا بالله"، أي: صدقنا به، وصدقنا بما أنزل إلينا وهو القرآن، وبما أنزل إلى إبراهيم وإلى إسماعيل وإلى إسحاق وإلى يعقوب وإلى الأسباط، وهم اثنا عشر ولداً ليعقوب أنبياء كلهم، ولد كل واحد منهم أمة من الناس فسموا الأسباط.
والسبط في اللغة الشجرة. أي: هم في الكثرة مثل الشجر.
قال ابن عباس: "كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح وهود وصالح ولوط وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمد ﷺ وعيسى صلى الله عليهم أجمعين".
* *
ثم قال: ﴿وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ﴾.
أي: وصدقنا بما أوتي موسى وعيسى، يعني: التوراة والإنجيل، وصدقنا بما أوتي النبيون من ربهم يعني: من [الكتب، كل ذلك حق] ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ أي: لا نفرق بين أحد من النبيين فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، بل نؤمن بالكل وبما جاء به الكل.
وقال ابن عباس ووهب بن منبه: "الأنبياء كلهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي كلهم من بني إسرائيل إلا عشرين نبياً. وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل صلوات الله عليهم أجمعين. وعدد الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر كلهم من بني يعقوب إلا عشرين رسولاً".
وقال غير ابن عباس مثل قوله وزاد، فقال: "عدد الأنبياء صلوات الله عليهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، أولهم آدم وآخرهم محمد ﷺ وعليهم أجمعين. والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً، ذكر الله منهم في القرآن ستة وعشرين وهم: آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون والأسباط واليسع وإلياس ويونس وأيوب وداود وسليمان وزكرياء وعزير ويحيى وعيسى ومحمد ﷺ وعليهم أجمعين. ومنهم خمسة لم تذكر أسماؤهم وذكروا بغير أسمائهم وهم:
الذي مرّ على القرية قيل هو أرميا، وصاحب موسى وهو الخضر، وقيل إنه ليس بنبي، وثلاثة ذكرهم الله في سورة "يس" ولم يذكر أسماؤهم، فأما ذو القرنين، فأكثر الناس على أنه ليس بنبي. وكذلك اختلف في ذي الكفل.
* *
ثم قال ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
أي: خاضعون بالطاعة لله.
وروى ابن عباس أن النبي [عليه السلام] سأله نفر من اليهود: بمن تؤمن من الرسل؟ فقرأ عليهم الآية. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوّته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى ولا بمن آمن بعيسى، فأنزل الله جل ذكره: ﴿قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] إلى ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩].
[ثم قال]: ﴿فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ﴾.
إي: إن صدقوا بجميع الأنبياء وبجميع الكتب التي أنزلها الله كما آمنتم فقد اهتدوا إلى الحق، يعني به اليهود والنصارى.
﴿وَّإِن تَوَلَّوْاْ﴾: أي: إن لم يؤمنوا بذلك وأعرضوا، ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾: أي: في مشاقة ومباعدة من الحق وفراق له ومحاربة له.
وقيل: المعنى: قد صاروا في شق غير شق المسلمين.
والمماثلة في الآية إنما وقعت بين التصديقين، أي: إن صدقوا بمثل تصديقكم وأقروا بمثل إقراركم. ولم يقع التمثيل بين المؤمن به وهو الله عز وجل وسبحانه وتعالى؛ هذا كفر لا يجوز.
فإن قيل: وهل للإيمان مثل، هو غير الإيمان فتصح المماثلة به؟
فالجواب: أنه محمول على المعنى، والتقدير: فإن أتوا بتصديق مثل تصديقكم فقد اهتدوا: أي: صاروا مسلمين. وهذا من كلام العرب، يقول الرجل لمن يتلقاه: "بشر استقبل مثلي بهذا". وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وتقول: "ليس كربنا شيء"، "وليس كمثل ربنا شيء". والمعنى سواء. هذا قول أبي حاتم وغيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ﴾ .
أي: فسيكفيك الله يا محمد هؤلاء المخالفين لك من اليهود والنصارى إما بقتل وإما بجلاء عن جوارك.
﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾: أي يسمع ما يقولون بألسنتهم ويعلم ما يبطنون لك ولأصحابك من البغضاء والحسد. فأنجز الله لرسوله وعده في اليهود وفي غيرهم وكفاه إياهم وسلَّطه عليهم وخذلهم، فقتل بعضاً، وأجلى بعضاً، وأذل بعضاً بالجزية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ﴾. "صبغة" منصوب على البدل من ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ فيكون المعنى: "بل صبغة الله"، وذلك أن النصارى إذا أرادت أن تنصر أطفالها جعلتهم في ماء لهم يزعمون أن ذلك تقديس" لهم بمنزلة الختانة لأهل الإسلام، ويقولون: إن ذلك صبغة لهم في النصرانية. فلما قالوا للمسلمين: ﴿كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ﴾ قال الله لنبيه ﷺ: قل لهم: بل نتبع ملة إبراهيم، صبغة الله التي هي أحسن الصبغ وهي الحنيفية المسلمة، لا ما تغمسون فيه أبناءكم.
وأجاز الكسائي نصبه على الإغراء والتقدير: الزموا تطهير الله بالإسلام لا ما تفعله اليهود والنصارى.
وقيل: هو محمول على المعنى لأن معنى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ونحن متبعون صبغة الله.
وقال قتادة: ﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ﴾: "دين الله". وكذا قال ابن عباس وغيره.
قال قتادة: "إن اليهود تصبغ أولادها يهوداً، والنصارى تصبغ أولادها نصارى، وإن صبغة الله الإسلام، فلا صبغة أحسن من الإسلام ولا أطهر، وهو دين الله الذي بعث به نوحاً والأنبياء بعده صلوات الله عليهم".
وقال مجاهد: "صبغة الله: فطرة الله؛ وهي فطرة الإسلام التي فطر الناس عليها". والفطرة ابتداء ما خلق عليه الخلق وهو الإسلام، ثم غيّروا دين أنبيائهم بدين آخر.
وأصل الصبغ حدوث شيء فكأنهم أحدثوا ديناً غير ما خلقوا عليه. وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ﴾، أي: خاضعون في اتباع أمره وتصديق كتبه ورسله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى: أتخاصموننا في دين الله وهو معبودنا ومعبودكم وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مخلصون العبادة والطاعة، وأنتم قد عبدتم معه غيره، عبدت اليهود العجل، وعبدت النصارى المسيح. فكيف تخاصموننا وتزعمون أنكم أولى به منا وقد عبدتم غيره ونحن أخلصنا العبادة له.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ نَصَارَىٰ﴾.
أي: أتقول اليهود: إن هؤلاء الأنبياء كانوا هوداً؟ أو أتقول النصارى: إن هؤلاء الأنبياء كانوا نصارى؟ قل لهم يا محمد: أنتم أعلم أم الله؟ فإن الله قد أعلمنا أنهم على الملة الحنيفية المسلمة. ومن قرأ بالتاء، جعله خطاباً لهم. ومن قرأه بالياء أجراه على الإخبار عنهم.
* *
ثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ﴾.
أي: لا أحد أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله. أي: لا أحد أظلم منه.
وقيل: عني بذلك كتمانهم نبوة محمد ﷺ وهم يعلمون ذلك ويجدونه في كتبهم. قاله قتادة وغيره.
وقيل: إنما كتموا ما في كتبهم من اتباع ملة إبراهيم ﷺ ومن ذُكِرَ معه، وقد علموا أنهم كانوا حنفاء مسلمين فكتموا ذلك. وادّعت اليهود أنهم كانوا يهوداً، وادّعت النصارى أنهم كانوا نصارى، وهم مع ذلك قد علموا أن اليهودية والنصرانية إنما حدثت بعد موت [هؤلاء] الأنبياء صلى الله عليهم وسلم.
والهاء في ﴿عِندَهُ﴾ تعود على الظالم ودل عليه ﴿أَظْلَمُ﴾.
والأسباط من ولد يعقوب كالقبائل من ولد إسماعيل ﷺ وهم اثنا عشر سبطاً من اثني عشر ولداً ليعقوب عليه السلام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
أي: ليس الله بغافل عن فعلكم وكتمانكم ما قد علمتموه، بل يحصيه عليكم ويجازيكم به.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾.
أي: إبراهيم ومن ذكر معه من الأنبياء صلوات الله عليهم أمة قد مضت بعملها. لها ما عملت، ولكم ما عملتم.
﴿وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾: أي: لا يسأل أحد عن ذنب أحد.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences