Makki ibn Abi TalibAl‑Baqarah · 2:257–268

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:257–268

2:257Page 43

ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٥٧

Allāh is the Ally1 of those who believe. He brings them out from darknesses into the light. And those who disbelieve - their allies are ṭāghūt. They take them out of the light into darknesses.2 Those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.

قوله: ﴿ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾.

أي يتولاهم بتوفيقه فيخلصون ويثبتون على الإيمان ويعينهم على عدوهم ويتولى ثوابهم.

* *

قوله: ﴿مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾. أي: من الكفر إلى الإيمان.

نزلت هذه الآية في قوم كانوا قد كفروا بعيسى فلما جاءهم محمد ﷺ آمنوا به، فكانوا في ظلمة ثم صاروا في نور، وهم العرب وعبدة الأوثان والجاهلية، كلهم من آمن منهم، وكان قوم آخرون آمنوا بعيسى فكانوا في نور، فلما جاءهم محمد كفروا به فصاروا في ظلمة وهم النصارى. روي ذلك عن ابن عباس ومجاهد.

* *

قوله: ﴿أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ﴾. أي الشياطين. وهذا مما يدل على أن الطاغوت جمع.

* *

قوله: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ﴾.

أي من الإيمان إلى الكفر، وهم الذين كفروا بمحمد ﷺ يعني قريشاً وكفار العرب. وقيل: هم اليهود.

وقيل: هم النصارى كانوا مؤمنين بعيسى صلى الله على محمد وعليه وسلم. هذا قول مجاهد وغيره. وإنما مثل الكفر بالظلمة، لأن الظلمة تحجب البصر عن إدراك الأشياء، كذلك الكفر يحجب القلب عن إدراك الحقائق، حقائق الإيمان.

﴿أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ﴾. هو إشارة إلى الكفار.

2:258Page 43

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٥٨

Have you not considered the one who argued with Abraham about his Lord [merely] because Allāh had given him kingship? When Abraham said, "My Lord is the one who gives life and causes death," he said, "I give life and cause death." Abraham said, "Indeed, Allāh brings up the sun from the east, so bring it up from the west." So the disbeliever was overwhelmed [by astonishment], and Allāh does not guide the wrongdoing people.

قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾.

ألِف ﴿أَلَمْ﴾ ألِفُ توقيف لفظها. لفظ الاستفهام، وفيها معنى التعجب والتنبيه على ما يتعجب منه.

والهاء في ﴿رَبِّهِ﴾ تعود على ﴿ٱلَّذِي﴾، أو على إبراهيم ﷺ.

ومعنى: ألم تعلم، ألم تر بقلبك يا محمد.

* *

قوله: ﴿أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ﴾.

الهاء تعود على [الكافر الملك] وعليه أكثر الناس.

وقيل: هي تعود على إبراهيم ﷺ.

والذي حاج إبراهيم هو نمروذ بن كنعان بن كوشب بن سام بن نوح. قاله مجاهد.

قال قتادة: "نمروذ، صاحب الصرح، وهو أول من تجبر في الأرض ببابل". أخبر الله عز وجل نبيه ﷺ بهذه القصص ليكون ذلك عبرة وتعجباً مما كان، وليكون حجة على أهل الكتاب ومشركي العرب لأنه نبأ لا يعلمه إلا من قرأ الكتب ودرسها، أو من يوحى إليه، فلما لم يكن محمد عليه السلام عندهم ممن يقرأ [الكتاب فينقل منها، وجب أن يكون ذلك] بوحي، فيجب قبول قوله، والإيمان به ضرورة لمن وفق.

قال مجاهد: "نمروذ، هو أحد الأربعة الذين ملكوا الأرض كلها: كافرَيْن ومؤمنَيْن، فالمؤمنان: سليمان بن داود ﷺ، وذو القرنين عليه السلام. والكافران: نمروذ، وبخت نصر البابلي".

* *

قوله: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾.

أي حين قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت: أي يملك ذلك ولا يملكه أحد غيره، قال نمروذ: "أنا أحيي وأميت، أستحيي من أردت قتله وأقتل آخر".

قال له إبراهيم: "فإن الله يأت بالشمس من مشرقها، فأت بها إن كنت صادقاً من مغربها".

قال الله: ﴿فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ﴾.

أي الكافر، أي انقطع وعجز عن الجواب. وقرىء: "فَبَهَتَ الَّذِي كَفَرَ" أي فبهتَ إبراهيمُ الكافرَ فـ "الذي" في موضع نصب، على هذه القراءة.

قال قتادة: "دعا نمروذ برجلين فقتل أحدهما واستحيى الآخر، وقال: أنا أحيي وأميت. فقال له إبراهيم: "فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب. فبهت الذي كفر" فلم يجب لأنه لو ادعى أنه [هو الذي يأتي] بالشمس من المشرق لكذبه جميع أهل مملكته، لأنهم يعرفون أنه محدث، والشمس كانت على حالها قبل حدوثه، فليس يقدر أن يقول: "أنا أتيت بها من المشرق قبل حدوثي، ولو قال: أنا آتي بها من المغرب لعجز عن ذلك. فلما رآى أنه لا مخرج له سكت وانقطع فبهت.

قال زيد بن أسلم: "كان الناس يمتارون من عند نمروذ طعاماً، وكان أول جبار في الأرض، فخرج إبراهيم يمتار مع الناس فكلما مر بنمروذ ناس قال لهم: من ربكم؟ قالوا: أنت. حتى مر به إبراهيم عليه السلام، فقال له نمروذ: من ربك؟ قال: الذي يحيي ويميت. قال: أنا أحيي وأميت. قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب. فبهت الذي كفر، ورد إبراهيم بغير طعام. فرجع إبراهيم عليه السلام إلى أهله، فمر على كثيب أعفر - يعني من رمل - فقال: ألا آخذ من هذا فآتي به أهلي، فتطيب أنفسهم حين أدخل عليهم. فأخذ منه فأتى أهله فوضع متاعه ثم نام. فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته، فإذا هي بأجود طعام رأى أحد، فصنعت له منه، فقربته إليه. وكان قد عهد أهله ليس عندهم طعام، فقال: من أين هذا؟ قالوا: من الطعام الذي جئت به. فعلم أن الله عز وجل قد رزقه [فحمد الله تعالى]، ثم بعث الله جل وعز ذكره إلى نمروذ ملكاً يقول له: أن آمن بي [وأتركك] على ملكك، قال: وهل رب غيري؟، فجاء الثانية فقال له فأبى عليه، ثم أتاه الثالثة فأبى عليه. فقال له الملك: اجمع جموعك إلى ثلاثة أيام. فجمع الجبار جموعه، وأمر الله عز وجل الملك ففتح عليهم باباً من البعوض، فطلعت الشمس ولم يروها من كثرتها، فبعثها الله سبحانه عليهم، فأكلت لحومهم وشربت دماءهم، ولم يبق إلا [العظام، والملك كما هو لم يصبه] من ذلك شيء، فبعث الله عز وجل عليه بعوضة فدخلت في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، فأرحم الناس به من جمع يديه ثم يضرب بهما رأسه، وكان قد تجبر أربعمائة سنة فعذبه الله بها أربعمائة سنة وأماته".

وقال السدي: "لما أخرج إبراهيم ﷺ من النار، أدخل على الملك، ولم يره قبل ذلك، فقال له: من ربك؟ قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت. فلما قال له إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب فبهت وقال: إن هذا إنسان مجنون، فأخرجوه، ألا ترون أنه اجترأ على آلهتكم، وأن النار لا تأكله. وخشي الملعون الفضيحة من قومه فأخرجوه، وهو قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣].

* *

قوله: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾.

أي لا يهديهم للحجة عند الخصومة لما هم عليه من الضلالة قاله ابن اسحاق. وليس (الظالمين) بوقف، لأن (أو كالذي) معطوف عليه.

قال الفراء والكسائي: "معنى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾: هل رأيت كالذي حاج، أو كالذي مر على قرية، فهو معطوف عليه". وقيل: الكاف زائدة، والمعنى: "ألم تر إلى الذي حاج أو الذي مر على قرية".

2:259Page 43

أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٥٩

Or [consider such an example] as the one who passed by a township which had fallen into ruin. He said, "How will Allāh bring this to life after its death?" So Allāh caused him to die for a hundred years; then He revived him. He said, "How long have you remained?" He [the man] said, "I have remained a day or part of a day." He said, "Rather, you have remained one hundred years. Look at your food and your drink; it has not changed with time. And look at your donkey; and We will make you a sign for the people. And look at the bones [of this donkey] - how We raise them and then We cover them with flesh." And when it became clear to him, he said, "I know that Allāh is over all things competent."

قوله: ﴿أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾.

قال ابن عباس وقتادة وعكرمة والربيع والسدي: "وهو عزير".

وقيل: هو أروميا. وروي أن اسمه أرميا، وهو الخضر.

وقال مجاهد: "هو رجل من بني إسرائيل".

وقال وهب بن منبه: "القرية بيت المقدس. لما خربت وحرقت، وقف أروميا على ناحية الجبل، فقال: أَنَّى يُحْيى هذه الله بعد موتها". على معنى: التطلع على مشاهدة قدرة الله، لا على الإنكار لإحياء الله إياها فأراه الله ذلك. والذي خربها بخت نصر البابلي.

وكذلك قال قتادة وعكرمة والضحاك غير أنهم قالوا: "وقف عليها عزير".

وقال ابن زيد: "هي القرية التي خرج منها ألوف حذر الموت، فقال [لهم] الله: موتوا. قال: فمر بها رجل وهي عظام تلوح، فنظر وقال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها".

﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾. أي خالية من أهلها.

﴿عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾. [أي على أبنيتها]، سقوفها وبيوتها.

وسميت القرية قرية لاجتماع الناس فيها من قولهم: "قَرَيْتُ الماءَ" إذا جمعته.

وقال السدي: معنى ﴿خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾: ساقطة على سقفها.

وأصل ذلك أن تسقط السقوف، ثم تسقط الحيطان عليها.

قال وهب بن منبه: "أوحى الله إلى أرميا، وهو بأرض مصر بعد أن خرب بخت نصر بيت المقدس: أن الحق بأرض الشام، فركب حماره حتى كان ببعض الطريق ومعه سلة من تين وعنب، وكان معه سقاء جديد فَمَلأَهُ ماء، فلما بدا شخصُ بيت المقدس وما حوله نظر إلى خراب لا يوصف، قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟ ثم سار حتى تبوأ منزلاً، فربط حماره بحبل جديد، وعلق سقاءه، وألقى الله عليه السبات، فلما نام نزع الله روحه مائة عام. فلما مرت من المائة سبعون عاماً أرسل الله ملَكاً إلى ملِك من ملوك فارس عظيم، فقال: إن الله يأمرك أن تسير بقومك فتعمر بيت المقدس إيليا وأرضها، حتى تعود أَعْمَرَ ما كانت. فقال له الملِك: أنظرني ثلاثة أيام حتى أتأهب لهذا العمل. فأنظره، فانتدب ثلاثة آلاف قهرمان، ودفع إلى كل قهرمان ألف عامل وما يصلحه من أداة العمل، فسار إليها قهارمته، فلما وقعوا في العمل، رد الله روح الحياة في عين أرميا خاصة، وأخر جسده ميتاً، فنظر إلى إيليا وما حولها تعمل وتعمر وتجدد حتى صارت كما كانت بعد ثلاثين سنة تمام المائة، فرد الله إليه روحه، فنظر إلى طعامه وشرابه لم يتسنه؛ أي لم يتغير. ونظر إلى حماره واقفاً كهيئته يوم ربطه لم يطعم ولم يشرب، أحياه الله له وهو يرى. ونظر إلى الحبل لم يتغير، وقد أتى عليه ريح مائة عام ومطرها وشمسها وبردها، فعندها قال له: كم لبثت؟ قال: لبثت يوماً أو بعض يوم. قال: بل لبثت مائة عام".

وإنما قال: يوماً أو بعض يوم، لأنه فيما ذكر قتادة وغيره: "أميت ضحى، وبعث آخر النهار، فظن أنه يومه الذي كان فيه".

* *

قوله: ﴿فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾.

من قرأ "نُنْشِرُهَا" بالراء، فمعناه كيف نحييها، من: "أَنْشَرَ اللهُ المَيِّتَ: أَحْيَاهُ". ومن قرأ بالزاي، فمعناه: كيف نرفع بعضها إلى بعض من النَّشْزِ، وهو المرتفع، ومنه نشوز المرأة وهو ارتفاعها عن موافقة زوجها. ومنه قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ﴾ [المجادلة: ١١]، أي ارتِفعوا وانْضَموا.

قال وهب بن منبه وغيره: "معناه: وانظر إلى إحياء حمارك وإلى عظامه كيف أنشرها ثم أكسوها لحماً".

قال وهب: "كان ينظر إلى حماره يتصل بعضه ببعض، ثم كسي لحماً ثم جرى فيه الروح فقام [ينهق. ونظر إلى عنبه] وتينه، فإذا هو على هيئته حين وضعه. فلما عاين ما عاين، قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير".

قال السدي: "كانت الطير قد ذهبت بعظام الحمار إلى كل سهل وجبل فبعث الله ريحاً، فجاءت بها واجتمعت وهو ينظر. فركب بعضها في بعض فصار حماراً من عظام لا لحم فيه ولا دم، ثم كسى اللحم والدم، ثم أقبل ملك يمشي فأخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه فنهق. فقال عندما عاين: أعلم أن الله على كل شيء قدير".

ومن قرأ [بوصل ألف "اعلم" جعل الفعل] لله والقول لله، والله هو القائل له بعدما أراه من البراهين: "اعْلَمْ يا أرميا أن الله على كل شيء قدير".

قال الضحاك: "أول ما نفخ الله الروح، ففي رأسه وبصره، وبقي جسده ميتاً، فرأى حماره قائماً كهيئته يوم تركه وطعامه وشرابه كهيئته، فقال له الله جل ذكره: ﴿وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ أي عظامك، فأراه التئام عظامه، وكون اللحم عليها، ونفخ الروح في باقي جسده. [والعبرة] في نفسه أعظم. فلما رأى ذلك وحيي كله قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾". وكذلك قال قتادة.

وقال ابن زيد: "أراه إحياء جسده، والتئام عظامه وهو ينظر، والحياة في عينيه ورأسه فقط".

قال ابن زيد: "جعل الله الروح في بصره ولسانه، فنظر إلى خلقه والتئام عظامه، وأمره أن يدعو بلسانه إلى عظامه وأعضائه أن تلتئم فنادى بلسانه ليلحق كل عضو بآلِفِه فجاء كل عظم إلى صاحبه حتى اتصلت وهو يراها، حتى إن الكسرة من العظم لتأتي إلى الكسرة الأخرى فتتصل بها، ثم شدت بالعروق والأعصاب وهو يرى. ثم التحمت وهو يرى، ثم كسيت بالجلد وهو يرى، ثم جرى [فيها الروح، فقال عند ذلك]: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾". وقال الله له ذلك يأمره به. ويجوز أن يكون الأمر منه لنفسه فتستوي القراءتان. وقد قاله الطبري.

فالعطف في قوله: ﴿أَوْ كَٱلَّذِي﴾ مردود على معنى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ لأن معناه: هل رأيت مثل الذي حاج إبراهيم. فعطف على المعنى فقال: ﴿أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ﴾، تقديره: "أو رأيت مثل الذي مر". [و] العطف على المعنى كثير كما قال: ﴿كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ﴾ [آل عمران: ٨٦]، فـ "شهدوا" معطوف على معنى إيمانهم لا على كفرهم، تقديره: "بعد أن آمنوا وشهدوا".

* *

وقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾.

قال الأعمش: "جاء شاباً وولده شيوخ".

وقال السدي: "جاء فوجد داره قد بيعت وبَلِيت، وهلك من كان يعرفه. فقال: اخرجوا من داري، قالوا: من أنت؟ قال: أنا عزير.

قالوا: هلك عزير منذ كذا وكذا سنة. فأخبرهم بما جرى عليه، فخرجوا له من الدار".

وروي أن عزيراً كان ممن سباه بخت تنصر ومضى به إلى أرض بابل فرأى عزير دير هرقل قد خرب، ومضى عليه حين من الدهر، فقال: كيف يحيي هذه الله بعد موتها؟ فأماته الله مائة عام ثم بعثه، وقد عمر الدير وذلك كله بأرض بابل.

وعلى [أن] القرية بيت المقدس أكثر أهل التفسير.

* *

وقوله: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ من أثبت الهاء في الوصل، فهو من سانَهْتُ فسكون الهاء عَلَم الجزم، والهاء أصلية، وهو أحسن. ومعناه: أنه مأخوذ من "السَّنَة"، أي لم تأخذه السِّنُونَ وتحله.

ومن قرأ "يتَسَنَّه" فأصله يتسنن، من "سَنَّ المَاءَ" إذا تغير. فمعناه لم يتغير فأبدلوا من النون الأخيرة ياء، فقالوا: يتسنى كما قالوا: "تَقَضَّيْتُ" في "تَقَضَّضْتُ"، ثم حذفت الألف للجزم [و] زيدت الهاء في الوقف لبيان الحركة.

وقرأ طلحة بن مصرف: "لَمْ يَسَّنَّ" أدغم التاء في السين.

وقد قال بعض أهل اللغة: "لَمْ يَتَسَنَّ" من أَسِنَ الماء إذا أنتن. ويلزمهم من هذا "يَتَأَسَّنْ".

وقال الشيباني: "هو من قولهم: "حَمَأٌ مَسْنُونٌ".

ومعنى "يَتَسَنَّ": يتغير. ولا يجوز عند أبي إسحاق أن يكون من "مَسْنُونٍ" لأن معنى "مَسْنُونٍ"، مصبوب. والصحيح أنه من السَّنَةِ، فتكون الهاء أصلية تقول في تصغيرها: "سُنَيْهَةٌ" على قول من قال: "يَتَسَنَّه". و "سُيينةٌ" على قول من قال: "يتسن".

2:260Page 44

وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ قَالَ أَوَلَمۡ تُؤۡمِنۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطۡمَئِنَّ قَلۡبِيۖ قَالَ فَخُذۡ أَرۡبَعَةٗ مِّنَ ٱلطَّيۡرِ فَصُرۡهُنَّ إِلَيۡكَ ثُمَّ ٱجۡعَلۡ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٖ مِّنۡهُنَّ جُزۡءٗا ثُمَّ ٱدۡعُهُنَّ يَأۡتِينَكَ سَعۡيٗاۚ وَٱعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٦٠

And [mention] when Abraham said, "My Lord, show me how You give life to the dead." [Allāh] said, "Have you not believed?" He said, "Yes, but [I ask] only that my heart may be satisfied." [Allāh] said, "Take four birds and commit them to yourself.1 Then [after slaughtering them] put on each hill a portion of them; then call them - they will come [flying] to you in haste. And know that Allāh is Exalted in Might and Wise."

قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ﴾.

"إذ" في موضع نصب بمعنى: "واذكر".

وقيل: هو معطوف على ما قبله لأن قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ﴾: "ألم تر بقلبك يا محمد، فتذكر الذي حاج، وتذكر إذ قال إبراهيم". قال قتادة: "مر إبراهيم عليه السلام على دابة قد تقسمتها السباع والدواب والطير والرياح، فقال: رب أرني كيف تحيي الموتى؟". وكذلك قال الضحاك.

وقال ابن زيد: "مر إبراهيم بحوت نصفه في [البر، ونصفه في البحر]، فما كان في البحر فدواب البحر تأكله، وما كان في البر فدواب البر تأكله. فقال له الخبيث الشيطان يا إبراهيم: متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فقال إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ﴾؟، ليرى ذلك عيانا".

* *

ومعنى ﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: أي ليطمئن إلى ما تَاقَ إليه من العيان لا أنه شك دخل عليه.

وقال السدي: "لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً سأل ملك الموت ربه عز وجل أن يأذن له فيبشر إبراهيم عليه السلام بذلك، فأذن له، فأتى إبراهيم وليس هو في البيت فدخل داره. وكان إبراهيم ﷺ أغير الناس يغلق بابه إذا خرج، فلما جاء وجد في داره رجلاً ثانياً، فبادر إليه ليأخذه، وقال له: من أذن لك أن تدخل داري؟ فقال له ملك الموت: أذن لي رب هذه الدار فقال إبراهيم: صدقت، وعرف أنه ملك، قال له: من أنت؟ قال: ملك الموت، جئت أبشرك أن الله قد اتخذك خليلاً، فحمد الله تعالى، وقال: يا ملك الموت، أرني الصورة التي تقبض فيها أنفاس الكفار، فقال: [يا إبراهيم، لا تطيق] ذلك، قال: بلى. فعرض عليه فإذا هو برجل [أسود ينال] رأسه السماء، يخرج من فيه لهب النار، ليس من شعرة في جسده إلا صورة رجل أسود يخرج من فيه ومسامعه لهب النار. فغشي على إبراهيم عليه السلام ثم أفاق، وقد تحول ملك الموت في الصورة الأولى فقال: يا ملك الموت، لو لم يلق الكافر من البلاء والحزن إلا صورتك لكفاه ذلك، فأرني كيف تقبض أنفاس المؤمنين، قال: فَأَعْرِضْ. فَأَعْرَض إبراهيم عليه السلام ثم التفتَ فإذا هو برجل شاب أحسن الناس وجهاً، وأطيبهم ريحاً في ثياب بيض. قال: يا ملك الموت، لو لم يكن للمؤمن عند ربه عز وجل من قرة العين والكرامة إلا صورتك هذه لكان يكفيه. فانطلق ملك الموت وقام إبراهيم صلى الله "على محمد و "عليه وسلم يدعو ربه، يقول: رب أرني كيف تحيي الموتى حتى أعلم أني خليلك. قال: أو لم تؤمن بأني خليلك؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي بذلك".

وقال ابن عباس: "ما في القرآن آية أرجى عندي منها"، يريد أن إبراهيم دخل قلبه الشك، فنحن آكد أن يعترضنا ذلك.

وقال عطاء بن أبي رباح: "دخل قلب إبراهيم ﷺ بعضُ ما يدخل قلوب الناس".

وروى مالك عن الزهري أن ابن المسيب وأبا عبيدة أخبراه عن أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: "رَحِمَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ، نَحْنُ أَحَقُّ بَالشَّكِّ مِنْهُ، إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيِمُ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ﴾، وَقَالَ: ﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾

واختار الطبري هذا القول لرواية أبي هريرة لهذا الخبر عن النبي [عليه السلام] لأن الشيطان يعرض لجميع الخلق.

وقد قال النبي [عليه السلام]: "ذَلِكَ مِنْ مَحْضِ الإِيمَانِ

وهذا القول من نبي الله ﷺ إنما هو على التواضع والتذلل لله، ونفى التكبر كما قال: "لاَ تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ". ويعيذه الله من الشك الذي يدخل في قلوب المذنبين المؤمنين.

ويجوز أن يكون قوله: "نَحْنُ أَحَقُّ بَالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيم"، يعني به أمته، كأنه ﷺ يعذرهم فيما يوسوس [به إليهم الشيطان]. وقد عفا الله عما يوسوس به الشيطان في قلوب المؤمنين إذا لم يبدوه ولم يعتقدوه.

وقد قال سعيد بن جبير: "معنى ﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: ليزداد يقيناً".

وعن ابن عباس: "ليطمئن قلبي" في إجابتك إياي إذا دعوتك بأمرٍ وسألتك فيه". ولم يرد أن إحياء الموتى يطمئن به.

قال أبو إسحاق: "ولم يكن شاكاً، ولكن أراد مشاهدة ذلك عياناً ليزداد يقيناً، فليس الخبر كالمعاينة".

* *

قوله: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ﴾.

قال مجاهد وابن جريج وابن زيد: "أخذ طاووساً وديكاً وغراباً وحمامة". وجعل ابن عباس الكُرْكِيَّ في موضع الغراب.

* *

قوله: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾.

من ضم فمعناه: أضممهن إليك ووجههن إليك، يقال: "صُرْ وَجْهَكَ إِلَيَّ" أي أقبل به إلي، ووجهه إلي. قال ذلك الكسائي.

وفي الكلام حذف: "وقطعهن بعد الضم".

وقال مجاهد: "﴿فَصُرْهُنَّ﴾: انتفهن بريشهن ولُحُومِهِنَّ".

وقال أبو عبيدة: "صِرت [بالكسر: قطعت، وصُرت] بالضم: جمعت".

وقيل: الكسر والضم بمعنى واحد، وهو ما ذكرنا.

وقيل: معنى الكسر: قطعهن.

قال أبو حاتم: يقال: صار، إذا قطع.

ويكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا التفسير. ومعناه: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾، أي فقطعهن.

وقد قال عطاء: "﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾: أضممهنَّ إليك".

وقال ابن زيد: "أجمعهن".

وقال قتادة: "أمر أن يذبحن ثم يخلط بين لحومهن وريشهن ودمائهن ثم يجزئهن على أربعة أجبل".

قال ابن جريج: "جعل لُحُومَهُنَّ وريشهن على سبعة أجبل وهي الأجبال التي رأى الطير والسباع [ذهبت فيها، وهن] اللواتي أكلن من لحم الجيفة التي كانت سبب سؤاله، وأمسك إبراهيم [ﷺ] عند نفسه رؤوسهن ثم دعاهن بإذن الله عز وجل، فنظر إلى كل قطرة من دم تطير إلى القطرة الأخرى، وكل ريشة تطير إلى الريشة الأخرى، وكل بضعة وكل عظم يطير بعضها إلى بعض. فلما تتامت عليه في الهواء انقضت عليه فوصلت كل جثة إلى الرأس الذي [في يده]".

* *

قوله: ﴿وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

أي لا يمتنع [عليه ما أراد، حكيم في تدبيره.

2:261Page 44

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٢٦١

The example of those who spend their wealth in the way of Allāh is like a seed [of grain] which grows seven spikes; in each spike is a hundred grains. And Allāh multiplies [His reward] for whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.

قوله: ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.

قال الطبري: "هذه الآية مردودة إلى قوله: ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] وإلى الآيات التي بعدها".

قال السدي: "نزلت في الذي ينفق على نفسه في سبيل الله عز وجل ويخرج". والمثل في هذه الآية إنما هو للنفقة لا للمنفق، وفي الكلام حذف، والتقدير: "مثل نفقة الذين ينفقون"، ودل "ينفقون" على النفقة فحسن حذفها.

وروى نافع عن ابن عمر أنه قال: "لما نزلت: ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ الآية، قال النبي عليه السلام: "اللَّهُمَّ زِدْ أُمَّتِي"، فنزلت:

﴿مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]. فقال رسول الله ﷺ: ""رَبِّ زِدْ أُمَّتِي" فنزلت: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾

قال مالك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] "هو الصبر على فجائع الدنيا وأحزانها".

قال مالك: "وبلغني أن الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد".

قلت: والصبر على طاعة الله عز وجل وعن محارم الله تعالى أفضل من الصبر على المصائب والفجائع. كذا، قال عمر وغيره.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾.

أي ممن أنفق في غير سبيل الله، يضاعف أيضاً إن شاء.

وقيل: ﴿لِمَن يَشَآءُ﴾: هو المنفق في سبيل الله عز وجل، يزيد على سبعمائة ضعف إلى ألفي ألف ضعف إن شاء. روي ذلك عن ابن عباس.

* *

قوله: ﴿وَٱللَّهُ وَاسِعٌ﴾.

أي يزيد من يشاء من خلقه على السبعمائة ما شاء.

﴿عَلِيمٌ﴾. أي عليم بما ينفق المنفقون في سبيله.

وقيل: عليم بمن يزيده على السبعمائة ضعف ومن لا يزيده.

2:262Page 44

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتۡبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنّٗا وَلَآ أَذٗى لَّهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٦٢

Those who spend their wealth in the way of Allāh and then do not follow up what they have spent with reminders [of it] or [other] injury will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

قوله: ﴿ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ﴾.

قال الكلبي وغيره: "أصل نزول هذه الآية في عثمان بن عفان وعبد الرحمن ابن عوف، أتى عبد الرحمن بن عوف إلى النبي عليه السلام بأربعة آلاف دينار. وقال: يا رسول الله، اجتمع عندي ثمانية آلاف فعزلت لنفسي وعيالي نصفها، وجعلت لله نصفها، فجزاه رسول الله ﷺ خيراً. وقال عثمان بن عفان: يا رسول الله، عليّ تجهيز كل عاجز عن النهوض معك لفقره إلى تبوك، واشترى رومة يبرأ بوقفها للمسلمين". ثم "الآيات لكل" من فعل مثل فعلهما.

وهذه الآيات فيما قال ابن زيد: "هي لمن ينفق، وليس يجاهد، ولم يقل للمجاهدين شيئاً".

وقيل: هي عامة، علم الله عز وجل أن قوماً يمنون بعطيتهم فقدم لهم في ذلك.

قال زيد بن أسلم: "إن ظننت أنه يثقل عليه سلامك، فكف سلامك عنه". يعني الذي تصدقت عليه.

2:263Page 44

۞ قَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞ وَمَغۡفِرَةٌ خَيۡرٞ مِّن صَدَقَةٖ يَتۡبَعُهَآ أَذٗىۗ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٞ ٢٦٣

Kind speech and forgiveness are better than charity followed by injury. And Allāh is Free of need and Forbearing.

قوله: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى﴾.

"قول" مبتدأ، و "معروف" نعته، والخبر محذوف كأنه "أمثل" و "أولى". و "مغفرة": مبتدأ و "خير من صدقة": الخبر.

قال الضحاك: "إن تمسك مَالَكَ خير من أن تنفقه، ثم تتبعه المن والأذى".

* *

قوله: ﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ﴾.

أي غني عن ما يتصدق به بالمن والأذى.

* *

﴿حَلِيمٌ﴾.

لا يعجل بالعقوبة على من يتبع صدقته المن والأذى. وقيل: المعنى: قول جميل، ودعاء للسائل خير من أن تعطي صدقة [يتبعها أذى ومَنٌّ].

2:264Page 44

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفۡوَانٍ عَلَيۡهِ تُرَابٞ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٞ فَتَرَكَهُۥ صَلۡدٗاۖ لَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّمَّا كَسَبُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٦٤

O you who have believed, do not invalidate your charities with reminders [of it] or injury as does one who spends his wealth [only] to be seen by the people and does not believe in Allāh and the Last Day. His example is like that of a [large] smooth stone upon which is dust and is hit by a downpour that leaves it bare. They are unable [to keep] anything of what they have earned. And Allāh does not guide the disbelieving people.

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم﴾ الآية .

أمروا أن يكفوا عن المن والأذى اللذين يبطلان ثواب الصدقة، كما يبطل الرياء صدقة المتصدق المنافق الذي يوهم بصدقته أنه مؤمن فيرائي.

والمراد في قوله: ﴿وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ﴾.

هو المنافق، وإنما ذلك لأنه أضاف إليه الرياء. وذلك من فعل المنافق الساتر لكفره. فأما الكافر فليس عنده رياء، لأنه مناصب للدين مجاهر بذلك.

وقيل: المراد به الكافر المجاهر. وذلك أن الكافر قد ينفق ماله، ليقول الناس: "ما أكرمه! ما أفضله"، ولا يريد بإنفاقه إلا الثناء، لا غير. فنهاهم الله أن يكونوا مثله إذا منوا أو آذوا.

وقوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾.

الصفوان: الحجر الأملس.

وقرأ ابن المسيب والزهري: "صَفَوَانٍ" بفتح الفاء.

وحكى قطرب "صِفْوَانٍ" بكسر الصاد.

قال الأخفش: "صَفْوَانٌ، جماعة صَفْوَانَةٍ".

وقال غيره: "هو واحد والصلد هو الذي لا شيء عليه من نباته ولا غيره".

مَثَّلَ الله المنافقين وأعمالهم بالحجر الأملس عليه تراب، وأصابه مطر وابل؛ وهو العظيم القطر، فتركه لا شيء عليه. فكذلك صدقات المنافقين للرياء.

* *

ومعنى ﴿لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ﴾.

أي لا يقدرون يوم القيامة على وجود شيء مما كسبوا، أي من ثواب ما كسبوا في الدنيا لأنه كان لغير الله.

* *

﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ﴾.

أي لا يسددهم لإصابة الهدى في فعلهم وقولهم. وهذا يقوي قول من قال: أراد بما تقدم الكافر لا المنافق. قال معنى ما ذكرنا: قتادة والربيع وغيرهما.

2:265Page 45

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثۡبِيتٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ كَمَثَلِ جَنَّةِۭ بِرَبۡوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٞ فَـَٔاتَتۡ أُكُلَهَا ضِعۡفَيۡنِ فَإِن لَّمۡ يُصِبۡهَا وَابِلٞ فَطَلّٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٦٥

And the example of those who spend their wealth seeking means to the approval of Allāh and assuring [reward for] themselves is like a garden on high ground which is hit by a downpour - so it yields its fruits in double. And [even] if it is not hit by a downpour, then a drizzle [is sufficient]. And Allāh, of what you do, is Seeing.

قوله: ﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ [أَمْوَالَهُمُ] ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ﴾.

ضرب الله الآية الأولى مثلاً لأعمال الكافرين يوم القيامة، وشبه صدقة أهل الرياء والكفر بالصفوان الذي عليه تراب فأصابه مطر شديد، ثم ضرب هذه الآية مثلاً لأعمال المؤمنين وصدقاتهم. فمعنى قوله: ﴿وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، أي يقيناً وثقة. قاله السدي وقتادة وأبو صالح.

وقال مجاهد: "يثبتون: أين يضعون أموالهم".

قال الحسن: "يعني زكاتهم".

وروي عن قتادة: "﴿وَتَثْبِيتاً﴾: احتساباً من أنفسهم".

وعن الحسن أنه قال: "يثبت إذا أراد أن ينفق، فإن كان لله أنفق وإلا أمسك".

* *

قوله: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾.

شبه فعل هؤلاء في صدقاتهم بجنة بربوة، وهي الترعة أصابها وابل وهو المطر الشديد العظيم القطر، فإن أخطأها الوابل أصابها الطل وهو الندى.

وقال الضحاك: "هو الرذاذ من المطر، يعني اللين منه".

والهاء في ﴿أَصَابَهَا﴾ تعود على الجنة أو على الربوة، وكذلك الهاء في "يصبها".

* *

قوله: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾.

أي فهي لا تخلف؛ لا بد من إتيان الأكل. فكذلك عمل المؤمن لا خلف لخيره.

وسميت الربوة ربوة لأنها ربت على وجه الأرض. أي ارتفعت من: "ربا" إذا زاد.

قال مجاهد: "الربوة المكان الظاهر المستوي". وكذلك قال الحسن. وقال الضحاك: "الربوة المكان المرتفع الذي تجري فيه الأنهار". وقال السدي: "﴿بِرَبْوَةٍ﴾: برابية من الأرض" يريد المنخفض.

وقال ابن عباس: "الربوة: المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار" وتقدير الكلام عند المبرد: "فطل يكفيها".

وعلى ذلك يستحسن الوقف على ﴿فَطَلٌّ﴾. وقدَّره غيره. "فهو طل" أو "أصابها طل".

2:266Page 45

أَيَوَدُّ أَحَدُكُمۡ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٞ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٞ فِيهِ نَارٞ فَٱحۡتَرَقَتۡۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ٢٦٦

Would one of you like to have a garden of palm trees and grapevines underneath which rivers flow in which he has from every fruit? But he is afflicted with old age and has weak [i.e., immature] offspring, and it is hit by a whirlwind containing fire and is burned. Thus does Allāh make clear to you [His] verses that you might give thought.

قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ الآية.

* *

قوله: ﴿وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ﴾.

على تقدير: "وقد أصابه الكبر"، ولذلك عطفه على "أَيَوَدُّ" وهو مخالف له.

وقيل: هو محمول على المعنى، تقديره: "أيود أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر".

وهذا مثل ضربه الله لنفقة المنافق والمرائي. ينفقانهما رياء الناس، فهو يحمد على ما ظهر منه في الدنيا ولا حاجة به إلى ذلك في الآخرة كالرجل الذي له جنة من نخيل وأعناب ولا كبر معه ولا ذرية. فلما كبر، وصارت له ذرية ضعفاء. وضعف عن الكسب والتصرف، ولا طاقة لذريته على التكسب لضعفهم وصغرهم، فعند ذلك احترقت جنته، فانقطع في أحوج ما كان إليها، ولم ينتفع بها في شبيبته وقلة عياله إذ كانت سالمة. كذلك المنافق أو المرائي، إذا أتى في الآخرة لم يجد شيئاً من عمله، وهو أحوج ما يكون إليه، ولم ينفعه حمد الناس على ما ظهر لهم من عمله. فحاجته إلى العمل الصالح، كحاجة هذا الكبير الذي له ذرية ضعفاء إلى جنته.

قوله ﴿إِعْصَارٌ﴾.

أي ريح فيها سموم فاحترقت، وهي ريح عاصفة تهب من الأرض إلى السماء كأنها عمود والجمع أعاصير، وهي التي تسميها الناس: الزوابعة.

وقال الحسن: "﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾: ريح فيها برد شديد".

* *

﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ﴾.

أي هكذا البيان المُتَقَدم في الصدقة، والجهاد، وقصة إبراهيم، وجميع ما سلف.

﴿يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ﴾ أي العلامات.

* *

﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾.

قال ابن عباس: "تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة وبقائها".

وقال مجاهد: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾: أي تطيعون".

2:267Page 45

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ٢٦٧

O you who have believed, spend from the good things which you have earned and from that which We have produced for you from the earth. And do not aim toward the defective therefrom, spending [from that] while you would not take it [yourself] except with closed eyes. And know that Allāh is Free of need and Praiseworthy.

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾.

قال علي رضي الله عنه: "من الذهب والفضة، الجياد منها". أي زكوا من ذلك.

وقيل: من الحلال.

وقال مجاهد: "ما كسبتم من التجارة، ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾: يعني ما فيه زكاة مما بينته السنة".

﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ﴾:

أي الرديء، اي لا تعمدوا إلى الرديء تتصدقون به فتجعلوه زكاتكم. ونزلت هذه الآية في رجل من الأنصار، علق قِنوا من حشف للصدقة وكانوا يعلقون في أيام الجداد في مسجد النبي [عليه السلام] بين كل أسطوانتين أقناء يأكل منها المهاجرون والأنصار، فعلق هذا الرجل قنوا من حشف فنهوا عن ذلك، وهو الخبيث يراد به الرديء. وقال علي: "كان الرجل يعزل الرديء من التمر للصدقة، فنزلت الآية". وهو قول الحسن ومجاهد وعطاء.

وقال ابن زيد: "الخبيث: الحرام".

أي لا تتصدقوا من الحرام، وتصدقوا من الحلال.

* *

قوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ﴾.

أي لستم بآخذين الرديء من المال من غرمائكم إلا عن إغماض منكم؛ أي كراهية، فتأخذونه كأنكم قد أغمضتم أعينكم، فلا ترونه كراهة فيما أعطيتم.

وقرأ الحسن "أن تُغْمَضُوا" بفتح الميم وضم التاء. أي لستم تأخذونه حتى تنقصوا من سعر غيره. وكذلك قرأ قتادة.

قيل: معناه: لستم تأخذونه إلا أن يهضم لكم من ثمنه أي ينقص. وقرأ الزهري: "تَغْمِضُوا" بفتح التاء، وكسر الميم.

وعنه أيضاً بضم التاء، وتشديد الميم.

وقال علي: "لستم ممن يأخذ الرديء حتى يهضم لكم"، أي يرخص عليكم من ثمنه، فيقول تعالى: "ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم إلا عن تغمض وترخص في أخذه وكراهة".

وقال ابن زيد: "لستم ممن يأخذ الحرام حتى يغمض لكم فيه من الإثم".

* *

قوله: ﴿وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ﴾.

أي غني عن أن تتصدقوا بالرديء والدنيء، وتأخذوا لأنفسكم الجيد.

﴿حَمِيدٌ﴾ لمن تصدق بطيب ماله.

2:268Page 45

ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٢٦٨

Satan threatens you with poverty and orders you to immorality, while Allāh promises you forgiveness from Him and bounty. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.

قوله: ﴿ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ﴾.

أي يخوفكم به ويوسوس إليكم به، فلا تخرجون الزكاة.

﴿وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ﴾ أي [بترك الصدقة فتكونون عاصين].

﴿وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً﴾ أي يجازيكم على صدقاتكم بالمغفرة.

وقال ابن عباس: "الشيطان يقول: "لا تنفق مالك، أمسكه عليك"، والله يعدل مغفرة على تركك هذه المعاصي، وفضلاً في الرزق".

وقال قتادة: "والله يعدكم مغفرة لفحشائكم، وفضلاً لفقركم".

﴿وَٱللَّهُ وَاسِعٌ﴾ يعطيكم من سعته، ما شاء لمن شاء.

﴿عَلِيمٌ﴾ بمن [يطيعه فيتفضل] عليه، ومن يعصيه فيغفر له أو يعاقبه.

وروي أن في التوراة مكتوباً: "عبدي أنفق من رزقي أبسط عليك من فضلي، فإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة".

وفي القرآن نظير هذا، ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском