Makki ibn Abi TalibAl‑Baqarah · 2:217–224

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:217–224

2:217Page 34

يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۚ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفۡرُۢ بِهِۦ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِخۡرَاجُ أَهۡلِهِۦ مِنۡهُ أَكۡبَرُ عِندَ ٱللَّهِۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢١٧

They ask you about the sacred month1 - about fighting therein. Say, "Fighting therein is great [sin], but averting [people] from the way of Allāh and disbelief in Him and [preventing access to] al-Masjid al-Ḥarām and the expulsion of its people therefrom are greater [evil] in the sight of Allāh. And fitnah2 is greater than killing." And they will continue to fight you until they turn you back from your religion if they are able. And whoever of you reverts from his religion [to disbelief] and dies while he is a disbeliever - for those, their deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ الآية.

قال السدي: "بعث رسول الله ﷺ سرية في سبعة نفر فبينما هم سائرون إذا بنفر من المشركين ببطن نخلة فاقتتلوا، فأسر المسلمون منهم وقتلوا وغنموا، وكانت أول غنيمة غنمها أصحاب النبي [عليه السلام. وكان] ذلك في الشهر الحرام فتكلم الناس في القتل في الشهر الحرام.

وروي أن النبي ﷺ قال لهم: "ما أمرتكم أَنْ تَقْتُلُوا فِي الْشَهْرِ الْحَرَامِ". فسقط في أيدي القوم [وأخذهم الناس باللائمة]، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ [كَبِيرٌ]﴾" فأخبرهم أنه منكر عظيم.

* *

ثم قال: ﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.

أي وصدكم أيها المشركون عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، وكفركم بالله تعالى وإخراجكم أهل المسجد الحرام منه. يريد الله النبي ﷺ وأصحابه ذلك كله من فعلكم أكبر عند الله من القتل، أي الشرك الذي أنتم عليه أكبر من القتل في الشهر الحرام. وكذلك قال ابن عباس.

وقال الضحاك: "لما قتل عمرو بن الحضرمي في سرية بعثها رسول الله [عليه السلام] إلى بطن نخلة وأمر عليها عبد الله بن جحش، عَيَّرَ المشركون المسلمين بالقتل في الشهر الحرام فأنزل الله الآية فأخبرهم أن ذلك كبير، وأن صد المشركين محمداً ﷺ وأصحابه عن سبيل الله عز وجل وعن المسجد الحرام والكفر بالله تعالى أكبر عند الله سبحانه من القتل الذي أنكروه. والآية عند أكثر العلماء والصحابة منسوخة لأنه تعالى قال: ﴿قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ أي عظيم فأخبر أنه شيء عظيم منكر في الشهر الحرام وأنه محظور ثم نسخته آية السيف في براءة: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. فأبيح ذلك في الحرام وغيره، ونسخه أيضاً قوله: ﴿وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً﴾ [التوبة: ٣٦].

والأشهر الحرم المذكورة في براءة ليست المعلومة، إنما هي أشهر كان فيها عَهْدٌ بينهم وبين النبي [عليه السلام] فأمر بقتلهم حيث وجدوا إذا انسلخت تلك الأشهر وهي أربعة أشهر بعد يوم النحر لمن كان له عهد، ومن لم يكن له عهد فإلى انسلاخ الحرم عهده.

وقال عطاء: "الآية محكمة، والقتال محظور في الأشهر الحرم".

وروى ابن وهب أن النبي [ﷺ] رد الغنيمة والأسى وودى القتيل.

2:218Page 34

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ يَرۡجُونَ رَحۡمَتَ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢١٨

Indeed, those who have believed and those who have emigrated and fought in the cause of Allāh - those expect the mercy of Allāh. And Allāh is Forgiving and Merciful.

قوله: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ﴾.

كتبت "رحمت" بالتاء وذلك في سبعة مواضع؛ هذا، وفي الأعراف: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [٥٦]، وفي هود: ﴿رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ﴾ [٧٣]، وفي مريم: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ [١]، وفي الروم: ﴿إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ﴾ [٥٠]. وفي الزخرف: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [٣٢]، وفيها ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [٣٢] وما عداها كتبت بالهاء.

قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ﴾ الآية.

نزلت هذه الآية حين قتلت السرية عمرو بن الحضرمي وأنكر عليهم القتل في الشهر الحرم الحرام، وقال بعض المسلمين في السرية، قد أصابوا وزراً، فأعلم الله أن من هاجر وجاهد فهو يرجو رحمة الله، وأنه غفور لما وقع منهم من القتل في الشهر الحرام ورحيم بهم.

وروي أن عبد الله بن جحش وأصحابه قالوا: يا رسول الله، أنطمع أن يكون خروجنا [غزوة نعطى] فيها أجر المجاهد، فأنزل الله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ﴾، الآية.

2:219–220Page 34

۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلِ ٱلۡعَفۡوَۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ٢١٩

They ask you about wine1 and gambling. Say, "In them is great sin and [yet, some] benefit for people. But their sin is greater than their benefit." And they ask you what they should spend. Say, "The excess [beyond needs]." Thus Allāh makes clear to you the verses [of revelation] that you might give thought

فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡيَتَٰمَىٰۖ قُلۡ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ خَيۡرٞۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعۡنَتَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٢٠

To this world and the Hereafter. And they ask you about orphans. Say, "Improvement for them is best. And if you mix your affairs with theirs - they are your brothers. And Allāh knows the corrupter from the amender. And if Allāh had willed, He could have put you in difficulty. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise."

قوله: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾.

من قرأ بالثاء فقراءته مختارة، لأن الكثرة تشتمل على العظم والكبر، والكبر والعظم لا يشتمل على الكثرة فبالثاء أعم وأولى. وكل ما كثر فقد عظم وليس كل ما عظم بكثير، فوصف الإثم بالكثرة أبلغ من وصفه بالعظم، وقد قال تعالى: ﴿وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً﴾ [الفرقان: ١٤] وأيضاً فإن الإثم الأول بمعنى الآثام لقوله: "ومنافع" ولم يقرأ "ومنفعة". والآثام فبالكثرة توصف أولى من العِظم. وأما الثاني فهو إجماع بالباء لأنه يراد به التوحيد لا الجمع.

ومن قرأ بالباء فحجته إجماعهم على ﴿أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ بالباء، أي أعظم. وقوله: ﴿حُوباً كَبِيراً﴾ [النساء: ٢]، وقول العرب: "إِثْمٌ صَغِيرٌ"، يدل على جواز "كبير" وحُسْنِه وترك استعمالهم "لإثم قليل"، يدل على بعد "كثير". وإجماع المسلمين على قولهم: "صغائر وكبائر"، يدل على حسن "كبير". ونزلت الآية جواباً لمن سأل النبي [عليه السلام] عن الخمر والميسر.

والخمر: ما خامر العقل أي ستره، فكل شراب ستر العقل وأحاله فهو خمر، يقال: "دخل فِي خِمَارِ النَّاسِ" أي هو مستتر في الناس، ويقال للضبع: "خَامِرِي أُمِّ عَامِر"، أي استتري. وخمار المرأة قناعها لأنه يسترها. وقولهم: "اخْتَمَرَ الْعَجِينُ"، أي غطى فطورته الاختمار.

والميسر القمار سمي بذلك لما كانوا ييسرون من الجزور وغيرها للقمار عليها.

وقال مجاهد: "كل القمار من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز".

وقال عطاء: "حتى لعب الصبيان بالكعاب".

وقال القاسم: "كل ما أنهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر".

قال ابن عباس: "كان الرجل في الجاهلية يخاطر عن أهله وماله، فأيهما قامر صاحبه ذهب بأهل الآخر وماله".

وأشعار العرب: تدل على أن الميسر كان قماراً بينهم في الجزور خاصة.

وقيل: سمي ميسراً لأنهم كانوا يجزرون الجزور. وكل شيء جزرته فقد يسرته والياسر الجازر. فقيل للضاربين بالقداح: ياسرون، لأنه سبب لتجزئة الجزور.

ويقال للضارب بالقداح "يَسَرٌ وأَيْسَارٌ".

وقيل: إن "يَسْراً" جمع "لِيَاسِرٍ"، ثم يجمع "يَسَرٌ" على "أَيْسَارٍ" وكانت العرب أهل المقدرة منهم يقامرون على الإبل في الشدائد، ويجعلون لحومها للفقراء منهم لتعدل أحوال الناس، ولذلك قال: "﴿وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾".

والقداح التي كانوا يقامرون بها عشرة: منها سبعة ذوات خطوط، على كل واحد علامة يعرف بها، وهي: الفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل، والمعلى. ومنها ثلاثة لا خطوط فيها، يقال لها: "الأغفال والغفل من الدواب الذي لا سمة له؛ وهي: السفيح والمنيح، والوغد وليس لها سهام. والسبعة الأول للفذ منها نصيب، وللتوأم نصيبان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة، وعلى كل واحد من العلامة على قدر ما له من الأنصباء.

* *

وقوله: ﴿وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾.

هي أثمانها وما كانوا يصيبون من الجزور.

* *

﴿وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾.

أي الإثم فيهما بعد التحريم أكبر من النفع قبل التحريم. قال سعيد بن جبير: "لما نزلت: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾ كره الخمر قوم للإثم، وشربها قوم للمنافع وهو الفرح الذي فيها حتى نزلت ﴿لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ﴾ [النساء: ٤٣]، فتركوها عند الصلاة حتى نزلت ﴿إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] فحرمت".

فهذا يدل على أنها منسوخة بما في "المائدة".

وروي أن عمر رضي الله عنه كان يقول: "اللهم بيّن لنا في الخمر"، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ﴾ الآية، فقرئت عليه، فقال: [اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فإنها تذهب العقل والمال]، فنزلت ﴿لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ﴾، فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت: ﴿إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ﴾ الآية التي في المائدة فقال عمر: انتهينا، انتهينا".

فالخمر محرمة بنص القرآن لأن الله جل ذكره أخبرنا في هذه السورة أن فيها إثماً كبيراً، وحرم تعالى اكتساب الإثم بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] أي واكتساب الإثم. فهذا نص ظاهر في التحريم مع قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]. فهذا تهدد ووعيد؛ وذلك لا يكون إلا في المحرمات مع قوله: ﴿لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ﴾ [النساء: ٤٣]، فتحريم المسكر منصوص بَيِّنٌ في كتاب الله [جل وعز]، وكل ما أسكر فهو خمر، لأن كل مسكر يخامر العقل، وكل ما خامر العقل فهو خمر وهو مسكر.

وإنما سميت الخمر خمراً لأنها تخامر العقل، أي تخالطه.

وقيل: سميت بذلك لأنها تخمر، أي تغطي من الخمار الذي تغطى به.

وقيل: سميت بذلك لأنها تخمر العقل، أي تستره من الخمار الذي يغطى به الرأس.

* *

قوله: ﴿قُلِ ٱلْعَفْوَ﴾. أي تتصدق بما فضل عن أهلك.

قال السدي: "كانوا يعملون كل يوم بما فيه، فإن فضل في ذلك اليوم فضْلٌ عن العيال قدموه".

وقال ابن عباس: "العفو ما لا يتبين خروجه من المال".

وقال طاوس: "العفو اليسير من كل شيء".

وقال اليزيدي: العفو هو ما أطقته من غير أن تجهد فيه نفسك".

وقيل: ما فضل عن أهلك.

وروي أن هذه الآية ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ نزلت في رجل أتى إلى النبي [ﷺ] فقال: "إن لي ديناراً"، فقال: أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ. فقال: إن لي دينارين. فقال: أَنْفِقْهُمَا عَلَى أَهْلِكَ، فقال: إن لي ثلاثة، قال أَنْفِقْهَا عَلَى خَادِمِكَ. [قال: إن] لي أربعة، قال: أَنْفِقْهَا عَلَى وَالِدَيْكَ، قال: إن لي خمسة. قال: أَنْفِقْهَا عَلَى قَرَابَتِكَ قال: إن لي ستة. قال أَنْفِقْهَا فِي سَبِيلِ اللهِ

يريد لي الدينار غير الدينار، ولي اثنان غير الاثنين ، وثلاثة غير الثلاثة، وكذلك ما بعده.

وقيل: العفو ما لا يكون إسرافاً ولا إقتاراً. قاله عطاء والحسن وقال مجاهد: "العفو الصدقة عن ظهر غنى".

وروي عن ابن عباس في حد العفو: "أمر النبي ﷺ [أن يأخذ] ما أتوا به من قليل أو كثير.

وقال الربيع: "العفو ما طاب من المال".

وقال قتادة: "العفو أفضل المال، وأطيبه أفضله".

قال ابن عباس: "هي منسوخة بالزكاة".

وقيل: إنما هي الزكاة، وليست منسوخة.

وقيل: إنما في التطوع، سألوا عنه فأجيبوا، فهي محكمة وليست بغرض.

قوله ﴿كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ﴾.

معناه: مثل ما بين لكم الخمر والميسر وما فيهما يبين لكم الآيات لعلكم تتفكرون في نفاذ الدنيا وزوالها وبقاء الآخرة ونعيمها فتعملون للباقية منهما.

وقيل: معناه: لعلكم تتفكرون في فضل ما بينهما.

وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: "يبين الله لكم الآيات في الدنيا والآخرة"، أي في أمرهما لعلكم تتفكرون.

* *

قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾.

كان سبب نزول هذه الآية أنه لما نزل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً﴾ [النساء: ١٠]، انطلق من كان معه يتيم فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فكان يفضل الشيء من طعام اليتيم فيحبس له حتى يفسد فاشتد عليهم ذلك، فذكروا ذلك للنبي [عليه السلام]، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. قاله ابن عباس وغيره.

وقيل: إنه لما نزل: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، اجتنب الناس مخالطتهم فنزلت: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾، فخالطوهم.

﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ﴾. أي يعلم حين تخلط مالك بماله، أتريد بذلك إصلاح ماله أو إفساده يريد الجنسين.

* *

قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ﴾. أي: لحرم عليكم مخالطتهم فتتبعون، ويشق ذلك عليكم.

وقيل: معناه: لأَوْبقَكُمْ فأهلككم بما قد أصبتم من أموالهم.

قال أبو إسحاق: "معناه: لكلفكم ما يشتد عليكم، فتعنتون".

وأصله من: "عَنِتَ البَعِيرُ" إذا حدث في رجله كسر بعد جبر.

* *

قوله: ﴿أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

أي: عزيز في سلطانه، حكيم في فعله وأحكامه وتدبيره.

2:221–223Page 35

وَلَا تَنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤۡمِنَّۚ وَلَأَمَةٞ مُّؤۡمِنَةٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكَةٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡۗ وَلَا تُنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤۡمِنُواْۚ وَلَعَبۡدٞ مُّؤۡمِنٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكُمۡۗ أُوْلَٰٓئِكَ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ وَٱلۡمَغۡفِرَةِ بِإِذۡنِهِۦۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٢١

And do not marry polytheistic women until they believe.1 And a believing slave woman is better than a polytheist, even though she might please you. And do not marry polytheistic men [to your women] until they believe. And a believing slave is better than a polytheist, even though he might please you. Those invite [you] to the Fire, but Allāh invites to Paradise and to forgiveness, by His permission. And He makes clear His verses [i.e., ordinances] to the people that perhaps they may remember.

وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِيضِۖ قُلۡ هُوَ أَذٗى فَٱعۡتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلۡمَحِيضِ وَلَا تَقۡرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطۡهُرۡنَۖ فَإِذَا تَطَهَّرۡنَ فَأۡتُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ ٢٢٢

And they ask you about menstruation. Say, "It is harm, so keep away from wives1 during menstruation. And do not approach them until they are pure. And when they have purified themselves,2 then come to them from where Allāh has ordained for you. Indeed, Allāh loves those who are constantly repentant and loves those who purify themselves."

نِسَآؤُكُمۡ حَرۡثٞ لَّكُمۡ فَأۡتُواْ حَرۡثَكُمۡ أَنَّىٰ شِئۡتُمۡۖ وَقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٢٣

Your wives are a place of cultivation [i.e., sowing of seed] for you, so come to your place of cultivation however you wish and put forth [righteousness] for yourselves. And fear Allāh and know that you will meet Him. And give good tidings to the believers.

قوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾.

قال ابن عباس: "عَمَّ تحريمُ كل مشركة ثم استثنى منهن أهل الكتاب بقوله: ﴿وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥].

وقال عكرمة والحسن: "نسخ من ذلك نساء أهل الكتاب".

وكذلك قال مالك: "هي منسوخة"، وهو قول سفيان.

وقال ابن جبير: "الآية عامة محكمة مخصومة في مشركات العرب، لم يعن بها غيرهن".

وقد قيل: هي ناسخة للتي في النساء والمائدة روي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وعن عمر رضي الله عنه. والإجماع على خلاف ذلك، وطرق الأسانيد عنهم فيها ضعف.

وروي أن عمر فرق بين طلحة بن عبيد الله ويهودية، وبين حذيفة بن اليمان ونصرانية، وأراد أن يبطش بهما على نكاحهما.

وقال ابن عمر: "حرم الله المشركات في كتابه على المؤمنين، ولا أعرف شيئاً من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة: ربها عيسى". وقد سمى الله اليهود والنصارى مشركين في كتابه في "براءة" وغيرها؛ قال: ﴿ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. فهذا هو الشرك بعينه.

وأكثر الصحابة والفقهاء على جواز نكاح الكتابيات وهو نص القرآن، ولم يختلف الفقهاء في منع نكاح المسلم إماء أهل الكتاب إلا أبا حنيفة فإنه أجازه.

وأصل النكاح في اللغة الوطء. تقول العرب: "أَنْكَحْتُ الأَرْضَ الْبُرَّ" إذا بذرته فيها، ومن هاهنا ثبت أن قوله: ﴿حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] يراد به الوطء دون العقد، وبذلك أتت السنة، وقد كثر حتى استعمل اسماً للعقد إذ هو سبب الوطء.

وجاز أن تقول: ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ﴾، والمشرك لا خير فيه، كما تقول العرب: "الآباء أحق بالميراث من الخال"، ولا حق للخال في الميراث.

وحكى نفطويه في كتاب "التوبة" له أن العرب تأتي بأفعل على ضربين: أحدهما تفضيل أحدهما على الآخر وفي الآخر فضل. والثاني أن يكون إيجاباً للأول ونفياً عن الثاني كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾ [الفرقان: ٢٤] فهو نفي عن أن يكون في النار خير.

وقيل: المعنى: وَلإِنْكَاحُ عبد مؤمن خير من إنكاح حر مشرك.

وهذه الآية نزلت في رجل نكح أمة فعذل عن ذلك وكان الذين [عذلوه يريدون] تزويج نساء أهل الشرك لحسبهن ومالهن وجمالهن، فأخبر الله تعالى أن "أمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم"، أي ولو أعجبكم حسنها وحسبها.

ثم أخبرنا بمنع نكاح المشرك المسلمة من أهل الكتاب كان أو من غيرهم، فأعلمنا أن عبداً مؤمناً خير من مشرك.

وبهذا يحتج من جعل الأول عاماً في الكتابية وغيرها.

* *

ثم قال تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ﴾. أي يعملون بأعمالهم. ﴿وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾.

أي بإعلامه الطريق [التي بها يتوصل] إلى الجنة والمغفرة كل من عنده.

وروي أن هذه الآية نزلت في كناز بن الحصين [الغنوي أبي] مرثد بعثه رسول الله [ﷺ] إلى مكة سراً ليخرج رجلاً من أصحابه أسر، وكان له بمكة امرأة يحبها في الجاهلية، يقال لها: عناق. فقال لها: إن الإسلام قد حرم ما كان في الجاهلية. فقالت له: تزوجني. فقال: لا، حتى آتي رسول الله فسأله. فلما قدم بالأسير إلى رسول الله ﷺ سأله هل يحل له تزويج تلك المرأة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ﴾ الآية، فهي في غير أهل الكتاب مخصوصة على هذا التأويل.

* *

قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ﴾.

كان أصحاب النبي [عليه السلام] في بدء الإسلام لا يساكنون النساء في المحيض ولا يواكلونهن، فسألوا النبي [عليه السلام] عن ذلك، فعرفهم الله تعالى في الآية أن [الذي يجتنب] من الحائض هو جماعها حتى تطهر، وأن ما سواء ذلك حلال.

* *

ثم قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾.

أي: في الفرج خاصة. فهذا يدل على منع إتيانهن في الأدبار.

وقيل: معنى ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾ طهراً غير حيض.

ومعنى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾.

قال السدي: "قل يا محمد: قل هو قذر "، وكذلك قال قتادة.

وقال مجاهد: "﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ قل هو دم".

والآية ناسخة لما كان عليه بنو إسرائيل من شريعتهم لأنهم كانوا لا يجتمعون مع الحائض في بيت ولا يواكلونها، فنسخت الآية ذلك. فقالت اليهود عند نزولها: "ما يدع محمد شيئاً من أمرنا إلا خالفنا فيه".

فللرجل أن يستمتع [من الحائض] بما دون الفرج غير الدبر. وهو قول عائشة وأم سلمة وابن عباس والحسن وعطاء والشعبي والنخعي والثوري وغيرهم. وهو قول الشافعي الصحيح.

ويروى عن ميمونة وسعيد بن المسيب أنها تعتزل فيما بين السرة والركبة، ويستمتع بها فيما دون ذلك، وهو قول مالك وأبي حنيفة.

وقال عكرمة والشعبي: "لا بأس بإتيانها دون الفرج" [يريدان الفخذ].

وقال الثوري: "لا بأس أن يباشرها إذا اتقى موضع الدم".

فإن أتاها وهي حائض؛ فقال ابن عباس: "يتصدق بدينار أو بنصف".

وقيل: إن كان في فور الدم وقوته يتصدَّق بدينار، وإن كان في آخره وضعفه تصدق بنصف. قاله النخعي وغيره.

وقال الأوزاعي: "إن كان وطئها في الدم تصدق بدينار، وإن وطئها بعد انقطاع الدم وقبل الطهر بالماء، تصدق بنصف دينار".

وقال سعيد بن جبير: "عليه عتق رقبة".

وقال الحسن: "عليه مثل الذي على من وطئ في رمضان". وجماعة الفقهاء التابعين يقولون: لا شيء عليه ويستغفر الله من ذلك ولا يعد، وقد أخطأ.

قاله مالك والشافعي وأبو حنيفة. وهو قول الشعبي والزهري وربيعة وأبي الزناد والليث بن سعد والثوري.

وقال مالك والشافعي وابن حنبل وغيرهم: "لا يطأها حتى تغتسل بالماء، فإن فعل قبل ذلك، وقد انقطع الدم، لم يكن عليه شيء، وقد أخطأ ويستغفر الله".

وهو قول سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار والزهري وربيعة والثوري.

وقال عطاء وطاوس ومجاهد: "إذا احتاج إلى وطئها قبل أن تغتسل، أمرها أن تتوضأ، ثم أصاب منها ما شاء".

وهو معنى قراءة من قرأ: "حتى يَطْهُرْنَ" مخففاً، أي ينقطع عنهن الدم.

وفي مصحف أبي وابن مسعود: "حتى يتطهرن" بالتاء أي بالماء ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي اغتسلن. هذا قول الجماعة.

وقال مجاهد وطاوس: "إذا تطهرن للصلاة".

فليس يجب للقارئ أن يقف على "يطهرن" في قراءة من خففه لئلا يبيح وطء الحائض إذا انقطع عنها الدم ولم تتطهر بالماء. فأما من قرأه بالتشديد، فالوقف عليه حسن لأن معناه: "يتطهرن بالماء" وقربها بعد التطهر بالماء إجماع.

* *

قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾. أي: من الوجه الذي نهيتهم عنه وهو الفرج.

وقال مجاهد: "﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾ أمروا أن يأتوهن من حيث نهوا عنه". يعني يأتونهن بعد التطهر في الموضع الذي أمروا أن يعتزلوه في الحيض وهو الفرج.

فهذا نص من الله على إتيان النساء في طهورهن في الفرج دون غيره.

وقيل: معناه: من قبل طهرهن، لا من قبل حيضهن.

وقيل: معناه إيتوهن من قبل النكاح الذي أمرتم به، وحل لكم لا من قبل الزنا الذي نهيتم عنه، وحرم عليكم.

* *

قوله: ﴿يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ﴾.

أي الراجعين عن الذنوب، والمتطهرين بالماء للصلاة. وهو ظاهر اللفظ، وعليه أكثر أهل التأويل.

وقال مجاهد: "﴿وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾: أي الذين لا يأتون النساء في أدبارهن".

وقيل: معناه: ويحب المتطهرين من الذنوب أن يعودوا بعد التوبة. و ﴿ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾ يعني به النساء والرجال، غلب المذكر على المؤنث، ولم يقل المتطهرات، لأنه يخص النساء خاصة إذ لا يغلب المؤنث على المذكر.

وقيل: عني بالمتطهرين اللواتي يتطهرن من الحيضة بالماء، وهذا يدل على أن الحائض لا توطأ إلا بعد التطهر بالماء لأن من وطئها قبل التطهر بالماء، فقد وطئ من لا يحبه الله، وذلك ممنوع.

ومن وطئ بعد التطهر بالماء، فقد وطئ من يحب الله. وذلك حسن لأن الله إنما أحبهن على فعلهن وهو التطهر بالماء، ولم يحبهن على غير فعلهن، وهو انقطاع دم الحيض، فشكر الله لهن تطهرهن بالماء.

وأتى "بالمتطهرين" بلفظ التذكير لأنه يكون من الرجال والنساء، فغلب المذكر.

* *

وقوله: ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾. أي مقبلة ومدبرة في الفرج.

ومعنى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾.

أي هُنَّ مزدرع للولد، بمنزلة الأرض هي مزدرع للحب فتقديره: "نساؤكم موضع حرث لكم".

وأكثر أهل التفسير على أن الآية نزلت لما كان اليهود يجتنبون، وذلك أنهم يقولون، من أتى امرأته في فرجها من دبرها، خرج ولدها أحول، فأنزل الله: ﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾. أي كيف شئتم مقبلة ومدبرة في الفرج. ورواه مالك عن ابن المنكدر عن جابر.

[وروى] ابن وهب عن ابن المسيب أنه قال في قوله: ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾: هو العزل، إن شئت عزلتم وإن شئت لم تعزل، وإن شئت سقيته، وإن شئت أظميته".

وروي عن ابن عباس أنه قال: "كانت قريش تتلذذ بالنساء مقبلات ومدبرات في الفرج، فلما قدموا المدينة تزوجوا من الأنصار، فامتنعن عليهم من ذلك، وقلن: [لا نعرف] هذا، فبلغ ذلك النبي [عليه السلام]. فأنزل الله الآية وأصح الوجوه في العربية أن يكون ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ بمعنى من أي وجه شئتم.

قال أبو محمد مكي: يجب لأهل المروءة والدين والفضل ألا يتعلقوا في جواز إتيان النساء في أدبارهن بشيء من الروايات، فكلها مطعون فيه ضعيف. وإنما ذكرناها لأن غيرنا من أهل العلم ذكرها، وواجب على أهل الدين أن ينزهوا أنفسهم عن فعل ذلك، ويأخذوا في دينهم بالأحوط فإني أخاف من العقوبة على فعله، ولا أخاف من العقوبة على تركه، وقد روي في ذلك أخبار كثيرة، وأضيف جوازه إلى مالك وروي عنه وليس ذلك بخبر صحيح ولا مختار عند أهل الدين والفضل. وقد أضر بنا عما روي فيه لئلا يتعلق به متعلق، وأسقطنا ذكر ما روي فيه من كتابنا لئلا يستن به جاهل أو يميل إليه غافل وأسأل الله التوفيق في القول والعمل بمنه.

وقد قال مسروق: "قلت لعائشة رضي الله عنها: "ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً فقالت: كل شيء إلا الجماع".

ويدل على منعه قوله: ﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ والحرث للولد يكون لأنه كالبذر للزرع، والولد لا يكون إلا من جهة الفرج والإباحة إنما هي في الفرج لا غير، لذكره الحرث الذي به يكون الولد. فهذا نص ظاهر.

وقد روى يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب أنه قال: "سألت مالك بن أنس فقلت: إنهم قد ذكروا عنك أنك ترى إتيان النساء في أدبارهن. فقال: معاذ الله، أليس أنتم [قوماً عرباً]. فقلت: بلى. فقال: قال الله عز وجل: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾، وهل يكون الحرث إلا في موضع الزرع أو في موضع المنبت".

وكذلك روى الدارقطني عن رجاله عن إسرائيل بن روح أنه قال: سألت مالكاً، فقلت: "يا أبا عبد الله ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ فقال: أما أنتم قوم عرب؟ هل يكون الحرث إلا في موضع الزرع؟.

أتسمعون الله يقول: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ قائمة فقاعدة وعلى جنبها لا تتعدى الفرج. قلت يا أبا عبد الله، إنهم يقولون إنك تقول بذلك، فقال: "يكذبون علي، يكذبون علي، يكذبون علي".

قال أبو أحمد مكي: "[وهذا] الأشبه بورع مالك، وتحفظه بدينه".

وروى الدارقطني أيضاً عن رجاله عن محمد بن عثمان أنه قال: حضرت مالكاً، وعلي بن زياد يسأله، فقال: عندنا يا أبا عبد الله قوم بمصر يتحدثون عنك أنك تجيز الوطء في الدبر. فقال مالك: "كذبوا علي، عافاك الله".

وقد روى في منعه آثار كثيرة؛ فمنه ما روي عن عكرمة أنه قال: "أنى شئتم من قبل الفرج". وقاله ابن جبير ومجاهد.

وعن ابن عباس أن النبي عليه السلام قال في حديث له طويل: "يَأْتِي الرّجُلُ امْرَأتَهُ مُقْبلَةً وَمُدْبرَةً إذَا كَانَ ذَلكَ فِي الْفَرْجِ

وروى عمارة بن خزامة بن ثابت عن أبيه أن النبي [عليه السلام] قال: "إنّ الله لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقّ، فَلاَ تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ

وقال أبي بن كعب: "من أتى امرأته في دبرها فليس من التوابين ولا من المتطهرين".

وقال ابن مسعود: "محاش النساء عليكم حرام".

وروى عبد الله بن أبي الدرداء عن أبيه أنه قال: "الذي يطأ امرأته في دبرها هو أعظم الفواحش".

* *

قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾.

يدل على منع الإتيان في الدبر لأن الله لا يأمر بالفحشاء وقد سمى الله الإتيان في الدبر فاحشة بقوله: ﴿أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠]، فكيف يبيح الفاحشة؟ وإنما معناه في الفرج الذي أبيح لطلب الولد.

وفي قول الله تعالى لقوم لوط: ﴿أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٥-١٦٦] دلالة على أن المباح الإتيان في الفرج دون الدبر وفي الآية دليل على منع الإتيان في الدبر من الرجال والنساء لأن قوله:

﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ يراد به الفرج، لأن "ما" بمعنى "الذي". "والذي" لا يقع إلا على معهود مشار إليه، وهو الفرج الذي خلقه في النساء. ولو قال: "من خلق لكم"، لكان المراد النساء لأن "من" لمن يعقل فلما جاءت "ما" وهي تقع لما لا يعقل علم أنه شيء في: النساء خاصة خلق للأزواج وهو الفرج.

وقد قال ابن عباس في قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾ "معناه: من حيث أمركم الله أن تعتزلوهن".

وقد كثرت الروايات عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك.

* *

وقوله: ﴿وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ﴾.

قال ابن عباس: "اذكروا الله عند الجماع".

وقيل: معناه طلب الولد.

وقيل: معناه أنهم أمروا بتقديم الأعمال الصالحة.

وفعل الخير هو المفعول الثاني "لقدموا". فهو مردود على ما قبله من قوله، ﴿قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢١٥] الآية.

2:224Page 35

وَلَا تَجۡعَلُواْ ٱللَّهَ عُرۡضَةٗ لِّأَيۡمَٰنِكُمۡ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصۡلِحُواْ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢٢٤

And do not make [your oath by] Allāh an excuse against being righteous and fearing Allāh and making peace among people. And Allāh is Hearing and Knowing.

قوله: ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾.

معناه: أن يقول الرجل إذا سئل في خير أو صلاح: عَليَّ يمين أن لا أفعل. فيجعل اليمين علة لترك فعل الخير. فأمرهم الله بأن يبروا أيمانهم ويتقوه في فعل الخير ويصلحوا بين الناس، قاله طاوس وغيره.

وقال ابن عباس: "هو الرجل يحلف ألا يكلم قرابته، ولا يتصدق عليهم، أو يكون بينه وبين رجل مغاضبة فيحلف ألا يصلح بينه وبين خصمه، فأمر أن يُكفِّر ويفعل ما حلف عليه".

وقال الضحاك: "هو الرجل يُحَرِّمُ ما أحل الله له على نفسه ويحلف، فأمره الله أن يُكفِّر ويأتي الحلال".

وقال السدي: "﴿عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾: هو أن يعرض بينك وبين الرجل أمر فتحلف ألا تكلمه ولا تصله".

وقال مالك: "بلغني أنه يحلف بالله في كل شيء.

قال ابن عباس: "معناه لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن لا تصنعوا الخير، ولكن كفِّروا أيمانكم واصنعوا الخير".

* *

وقوله: ﴿أَن تَبَرُّواْ﴾ هو الرجل يحلف ألا يبر رحمه.

* *

ثم قال: ﴿وَتُصْلِحُواْ﴾ هو الرجل يحلف ألا يصلح بين اثنين إذا عصياه، غضباً عليهما في مخالفته، فأمر أن يكفر ويأتي ما حلف عليه.

وجامع القول في هذا ما روي عن ابن عباس أنه قال: "هو الرجل يحلف على شيء من الخير والبر ألا يفعله، فأمر أن يفعل ويكفّر".

وقالت عائشة رضي الله عنها: "لا تحلفوا بالله وإن بررتم".

وقال ابن جريج: "نزلت الآية في أمر أبي بكر حيث حلف ألا يتصدق على مسطح ولا يعطيه شيئاً".

والعرضة في كلام العرب القوة والشدة؛ يقال: "هذا الأمر عرضة لك" أي قوة لك على أسبابك. فمعناه على هذا: لا تجعلوا يمينكم قوة لكم في ترك فعل الخير.

وقال السدي: "نزلت هذه الآية قبل نزول الكفارات".

وقال غيره: "نزلت بعد نزولها".

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском