Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:203–216
2:203Page 32
۞ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوۡمَيۡنِ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۖ لِمَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٠٣
And remember Allāh during [specific] numbered days. Then whoever hastens [his departure] in two days - there is no sin upon him; and whoever delays [until the third] - there is no sin upon him - for him who fears Allāh. And fear Allāh and know that unto Him you will be gathered.
قوله: ﴿وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾.
هذه الأيام هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، وهي أيام منى عند مالك.
وقال زيد بن أسلم: "المعلومات: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، والمعدودات: أيام التشريق".
وعن مجاهد وابن عباس: "المعلومات: العشر. والمعدودات: أيام التشريق".
وإنما سميت أيام التشريق لأن الناس يشرحون فيها اللحم ويقددونه، فالتشريق التشريح. فكأنها سميت أيام التشريح، فأمروا بالذكر فيها عند رمي الجمار وغيرها.
وقال النبي [عليه السلام] في أيام منى - وهي أيام التشريق -: "هِيَ أَيَّامُ أَكلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ
والأيام المعلومات هي: يوم النحر، ويومان بعده. فيوم النحر معلوم، ويومان بعده معلومان معدودات، واليوم الثالث بعد يوم النحر معدود.
* *
قوله: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
أرخص الله تعالى أن ينفر الناس اليوم الثاني من الأيام المعدودات وأعلمهم أن من تأخر إلى اليوم الثالث أنه لا إثم عليه، أي لا حرج ولا ضيق في تركه الرخصة، ومن تعجّل فلا إثم عليه في تركه الاتمام إلى اليوم الثالث.
وروي عن ابن مسعود وابن عمر: "لا إثم عليه: أي قد غفر له، ومن تأخر قد غُفر له".
وقال ابن عباس: "لا إثم عليه: أي رجع مغفوراً له"، وقال: "إن العمرة لتكفر ما معها من الذنوب، فكيف بالحج".
واستبعد جماعة تأويل من قال: "لا حرج عليه"، لأن من جلس إلى الثالث فقد أتى بالغاية، فليس يقال لمن أدى فرضه: "لا حرج عليك فيما صنعت".
وقيل: معناه: لا حرج عليك في تركك الرخصة.
ومن قال: "غفر له" معناه. فهو أبين وأحسن وعليه [أكثر] الناس. وقال مجاهد: "معناه: لا إثم عليه إلى الحج القابل".
* *
﴿وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
أي لا حرج عليه إلى الحج القابل، أي مغفور له إلى ذلك الوقت. وقال أبو العالية: "معناه: غفر له ما تقدم"، وفي مصحف عبد الله: "لمن اتقى الله".
قال ابن عباس: "معناه: لا حرج عليه لمن اتّقى المعاصي فيما يستقبل، أي غفر له".
وقيل: معنى ﴿لِمَنِ ٱتَّقَىٰ﴾ أي: اتقى قتال الصيد في الحرم.
وقال ابن مسعود أيضاً: "﴿إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: مغفور له إن اتّقى ما حرم عليه في الحج".
وروى أبو حازم عن أبي هريرة أن النبي [عليه السلام] قال: "مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهِ
وروي أن عمر قال لما سمع الآية: "خرج القوم من ذنوبهم، وربّ الكعبة".
وعن أبي هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: "الحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الجَنَّةَ. والعُمْرَةُ إِلى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا"ومعنى اللام في ﴿لِمَنِ ٱتَّقَىٰ﴾: أي: هذا لمن اتّقى.
وقيل: المعنى: قلنا فلا إثم عليه لمن اتّقى. واللام متعلقة بالقول. وقال الأخفش: "ذلك لمن اتّقى".
وقيل: معنى: ﴿فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: لا يقل المتعجل للمتأخر: أنت آثم، ولا المتأخر للمتعجل: أنت آثم.
2:204–205Page 32
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ ٢٠٤
And of the people is he whose speech pleases you in worldly life, and he calls Allāh to witness as to what is in his heart, yet he is the fiercest of opponents.
وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ ٢٠٥
And when he goes away, he strives throughout the land to cause corruption therein and destroy crops and animals. And Allāh does not like corruption.
قوله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا﴾ الآية.
نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق، واسم الأخنس أبي، وأمه ضبيعة عمة عثمان رضي الله عنه، كان حليفاً لبني زهرة، وكان قد أتى مع قومه بني زهرة إلى بدر مع المشركين يريدون قتال النبي ﷺ فلما أتوا الجحفة، أشار على بني زهرة بترك القتال فأطاعوه، فأخنس بهم من المشركين، ورجع فسمي الأخنس فلما بلغ النبي [عليه السلام] قوله وما أشار به على بني زهرة عجب من ذلك، ففيه نزلت: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ الآية. ثم إنه بعد ذلك قدم على النبي [عليه السلام] فأظهر المحبة للإسلام، وحلف أنه ما قدم إلا لذلك، وأنه صادق في قوله، فأعجب النبي [عليه السلام] منه ذلك وكان يبطن الغش والنفاق، فلما خرج أفسد زَرْعَ الناس بالنار وأهلك مواشيهم، فذلك قوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ﴾ أي: بالنار والنسل. وروي أنه عقر حمراً، وفيه نزلت: ﴿ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]. وفيه نزلت: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] إلى ﴿ٱلْخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦]، لأنه حلف أنه ما قدم إلا رغبة في الإسلام وأنه صادق في يمينه، فقال الله عز وجل: ﴿وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ﴾ أي أنه صادق فيه قوله.
* *
وقوله: ﴿أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ﴾. أي شديد الخصومة.
وقيل: معناه أنه كاذب في قوله.
والخصام مصدر "خاصم".
وقال الزجاج والقتبي: "هو جمع خصم. يقال: خصم، وخصوم وخصام".
وعن ابن عباس أنه قال: "نزلت في السرية التي أصيبت للنبي عليه السلام تكلم قوم من المنافقين فيها، فأخبر الله عن اختلاف سريرتهم وعلانيتهم".
وقيل: إن الآية عامة في كل منافق أخبر الله أنه يقول بلسانه ما لا يعتقد بقلبه. وقد قال في موضع آخر، ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا﴾ [البقرة: ١٤]، وقال: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]. فأخبر الله أنه يشهد على ما في قلبه. يريد أنه يقول ما يقول، ويستشهد بالله أنه صادق في قوله؛ يقول: الله يشهد أني صادق فيما أقول وهو كاذب. فأخبرنا الله تعالى أنه شديد الخصومة، وأنه إذا تولى سعى في الأرض بالفساد الذي هو سبب هلاك زرع الناس لأنه إذا أفسد اشتغل بالحرب والقتال عن الزرع، وإذا لم يكن زرع لم تجد البهائم ما تأكل، فيذهب النسل وقوله: ﴿وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ﴾. أي يقول: اللهم إنك تشهد أني صادق: "وهو كاذب". وقرأ ابن محيصن: "ويَشْهَدُ اللهُ" بفتح الياء، ورفع الاسم على معنى: [والله] يشهد أنه كاذب في قوله.
وقيل: معنى، ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ﴾ إذا غضب، فعل ذلك.
وقال مجاهد: "إنه إذا أفسد وتعدى، كان ذلك سبب إمساك الله القطر، وإمساكه هلاك الحرث والبهائم، وقرأ مجاهد: ﴿ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ﴾ [الروم: ٤١].
وقرأ الحسن وقتادة: ﴿وَيُهْلِكَ﴾ بالرفع عطفاه على يُعْجِبُكَ.
وقال أبو حاتم: "عطف على ﴿سَعَىٰ﴾، أي يسعى ويهلك، وقال الزجاج: "معناه: وهو يهلك".
وعن ابن كثير أنه قرأ: "ويهلك" بفتح الياء والنصب، الحرث والنسل بالرفع. ومثل الجماعة أشهر عنه.
2:206Page 32
وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ فَحَسۡبُهُۥ جَهَنَّمُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ٢٠٦
And when it is said to him, "Fear Allāh," pride in the sin takes hold of him. Sufficient for him is Hellfire, and how wretched is the resting place.
No commentary for this ayah
2:207Page 32
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠٧
And of the people is he who sells himself, seeking means to the approval of Allāh. And Allāh is Kind to [His] servants.
قوله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ الآية.
أي يبيع نفسه من أجل مرضاة الله، ونزلت في المهاجرين والأنصار المجاهدين منهم.
وقال عكرمة: "نزلت في صهيب بن سنان وأبي ذر الغفاري وهو جندب ابن السكن خرجوا مهاجرين وطلبهم أهلوهم، فأما أبو ذر فانفلت منهم، وأما صهيب فأخذه أهله، وافتدى بأهله وماله من مولاه وكان مملوكاً لزيد بن جدعان. وروي أنه كان يعرف بالرومي وأصله من العرب، وإنما سمي بذلك لأنه سبي وهو صغير، فسار إلى الشام، فتغير لسانه ثم صار مملوكاً لزيد بن جدعان، فلما أمر النبي [عليه السلام] بالهجرة آمن وافتدى من مولاه بماله كله، وخلى سبيله ، فخرجت بنو تميم في طلبه، فلما أدركوه أخذ قوسه وخوفهم من قبله، وتواعدهم، فخافوا رميه ونبله وكان رامياً مجوداً فرجعوا وتركوه، فلما وصل المدينة قال له عمر: "ربح بيعك لا تقيل ولا تقال". وشهد بدراً، ففيه نزلت ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ﴾ الآية. فيشري على هذا القول بمعنى يشتري، وعلى القول الأول بمعنى "يبيع".
وقال الربيع: "نزلت في رجل منع الخروج إلى النبي [ﷺ] فافتدى منهم بداره وماله، وخلوه فخرج إلى النبي عليه السلام فلقيه عمر في رجال فقال: ربح بيعك، قال: وبيعك، فلا خَسِر، فما ذاك؟ قال له: أنزل فيك كذا وكذا".
وقيل: نزلت الآية في رجل مسلم حمل على المشركين، بسيفه غضباً لله إذ سمع الكفر به من رجل من المشركين، فقاتل حتى قتل.
فيشري على هذا بمعنى يبيع.
وقيل: نزلت في رجل مسلم قال لمشرك: قل: لا إله إلا الله. فأبى أن يقولها، فقال المسلم: والله لأشرين نفسي من الله"، أي لأَبِيعَنَّهَا، ثم تقدم فقاتل حتى قتل رحمه الله.
وقال ابن المسيب: "أقبل صهيب مهاجراً فاتَّبعه نفر من المشركين. فنزل عن راحلته وانتثر ما في كنانته، وقال: يا معشر قريش، لقد علمتم أني من أرماكم رجلاً وأَيْمُ الله، لا تصلون إلي حتى أرمي بما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم. فعاهدوه على أن يدلهم على بيته وماله بمكة ويدعوه ففعل، وقدم على النبي [عليه السلام] فقال له: أبا يحيى، ربح البيع، فأنزل الله ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ﴾ الآية.
وقيل: إنه عني بها كل من باع نفسه من الله، روي ذلك عن عمر وغيره. وهو أولى بظاهر الآية عند الطبري وغيره.
2:208Page 32
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٢٠٨
O you who have believed, enter into Islām completely [and perfectly] and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ﴾.
قال ابن عباس: "السِّلْمُ - بالكسر - الإسلام", وهو قول أبي عمرو.
وَالسَّلْمُ - بالفتح - المسالمة والصلح. فعلى هذا يكون الكسر هنا أقوى وأحسن لأن الخطاب للمؤمنين، فليس للصلح وجه. وأهل اللغة يسوون بينهما، قاله الكسائي وغيره، ومعنى أمره إياهم بالدخول في الإسلام وهم مؤمنون على قول الضحاك، إنه إنما خاطب من آمن بالأنبياء أن يؤمنوا بمحمد [عليه السلام].
وقال عكرمة: "نزلت في ابن سلام وابني كعب: أسد وأسيد، قالوا بعد إسلامهم لرسول الله [عليه السلام]: إن السبت كان مفروضاً فأذن لنا أن نسبت وإن التوراة كتاب الله، فأذن لنا أن نحكم بها فأنزل الله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ﴾، أي في الإسلام.
﴿كَآفَّةً﴾: أي في جميعه، فيكون "﴿كَآفَّةً﴾" على هذا القول حالاً من السلم.
وقيل: هي مخاطبة لجميع من آمن بمحمد ﷺ، ومعناها: ادخلوا في جميع شرائع الإسلام وحدوده.
وقيل: نزلت في عبد الله بن سلام كان يقيم شرائع التوراة وشرائع القرآن، فأنكر ذلك [عليه المسلمون]، فقال: أنا أقوى على هذا، فنزلت الآية فترك ما كان عليه ورجع إلى شرائع الإسلام وما في القرآن.
واختار الطبري قراءة الكسر في السلم.
ويختار أن يكون مخاطبة للمؤمنين بمحمد [عليه السلام] وأن الصلح لا معنى له على هذا، واختار ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ﴾ [الأنفال: ٦١] لأنهم دعوه إلى الصلح، وليس في القرآن موضع أمر الله فيه المؤمنين بأن يبتدئوا بالصلح، إنما أمرهم بذلك إذا بدأهم به المشركون ورغبوا فيه، فلذلك يختار الكسر في البقرة لأنا لو فتحنا لأوجبنا أن الله أمر المؤمنين أن يبدأوا المشركين بالصلح، ويختار الفتح في "الأنفال" لأنه قال: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ﴾ [الأنفال: ٦١] أي ابتدأوا وطلبوا ذلك منكم، فافعل ما سألوا وتوكل على الله.
وإذا كان التأويل أن المؤمنين بمحمد ﷺ أمروا بذلك أو بعضهم، فيكون ﴿كَآفَّةً﴾ حالاً من السلم على معنى: "ادخلوا في الشرائع كافة"، أي في جميعها. وإذا كان التأويل أن المؤمنين بالأنبياء - صلوات الله عليهم - الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ، أمروا بالإيمان لمحمد ﷺ، فيكون "كافة" حالاً من المأمورين، أي ادخلوا جميعاً.
وقال ابن عباس: "هم أهل الكتاب أمروا بالإيمان بمحمد ﷺ بالدخول في شرائعه".
ومعنى "كافة" الإحاطة والعموم، من "كَفَفْتُ فلاناً عن كذا"، منعته، ومنه "رجل مَكْفٌوفٌ" أي ممنوع من النظر، ومنه "كَفَّةٌ الميزان" لأنها تَكُفُّ الأخرى، أي تمنعها من أن تميل بها. ومنه سمي الْكَفُّ لأنه يمتنع بها.
فمعناه على هذا إذا جعلت حالاً من الضمير: لا يمتنع منكم أحد أن يكف بعضهم بعضاً من الامتناع.
ومن جعله حالاً من "السلم"، فمعناه: تمنعكم هذه الشرائع من اتباع غيرها.
قوله : ﴿خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾. أي آثاره.
وقال الضحاك: "هي الخطايا التي يأمر بها".
2:209Page 32
فَإِن زَلَلۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡكُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٠٩
But if you slip [i.e., deviate] after clear proofs have come to you, then know that Allāh is Exalted in Might and Wise.
قوله: ﴿فَإِن زَلَلْتُمْ﴾. أي أخطأتم. وقيل: ضللتم.
وقال ابن عباس: "هو الشرك".
والبينات محمد ﷺ والقرآن.
* *
وقوله: ﴿عَزِيزٌ﴾ أي ذو عز لا يمنعه من الانتقام منكم مانع ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يفعله بكم من العقوبة على زللكم بعد إقامة الحجة وظهور البراهين.
2:210Page 32
هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٢١٠
Do they await but that Allāh should come to them in covers of clouds and the angels [as well] and the matter is [then] decided? And to Allāh [all] matters are returned.
قوله: ﴿فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾.
مَن خَفَضَ "الملائكة" عَطَفَ على "﴿ظُلَلٍ﴾".
وقال أبو إسحاق: "هي عطف على الْغَمَامِ"، وهي قراءة أبي جعفر، وقراءة الجماعة [بالرفع على العطف] على الاسم المرفوع بعد "يَأتِيَهُمْ".
وقرأ أبو جعفر "فِي ظُلالٍ وَقَضَاءِ الأَمْرِ" بالمد والخفض.
وفي قراءة أبي: "إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ وَالْغَمَامُ فِي ظلل مِنَ المِلاَئِكَةِ".
وهذا الإتيان عند أكثرهم يوم القيامة يكون.
وقال قتادة: "ذلك عند الموت". وهو قول شاذ.
وقيل: معنى ﴿فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ﴾، "بظلل"، ففي بمعنى "الباء". وهذا قول حسن بَيِّن.
قال عكرمة: ﴿ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ﴾ "طاقات منه والملائكة حوله".
وأكثر أهل التفسير على أن في الكلام تقديماً وتأخيراً في قراءة من رفع الملائكة، والمعنى: إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام. قالوا: والرب يأتي كيف شاء، و ﴿فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ﴾ من حال الملائكة. وجماعة منهم على أنه تعالى يأتي في ظلل من الغمام، وتأتي الملائكة كيف شاء. وهذا اختيار الطبري.
وروى ابن عباس عن النبي [عليه السلام] أنه قال: "إن الغمامة [طاقات يأتي الله جل وعز] فيها محفوفاً
قال أبو محمد رضي الله عنه: [ويجب] أن تعتقد أن صفات الله جل ذكره بخلاف صفات المخلوقين، فلا تعتقد إلا أن الإتيان والمجيء من الله تبارك وتعالى صفة وصف بها نفسه لا إتيان انتقال وتغير حال، تعالى الله عن ذلك.
وقد قدره قوم على حذف كأنه "إلا أن يأتيهم أمر الله".
وقيل: معناه: ثواب الله وعقابه.
وهذا كله توعد لمن تقدم ذكره من التاركين للدخول في الإسلام ولسعيهم بالفساد في الأرض.
ومعنى: ﴿وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾: فرغ منه.
* *
قوله: ﴿وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ﴾.
أعلمنا تعالى برد الحساب والعقاب إليه والأمور الآن وفي كل وقت إليه مصيرها، وبيده تصرفها، وعن مراده كونها. وإنما خص ذلك الوقت بالذكر لأنه وقت لا يدعي فيه أحد أمراً ولا نهياً ولا ملكاً ولا مقدرة، والدنيا فيها الجبارون والكافرون يدعون ذلك لأنفسهم، والآخرة لا يدعي فيها أحداً شيئاً، فلذلك خص الله رد الأمور إليه في الآخرة مع كونها مردودة إليه في الدنيا.
2:211Page 33
سَلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ كَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّنۡ ءَايَةِۭ بَيِّنَةٖۗ وَمَن يُبَدِّلۡ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢١١
Ask the Children of Israel how many a sign of evidence We have given them. And whoever exchanges the favor of Allāh [for disbelief] after it has come to him - then indeed, Allāh is severe in penalty.
قوله: ﴿سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ الآية.
كتبوا في المصحف ﴿نِعْمَةَ ٱللَّهِ﴾ هاهنا بالهاء، وكذلك في سائر القرآن إلا أحد عشر موضعاً كتبت بالتاء:
في البقرة: ﴿وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ [٢٣١].
وفي آل عمران ﴿وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ﴾ [١٠٣].
وفي المائدة: ﴿ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ﴾ [١١].
وفي إبراهيم: ﴿نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً﴾ [٢٨].
وفيها: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ [٣٤].
وفي النحل: ﴿وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [٧٢].
وفيها: ﴿نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ [٨٣].
وفيها ﴿وَٱشْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ﴾ [١١٤].
وفي لقمان: ﴿تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ﴾ [٣١].
وفي فاطر: ﴿نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ [٣].
وفي: والطور: ﴿فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ [٢٩].
والأصل في جميعها التاء، ولكن من وقف بالهاء فإنما ذلك للفرق بين الأفعال والأسماء نحو "قامت" و "شجرة".
[وقال] سيبويه: فعل ذلك للفرق بين التاء الأصلية والملحقة والزائدة في "العنت" و "ألفت"، و "عفريت"، و "ملكوت" و "شجرة". وهذه هي التاء الزائدة. ولغة طيء الوقف بالتاء.
وقال الفراء: "من وقف بالتاء، أراد الوصل، ومن وقف بالهاء أراد الوقف الصحيح". وأنكر ذلك ابن كيسان وغيره.
[وكل ما] كتب منه بالتاء، فمذهب المدنيين الوقف بالتاء على ما في المصحف. ومذهب أبي عمرو والكسائي وخلف وابن كيسان الوقف بالهاء على الأصل المشهور وقد قال ابن كيسان: "من وقف بالتاء فإنما نوى أصلها لأن أصلها التاء".
* *
وقوله: ﴿كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾.
يعني العصا وانفجار الحجر وانفلاق البحر ونحوه، ثم كفروا بعد ذلك وبدلوا هذه النعم، فأمر الله نبيه عليه السلام بالصبر وأخبره بفعل من قبله في سالف الدهر، وقال له: سلهم كم أعطوا من الآيات ثم لم ينفعهم ذلك.
* *
ومعنى ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ﴾ أي: من يغير ما عاهد الله عليه من قبول ما جاء به محمد ﷺ من الإسلام فيكفر، فإن الله يعاقبه.
2:212Page 33
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَيَسۡخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٢١٢
Beautified for those who disbelieve is the life of this world, and they ridicule those who believe. But those who fear Allāh are above them on the Day of Resurrection. And Allāh gives provision to whom He wills without account.
قوله: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ الآية.
أخبرنا الله تعالى أنه زين لهم حب الدنيا واتباعها، وأنهم يسخرون ممن اتبع الآخرة، وذلك أنهم قالوا: "لو كان محمد نبياً لاتبعه أشرافنا، وما نرى اتبعه إلا أهل الحاجة".
وقال الزجاج: "معنى ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي زينها لهم إبليس لأن الله تعالى قد زهد فيها".
وقيل: معناه خلق الأشياء الحسنة المعجبة، فنظر إليها الكفار بأكثر من مقدارها، ومثله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٤].
* *
قوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
قال قطرب: "معناه يعطي العدد، لا من عدد أكثر منه، فيوجب بذلك بقاء الكثير".
وقيل: معناه أن ثمة أشياء لا يحاسب بها ويغفرها.
وقيل معناه: ليس يرزق المؤمن على قدر إيمانه، والكافر على قدر كفره، أي ليس يرزق في الدنيا على قدر العمل.
وقيل: معناه: بغير محاسبة أي ما يخاف أحداً ، يحاسبه عليه.
وقيل: معناه: بغير حسبان للمعطي. أي يعطيه من حيث لا يحتسب.
2:213Page 33
كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٍ ٢١٣
Mankind was [of] one religion [before their deviation]; then Allāh sent the prophets as bringers of good tidings and warners and sent down with them the Scripture in truth to judge between the people concerning that in which they differed. And none differed over it [i.e., the Scripture] except those who were given it - after the clear proofs came to them - out of jealous animosity among themselves. And Allāh guided those who believed to the truth concerning that over which they had differed, by His permission. And Allāh guides whom He wills to a straight path.
قوله: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً﴾ الآية.
الأمة هنا في قول ابن عباس وعكرمة: من كان بين آدم ونوح، وهم عشرة قرون، وكانوا على دين من الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. قال ذلك ابن عباس وغيره. وأول من بعث الله نوحاً عليه السلام.
والأمة هنا معناها الأمم، ودل الواحد على الجماعة. وأصل الأمة الجماعة [تجتمع على دين] واحد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المائدة: ٤٨] أي على دين واحد.
وقيل: معناه: كان آدم وحواء عليهما السلام أمة واحدة في الطاعة. وسميا بالجماعة لأنهما أصل لها.
وقال أبي بن كعب: "معناه كان جميع الخلق أمة واحدة إذ استخرجهم من [صلب آدم] وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. فأقروا كلهم فكانوا كلهم أمة واحدة مسلمين، ثم اختلفوا إذ ظهروا إلى الدنيا فبعث الله النبيين مبشرين من أقام على عهده بالجنة. ومنذرين من خالف ما عهدَهُ إليه بالنار".
وقال ابن زيد عن أبيه" لم يكن الناس أمة واحدة قط، إلا حين أخرجهم الله من ظهر آدم ﷺ".
وقيل: الناس هنا: نوح ومن كان معه في السفينة.
وروي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: "كانوا على الكفر فبعث الله النبيين".
* *
قوله: ﴿وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ﴾.
أي لم يختلف في التوراة إلا الذين نزلت عليهم.
﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ﴾ الآية.
أي الحجج أنه من عند الله، فكان خلافهم تعمداً للبغي بينهم لحب الدنيا وملكها والتنافس فيها فبغى بعضهم على بعض، وقتل بعضهم بعضاً على ذلك.
وقال زيد بن أسلم: "اختلفوا في يوم الجمعة؛ فاتخذ اليهود السبت، والنصارى الأحد، فهدى الله أمة محمد ليوم الجمعة. واختلفوا في القبلة؛ فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت المقدس، وهدى الله أمة محمد صلى الله عليه [وسلم] للقبلة. واختلفوا في الصلاة؛ فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنه من يسجد ولا يركع ومنهم من يصلي ويتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في الصيام؛ فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في إبراهيم ﷺ؛ فقالت اليهود: كان يهودياً، وقالت النصارى: كان نصرانياً، وجعله الله حنيفاً مسلماً، فهدى الله أمة محمد ﷺ للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى ﷺ؛ فكفرت به اليهود، وقالوا في أُمِّهِ بهتاناً عظيماً، وجعلته النصارى إلهاً وولداً، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمة محمد ﷺ للحق من ذلك".
والبغي: الاعتداء والطغيان، يقال للبحر إذا فاض وكثر ماؤه: "بَغَى الْبَحْرُ" أي طغى. وتقدير الكلام: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه بغياً بينهم من بعد ما جاءتهم البينات.
وقد أنكر هذا قوم لأن المصدر لا يتقدم عليه ما تعلق به، وهذا الاعتراض لا يلزم لأن "من" متعلقة "بأُوتُوهُ" لا "بالبغي".
ومعنى: ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ﴾ أي الكتب.
* *
قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾.
أي ليحكم الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه بما فيه.
وقرأ الجحدري. "لِنَحْكُمَ" بالنون.
وقالوا أبو إسحاق: "معنى ﴿وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ﴾. أي في النبي محمد ﷺ ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ﴾، أي أعطوا علم نبوته، فعلوا ذلك للبغي.
* *
قوله: ﴿فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾.
أي هداهم الله لمعرفة ما اختلفوا فيه من الحق إذ هداهم للإيمان بما اختلف فيه الأولون من الحق.
قال النبي ﷺ: "نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُون يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ نَحْنُ أَوَّلُ النَّاسِ دُخُولاً الجَنَّة بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُو الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَهَدَانَا اللهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ "فَهَذا اليّوْم الذِي هَدَانَا اللهُ لَهُ وَالنّاس لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، غداً لليهود، وبعد غَدٍ لِلنَّصَارى
وهذا الاختلاف الذي هدى الله المؤمنين إليه، ووفقهم لإصابته وهي الجمعة ضلوا عنها، وقد فرضت عليهم كما فرضت علينا فجعلوها السبت، وجعلها النصارى الأحد.
وقال ابن زيد: "اختلفوا في الصلاة؛ فمنهم من صلى إلى المشرق، ومنهم من صلى إلى بيت المقدس، فهدانا الله إلى الكعبة. واختلفوا في الصيام؛ فمنهم من يصوم بعض يوم، ومنهم من يصوم بعض ليلة، فهدانا الله له. واختلفوا في الجمعة؛ فأخذ اليهود السبت، وأخذ النصارى الأحد، فهدانا الله له. واختلفوا في إبراهيم ﷺ؛ فقالت اليهود: كان يهودياً، وقالت النصارى: كان نصرانياً، فهدانا الله إلى أنه كان حنيفاً مسلماً، وكذلك اختلفوا في عيسى ﷺ؛ فهدانا الله لجميع ذلك على الحق بمحمد ﷺ".
وهذا عند أكثر أهل العلم فيه قلب، والمعنى: فهدى الله الذين آمنوا للحق مما اختلفوا فيه، كما قال:
؎ كَانَ الزِّنَا فَرِيضَةَ الرَّجْمِ
فالهداية إنما هي للحق، ولم يهدهم للاختلاف.
وظاهر الآية يعطي الهداية للاختلاف لأنه قال: ﴿فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ﴾. ولكن الكلام فيه قلب أتى على لغة العرب وعادتها في كلامها. وهذا قول الطبري واختياره.
وقد قيل: إن المعنى: إن الله هداهم للاختلاف أنه باطل، فآمنوا بما كفر به غيرهم.
2:214Page 33
أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ ٢١٤
Or do you think that you will enter Paradise while such [trial] has not yet come to you as came to those who passed on before you? They were touched by poverty and hardship and were shaken until [even their] messenger and those who believed with him said, "When is the help of Allāh?" Unquestionably, the help of Allāh is near.
قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ﴾ الآية.
"أم" للخروج من حديث إلى حديث.
وقال الطبري: "أم" للاستفهام، ومعنى اللام "أحسبتم". قال: وإنما تكون "أم" للاستفهام إذا تقدمها كلام، فإن لم يتقدمها كلام لم تقع كذلك".
* *
قوله: ﴿حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ﴾.
النصب فيه على الغاية كأنك قلت: "وزلزلوا إلى أن يقول الرسول". فيكون الفعلان قد مضيا. ويجوز النصب في غير القرآن على أن تجعل الثاني من أجله وقع الأول، كأنك قلت: "كي يقول"، فالأول حدث كي يكون الثاني، ولا يحسن هذا في الآية.
والرفع في الآية على أن يكون ما بعدها جملة لا تعمل "حتى" فيه، أي "وزلزلوا، فقال الرسول"، ويكون الفعلان أيضاً مضيا أي حتى هذه حال الرسول، ويجوز الرفع في الكلام على أن يكون الأول قد مضى، والثاني في الحال؛ تقول: "سرت حتى أدخلها" أي حتى أنا الآن أدخلها، فالسير مضى، والدخول الآن، ولا يجوز هذا في الآية.
وقال أبو عمرو: "لما اختلف الفعلان في الآية، كان الوجه في الثاني النصب".
* *
قوله: ﴿أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾.
يجوز في "قريب" النصب على أنه نعت لظرف محذوف. ولا يثنى قريب ولا يجمع ولا يؤنث إلا أن يكون للنسب والقرابة، فيجوز ذلك فيه.
ومعنى الآية: أحسبتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة ولم يصبكم مثل ما أصاب من كان قبلكم من اتباع الأنبياء من الشدائد والخوف حتى قال الرسول والذين معه: ﴿مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ﴾، كأنهم استبطأوا النصر فأخبرهم الله تعالى أن نصر الله قريب.
وقيل: إن في الآية تقديماً وتأخيراً وحذفاً للاختصار والتقدير: وزلزلوا حتى يقولوا؟ ﴿مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ﴾، ويقول لهم الرسول: ﴿أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾ استبطأوا النصر وزاد عليهم الخوف، فقالوا: متى نصر الله؟ فقال لهم الرسول: ﴿أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾.
فقوله: ﴿أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾ من قول الرسول، وقوله: ﴿مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ﴾ من قول المؤمنين من أمة الرسول.
وهذه الآية في قول السدي وقتادة نزلت يوم الخندق حين اشتد على المؤمنين أمر الأحزاب وآذاهم البرد وضيق العيش، وفيه نزل: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ [الأحزاب: ٩] إلى ﴿قَدِيراً﴾ [الأحزاب: ٢٧].
قال السدي: [اشتد على المؤمنين الأمر] حتى قال قائلهم: ﴿مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ [الأحزاب: ١٢]. يريد قاله بعض المنافقين.
﴿وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [الأنفال: ٤٩]. أي شك. قالوا ذلك أيضاً كذلك حكى الله عنهم في سورة الأحزاب. وقيل: "إنها نزلت في المهاجرين إذ تركوا أموالهم ودورهم بمكة، فحكم فيها المشركون، فضاقت بهم الحال في المدينة فَآخَى النبي [عليه السلام] بينهم وبين الأنصار فَوَاسَوْهُمْ فنزلت الآية تعزية لهم وتصبيراً.
وذكر وهب بن منبه: "أن سبعين نبياً دفنوا في مسجد الخيف، كلهم ماتوا من الجوع والقمل".
وقال النبي [ﷺ]: سأل نبي من الأنبياء سعة الرزق فأوحى الله إليه: (أَمَا يَكْفِيكَ أَنِّي عَصَمْتُكَ مِنَ الْكُفْرِ)
فلو رضيَ اللهُ الدنيا لأحد من أوليائه ما نال منها الكافر جرعة ماء، ولكن الله لم يجعلها ثواباً لمؤمن ولا عقاباً لكافر.
* *
قوله: ﴿ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ﴾ الفقر والمرض.
وقيل: القتل والفقر.
وقال القتبي: "البأساء: الشدة، والضراء: البلاء".
* *
ومعنى ﴿وَزُلْزِلُواْ﴾ خوفوا وحركوا.
وأصله من "زال الشيء من مكانه". ومعنى "زلزلته" كررت زلزلته.
2:215Page 33
يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلۡ مَآ أَنفَقۡتُم مِّنۡ خَيۡرٖ فَلِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ ٢١٥
They ask you, [O Muḥammad], what they should spend. Say, "Whatever you spend of good is [to be] for parents and relatives and orphans and the needy and the traveler. And whatever you do of good - indeed, Allāh is Knowing of it."
قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾.
سأل أصحاب النبي [عليه السلام] على من ينبغي أن يفضلوا، فأنزل الله الآية، وهذا قبل أن تفرض الزكاة.
وقيل: هي منسوخة بالزكاة.
وقيل: هي محكمة فيها صفة أين يوضع التطوع، والزكاة مفروضة على بابها.
وهذه الآية تدل على أن النفقة على الوالدين من الصدقة.
2:216Page 34
كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٢١٦
Battle has been enjoined upon you while it is hateful to you. But perhaps you hate a thing and it is good for you; and perhaps you love a thing and it is bad for you. And Allāh knows, while you know not.
قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ﴾.
أكثر العلماء على أن الجهاد فرض يحمله الإمام ومن معه عن الناس، وليس على كل رجل ذلك فرض.
* *
ومعنى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ فرض عليكم، وهو كالصلاة على الموتى ودفنهم، دليله قوله: ﴿فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ [النساء: ٩٥]. فأخبر أن الكل له الحسنى وهي الجنة، وأن المجاهدين أفضل له.
وقال ابن جبير: "هو فرض على جميع المسلمين".
وقد قيل: هي ناسخة واجبة لما أمروا به من العفو والصفح بمكة.
وقيل: هي منسوخة بقوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢].
وقيل: هي على الندب لا على الوجوب.
وقد قال عطاء: "هي فرض على الصحابة خاصة". وهو قول مطعون فيه.
* *
قوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾.
الكره بضم الكاف ما كان من نفسك، وبالفتح ما أُكْرِهْتَ عليه فيه.
وقال معاذ بن مسلم: "الكُره المشقة، والكَره الإجبار".
وقيل: هما لغتان: كالضُّعف والضَّعف.
وقيل: الكره بالضم الاسم، وبالفتح المصدر.
* *
قوله: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
معناه: إن كرهتم القتال فهو خير لكم، لأن فيه الظفر والغنيمة والشهادة.
* *
﴿وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾.
أي إنكم إن تحبوا القعود عن الجهاد فهو شر لكم لأنكم تحرمون الظفر والغنيمة و [الأجر. أو] الشهادة.
﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ﴾: أي يعلم ما هو خير لكم ممّا هو شر لكم، فلا تكرهوا ما كتب عليكم من جهاد عدوكم فإنكم لا تعلمون.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences