Makki ibn Abi TalibAl‑Baqarah · 2:185–190

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:185–190

2:185Page 28

شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٨٥

The month of Ramaḍān [is that] in which was revealed the Qur’ān, a guidance for the people and clear proofs of guidance and criterion. So whoever sights [the crescent of] the month,1 let him fast it; and whoever is ill or on a journey - then an equal number of other days. Allāh intends for you ease and does not intend for you hardship and [wants] for you to complete the period and to glorify Allāh for that [to] which He has guided you; and perhaps you will be grateful.

قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.

أي: المفترض عليكم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن إلى سماء الدنيا وذلك ليلة أنزل الله جل ذكره القرآن من اللوح المحفوظ جملة إلى سماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك نجوماً على ما شاء الله. كذلك أتت الرواية عن النبي [عليه السلام].

قال ابن عباس: "أنزل الله القرآن جملة من الذكر في ليلة أربع وعشرين من شهر رمضان فجعل في بيت العزة".

وروى واثلة عن النبي ﷺ أنه قال: "نَزَلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَنَزَلَتْ التَّوْرَاةُ لِسِتٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ. [وَنَزَلَ الإِنْجِيلُ لِثَلاَثِ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْهُ. وَنَزَلَ الزَّبُورْ لِثَمَانِي عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ. وَنَزَلَ القُرْآنُ لأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ]. وَكَانَ بَيْنَ نُزُولِ أَوَّلِ الْقُرْآنِ وآخِرِهِ عِشْرُونَ سَنَةً

وقيل: معناه شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن بفرضه على الناس. فأما إعرابه على هذا المعنى، فيكون فيه معدّى إليه الفعل بحرف جر، لا ظرفاً. وعلى القول الأول، يكون فيه ظرفاً للنزول.

وروى جابر بن عبد الله أن النبي [عليه السلام] قال:"أَنْزَلَ الله أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صُحُفَ [إبْرَاهِيمَ، وأنْزَلَ التَّوْراةَ عَلَى مُوسَى] لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَنْزَلَ الزَّبورَ عَلَى داوُدَ لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَنْزَلَ الإنْجِيلَ عَلى عِيسَى لِثمَانِي عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ مِنْ رَمَضانَ، وأنزل القرآن لأربع وعشرين [ليلة خلت من رمضان

وأكثر الناس على أن القرآن أنزل] ليلة القدر من رمضان، والله أعلم أي ليلة كانت، وذلك كله إلى سماء الدنيا، ثم نزل متفرقاً على ما ذكرنا.

فأما إعراب ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾؛ فيجوز أن يكون "شَهْرُ" رفع بالابتداء، و (الَّذِي أُنْزِلَ) الخبر.

ويجوز أن يكون التقدير: الأيام التي تصام شهر رمضان وشبهه.

وقرأ مجاهد وشهر بن حوشب: "شَهْرَ." بالنصب. ورويت عن عاصم ونصبه عند البصريين على الإغراء، وعند الكوفيين بالصيام، وهو قبيح للتفرقة بين الصلة والموصول.

وإنما سمي الشهر شهراً لشهرته ودخوله وخروجه، ومنه "شَهَرَ فُلانٌ سَيْفَهُ" إذا أخرجه من غمده.

فمن قال: "شَهْرُ رمضان" قال في التثنية "شهرَا رمضان" وفي الجمع "أَشْهُرَ رمضان"، و "شَهْرَات رمضان".

ومن قال: "رمضان" بغير شهر قال في الجميع "رَمَضَاناتٍ".

وحكى الكوفيون "رماضين"، وحكوا "أَرْمِضَة"، وحكي "رُمَاضٌ". ولم ينصرف لأن فيه ألفا ونوناً زائدتان، وهو معرفة.

قال قطرب: "سمي رمضان رمضان لأنهم كانوا يصومونه في الحر. فهو مشتق من الرمضاء، والرمضاء الرمل الحامي من الشمس".

وكره مجاهد أن يقال رمضان للشهر، ولا يقال إلا "شهر رمضان"، كما قال الله. وقال: "لعل رمضان اسم من أسماء الله". وقاله عطاء. وقد أتت الآثار عن النبي عليه السلام بذكر رمضان من غير لفظ شهر.

روى مالك أن ابن عباس قال: "إن رسول الله ذكر رمضان، فقال: "لا تَصُومُوا حَتَى تَرَوُا الهِلالَ

وقال أنس بن مالك: "سافرنا مع رسول الله [عليه السلام] في رمضان كثيراً".

وإنما سمي القرآن قرآناً لأنه يجمع السور الكثيرة من قولهم: "قَرَاْتُ الماءَ في الإناءِ"، أي جمعته وضممته.

وقيل: إنما سمي بذلك لأنهم يقولون: "قَرَأَتِ المَرْأَةُ"، و "قرأت" إذا حاضت وإذا ولدت، فكأنها تظهر شيئاً كان مستوراً. والقارئ إذا أظهر شيئاً وبيَّنه، فهو من إظهار الشي وتبيينه.

* *

وقوله: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾. أي رشاد للناس إلى طريق النجاة.

* *

وقوله: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ﴾.

أي: والقرآن أيضاً آيات واضحات من الرشاد، والفرق بين الحق والباطل.

* *

ثم قال: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.

أي فمن شهد منكم الشهر في المصر وهو صحيح فليصمه. و "شَهِدَ" بمعنى "حضر". ومن كان مريضاً في المصر أو على سفر، فليفطر إن شاء، وعليه عدة من أيام أخر.

وقيل: المعنى: فمن دخل عليه الشهر وهو مقيم في المصر لزمه الصوم [سافر بعد ذلك أو أقام]. رواه الضحاك عن ابن عباس قال: "إذا شهدت أوله في المصر فصم وإن سافرت".

وكذلك قال السدي. ورواه أيضاً قتادة عن علي رضي الله عنه، وقاله عبيدة. وروي أيضاً عن عائشة رضي الله عنها.

وعلى القول الأول كل العلماء: إن للمسافر الإفطار، وإن أخذه أول الشهر في المصر، ولا يجزي صيام إلا بتبييت قبل الفجر.

ومذهب [مالك أنه إذا بيت الصيام] في أول الشهر أجزأه عن أن يبيته في كل ليلة من بقية الشهر.

وقال الشافعي وأحمد بن حنبل: "لا بد من تبييت الصوم في كل ليلة" وثبت عن حفصة أنها قالت: "لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِع الصِّيامَ قَبْلَ الفَجْرِ"وأسندته إلى النبي [عليه السلام].

* *

ثم قال تعالى: ﴿[وَمَن كَانَ] مَرِيضاً﴾.

أي مريضاً بمرض يشق عليه الصوم ويشتد عليه أفطر، وكذلك المسافر، لهما أن يفطرا ويقضيا جميعاً، ولا إطعام عليهما.

ومن أكل أو شرب ناسياً في رمضان فعليه القضاء ولا كفارة عليه. وهو قول مالك وربيعة بن عبد الرحمن وأهل المدينة.

وعن علي وأبي هريرة وابن عمر أنه: "لا قضاء عليه".

و [به] قال عطاء وطاوس والنخعي والثوري والأوزاعي وابن أبي ذيب والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور وأصحاب الرأي.

ومن وطىء نهاراً في رمضان ناسياً فعليه القضاء عند مالك ولا كفارة عليه، وهو قول عطاء والليث بن سعد والأوزاعي.

وقال مجاهد والحسن والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي: "لا قضاء عليه ولا كفارة".

وقال أحمد بن حنبل: "عليه القضاء والكفارة".

وأجمعوا على أن من أكل ناسياً فظن أن ذلك قد فطره فجامع عامداً أن عليه القضاء ولا كفارة عليه.

ومن أكل أو شرب عامداً في نهار رمضان فعليه القضاء والكفارة كالمجامع عامداً.

وهو قول مالك والزهري، وبه قال الحسن وعطاء. وهو قول الثوري والأوزاعي وأبي ثور وإسحاق وأصحاب الرأي.

وقال ابن المسيب: "عليه صوم شهر".

وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: "عليه صوم اثني عشر يوماً على عدة الشهور".

وعن عطاء أنه "لا قضاء عليه، وعليه تحرير رقبة، فإن لم يجد فبدنة، أو بقرة، أو عشرون صاعاً طعاماً للمساكين".

وعن النخعي أن "عليه ثلاثة آلاف يوم".

وعن ابن عباس أن "عليه عتق رقبة، أو صوم شهر، أو إطعام ثلاثين مسكيناً".

وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "مَن أفطر يوماً في رمضان متعمداً لم يقضه أبداً طول الدهر". وروي ذلك عن ابن مسعود.

وعن الزهري أيضاً أنه قال: "إن كان فعل ذلك ابتداعاً لدين غير الإسلام، ضربت عنقه، وإن كان فعل ذلك فسقاً جلد".

ومن استقاء فقاء، فعليه القضاء ولا كفارة عليه.

وهو قول علي بن أبي طالب وزيد بن أرقم، وابن عمر وعلقمة، وهو قول الزهري ومالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي.

وقال عطاء وأبو ثور: "عليه الكفارة مع القضاء". فإن دَرعه القيء فقاء فلا شيء عليه عند الجميع.

* *

ثم قال: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾.

أي يرخص الله عليكم إرادة التيسير، ولا يريد بكم العسر في دينكم.

* *

ثم قال: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ﴾: أي تكملوا عدة ما أفطرتم فتقضوه في أيام أخر.

* *

ثم قال: ﴿وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾.

قال ابن عباس: "حق على المسلمين أن يكبروا إذا نظروا إلى هلال شوال".

وقيل: هو التكبير في العيد عند الغدو إلى المصلى. قاله علي بن أبي طالب، وزيد بن أسلم.

وكذلك كان النبي [عليه السلام] يفعل إذا خرج إلى المصلى. فهو سنة عند الزهري وغيره. يقول الرجل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.

* *

ثم قال: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. أي [تشكرون على تسهيله عليكم وهدايته] لكم.

2:186–188Page 28

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ ١٨٦

And when My servants ask you, [O Muḥammad], concerning Me - indeed I am near. I respond to the invocation of the supplicant when he calls upon Me. So let them respond to Me [by obedience] and believe in Me that they may be [rightly] guided.

أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٨٧

It has been made permissible for you the night preceding fasting to go to your wives [for sexual relations]. They are a clothing for you and you are a clothing1 for them. Allāh knows that you used to deceive yourselves,2 so He accepted your repentance and forgave you. So now, have relations with them and seek that which Allāh has decreed for you [i.e., offspring]. And eat and drink until the white thread of dawn becomes distinct to you from the black thread [of night]. Then complete the fast until the night [i.e., sunset]. And do not have relations with them as long as you are staying for worship in the mosques. These are the limits [set by] Allāh, so do not approach them. Thus does Allāh make clear His verses [i.e., ordinances] to the people that they may become righteous.

وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٨

And do not consume one another's wealth unjustly or send it [in bribery] to the rulers in order that [they might aid] you [to] consume a portion of the wealth of the people in sin, while you know [it is unlawful].

قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

قال الحسن: "هذه الآية نزلت في سائل سأل النبي [عليه السلام] فقال: أين ربنا؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ الآية".

وروي أن سائلاً سأل [النبي عليه السلام] فقال: يا محمد: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله [جل ذكره]: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾. الآية.

وروي أن المشركين قالوا: كيف يكون الله قريباً وبيننا وبينه سبع سماوات غلاظ، كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماءين كذلك؟ فأنزل الله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾. الآية.

وقال عطاء: "لما نزلت: ﴿وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، قالوا: يا رسول الله، في أي ساعة؟ قال: فنزلت: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾. الآية.

قال السدي: "ليس من عبد مؤمن يدعو الله إلا استجاب له، فإن كان الذي يدعو به رَزقه في الدنيا، وإن لم يكن له رزقاً في الدنيا، ادُّخِر له إلى يوم القيامة أو دفع [به عنه] مكروه. وكذلك قال ابن عباس.

وعن النبي عليه السلام: أنه قال: "ما أُعْطِيَ أَحَدٌ الدُّعاءَ فَمُنِعَ الإِجَابَةَ لأنَّ اللهَ يقُولُ: ﴿ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾

والمعنى عند الطبري: "فإني قريب في كل وقت أجيب دعوة الداعي إذا دعان".

وقال مجاهد: "لما نزلت: ﴿ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، قالوا: إلى أين؟ فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].".

وقال قتادة: "لما نزلت: ﴿ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، قال قوم: كيف ندعو يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ﴾" الآية.

* *

وقوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.

فمعناه: إذا شئت كما قال: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ﴾ [الأنعام: ٤١].

* *

وقوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي﴾.

أي فليستجيبوا إلى طاعتي، يقال: "استَجبْتُ لَهُ واسْتجَبْتُهُ" بمعنى أجبته.

وقال أبو عبيدة: "معناه: فليجيبوني".

وتحقيق اللفظ عند أهل العلم: فليستدعوا الإجابة، كما يقال: "استنصر"، إذا استدعى النصر.

وعن أبي رجاء الخراساني أنه قال: "﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي﴾ فليدعوني". وقيل: هو التلبية.

* *

وقوله: ﴿وَلْيُؤْمِنُواْ بِي﴾: أي وليصدقوا بي إذا هم استجابوا لي بالطاعة أني لهم من وراء طاعتهم لي في الثواب عليها، وإجزال الكرامة عليها.

وقال أبو رجاء: ﴿وَلْيُؤْمِنُواْ بِي﴾: معناه: و "ليصدقوا بي" أني أستجيب لهم.

* *

وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. معناه: لعلهم يهتدون. و "لعل" من الله واجبة.

وقيل: معنى الإجابة هنا، هو الإجابة بالثواب على الأعمال [والطاعات]، فمعنى الدعاء هنا مسألة العبد ربه، إتمام ما وعده إياه من الجزاء على الطاعة.

وروي عن النبي [عليه السلام]. أنه قال: ""الدُّعَاءُ هُوَ العبادَةُ". ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾

وقيل: معناه: أجيب دعوة الداعي إن شئت.

وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾: "اعملوا وأَبشروا فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله".

* *

وقوله: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾. وقْف عند يعقوب. وقال نصير: الوقف "دعانِ" و "يَرْشُدُونَ".

والفعل من "يرْشُدونَ": رَِشَدَ يَرْشُدُ رُشْداً، ويقال: رَشَدَ يَرْشَدُ رَشَداً، فيقال: الرُّشْدُ وَالرَّشَدُ، كما يقال: البُخْلُ والبَخَلُ، والشُغْلُ والشَّغَلُ، وَالسُّقْمُ وَالسَّقَمُ، وَالعُدْمُ والعَدَمُ، وَالحُزْنُ وَالحَزَنُ، وَالسُّخْطُ وَالسَّخَطُ، وَالخُبْرُ وَالخَبَرُ، وَالعُرْبُ وَالعَرَبُ، وَالْعُجْمُ والعَجَمُ.

* *

ثم قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ﴾.

أي أبيح لكم أيها المؤمنون أن تجامعوا نساءكم في ليالي الصيام قبل النوم وبعد النوم ما لم يطلع الفجر. وحَدُّ [الليل من مغيب الشمس] إلى طلوع الفجر الثاني. وَحَد النهار من طلوع الفجر الثاني إلى مغيب الشمس.

والرفث هنا كناية عن الجماع.

قال ابن عباس: "الرفث الجماع ولكن الله كريم يكني". وهو قول جميع المفسرين.

وقال الزجاج: "الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من امرأته".

والرفث في غير هذا الموضع الإفحاش في المنطق، ومنه قوله: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].

* *

قوله: ﴿فَٱلآنَ بَٰشِرُوهُنَّ﴾.

المباشرة في هذا الموضع الجماع بدليل قوله: ﴿وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾، يريد الولد بإجماع من المفسرين.

وقد تكون المباشرة في غير هذا الموضع غير الجماع، وذلك المماسة ويدل [أيضاً على ذلك] أن الرفث عند جميع المفسرين كناية عن الجماع.

* *

ثم قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾.

سمَّى كلَّ واحد لباساً لصاحبه لتجردهما عند النوم وتضامهما واجتماعهما في ثوب واحد، حتى يصير كل واحد منهما في التصاقه إلى الآخر بمنزلة الثوب الذي يلبسه الإنسان.

وقال الربيع: "معناه: هن لحاف لكم، وأنتم لحاف لهن".

وقد [سُمي الفرش] لباساً والخاتم لباساً، وتقلد السيف لباساً. وهذا يدل على تحريم استعمال الحرير في الوطئ لتحريم النبي [عليه السلام] لباس الحرير.

وقيل: إنما جعل كل واحد منهما لصاحبه لباساً لأنه يسكن إليه، كما قال تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾ [الفرقان: ٤٧]، أي سكناً تسكنون فيه، فكذلك زوجة الرجل سكنه [يسكن إليها كما قال] ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]. فيكون كل واحد منهما لباساً لصاحبه لسكونه إليه. وهو معنى قول مجاهد.

والعرب تقول لما يستر الشيء ويواريه عن أبصار الناظرين: "هو لباسه وغشاؤه" فيكون قد قيل لكل [واحد] من الزوجين لباس للآخر لأنه يستر له فيما يكون بينهم من الجماع عن أبصار الناظرين. قال مجاهد وقتادة: "معناه: هن سكن لكم، وأنتم سكن لهن". وقال ابن عباس أيضاً.

* *

وقوله: ﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾.

أي علم الله أيها المؤمنون أنكم كنتم تريدون أن تجامعوا النساء بعد النوم وتأكلوا وتشربوا بعد النوم، وذلك محرم عليكم فتاب عليكم مما [أضمرتم من مواقعة] الذنب وعفا عنكم. وذلك أن الله قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] يعني أهل الكتاب. وكانوا لا يجامعون في ليالي الصيام ولا يأكلون ولا يشربون بعد النوم، فصعب ذلك على المسلمين؛ حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء يريد امرأته فقالت له: قد كنتُ نمتُ. فظن أنها تعتل، فوقع بها، وجاء رجل من الأنصار فأراد أن يطعم، فقالت له امرأته: نسخن لك شيئاً. فغلبته عينه فنام، فلما انتبه امتنع من الطعام لنومه فجعل يُغشى عليه، فنزلت هذه الآية ناسخة لذلك، فأبيح الأكل والشرب والجماع في ليالي الصيام ما لم يطلع الفجر.

وقال معاذ بن جبل: "كانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا لم يحل لهم شيء من ذلك. فكان رجل من الأنصار يدعى أبا صرمة يعمل في أرض له، فلما كان عند فطره نام فأصبح صائماً قد جهد، فلما رآه النبي [ﷺ] قال: ما لي أرى بك جهداً؟. فأخبره بما كان من أمره. واختان رجل نفسه في شأن النساء، فأنزل الله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ﴾ الآية.

وقال ابن عباس في الآية: "كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء، حرم عليهم الطعام والنساء إلى مثلها من القابلة. ثم إن ناساً من المسلمين أصابوا الطعام [والنساء] في رمضان بعد النوم، منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ فأنزل الله: ﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية.

وقال كعب بن مالك: "كان الناس في رمضان إذا صام الرجل منهم فأمسى فنام، حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد. وإن عمر بن الخطاب رجع من عند النبي [عليه السلام] ذات ليلة وقد سمر عنده، فوجد امرأته قد نامت فأرادها، فقالت: [إني قد نمت، فقال: ما] نمت، فوقع بها. وصنع كعب بن مالك مثل ذلك فغدا عمر إلى النبي [ﷺ فأخبره فأنزل الله عز وجل: ﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية.

وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: "كان الناس أول ما أسلموا يصوم أحدهم يومه، حتى إذا أمسى طعم من الطعام، وجامع فيما بينه وبين العتمة، حتى إذا صُليت العتمة حرم ذلك عليهم إلى الليلة القابلة وإن عمر بن الخطاب بينما هو نائم إذ سولت له نفسه فأتى أهله ليقضي حاجته، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه كأشد ما رأيت من الملامة، ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أعتذر إلى الله وإليك مع نفسي هذه الخاطئة؛ فإنها زيَّنت لي فواقعت أهلي. هل تجد لي من رخصة يا رسول الله؟ [قال: لم تكن حقيقاً] بذلك يا عمر، فلما بلغ بيته أرسل إليه [فأنبأه الله بعذره] في آية من القرآن، وأمره الله أن يضعها في المائة الوسطى من سورة البقرة وهي قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ﴾ الآية".

وبهذه المعاني فسرها مجاهد وعكرمة وقتادة.

وقال قتادة: "[كان بدء الصيام أنهم] أمروا بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتين غدوة، وركعتين عشية، ثم افترض عليهم رمضان وخمس صلوات، وكان الأكل والشرب والجماع [لهم مباحاً] ما لم يرقدوا، فإذا رقدوا حرم ذلك عليهم إلى مثلها من القابلة. وكانت خيانة القوم أنهم يأكلون ويشربون ويغشون نساءهم بعد النوم، ثم أباح الله عز وجل ذلك لهم إلى طلوع الفجر".

وقال السدي: "كتب الله على النصارى صوم شهر رمضان، وكتب عليهم ألا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا النساء بعد النوم. وكتب على المؤمنين مثل ذلك، فوقع قوم من المؤمنين في الأكل والشرب والجماع بعد النوم فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ فنسخ الله عز وجل ذلك عنهم فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ﴾ الآية.

قال أبو العالية وعطاء: "هذه ناسخة لقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

* *

وقوله: ﴿فَٱلآنَ بَٰشِرُوهُنَّ﴾.

أي جامعوهن في ليل الصيام ما لم يطلع الفجر إذا شئتم. فباشروهن كناية عن الجماع.

* *

وقوله: ﴿وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾. هذا لفظه لفظ أمر، ومعناه التأديب والندب.

قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن والسدي والربيع والضحاك: ﴿وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾: هو الولد". وقاله أنس بن مالك. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "وابتغوا ما كتب الله لكم من ليلة القدر".

وقال قتادة: "معناه: وابتغوا ما رخص الله لكم وأحل لكم، يعني الجماع".

وقيل معناه: "ابتغوا الذي كتب الله لكم في اللوح المحفوظ أنه يباح لكم وهو الوطء بعد النوم في ليالي الصيام. والولد هو [مما كتبه الله في اللوح] المحفوظ أيضاً.

* *

وقوله: ﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ﴾.

أي بياض النهار من سواد الليل بطلوع الفجر.

وقال الحسن: "معناه: حتى يتبين لكم النهار من الليل". وقاله ابن عباس أيضاً. وهو مروي عن النبي [ عليه السلام].

ويروى أن عدي بن حاتم أخذ خيطين أسود وأبيض فنظر فيهما عند الفجر فرآهما سواء، فأتى النبي [عليه السلام] فقال له: يا رسول الله: فتلت خيطين من أسود وأبيض فنظرت فيهما من الليل فوجدتهما سواء. فضحك رسول الله ﷺ حتى رأى نواجذه، ثم قال له: "ألَمْ أَقَُلْ لَكَ مِنَ الفَجْرِ، إنّما هُوَ ضوءُ النَّهارِ مِنْ ظُلْمَةِ الليلْ

وقال سهل بن سعد. "نزلت هذه الآية: ﴿وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ﴾، ولم ينزل ﴿مِنَ ٱلْفَجْرِ﴾. قال: فكان رجال إذا أراد أحدهم الصوم ربط في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له أحدهما من الآخر، فأنزل الله عز وجل بعد ذلك (من الفجر) فعلموا أنه إنما عني بذلك من الليل والنهار".

وفي الكلام حذف وتقديم وتأخير والتقدير: "حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر من الخيط الأسود من الليل".

وفي هذا دليل بالنص على أن الصائم إذا أصبح جنباً لا يضر ذلك صيامه. لأن له الوطء ما كان له الأكل والشرب، فإذا وطىء إلى الفجر أصبح جنباً ضرورة لا شك فيه، وصيامه تام بهذا النص من القرآن والسنة.

والفجر فجران: فجر [أول وهو الضوء] الساطع في السماء، يقال له الصبح الكاذب، فلا يمنع ذلك أكلاً ولا جماعاً. والفجر الثاني هو المنتشر الذي يملأ ببياضه وضوئه الطرق، فذلك يمنع الأكل والجماع، يسمى الفجر الصادق.

والفجر الأول يذهب في السماء طولاً كأنه ذنب السرحان مستدق صاعد في غير اعتراض.

والثاني يضرب إلى حمرة، وينتشر ضوؤه على الجبال، يقال له: المستطير أو المنتشر في الأفق وهو معترض. وكل شيء انتشر فقط استطار، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [الإنسان: ٧]: أي منتشراً فاشياً.

والفجر في اللغة مصدر، "فجر الماء، يفجر فَجْراً" إذا بعثه وأجراه فكأنه اسم للمصدر، فقيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها: "فَجْرٌ"، لانبعاث ضوئه ونوره عليهم. والخيط في اللغة: اللون.

* *

وقوله: ﴿مِنَ ٱلْفَجْرِ﴾ معناه الذي هو من الفجر، وليس هو جميع الفجر. وقال التيمي: "هو ضوء الشمس من سواد الليل".

وحكي عن حذيفة أنه كان يتسحر بعد طلوع الفجر.

وحكى سالم مولى أبي حذيفة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يتسحر بعد طلوع الفجر. وكذلك ذكره البراء عن ابن مسعود قال: "تسحرت أنا وابن مسعود ثم خرجنا والناس في صلاة الصبح".

وليس العمل عند جميع الفقهاء على شيء من هذه الأقوال.

وعن التيمي أنه قال: "الوتر بالليل والسحور بالنهار".

وعنه: "السحور بالليل والوتر بالليل".

وبهذا العمل عند فقهاء الأمصار.

* *

وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ﴾.

إلى النهاية وليس بحد وإذا كانت نهاية، انتهى العمل إلى ما بعدها، ولا يدخل ما بعدها فيما قبلها، ولا صوم في شيء من الليل. والذي عليه أهل النظر أن "إلى" إذا كان الذي بعدها من صنف ما قبلها، دخل في حكم ما قبلها كقوله: ﴿إِلَى ٱلْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] و﴿إِلَى ٱلْكَعْبَينِ﴾ [المائدة: ٦]. والمرفقان والكعبان داخلان في الغسل. وإذا كان ما بعدها ليس من جنس ما قبلها، لم يدخل في حكم ما قبلها نحو: ﴿إِلَى ٱلَّليْلِ﴾. وقد بينا هذا في المائدة بأشرح من هذا.

* *

وقوله: ﴿وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ﴾.

أي لا تجامعوا أو تلامسوا وأنتم معتكفون. فهذا يدل على جواز الاعتكاف. وفيه دليل عند قوم على أنَّ الاعتكاف جائز في كل مسجد تقام فيه الصلاة وفي كل وقت، مفطراً كان أو صائماً، لأن الخطاب خرج مطلقاً.

ولا يعتكف عند مالك وغيره إلا صائم، ولا يعتكف إلا في مسجد تقام فيه الجمعة.

* *

ثم قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾. أي لا تقربوا ما نهاكم عنه من حدوده.

* *

ثم قال: ﴿كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. أي يبين لهم ما حرم عليهم مما أحل لهم لعلهم يتقون حدوده ويخافون عذابه.

* *

ثم قال: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ﴾، أي: لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل.

﴿وَتُدْلُواْ بِهَا﴾ أي: وتخاصموا بالأموال إلى الحكام.

﴿لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ﴾ أي: من طائفة من أموالهم.

﴿بِٱلإِثْمِ﴾ أي: بالحرام.

﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون أنكم ظالمون وأنه حرام عليكم.

قال ابن عباس: "هذا في الرجل يكون عليه مال، ولا بينة عليه فيجحد المال ويخاصم صاحبه وهو يعلم أنه إثم".

ويقال: من مشى مع خصمه وهو ظالم فهو آثم حتى يرجع إلى الحق. وقال عكرمة: "هو الرجل يشتري السلعة فيردها ويرد معه دراهم".

يقال: أدلى فلان إلى فلان بمال: خاصم. كأنه جعله كالرسالة.

ويقال: "أدلى فلان بحجته" إذا بيَّنها كأنه يرسلها إرسالاً. وأصله من إرسال الرجل الدلو في حبل؛ يقال: "أدليت الدلو" إذا أرسلتها، و "دَلَوْتُها" إذا رفعتها وأخرجتها.

2:189Page 29

۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٨٩

They ask you, [O Muḥammad], about the crescent moons. Say, "They are measurements of time for the people and for ḥajj [pilgrimage]." And it is not righteousness to enter houses from the back, but righteousness is [in] one who fears Allāh. And enter houses from their doors. And fear Allāh that you may succeed.

قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ﴾.

الهلال مشتق من استهلال الصبي إذا بكى، فقيل له: هلال لأن الناس حين يرونه يرفعون أصواتهم بذكره.

ويقال: أهَلَّ الهِلالُ واسْتَهَلّ. وسمي هلالاً لليلتين. وقيل: إلى الليلة السابعة. ومعنى الآية أنها سؤال من المشركين للنبي [ﷺ] سألوه عن نقصان القمر وزيادته ما هو، فقيل له: قل يا محمد: ﴿هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ﴾.

معناه عند الطبري: يسألونك يا محمد عن الأهلة واختلافها وتغيرها في محاقها وسرارها وتمامها واستوائها واستسرارها، وما المعنى الذي خالف له حالها حال الشمس التي لا تغير ولا تنتقل من حال إلى حال.

فقل يا محمد: فعل الله ذلك تعالى لتعلم عدة الآجال لمن استوجر وتصرم عدة النساء ووقت الصوم والإفطار وحلول ديونكم وأشباه هذا.

فهذا معنى قوله: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ﴾.

ومعنى: "والحج" أي وهي مواقيت للحج تعرفون بها وقت حجكم ونسككم وإحرامكم وغير ذلك. فمن أجل هذا خالف الله بين القمر والشمس. وكان ذلك لسؤال سائل سأل النبي [عليه السلام] عن الأهلة. قال ابن جريج: "سأل الناس: لم خُلقت هذه الأهلة، فأجيبوا بذلك". وكذلك قال ابن عباس وقتادة.

* *

وقوله: ﴿وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا﴾.

قال البراء: "كانت الأنصار إذا حجوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها. فجاء رجل من الأنصار، فدخل من بابه، فقيل له في ذلك، فنزلت هذه الآية إنذاراً لهم أن الدخول من ظهر البيت ليس من البر. فانتهوا عن ذلك".

وقال إبراهيم النخعي: "هم ناس من أهل الحجاز كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا من أبواب البيوت، فنهوا عن ذلك".

وقال مجاهد: "كان المشركون إذا أحرم الرجل منهم ثقب كوة في ظهر بيته وجعل سلماً، ولم يدخل إلا من الكوة فنهوا في الإسلام عن ذلك".

وقال الزهري: "كان الناس من الأنصار إذا أحرموا لم يحل بينهم وبين السماء شيء، يتحرجون. وكان الرجل تبدو له الحاجة بعد خروجه فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقيفة الباب أن تحول بينه وبين السماء، فيفتح في الجدار من وراء الحجرة ثم يدخل من ذلك الفتح. وكان الحمس لا يفعلون ذلك، فدخل النبي [عليه السلام من الباب وهو محرم، ودخل في إثره أنصاري]، فقال له النبي ﷺ: إني أحْمَسٌ، فقال [الأنصاري: وأنا] أحمس أي على دينك. فأنزل الله الآية

وقال السدي: "كان أولئك الذين يفعلون هذا يسمون الحمس".

وقال قوم من أهل اللغة: كان قوم من قريش وجماعة من العرب إذا توجه الرجل في حاجة فلم يقضها ولا تيسرت له، تطير بذلك ورجع، فلم يدخل من باب بيته، فنهوا عن ذلك.

وقال جماعة من أهل التفسير: "الحمس هم قريش وبنو عامر بن صعصعة وثقيف، وكان أحدهم إذا [أحرم لم يسأل السمن] ولم يبع الوبر ولم يدخل من باب بيته. وسموا حمساً لأنهم تحمسوا في دينهم، أي تشددوا".

والحملة الشدة في الغضب وغيره. فأعلمهم الله أن ذلك ليس من البر، وأن البر التقوى.

وذكر ابن الأنباري أن بعض الناس فسر البيوت بإتيان النساء في الأدبار مُنعوا من ذلك، وقيل لهم: إئتوا البيوت من أبوابها، أي ائتوا المرأة من الباب المحل لكم الذي منه يكون الولد، ولا تأتوها من غير هذا الباب فتجوروا وتعصوا. وهو قول شاذ.

وقال أبو عبيدة: "﴿وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾: اطلبوا الخير من بابه ومن أهله ولا تطلبوه من الجهال المشركين".

وأكثر الناس على القول الأول.

2:190Page 29

وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ١٩٠

Fight in the way of Allāh those who fight against you but do not transgress. Indeed, Allāh does not like transgressors.

وقوله: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾.

هذه أول آية نزلت في القتال أمروا أن يقاتلوا من يقاتلهم ﴿وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾.

أي لا تقاتلوا من لم يقاتلكم. وقد نسخ الله ذلك في براءة بقوله: ﴿وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وبقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] و ﴿وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً﴾. قاله ابن زيد.

وقال ابن عباس وعمر بن عبد العزيز وغيرهم: "الآية محكمة غير منسوخة".

* *

وقوله: ﴿وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ﴾ أي: لا تقتلوا الشيخ الكبير والنساء والذرية، ولا من ألقى إليكم السلم، فإن فعلتم اعتديتم.

* *

ومعنى ﴿ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ على قولهم: أي الذين فيهم مقدرة على قتالكم ومَن عادتُهم القتال. ولا تقاتلوا من ليس ذلك من شأنه كالرهبان [ومن أدى] الجزية، ولهذا نهى عن قتل الرهبان.

وقد قال بعض الفقهاء: ولا تؤخذ من الرهبان الجزية، وكذلك لا يحل قتل من أدى الجزية.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском