Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:269–283
2:269Page 45
يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٦٩
He gives wisdom1 to whom He wills, and whoever has been given wisdom has certainly been given much good. And none will remember except those of understanding.
قوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ﴾.
قال ابن عباس: "الحكمة علوم القرآن مقدمه ومؤخره وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه".
وقال قتادة: "الحكمة: الفقه في القرآن".
وقال مجاهد: "الحكمة: الإصابة في القول".
وقال ابن زيد: "الحكمة: العلم بالدين".
قال مالك: "الحكمة: المعرفة بدين الله، والفقه فيه، والاتباع له".
وروى عنه ابن القاسم أنه قال في الآية: "الحكمة: التفكر في أمر الله والاتباع له".
وعنه أيضاً أنه قال: "الحكمة: طاعة الله والاتباع له، والفقه في الدين والعمل به".
وقال مالك: "إنه ليقع في قلبي أن الحكمة هي الفقه في الدين يدخل الله في القلوب من رحمته وفضله".
وقال الربيع بن أنس: "الحكمة: الخشية".
وقال السدي: "الحكمة: النبوءة".
وقال زيد بن أسلم: "الحكمة: الفهم عن الله في أمره ونهيه".
وقال ابن زيد بن أسلم: "الحكمة: العقل في الدين".
وقال مجاهد أيضاً: "الحكمة: القرآن". وقاله الضحاك.
* *
قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾.
أي لا يتذكر ولا يتعظ بهذه الآيات إلا أولوا العقول وهم المؤمنون. قاله ابن سلام.
2:270Page 46
وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوۡ نَذَرۡتُم مِّن نَّذۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُهُۥۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٍ ٢٧٠
And whatever you spend of expenditures or make of vows - indeed, Allāh knows of it. And for the wrongdoers there are no helpers.
قوله: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾.
الهاء "في ﴿يَعْلَمُهُ﴾ تعود على الإنفاق أو على النذر. أي ما تصدقتم من صدقة لم تعقدوها على أنفسكم أو نذرتم من نذر، فعقدتموه على أنفسكم، فإن الله يعلم ذلك، أي يعلم من تصدق ونذر لوجه الله، ومن فعل ذلك للرياء.
و "ما" لمن ظلم نفسه فتصدق لغير الله، ونذر لغير الله.
قال الحسن: "قال رسول الله ﷺ: "مَا أَنْفَقَ النَّاسُ مِنْ نَفَقَةٍ أَعْظَمُ إِلَى اللهِ مِنْ قَوْلٍ
وقال الحسن أيضاً عن النبي عليه السلام أنه قال: "مَا أَنْفَقَ النَّاسُ مِنْ نَفَقَةٍ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ قَوْلِ: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لله، وَلاَ إِلَهَ إِلاَ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِالله، وَقِرَاءَةُ القُرْآن
وقال: "أَفْضَلُ النَّفَقَةِ مَا تُنْفِقُهُ عَلَى وَالِدَيْكَ، ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ مَا تُنْفِقُهُ عَلَى وَلَدِكَ وَزَوْجَتِكَ وَعِيَالِكَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ مَا تُنْفِقُهُ عَلَى قَرَابَتِكَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ مَا تُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ الله". هذا معنى الحديث.
* *
قوله: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾. أي ما للظالم من نصير ينصره يوم القيامة.
2:271Page 46
إِن تُبۡدُواْ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِيَۖ وَإِن تُخۡفُوهَا وَتُؤۡتُوهَا ٱلۡفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمۡۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٢٧١
If you disclose your charitable expenditures, they are good; but if you conceal them and give them to the poor, it is better for you, and He will remove from you some of your misdeeds [thereby]. And Allāh, of what you do, is [fully] Aware.
قوله: ﴿إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ الآية.
قال الربيع: "كل مقبول، إذا كانت النية خالصة، والسر أفضل".
وكذلك قال ابن جبير وغيره. وهذا في التطوع.
قال [ابن عباس: "صدقة التطوع في السر أفضل من العلانية، يقال: بسبعين ضعفاً. وصدقة الفريضة في العلانية أفضل من السر بخمسة وعشرين ضعفاً".
وكذلك جميع الفرائض والنوافل على هذا القياس. ومن قرأ: "يُكَفِّرْ" بالياء، فمعناه: ويكفر الإعطاء.
وقيل: معناه: ويكفر الله، و "مِنْ" للتبعيض.
* *
ومعنى ﴿مِّن سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي يكفر منها ما شاء لمن يشاء، ليكون العباد على وَجَلٍ من الله، لئلا يتكلوا على الصدقات أنها تكفر الذنوب كلها.
وقيل: "من" زائدة، فتكون الكفارات للسيئات كلها.
* *
قوله: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
أي خبير بما تصنعون في صدقاتكم من إخفائها وإعلانها.
* *
ومعنى ﴿خَبِيرٌ﴾ ذو خبر.
2:272Page 46
۞ لَّيۡسَ عَلَيۡكَ هُدَىٰهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلِأَنفُسِكُمۡۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ ٱللَّهِۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٢
Not upon you, [O Muḥammad], is [responsibility for] their guidance, but Allāh guides whom He wills. And whatever good you [believers] spend is for yourselves, and you do not spend except seeking the face [i.e., approval] of Allāh. And whatever you spend of good1 - it will be fully repaid to you, and you will not be wronged.
قوله: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾.
هذا مثل ﴿وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩]، على قراءة من رفع، أي ليس عليك سوى البلاغ المبين، ولست عليهم بمسيطر. ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾، أي يوفقه للهداية.
وهذه الآية نزلت في المشركين لأن المؤمنين كانوا لا يتصدقون عليهم ليدخلوا في الإسلام، فنزلت: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ إلى ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ﴾.
وقيل: "نزلت في أسماء بنت أبي بكر امتنعت مِن بِر جدها [أبي قحافة] إذ لم يسلم وغيره، فتصدق عليهم".
قال ذلك ابن عباس وابن جبير، قالا: "كان ناس من الأنصار لهم قرابة ضعفاء مشركون فلا يتصدقون عليهم، فنزلت الآية، فتصدقوا عليهم".
وروى ابن جبير أن النبي ﷺ "كان لا يتصدق على المشركين حتى نزلت هذه الآية فتصدق عليهم".
وقال ابن زيد: "لك ثواب نفقتك، وليس عليك من عمله شيء".
وهذا إنما هو في التطوع، فأما في الواجب فلا يعطى منه إلا المسلمون.
قال مالك: "يتصدق على اليهود والنصارى من التطوع، ولا يعطون من الواجبات لا من الزكاة ولا من صدقة الفطر، ولا مما أشبههما".
* *
قوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾.
أي ما تتصدقوا من مال - والخير المال - فإنه لأنفسكم تجزون به. [روى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: "إِذَا تَصَدَّقَ الْعَبْدُ بِالْصَّدَقَةِ وَقَعَتْ فِي يَدِ اللهِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي كَفِّ الْسَّائِلِ فَيُرْبِيهَا لأَحَدِكُمْ كَمَا يُرْبِي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مَثْلَ أُحُدٍ
وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿َيَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، وقال: ﴿وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤].
2:273Page 46
لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗاۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ ٢٧٣
[Charity is] for the poor who have been restricted for the cause of Allāh, unable to move about in the land. An ignorant [person] would think them self-sufficient because of their restraint, but you will know them by their [characteristic] sign. They do not ask people persistently [or at all]. And whatever you spend of good - indeed, Allāh is Knowing of it.
قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ [ٱللَّهِ]﴾.
اللام متعلقة بقوله: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾ للفقراء الذين من حالهم وقصتهم - ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾. وعني به فقراء المهاجرين بالمدينة. ومعنى: ﴿أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾: منعوا أنفسهم من التصرف وحبسوها على جهاد عدوهم. قاله قتادة وغيره.
وقال ابن زيد: "كانت الأرض للعدو، فلا يستطيعون تصرفاً فهم محصورون".
وقال السدي: "معناه: حصرهم المشركون بالمدينة".
* *
﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي تقلباً ولا تصرفاً في المعاش والتجارات.
وقال ابن جبير: "نزلت في قوم أصابتهم جراحات في سبيل الله، فصاروا زمنى من أجل عدوهم، أو من أجل حرصهم على الجهاد والغزو.
* *
قوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ﴾. بكسر السين وفتحها لغتان، ونظيره "نَعِمَ" و "يَئِسَ"، يأتي المستقبل بالفتح والكسر.
وحكى أبو إسحاق أن مثله عهد، يقال: يَعْهِدُ وَيَعْهَدُ.
ومعنى: ﴿يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ﴾.
أي الجاهل بأمرهم وحالهم، أغنياء من تعففهم عن المسألة والتعرض لها.
تعرفهم يا محمد بعلاماتهم وهي السيماء وهي أثر السجود.
وقيل: هي الخشوع والتواضع. قاله مجاهد.
وقيل: هي أثر الفاقة والحاجة. قاله السدي.
وقال ابن زيد: "هي رثاثة ثيابهم، لأن الجوع خفي".
ومن العرب من يمد السيماء، ومنهم من يقول سيماء بالمد وزيادة ياء بعد الميم.
* *
قوله: ﴿لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً ﴾.
أي إلحاحاً، أي لا يشملون الناس بالسؤال، ومنه اللحاف.
والمعنى: لا يكون منهم سؤال فيكون إلحافاً.
وهو كقول امرئ القيس:
"عَلَى لاَ حِبٍ لاَ يَهْتَدِي لِمَنَارِهِ".
أي ليس فيه منار فيهتدي به.
ويقال: قد ألحف السائل إذا ألح.
ويقال: "أَلْحَفَ الرجل" و "أَلَحَّ" و "أَحْفَى"، بمعنى واحد.
2:274Page 46
ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٤
Those who spend their wealth [in Allāh's way] by night and by day, secretly and publicly - they will have their reward with their Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.
قوله: ﴿ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً﴾.
قال ابن عباس: "نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ كانت معه أربعة دراهم فأنفق بالليل درهماً. وبالنهار درهماً، وسراً درهماً، وعلانية درهماً".
وقيل: "إنها نزلت في علف الخيل في سبيل الله".
ذكر ذلك أيضاً عن ابن عباس، وعن أبي ذر الغفاري.
وقال أبو أمامة: "نزلت في أصحاب الخيل".
وكذلك قال الأوزاعي: "هي في الذين يربطون الخيل في سبيل الله ينفقون عليها بالليل والنهار "وروي ذلك عن أبي الدرداء. وعلى أنها في الخيل أكثر أهل التفسير.
2:275Page 47
ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٧٥
Those who consume interest1 cannot stand [on the Day of Resurrection] except as one stands who is being beaten by Satan into insanity. That is because they say, "Trade is [just] like interest." But Allāh has permitted trade and has forbidden interest. So whoever has received an admonition from his Lord and desists may have what is past, and his affair rests with Allāh. But whoever returns [to dealing in interest or usury] - those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.
قوله: ﴿ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ لاَ يَقُومُونَ﴾ الآية.
معناها: الذين يأكلون الربا في الدنيا لا يقومون في الآخرة إذا بعثوا من قبورهم إلا مثل قيام المجنون.
والمس: الجنون. قاله مجاهد وقتادة وابن جبير وغيرهم؛ قالوا: "يقوم الخلق من قبورهم مسرعين كما قال تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً﴾ [المعارج: ٤٣] إلا أكلة الربا، فإن الربا يربو في بطونهم فيقومون ويسقطون، يريدون الإسراع فلا يقدرون، فهم بمنزلة المتخبط من الجنون".
قال ابن جبير: "يبعث أحدهم حين يبعث، وشيطان يخنقه".
والقصد بالنهي في هذه الآية: كل من أخذ الربا أكله أو لم يأكله.
وكان أهل الجاهلية إذا حل على أحدهم الأجل في دين عليه، يقول الذي عليه الدين: "زِدْنِي فِي الأَجَل وَأَزِيدُكَ فِي دَيْنِكَ"، فنهى الله عن ذلك، وقال: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨-٢٧٩].
وأصل الربا الزيادة، وهو في التجارة والبيع والشراء جائز إذا كان على وجهه الذي قد بينته السنة والكتاب. فأصل الربا المحرم أن يقول الذي عليه الدين: "أَخِّرْنِي وَأَزِيدَكَ فِي دَينك"، ثم جرى مجراه كل ما شابهه في البيوع والدين، وغير ذلك مما قد أحكمته السنة وفسره العلماء.
وقد روى محمد بن كعب القرظي أن النبي ﷺ قال: "كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبَا
قوله: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾.
أي ما أكل وأخذ قبل مجيء الموعظة فذلك مغفور له.
* *
﴿وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ﴾.
أي في المستقبل، إن شاء ثبته وإن شاء رده إلى ما نهاه عنه.
والموعظة: القرآن.
ومن عاد فعمل بالربا حتى يموت فأولئك أصحاب النار. قال ذلك سفيان. وقال غيره: "من عاد فقال: إنما البيع مثل الربا، وتمادى عليه، فهو من أصحاب النار".
2:276Page 47
يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ٢٧٦
Allāh destroys interest and gives increase for charities. And Allāh does not like every sinning disbeliever.
قوله: ﴿يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ﴾.
معناه: ينقص الله الربا ويذهبه، ويضاعف الصدقات وينميها.
2:277Page 47
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٧
Indeed, those who believe and do righteous deeds and establish prayer and give zakāh will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ الآية.
أي إن الذين تابوا من أكل الربا فآمنوا بما أنزل عليهم، وانتهوا عما نهوا عنه وعملوا الصالحات، فهم أصحاب الجنة.
2:278Page 47
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٧٨
O you who have believed, fear Allāh and give up what remains [due to you] of interest, if you should be believers.
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ﴾.
معناه: يا أيها الذين صدقوا محمداً: ذروا ما بقي لكم من الربا زيادة على رؤوس أموالكم.
ونزلت هذه الآية في قوم أسلموا، ولهم على قوم أموال من ربا كانوا أربوا عليهم فقبضوا بعضاً، وبقي بعض، فعفا لهم عما كانوا قبضوا وحرم عليهم ما بقي مما زاد على رأس المال.
قال ابن المسيب: "لا ربا إلا في ذهب أو ورق أو ما [يكال و] يوزن مما يؤكل ويشرب". يعني في المبايعة.
وفسره بعض العلماء فقال: "ما كان مما يكال أو يوزن من نوع من الطعام، فلا تأخذ إلا وزناً بوزن، ومثلاً بمثل، يداً بيد، وكذلك الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، فإن اختلف النوعان فَزِدْ واستزد يداً بيد".
قال عبد الله بن سلام: "أكل الربا يعدل سبعين فجرة، أدنى فجرة منها مثل أن يضطجع الرجل مع أمه".
وروى الحكم بن عتيبة عن علي رضي الله عنه أنه قال: "درهم ربا أشد من ست وثلاثين زنية".
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "الرِبَا سَبْعُونَ حُوباً، أَيْسَرُهَا مِثْلَ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ
قال ابن مسعود: "الربا بضع وسبعون باباً".
2:279Page 47
فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٩
And if you do not, then be informed of a war [against you] from Allāh and His Messenger. But if you repent, you may have your principal - [thus] you do no wrong, nor are you wronged.
قوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾.
أي فأيقنوا بحرب.
وقال الأصمعي: "معناه: كونوا على علم".
ومن قرأ بالمد فمعناه: فأعلموا أصحابكم بالحرب.
﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾. أي تركتم الربا.
﴿فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ﴾. بلا زيادة.
﴿لاَ تَظْلِمُونَ﴾. فتأخذون ما ليس لكم.
﴿وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾. فتنقصون من رؤوس أموالكم.
وروى المفضل عن عاصم: "لا تُظْلَمُونَ وَلاَ تَظْلِمُونَ"، المفعول قبل الفاعل.
2:280–281Page 47
وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٨٠
And if someone is in hardship, then [let there be] postponement until [a time of] ease. But if you give [from your right as] charity, then it is better for you, if you only knew.
وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٨١
And fear a Day when you will be returned to Allāh. Then every soul will be compensated for what it earned, and they will not be wronged [i.e., treated unjustly].
قوله: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾. أي إن وقع ذلك.
ولا خبر لـ "كان"، هي "كان" التامة تستغني باسمها عن الخبر. فليست بالداخلة على الابتداء والخبر، تلك هي الناقصة التي تحتاج إلى خبر.
وقد قيل: إن الخبر محذوف، والتقدير: "وإن كان ذو عسرة في الدين فنظرة إلى ميسرة".
وفي مصحف عبد الله: "وَإِنْ كَانَ ذَا" بالألف على تقدير: وإن كان الذي عليه الدين ذا عسرة، فهي "كان" الناقصة على هذا.
وقرأ مجاهد: "فَنَاظِرْهُ إِلَى مَيْسُرِهِي"، بضم السين، وصلت الهاء بياء.
وهو لحن عتد أهل العربية: ليس في الكلام مفعل بتغيير هاء التأنيث.
قال الأخفش: "ولو قرأوا بفتح السين لكان حسناً، لأن "مفعلاً" في الكلام كثير".
* *
وقوله: ﴿فَنَظِرَةٌ﴾. هو من التأخير. ورفعها على معنى: "فعليكم نظرة".
وحكى أبو إسحاق: "فناظرة" من التأخير.
وقيل: [هو من أسماء المصادر كقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]. ورد أبو حاتم ذلك وقال: "إنما يجوز هذا في نظر العين، مثل الذي في النمل قوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥].
والمعنى: "إن كان الذين لكم أن ترجعوا عليهم برؤوس أموالكم ذوي عسرة، فعليكم أن تنظروهم إلى مسيرة".
وفتح السين وضمها لغتان. وأجاز النحاس النصب على المصدر. وهذه الآية ناسخة لما كان في أول الإسلام. كان الرجل إذا اتبع في دين ولم يكن معه ما يقضيه بيع في الدين.
روي عن النبي عليه السلام: "أنه أمر أعرابياً ببيع رجل له عليه دين، ولا مال معه".
وقال قوم: "إنما هذا الإنظار في الربا خاصة، وليس لمن عليه دين لا يؤديه إلا السجن حتى يؤديه كان معه أو لم يكن لقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
قال ابن عباس: "نزلت في الربا".
وأكثر الفقهاء على أن الآية عامة في كل من عليه دين، ولا شيء معه، ينظر إلى يسره إذا صح فَقْرُهُ وثبت.
* *
قوله: ﴿وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
أي وصدقة رؤوس أموالكم على المعسر خير لكم إن كنتم تعلمون الفضل.
وقال قتادة: "ندبوا أن يتصدَّقوا برؤوس أموالهم على الغني والفقير".
وقال غيره: "ذلك على المعسر خاصة".
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "آخر ما نزل من القرآن آية الربا، وإن نبي الله قبض من قبل أن يفسرها".
قال ابن عباس: "آخر آية نزلت: ﴿وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ﴾.
كذلك قال السدي وعطية وابن جريج.
واليوم في هذا يوم القيامة.
وقيل: هو يوم موت الإنسان لأنه وقت قدومه على الله.
ويروى أن النبي عليه السلام قال: "أَتَانِي جِبْرِيلُ عليه السلام بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقَالَ: اجْعَلْهَا عَلَى رَأْسِ ثَمَانِينَ وَمَائَتَيْنِ مِنَ البَقَرَةِ
ومعنى الآية: التحذير والتخويف في أخذ الربا وارتكاب ما نهي عنه.
وروي أنها نزلت على النبي عليه السلام قبل موته بثلاث ساعات فقال النبي عليه السلام: "اجْعَلُوهَا بَيْنَ آيَةِ الدَّيْنِ وَآيَةِ الرِّبَا
وقال مقاتل: "نزلت قبل وفاته بتسع ليال".
2:282Page 48
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ وَلَا تَسۡـَٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٨٢
O you who have believed, when you contract a debt for a specified term, write it down. And let a scribe write [it] between you in justice. Let no scribe refuse to write as Allāh has taught him. So let him write and let the one who has the obligation [i.e., the debtor] dictate. And let him fear Allāh, his Lord, and not leave anything out of it. But if the one who has the obligation is of limited understanding or weak or unable to dictate himself, then let his guardian dictate in justice. And bring to witness two witnesses from among your men. And if there are not two men [available], then a man and two women from those whom you accept as witnesses - so that if one of them [i.e., the women] errs, then the other can remind her. And let not the witnesses refuse when they are called upon. And do not be [too] weary to write it, whether it is small or large, for its [specified] term. That is more just in the sight of Allāh and stronger as evidence and more likely to prevent doubt between you, except when it is an immediate transaction which you conduct among yourselves. For [then] there is no blame upon you if you do not write it. And take witnesses when you conclude a contract. Let no scribe be harmed or any witness. For if you do so, indeed, it is [grave] disobedience in you. And fear Allāh. And Allāh teaches you. And Allāh is Knowing of all things.
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ﴾.
قال ابن عباس: "نزلت في السلم خاصة، في كيل معلوم إلى أجل معلوم". يريد بثمن نقد معلوم من غير أن يكون طعام في طعام.
وروي عن ابن عمر وأبي موسى الأشعري "أنه واجب أن يكتب إذا باع بدين". وهو قول ابن سيرين وأبي قلابة والضحاك وجابر بن زيد ومجاهد.
وقال عطاء: "أشهد إذا بعت، وإذا اشتريت بدرهم أو نصف درهم أو بثلث درهم أو أقل من ذلك، فإن الله يقول: ﴿وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾. وهو مذهب الطبري.
وقال أبو سعيد الخدري: "كان ذلك فرضاً ثم نسخه ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وبه قال الحسن والحكم وعبد الرحمن بن زيد والشعبي.
وأكثر الفقهاء على أنه ندب وإرشاد لا على الحكم. وهو قول مالك والشافعي.
وقال الطبري: "الآية على الأمر حتى يأتي دليل يدل على أنها ندب وإرشاد". وقال: "من جعل الإشهاد فرضاً، لا يجوز أن يكون هذا منسوخاً لأنه يلزم منه رفع حكم الإشهاد. والإشهاد جائز بإجماع. وفي تركه وقع الاختلاف فلو كانت منسوخة لم يجز الإشهاد لأن حكم المنسوخ ألا يبقى حكمه ولم تأت آية فيها : "لا تكتبوا ولا تشهدوا". بل ذلك حسن جائز بإجماع وواجب عندنا. وإنما معنى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً﴾ عند عدم الكاتب والشهود".
قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الاعتراض لا يلزم لأنه يجب منه ألا يعمل بما نسخ البتة. وقد نسخ فرض صوم عاشوراء وفرض صوم ثلاثة أيام من كل شهر. ونسخ فرض قيام الليل، وفعل ذلك حسن مُرَغَّبٌ فيه. كذلك فرض الإشهاد، هو منسوخ، وفعله حسن جائز. وقول الطبري: "الآية على الأمر حتى يأتي دليل يدل على الندب".
جوابه: أن الدليل على أنه صار ندباً قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً﴾. ولا يحمل على معنى عدم الكاتب والشهود إلا بدليل.
قوله: ﴿وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ﴾.
قيل: هو واجب عليه أن يكتب إذا دُعي إلى ذلك.
قال الضحاك: "نسخها: ﴿وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ﴾".
وقال السدي: "لا يأب كاتب أن يكتب إذا كان فارغاً".
* *
﴿وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾.
أي لا يظلم ولا ينقص من حق الرجل الذي له الحق شيئاً.
* *
قوله: ﴿فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ﴾. أي من عليه الدين.
﴿سَفِيهاً﴾. أي جاهل بالصواب الذي يمليه على الكاتب.
﴿أَوْ ضَعِيفاً﴾. أي أخرق. قاله ابن عباس، وقاله مجاهد وغيره.
وقال السدي: "السفيه الصغير".
وأصل "السفيه" الخفيف العقل من قولهم: "تَسَفَّهَتِ الْرِّيحُ الشَّيْء" إذا استخفته فحركته.
قال السدي: "الضعيف الأحمق".
﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ﴾: أي ولي السفيه والضعيف. قاله الضحاك.
وقال ابن عباس: "ولي الدين هو الذي هو عليه" أي فَلْيُقِرْ وَلِيُّهُ بِمَا عَلَيْهِ وَلْيَشْهَدْ.
وقيل: ولي الدين هو العيي واليتيم.
فالهاء في ﴿وَلِيُّهُ﴾ تعود على الدِّين أو على صاحب الدَّين أو على المطلوب.
* *
قوله: ﴿وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ﴾.
اختير "فَعِيلٌ" لأنه للتكثير، فمعناه: استشهدوا من عُرف بالشهادة والشاهد يقع لغير التكثير، يقال: "فُلاَنٌ شَهِيدِي وَشَاهِدِي".
* *
قوله: ﴿مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ أي من الأحرار المسلمين.
* *
قوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ﴾.
قال ابن بكير: "هذا مخاطبة للحكام"، أي إن لم يأت صاحب الحق برجلين أتى برجل وامرأتين، فليس معناها أنه لا يشهد الرجل والامرأتان إلا عند عدم الرجلين. لأن فاعلاً لو فعله وهو واحد الرجلين لتم إشهاده".
ومعنى الآية عند غيره أنها مخاطبة لصاحب الدين، أي فاستشهدوا [من حضر]؛ رجلين، أو رجلاً وامرأتين.
ومعنى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ﴾.
أي من العدول المرضيين، وإنما تجوز شهادة النساء عند مالك، ومن قال بقوله في الأموال خاصة؛ لأنه المكان الذي تكون فيه لا يتعدى إلى غيره.
* *
قوله: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ﴾.
أي فتصير إحداهما ذكراً باجتماعهما. تقول العرب "اذَّكَرَتِ المَرْأَةُ" إذا ولدت ذكراً، قال ذلك ابن عيينة. وليس هو عنده من الذِّكر بعد النسيان.
وأكثر الناس على أنه من الذكر بعد النسيان لقوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ أي إن تنسى فتذكرها الأخرى ما نسيت.
* *
قوله: ﴿وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾.
أي لا يتخلفوا عن أداء الشهادة إذا دعوا ليشهدوا على الكتاب والحقوق. قاله قتادة والحسن.
وقيل: معناه: لا يتأخروا إذا دُعُوا ليؤدوا ما قد شهدوا عليه، وذلك إذا لم يجد غيره، فإن وجد غيره فهو مخير فأما إذا دعيت إلى شهادة لم تشهد بعد بها، فأنت مخير في ذلك.
هذا قول مجاهد وعطاء وغيرهما. وهو قول مالك.
والألف واللام في ﴿ٱلشُّهَدَآءُ﴾ يدلان على أنه لشهادة متقدمة إذا دعوا [ليوصلوها إلى] حكم، فلا يتخلفوا إذا لم يوجد غيرهم.
وعن عطاء أنه إذا دعي ليشهد لزمه ذلك.
* *
قوله: ﴿وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ﴾.
أي لا تملوا أن تكتبوا صغير حقوقكم وكبيرها إلى أجله، فإن الكتاب أحضر للأجل والمال.
﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ﴾ أي أعدل.
﴿وَأَقْومُ﴾ أي أصوب.
* *
﴿وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ﴾.
أي أقرب ألا تشكوا في الدين والأجل. ثم أرخص في التجارة الحاضرة التي هي يداً بيد غير أن يكون طعام في طعام متفاضلاً ألا تكتبوها.
* *
ثم قال: ﴿وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾.
قال الضحاك: "ما كان من بيع حاضر، فإن شاء أشهد وإن شاء ترك. وما كان من بيع إلى أجل فليشهد".
قال مالك: "هو مخير في الإشهاد، وتركه".
ويروى عن ابن عمر أنه قال: "الشهادة واجبة في كل ما يباع من قليل أو كثير بقوله عز وجل: ﴿وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾.
وهذا عند جماعة منسوخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، وهو نسخ فرض إلى ندَب، كنسخ رمضان ليوم عاشوراء؛ من شاء صامه، ومن شاء تركه. وكالامتحان؛ من شاء امتحن، ومن شاء ترك، بعد قوله: ﴿فَٱمْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. فكان الإشهاد واجباً ثم صار ندباً بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً﴾. ففي هذا الحكم ثلاثة أقوال: الأول: أنه محكم يعمل به، والثاني: أنه منسوخ، والثالث: أنه ندب وترغيب.
* *
قوله: ﴿وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾.
قال الحسن وغيره: "معناه لا يضار كاتب فيزيد ما لم يملل عليه في الكتاب أو يُحرّف، ولا شهيد فيكتم الشهادة أو يغيرها".
وقال ابن عباس وغيره: "معناه لا يضارا فيتخلفا عن الكتابة والشهادة ويقولان: علينا شغل ولنا حاجة".
وقيل: المعنى: لا [يضارا فيما قد شهدا] فيه فيتخلفا عن أدائه إلى الحاكم.
وفي كل هذه الأقوال يرتفع [الكاتب والشهيد معاً بفعلهما].
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقرأ: "وَلاَ يُضَارَر" براْءين ظاهرتين الأولى مفتوحة.
وكذلك روى الضحاك عن ابن مسعود. وكذلك روى ابن كثير عن مجاهد. وتأويله: أن يضارا في أن يدعيا وعنهم غنى، ويشغلا عن أشغالهما، ويعنفا تعمداً.
وقال الضحاك: "هو أن يكونا على حاجة مهمة فيقولان: اطلب غيرنا، فيقول: إن الله أمركما بذلك، ليؤثمهما".
وكذلك قال السدي وطاوس، وهو اختيار الطبري، لأن الخطاب من أول الآية إنما هو للمكتوب له والمشهود له، وليس للكاتب والشاهد خطاب تقدم فيرد هذا عليه، ويبين هذا قوله: ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾، ولم يقل: "وإن تفعلا"، فيرد على الكاتب والشاهد، إنما رده على أهل الكتابة والشهادة فالنهي لهم أبين، ألا يضاروا الكاتب والشهيد فيشغلوهما عن شغلهما وهم يجدون غيرهما.
ومعناه: وإن تضاروهما فإنه إثم حال بكم. فيكون الكاتب والشهيد على هذا التأويل مرفوعين على أنهما مفعولان لم يسم فاعلهما.
وكان الزجاج يختار أن يكون النهي للكاتب ألا يزيد في كتابته ولا يحرف، و [للشهيد ألا] يتخلف ولا يغير، ويكون قوله: ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ رداً إلى الكاتب والشهداء؛ أي إن حرفتم أو زدتم أو تخلفتم من غير عذر فإنه إثم وخروج عن الحق.
والهاء في ﴿فَإِنَّهُ﴾ عائدة على الضرار.
وقيل: على الفعل، أي فإن هذا الفعل فسوق بكم.
وقيل: الفسوق هنا الكذب في الشهادة والكتاب.
* *
قوله: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾.
أي في ترك المضارة، وفيما تقدم ذكره من حدوده.
* *
قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾.
أي يبين الله لكم الواجب لكم وعليكم لتعمَلُوا به.
* *
﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
أي يعلم جميع ما تعملون ويحصيها عليكم ليجازيكم بها، فاحذروا المخالفة.
2:283Page 49
۞ وَإِن كُنتُمۡ عَلَىٰ سَفَرٖ وَلَمۡ تَجِدُواْ كَاتِبٗا فَرِهَٰنٞ مَّقۡبُوضَةٞۖ فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ وَلَا تَكۡتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَۚ وَمَن يَكۡتُمۡهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٢٨٣
And if you are on a journey and cannot find a scribe, then a security deposit [should be] taken. And if one of you entrusts another, then let him who is entrusted discharge his trust [faithfully] and let him fear Allāh, his Lord. And do not conceal testimony, for whoever conceals it - his heart is indeed sinful, and Allāh is Knowing of what you do.
قوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً﴾ الآية.
* *
قوله: ﴿فَرِهَٰنٌ﴾ هو جمع رهن، كبَغْلٍ وبِغَالٍ وكَبْشٍ وكِبَاشٍ.
ومن قرأ: "فَرُهُنٌ" فهو جمع الجمع. هو جمع "رِهَانٍ": كـ "كِتَابٍ": و "كُتُبٍ"، و "حِمَارٍ" و "حُمُرٍ".
وقيل: هو جمع "رَهْنٍ"، كـ "سَقْفٍ" و "سُقُفٍ".
ومن قرأ "فَرُهْنٌ" بالإسكان فإنما أسكن الضمة لثقلها.
وقرأ ابن عباس "كِتَاباً"، وقال: "قد لا توجد الصحيفة"، وكذلك قرأ أبو العالية وعكرمة والضحاك ومجاهد. وهو واحد الكتب.
وقيل: هو جمع "كَاتِبٍ"، كما يقال: "قَائِمٌ" و "قِيَامٌ".
وروي أيضاً عن ابن عباس: ﴿وَلَمْ تَجِدُواْ﴾ "كُتَّاباً"، على وزن "فُعَّالٍ" وهو جمع "كاتب"، "كضَارِبٍ" و "ضُرَّابٍ".
وهذه الآية أرخص الله فيها في قبض الرهان عند عدم الكاتب، والرهن لا يكون رهناً حتى يقبض من مالكه بقوله: ﴿مَّقْبُوضَةٌ﴾، سواء قبضه المرتهن عنده أو جعله على يدي عدل عند مالك.
قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ﴾.
أي إن ترك صاحب الدين، أخذ الرهن، وأمن الذي عليه الدين، فليؤد ما عليه لأنها أمانة، وليتق الله ربه فيما قد اؤتمن به.
وقال الضحاك: "هذه الأمانة التي فسخ فيها إنما في السفر، دون الحضر".
* *
قوله: ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ﴾ الآية. هو نهي للشهداء وتحذير لهم.
﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾. أي فاجر قلبه.
* *
﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
أي يعلم ما تصنعون في شهاداتكم من إحالتها، والإتيان بها على وجهها فيحصي ذلك عليكم ويجازيكم به.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences