Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:67–86
2:67Page 10
وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تَذۡبَحُواْ بَقَرَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوٗاۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٦٧
And [recall] when Moses said to his people, "Indeed, Allāh commands you to slaughter a cow." They said, "Do you take us in ridicule?" He said, "I seek refuge in Allāh from being among the ignorant."
قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾.
قالوا: إنما جاء الجواب بغير فاء لأنه تعالى إنما أذكرهم هذا الذي كان، فجعل "قالوا" كالجواب لقوله على انقطاع الكلام وتمامه. فهو حكاية كانت من كلامين: أحدهما جواب للآخر، وليس أحدها محمولاً على الآخر. ولو أتى بالفاء لحسن. ولو قلت: "قُمْتُ قامَ زيْدٌ"، لم يجز إلا بالفاء، لأنه كلام واحد، الثاني محمول على الأول، فلم يتصلا إلا بحرف فاء أو واو، وليس مثل الآية فافهمه.
* *
قوله: ﴿قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ﴾.
ذكر السدي أنه كان رجل من بني إسرائيل مكثراً من المال وله ابنة، وله ابن أخ فقير من المال، فخطب إليه، فأبى أن يزوجه، فعمل على قتله، وقال: والله لأقتلن عمي ولآخذن ماله، ولأنكحن ابنته، ولآكلن ديته. فلما قتله ليلاً جعله في بعض السكك وأصبح يطلب عمه، فوجد أهل ذلك الموضع قياماً عليه فأخذهم وقال: قتلتم عمي فأدوا ديته وجعل يبكي [فرفعهم إلى موسى ﷺ] فقضى عليهم بالدية، فقالوا: يا نبي الله ادع لنا ربك يبين لنا مَن صاحبه. فقال: اذبحوا بقرة. فقالوا: نحن نسألك عن القتيل، وأنت تأمرنا بذبح البقرة أتهزأ بنا؟ فقال: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين".
قال ابن عباس: "فلو اعترضوا بقرة ما، فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم".
وقيل: [إنه أخو المقتول كان].
وقيل: كانوا جماعة ورثة استبطوا موته ليرثوه فقتلوه.
وقال مقاتل: "كان القاتلان اثنين قتلا ابن عم لهما وطرحاه بين قريتين، فطولب أهل القريتين بالدية فحلفوا أنهم ما قتلوه".
2:68–69Page 10
قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا فَارِضٞ وَلَا بِكۡرٌ عَوَانُۢ بَيۡنَ ذَٰلِكَۖ فَٱفۡعَلُواْ مَا تُؤۡمَرُونَ ٦٨
They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is." [Moses] said, "[Allāh] says, 'It is a cow which is neither old nor virgin, but median between that,' so do what you are commanded."
قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوۡنُهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ صَفۡرَآءُ فَاقِعٞ لَّوۡنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ ٦٩
They said, "Call upon your Lord to show us what is her color." He said, "He says, 'It is a yellow cow, bright in color - pleasing to the observers.'"
قوله: ﴿لاَّ فَارِضٌ﴾: أي: لا هرمة.
﴿وَلاَ بِكْرٌ﴾: أي: لا صغيرة.
﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ﴾: أي: هي بين الصغيرة والكبيرة.
﴿فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا﴾: أي: صاف تعجب من ينظر إليها.
و "ذلك" موحد يراد به بين ذلك الوصف الذي ذكرنا.
والصفراء السوداء عند أبي عبيدة، ومثله: ﴿جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣] أي: سود. وقال الحسن: "صفر الظِلف والقرن".
وقال ابن زيد: "هي صفراء كلها".
وقال القتبي: "لا يقال صفراء بمعنى سوداء في البقر. إنما يقال ذلك في نعوت الإبل".
* *
قوله: ﴿فَاقِـعٌ﴾ يدل على أنها غير سوداء لأنه لا يقال أسود فاقع ويقال أصفر فاقع.
وقيل: كانت صفراء كلها حتى الظلف والقرن".
وقرأ يحيى بن وثاب: "إن الباقر" بألف. "يشَّابه" بالياء والرفع والتشديد؛ جعله فعلاً مستقبلاً.
قال الأصمعي: "الباقر جمع باقرة"، قال: "ويجمع بقر على باقورة". وقيل: كانت صفراء كلها حتى القرن والظلف.
2:70Page 11
قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ٱلۡبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيۡنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهۡتَدُونَ ٧٠
They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is. Indeed, [all] cows look alike to us. And indeed we, if Allāh wills, will be guided."
No commentary for this ayah
2:71–74Page 11
قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا ذَلُولٞ تُثِيرُ ٱلۡأَرۡضَ وَلَا تَسۡقِي ٱلۡحَرۡثَ مُسَلَّمَةٞ لَّا شِيَةَ فِيهَاۚ قَالُواْ ٱلۡـَٰٔنَ جِئۡتَ بِٱلۡحَقِّۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفۡعَلُونَ ٧١
He said, "He says, 'It is a cow neither trained to plow the earth nor to irrigate the field, one free from fault with no spot upon her.'" They said, "Now you have come with the truth." So they slaughtered her, but they could hardly do it.
وَإِذۡ قَتَلۡتُمۡ نَفۡسٗا فَٱدَّٰرَٰءۡتُمۡ فِيهَاۖ وَٱللَّهُ مُخۡرِجٞ مَّا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ ٧٢
And [recall] when you slew a man and disputed1 over it, but Allāh was to bring out that which you were concealing.
فَقُلۡنَا ٱضۡرِبُوهُ بِبَعۡضِهَاۚ كَذَٰلِكَ يُحۡيِ ٱللَّهُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٧٣
So We said, "Strike him [i.e., the slain man] with part of it."1 Thus does Allāh bring the dead to life, and He shows you His signs that you might reason.
ثُمَّ قَسَتۡ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةٗۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلۡحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنۡهُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخۡرُجُ مِنۡهُ ٱلۡمَآءُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَهۡبِطُ مِنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٧٤
Then your hearts became hardened after that, being like stones or even harder. For indeed, there are stones from which rivers burst forth, and there are some of them that split open and water comes out, and there are some of them that fall down for fear of Allāh. And Allāh is not unaware of what you do.
﴿لاَّ ذَلُولٌ﴾ لم يذللها العمل فتثير الأرض، ولا تعمل في الحرث.
﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: أي: من العيوب.
﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾: أي: لا بياض.
ولولا قولهم: ﴿إِن شَآءَ ٱللَّهُ﴾ ما اهتدوا إليها أبداً، فوجدوا البقرة عند عجوز عندها يتامى فأضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى ﷺ فأخبروه. فقال لهم: أعطوها رضاها، ففعلوا وذبحوها. وأمرهم موسى ﷺ بعضو منها يضربوا به القتيل ففعلوا. فرجع إليه روحه وسمَّى قاتله ومات فقُتل قاتله، وهو الذي أتى إلى موسى ﷺ يشتكي ويطلب الدية.
وروي أن رجلاً صالحاً من بني إسرائيل كان له ابن صغير وله عجلة فأتى بالعجلة إلى غَيْضةٍ وقال "اللهم إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر. فشبت العجلة في الغيضة. وكانت ترعى فيها فلا يقدر عليها أحد؛ تثب على من رامها [فيهرب منها]. فأتى ابن الرجل الصالح بعد موت أبيه ومعه حبل إليها، فخوفه الناس منها، فأقبلت البقرة إليه مذعنة فساقها إلى أمه وكان براً بها. فلم يجد بنو إسرائيل صفة البقرة التي أمروا بذبحها إلا تلك البقرة فاشتروها منه بملء جلدها دنانير.
وعن ابن عباس قال: ﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾: لا بياض فيها ولا سواد، ولا حمرة "أي: لونها واحد لا لمعة فيها تخالف لونها وهو الصفرة. قيل: كانت صفراء حتى ظلفها وقرنها أصفران.
قال: "وطلبوها فلم يقدروا عليها، وكان رجل من بني إسرائيل من أبر الناس بأبيه، وأن رجلاً مر به ومعه لؤلؤ. يبيعه، وكان أبوه نائماً تحت رأسه المفتاح. فقال الرجل المار للولد البار: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفاً؟ قال له الفتى: كما أنت، حتى يستيقظ والدي، وأنا آخذه بثمانين ألفاً.
قال له الآخر: أيقظ أباك وهو لك بستين ألفاً، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفاً. وزاد الحدث على أن يصبر حتى يستيقظ أبوه حتى بلغ مائة ألف. فلما أكثر عليه حلف ألا يشتريه منه وأبى أن يوقظ أباه، فعوضه الله عز وجل من ذلك اللؤلؤ أن جعل تلك البقرة عنده. فسألوه بيعها فأبى فرفع في سومها فمضوا به إلى موسى، فقالوا: قد أعطيناه ثمنها وأبى أن يبيع. فقال: يا نبي الله: أنا أحق بمالي؟ قال له: نعم أنصفوه، واشتروا منه. فاشتروها منه بوزنها عشر مرات ذهباً".
وقيل: ضرب بفخد البقرة الأيمن.
وقيل: ضرب بعظم من عظامها.
وقيل: بذنبها.
وقيل: بلسانها.
* *
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾.
في الكلام حذف واختصار، والتقدير: فضربوه فحيي فقيل لهم: كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته فاعتبروا.
واستدل مالك في رواية ابن القاسم وابن وهب عنه على تصحيح الحكم بالقسامة [بهذا القتيل المذكور ضربوه] ببعضها فحيي وقال: "فلان قتلني"، فَقُتِلَ، بقوله.
قال مالك: "فهذا مما يبين القسامة وأن يقبل قول الميت فيقسم عليه".
وروي أنه قال: "ابن أخي قتلني" ومات، فَقُتِلَ به ولم يرث عمه. قال عبيدة السلماني: "فسقط ميراث القاتل عمداً ممن قتل [من حينئذ]".
وهذه الآية عند مالك تدل على القسامة وعلى قبول قول المقتول: "فلان قتلني"، ويقسم على قوله الأولياء.
* *
قوله: ﴿ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ﴾: أي: بينت لنا.
وقيل: إنهم عرفوا عند من البقرة لما وصفها، وعلموا أنه ليس يجدون ما وصف لهم إلا في موضع بعينه، فقالوا: الآن جئت بالحق. ولم يريدوا أنك لم تأت بالحق من أول كلامك إلا الساعة، إنما معناه: الآن جئتنا بغاية البيان، لأنهم كانوا مذعنين للذبح ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم.
* *
قوله: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾.
أي: كادوا أن يضيعوا فرض الله عز وجل لغلائها وكثرة قيمتها.
وقيل: أرادوا أن لا يفعلوا خوف الفضيحة وهم قاتلوا المقتول على قول من قال: كانوا ورثة.
وقيل: لعزة وجودها على تلك الصفة.
وروي عن ابن عباس أنه قال: "مكثوا في طلب البقرة أربعين سنة" وقال طلحة بن مصرف: "لم تخلق تلك البقرة من نتاج، إنما نزلت من السماء".
* *
قوله: ﴿فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. أي: اختلفتم وتدافعتم في الحكومة.
وقيل: في النفس. وقيل: في القتلة. ورجوعها على النفس أولى لتقدم ذكرها.
قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾.
روي عن ابن عباس أنه قال: "لما أخبر المقتول بمن قتله مات، فأنكروا أنهم فعلوا بعد إخباره عنهم، فكذبوا ما رأوا. فذلك قساوة قلوبهم".
* *
قوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾.
"أَوْ" [للتخيير أي: شبهوهم بقساوة] الحجارة أو بأشد منها، لأنهم جحدوا بعدما عاينوا، فأنتم مخيّرون في تشبيههم.
وقيل: معنى ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، أي: هو أقسى من الحجارة لأن الحجارة ليس لها ثواب ولا عليها عقاب، وهي تخاف الله عز وجل.
روي أن عيسى ابن مريم مر بجبل فسمع منه أنيناً فقال: "يا رب ائذن لهذا الجبل حتى يكلمني". فأذن الله للجبل فكلمه، فسأله عيسى [ﷺ] عن أنينه فقال: سمعت الله يقول: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] فخفت أن أكون من تلك الحجارة".
وقيل: معناه: فقلوبهم مثل الحجارة أو أشد أي: منها ما هو مثل الحجارة، ومنها ما هو أشد كأنها لا تخرج من هذين القسمين.
وقيل: "أو" بمعنى الواو. وقيل: بمعنى: "بل".
* *
قوله: ﴿لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ﴾.
هو حجر موسى ﷺ الذي [انفجرت منه] [اثنتا عشرة] عيناً.
* *
قوله: ﴿لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾.
هو الجبل الذي جعله الله دكاً إذ تجلى إليه، خرَّ لَهُ.
* *
قوله: ﴿لَمَا يَشَّقَّقُ﴾.
هو العيون التي تخرج من سائر الجبال.
* *
قوله: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾.
يعني ما أراهم من إحياء الميت ومن العصا والحجر والغمام والمن والسلوى والبحر والطور وغير ذلك. فلم يكونوا قط أعمى قلوباً، ولا أشد قسوة وتكذيباً لنبيهم منهم في ذلك الوقت.
2:75Page 11
۞ أَفَتَطۡمَعُونَ أَن يُؤۡمِنُواْ لَكُمۡ وَقَدۡ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَسۡمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٥
Do you covet [the hope, O believers], that they would believe for you while a party of them used to hear the words of Allāh and then distort it [i.e., the Torah] after they had understood it while they were knowing?
قوله: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ﴾.
يخاطب المؤمنين بمحمد. والذين لا يؤمنون هم اليهود أعداء [الله. وهو استفهام فيه معنى الإنكار فأيأسهم من إيمان] اليهود ثم أخبر عن أسلافهم وما كانوا يفعلون كأنه يقول تعالى: إن كفر هؤلاء فلهم سابقة في ذلك؛ وهو أن فريقاً منهم كانوا ﴿يَسْمَعُونَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ الآية. يريد به أسلافهم وما فعلوا على عهد موسى ﷺ.
قال السدي: "هي التوراة حرفوها فيجعلون الحلال حراماً، والحرام حلالاً برشوة".
وقال الربيع: "كانوا يسمعون من الوحي ما يسمع النبي ﷺ ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه".
وروى محمد بن إسحاق أنهم خرجوا مع موسى ﷺ يسمعون كلام الله، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى ﷺ بالسجود فسجدوا، فسمعوا كلامه يأمرهم وينهاهم وعقلوا ما سمعوا، فلما رجعوا حرف فريق منهم ما سمع".
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: يعلمون أنهم مبطلون في تحريفه.
وقال مقاتل: "هم السبعون الذين اختارهم موسى ﷺ.
2:76Page 11
وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ قَالُوٓاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٧٦
And when they meet those who believe, they say, "We have believed"; but when they are alone with one another, they say, "Do you talk to them about what Allāh has revealed to you so they can argue with you about it before your Lord?" Then will you not reason?
قوله: ﴿قَالُوۤاْ آمَنَّا﴾.
أي: بأن صاحبكم نبي إليكم خاصة.
وروي عن ابن عباس: "أي: إذا لقوا محمداً. قالوا: آمنا، وإذا خلوا كفروا، وهم المنافقون من اليهود".
* *
قوله: ﴿بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾.
كانوا يستفتحون بمحمد ﷺ، فقالوا: لا تقروا بأنه نبي، وقد كنتم تستفتحون به، أي: تنظرون إذ سألتم الله به نصركم على عدوكم فقد علمتم أنه نبي، فإذا أقررتم لهم بنبوته حاجوكم بذلك عند ربكم.
وقال أبو العالية: ﴿بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يعني ما أنزل عليكم في التوراة من ذكر محمد ﷺ.
وقال قتادة: "بما مَنّ الله عليكم في التوراة من ذكر محمد ﷺ فيحتجون عليكم بذلك".
وروي أن النبي [عليه السلام قال لهم: يا إخْوَةَ القِرَدَةِ] والخَنَازِيرِ، فقالوا: مَنْ أَخْبَرَ بِهَذَا مُحَمَّداً؟ مَا جَرَى هَذَا إلاّ مِنْكُمْ. أَفَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ؟
وقال السدي: "كان ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، وكانوا يحدثون المؤمنين بما مر على أسلافهم من العذاب، فقال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب ليحاجوكم به. أي: يقولون لكم: نحن أحب إلى الله منكم وأكرم منكم؟".
وعن ابن زيد قال: "كانوا إذا قيل لهم: أتعلمون أن في التوراة كذا وكذا؟ قالوا: نعم. فيقول لهم رؤساؤهم: لا تخبروهم بالذي أنزل عليكم، فيحاجوكم به عند ربكم. وقال النبي [عليه السلام]: لا يَدْخُلُ عَلَيْنَا قَصَبَةَ المَدينَةِ إِلاّ مُؤْمنٌ. فقال رؤساؤهم: اذهبوا فقولوا: آمنا وادخلوا. فإذا رجعتم اكفروا، وهو قوله: ﴿وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ﴾ [آل عمران: ٧٢] الآية. فكانوا يؤمنون بالبكرة ويكفرون بالعشي".
2:77Page 12
أَوَلَا يَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٧
But do they not know that Allāh knows what they conceal and what they declare?
No commentary for this ayah
2:78Page 12
وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ ٧٨
And among them are unlettered ones who do not know the Scripture except [indulgement in] wishful thinking, but they are only assuming.
قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾.
أي: ومن هؤلاء أميون. فهم أبعد من الإيمان من غيرهم.
وقال ابن عباس: "هم قوم لم يصدقوا رسولاً ولا آمنوا بكتاب، فكتبوا كتاباً وقالوا للعوام: هذا من عند الله".
وإنما سماهم أميين لجحودهم الكتاب إذ صاروا بمنزلة من لا يحسن شيئاً.
وقيل: الأمي هنا الذي لا يكتب كأنه نسب إلى أمه كأنه على طبعها وجبلتها لا يحسن كما لا تحسن.
وقيل: الأميون في هذا الموضع نصارى العرب. قاله عكرمة والضحاك.
وقيل: هم قوم من أهل الكتاب، رفع كتابهم لذنوب أحدثوها فصاروا أميين [لا كتاب] لهم.
وهم المجوس فيما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وقيل: هم طائفة من اليهود.
قوله: ﴿لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ﴾.
أي: التوراة أي هم مثل البهائم.
* *
قوله: ﴿إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾.
قال قتادة: "يتمنون على الله ما ليس لهم".
وعن ابن عباس: [إلاَّ أمَانِيَّ: إلا أحاديث].
وقال مجاهد: "هم ناس كانوا لا يعلمون شيئاً، يقولون على التوراة ما ليس فيها، كأنهم يتمنون أن يكون ما قالوا فيها". وقال ابن زيد: "يقولون نحن من أهل الكتاب وليسوا منهم تمنياً" وقال الفراء وأبو عبيدة: [إلا أماني]: إلا تلاوة". ومنه قوله: ﴿إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] أي إذا تلا ألقى في تلاوته. فهم لا يعلمون منه إلا التلاوة ولا يفهمونه ولا يعملون به.
وقال جماعة: [إلاّ أمَانِيَّ]: إلاَّ كذباً". ومنه قول عثمان رضي الله عنه: "ما تمنيت منذ أسلمت" أي: ما كذبت.
* *
قوله: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾.
أي: يجحدون نبوتك، وما جئتم به ظناً لا يقيناً.
وقيل: معناه: لا يعلمون الكتاب إلا تخرصاً وإن هم إلا يشكون فيه.
2:79Page 12
فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ يَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَٰبَ بِأَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشۡتَرُواْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا يَكۡسِبُونَ ٧٩
So woe1 to those who write the "scripture" with their own hands, then say, "This is from Allāh," in order to exchange it for a small price. Woe to them for what their hands have written and woe to them for what they earn.
قوله: ﴿فَوَيْلٌ﴾.
قال سفيان وأبو عياض: "ويل ماء يسيل من صديد في أسفل جهنم".
وروى عثمان بن عفان عن النبي [عليه السلام أنه قال : الوَيْلُ] جَبَلٌ في النَّار
وروى عنه عليه السلام أبو سعيد الخدري أنه قال: "ويلٌ وَاد في جهنَّمَ يَهْوِي فِيهِ الكَافِرُ أرْبَعِينَ خَرِيفاً قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ
ومعنى "ويل" عند أهل اللغة: قبوح. وويح ترحم، وويس تصغير.
وهذه مصادر لا أفعال لها. والاختيار فيها الرفع على كل حال بالابتداء. ويجوز فيها النصب على معنى: ألزمه الله ويلاً. فإن كانت مضافة [حسن فيها] النصب، قال الله تعالى: ﴿وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ﴾ [طه: ٦١].
فأما ما كان من المصادر جارياً على الفعل، فالاختيار فيه الرفع إذا كان معرفة على الابتداء نحو: الحمد. ويجوز النصب على المصدر. فإن كان نكرة، فالاختيار في النصب على المصدر ويجوز الرفع على الابتداء، أو على معنى ثبت ذلك له. فإن كان مضافاً لم يجز إلا النصب كالأول.
* *
قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾.
هم اليهود الذين غيروا التوراة وبدلوا اسم محمد ﷺ فيها وصفته لئلا يؤمن به العوام، وأخذوا على ذلك الرشا. وقيل: هم قوم من اليهود كتبوا كتباً من عند أنفسهم وقالوا: هذا من عند الله ليعطوا عليها الأجر.
وقال ابن عباس: "بل فعل ذلك قوم أميون لم يصدقوا رسولاً، ولا آمنوا بكتاب فكتبوا بأيديهم للجهال كتاباً ليشتروا به ثمناً قليلاً".
قال ابن اسحاق: "كانت صفة محمد ﷺ في التوراة أسمر ربعة فبدلوا وكتبوا آدم طويلاً".
وقوله تعالى: ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾.
تأكيد ليعلم أنهم تولوا ذلك بأيديهم ولم يأمروا به غيرهم. ففي الإتيان بلفظ "الأيدي" زوال الاحتمال، إذ لو قال: "يكتبون الكتاب" لجاز أن يأمروا بكتابته وأن يتولوا ذلك بأنفسهم لأن العرب تقول: "كَتَبْتُ إلى فلان"، وإنما أمر من كتبه له "وكتب السلطانُ كتاباً إلى عامله" ولم يكتبه بيده، وإنما أمر من كتبه له.
ففي ذكر "الأيدي رفع الاحتمال وبيان أنهم تولوا ذلك بأيديهم عن تعمد منهم.
وقال ابن عباس: "هذا، كما تقول: حملتُ إلى بلد كذا قمحاً، وإنما أمرت من حمله".
وقال تعالى في التابوت: ﴿تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾ [البقرة: ٢٤٨] وإنما حمل بأمر الملائكة، ولم تحمله الملائكة [بأنفسها ولا ظهرت] للقوم في ذلك الوقت. ومن هذا قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم﴾ [آل عمران: ١٦٧]. إنما أكد بذكر الأفواه لأن القول قد يترجم به عن الإشارة وعن الكتاب. تقول العرب: "قال الأمير كذا" للفظ سمعه من كتاب أمر بكتابته الأمير. وقريب منه قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] لأن اليمين تدل في كلام العرب على الشدة والقوة والبطش، فدل بذكر اليمين على شدة الضرب. ولو لم يذكر اليمين لجاز أن يكون ضرباً شديداً أو غير شديد فذكر اليمين يرفع الاحتمال ويدل على الشدة.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ومنه: ﴿وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
2:80Page 12
وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَةٗۚ قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدٗا فَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥٓۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨٠
And they say, "Never will the Fire touch us, except for [a few] numbered days." Say, "Have you taken a covenant with Allāh? For Allāh will never break His covenant. Or do you say about Allāh that which you do not know?"
وقوله: ﴿إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾.
أي قالوا: "لن نعذب إلا الأربعين ليلة التي عبدنا فيها العجل ثم لا نعذب". قاله قتادة.
وقال السدي: "قالوا: نمكث في النار أربعين ليلة حتى إذا أكلت النار خطايانا واستنقينا، نادى مناد: أخرجوا كل مختون من بني إسرائيل، ولذلك أمرنا أن نختتن".
وقال أبو العالية: "قالت اليهود: أقسم ربنا ليعذبنا أربعين ليلة ثم يخرجنا، فأكذبهم الله".
وقال ابن عباس: "قالت اليهود: وجدنا في التوراة أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، فإنما نعذب حتى ننتهي إليها".
وروى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس "أن اليهود قالت: إنما عُمْر الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الناس يوم القيامة سبعة أيام، لكل ألف سنة يوم". ولم يُحَدِّدْ الله تعالى الأيام لأنها عندهم معلومة على قولهم، فترك ذكر عددها وبيانه لما تقدم عندهم.
* *
قوله: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً﴾.
أي: هل تقدم لكم عند الله ميثاق وعهد بهذا التحديد الذي قد حددتم، فإن الله لا يخلف وعده، فأتوا بما تدعون، أم قلتم ما قلتم تخرصاً وكذباً. هذا تأويل أكثر الناس.
وروى الضحاك عن ابن عباس: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً﴾. أي: هل قلتم لا إله إلا الله لم تشركوا ولم تكفروا ولم تبدلوا ولم تغيروا، فيكون ذلك ذخراً لكم عند الله ولا يخلف الله وعده لمن يفعل ذلك. أو قلتم ذلك تخرصاً وإفكاً، ولم يتقدم لكم إيمان تدخرونه عند الله فيوفي لكم به".
وروى ابن أبي فروة أن النبي [ﷺ] قال [لناس من اليهود]: مَن أصْحَابُ النَّارِ غَداً؟ قالوا: نَحْنُ، سَبْعَةُ أيَّامٍ، ثُمَّ تَخْلِفُونَنَا فِيهَا، فَنَزَلَ: ﴿وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ﴾ إلى ﴿خَالِدُونَ﴾، من حديث ابن وهب.
* *
وقوله: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ﴾.
وزنه "افتعلتم" فيجوز أن يكون من "تخذ يتخذ"، ويجوز أن يكون من "أخذ"، وأصله "ايتخذتم" ثم أبدل من الياء تاء وأدغمت في الأخرى، وإنما فعل ذلك لاستثقال الياء بعد كسرة الهمزة.
وقيل: فعل ذلك لما يلزم من تغيير الياء وكونها ألفاً في المستقبل في "يأتخذ" وكونها واواً في المفتعل تقول: "موتخذ" فأبدلوا من الياء حرفاً جلداً لا يتغير في جميع الأحوال، وكانت التاء أولى بذلك، لأنها قد تبدل من الواو، فالواو أخت التاء.
وقيل: كانت أولى لأن بعدها تاء فأبدلت للتجانس وليصح الإدغام، والمدغم أخف من المظهر.
2:81Page 12
بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَيِّئَةٗ وَأَحَٰطَتۡ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٨١
Yes, [on the contrary], whoever earns evil and his sin has encompassed him - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
قوله: ﴿بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ الآية.
أي: من عمل بمثل ما عملتم، وكفر بمثل ما كفرتم وقال ما قلتم، ﴿فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ﴾ قاله ابن عباس.
وقال مجاهد وقتادة: "السيئة هنا الشرك". وهو قول ابن جريج وعطاء والربيع.
وقد قال الله: ﴿وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ﴾ [النمل: ٩٠]. وهي الشرك بلا اختلاف في ذلك.
وقال الربيع بن خثيم: (وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ): مات على كفره".
وعنه: "مات على معصيته".
وقال السدي: "هي الذنوب". أي الكبائر.
والأول أولى لأن الله لم يتوعد في النار بالتخليد إلا أهل الشرك.
وقال النبي [عليه السلام]: "أهْلُ الإيمَانِ لاَ يُخَلَّدُونَ في النَّارِ، وَيُخَلَّدُ الكُفَّارُ
و "خَطِيئاتُهُ": الذنوب، أي مات ولم يتب منها ولا أسلم.
وقال ابن عباس: "أحاطت الخطيئة هو أن يحبط ما له من حسنة بكفره".
وقال قتادة: "الخطيئة هنا الكبيرة الموجبة للنار".
وقال عطاء: "الخطيئة الشرك".
وهذا القول يدل على أن السيئة الذنوب، فيصح أن يتوعد الله مَن أذنب الكبائر أو الصغائر ثم أضاف إلى ذلك الشركِ ، وهي الخطيئة بالتخليد في النار. ومن قرأ ﴿خَطِيـۤئَتُهُ﴾ بالجمع فهي الكبائر بلا اختلاف، والسيئة الشرك. وهذا الخطاب لليهود مرتبط بما قبله.
2:82Page 12
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٨٢
But they who believe and do righteous deeds - those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.
قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾ الآية.
أي: آمنوا بمحمد ﷺ وعملوا بما جاء به، فهي عامة في جميع أمة محمد ﷺ. قاله ابن عباس وغيره.
وقال ابن زيد: هي خاصة في محمد عليه السلام وأصحابه.
2:83Page 12
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ ٨٣
And [recall] when We took the covenant from the Children of Israel, [enjoining upon them], "Do not worship except Allāh; and to parents do good and to relatives, orphans, and the needy. And speak to people good [words] and establish prayer and give zakāh." Then you turned away, except a few of you, and you were refusing.
قوله: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾.
مَن قرأه بالضم، فمعناه عند الزجاج قولاً ذا حسن.
وقال الأخفش: "الضم والفتح بمعنى واحد بمنزلة البُخْلُ والبَخَلُ والسُّقْمُ والسَّقَمُ".
وقيل: إن مَن قرأ بالفتح فهو نعت لمصدر محذوف. واستقبح المبرد: "مَرَرْتُ بِحَسَنٍ" على إقامة الصفة مقام الموصوف. وقد جاء هذا في القرآن بإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [فصلت: ١٠]، ولم يقل: جِبَالاً رَوَاسِيَ. وقال: ﴿أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١]، ولم يقل: "دُرُوعاً سَابِغاتٍ".
واختار بعض المتعقبين الضم لأن "الحُسْنَ" الاسم الذي يحوي ما تحته ويعمه، و "الحَسَنُ" إنما هو الشيء الحَسَنُ لا يعم غير ما هو نعت له، والعموم أكمل في المعنى هنا، لأنها وصية بالخير. فَفِعلُه كله، والأمر به أولى مِن فِعل بعضه، والأمر ببعضه دون بعض.
وحكى الأخفش: "حُسْنَى"، بغير تنوين. وهو لحن لا يجوز لأنه لا يقال إلا بالألف واللام.
* *
وقوله: ﴿وَبِٱلْوَالِدَيْنِ﴾.
معطوف على المعنى لأن المعنى: "بأن لا تعبدون" ثم حذفت "أن" مع الحرف، ودل على ذلك إعادة الباء فيما بعده. وهذا الميثاق هو الذي أخذ عليهم إذ أخرجهم كالذر.
واليُتْم في الناس من قبل الأب، وفي البهائم من قبل الأم، قاله الأصمعي.
﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ﴾: معطوف على المعنى في ﴿لاَ تَعْبُدُونَ﴾، فلذلك أتى بلفظ الأمر لأن صدر الكلام مبني على النهي.
ومعنى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾: "مروهم بقول لا إله إلا الله". رواه الضحاك عن ابن عباس.
وقال ابن جريج: "معناه: قولوا صدقاً في أمر محمد ﷺ.
وقال سفيان الثوري: "مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر".
وقال قتادة وغيره: "قولوا لهم حسناً من القول".
وقال أبو عبيدة: "قولوا حسناً من القول للمسلم والكافر".
وقال قتادة: "هي منسوخة بآية السيف".
ولا يجوز أن تكون منسوخة إلا على قول مَن قال: إن المعنى: قولوا للجميع حُسْناً من القول. وباقي الأقوال لا يمكن أن تكون فيه منسوخة لأن الأمر بالمعروف لا ينسخ ، والأمر بإظهار الصدق في النبي عليه السلام لا ينسخ.
* *
قوله: ﴿آتُواْ ٱلزَّكَاةَ﴾.
هي زكاة كانت عليهم تأكلها نار من السماءِ ومن لم تأكل النار زكاته فهو غير مقبول.
* *
قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ﴾.
قال ابن عباس: "أعرضوا عما جاء به محمد ﷺ من الفروض إلا قليلاً منهم". وهو خطاب لمن بحضرة رسول الله [عليه السلام].
وقيل: هو إخبار عن أسلافهم، فمعناه: ثم تولى أسلافكم إلا قليلاً منهم، وأنتم الآن معرضون خطاب لمن بالحضرة أي: وأنتم مثل أولئك الذين تولوا من أسلافكم. ودل على هذا التاويل ما بعده من ذكر سفك الدماء أنه إخبار عن أسلافهم ومخاطبة لمن بالحضرة، ولم يسفك من بالحضرة الدماء، ولا أخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، إنما ذلك فعل أسلافهم، فكون الكلام كله على سياق واحد أولى وأحسن.
2:84–85Page 13
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ ٨٤
And [recall] when We took your covenant, [saying], "Do not shed your [i.e., each other's] blood or evict one another from your homes." Then you acknowledged [this] while you were witnessing.
ثُمَّ أَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٨٥
Then, you are those [same ones who are] killing one another and evicting a party of your people from their homes, cooperating against them in sin and aggression. And if they come to you as captives, you ransom them, although their eviction was forbidden to you. So do you believe in part of the Scripture and disbelieve in part? Then what is the recompense for those who do that among you except disgrace in worldly life; and on the Day of Resurrection they will be sent back to the severest of punishment. And Allāh is not unaware of what you do.
ومعنى: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية أي يقتل بعضكم بعضاً، ويخرج بعضكم بعضاً.
﴿مِّن دِيَارِهِمْ﴾ يريد به أسلافهم.
وقيل: المعنى: لا تقتلوا فيجب عليكم القصاص فتُقتلوا فتكونوا سبباً لقتل أنفسكم. ولا تفسدوا فيجب عليكم النفي فتكونوا سبباً لإخراجكم من دياركم.
* *
قوله: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾.
أي: اعترفتم أن هذا قد أخذ عليكم.
ومعناه: أقَرَّ أوائلُكم بذلك. وأنتم يا هؤلاء تشهدون على إقرارهم لأن في [كتابكم أخذي للميثاق] عليهم فأنتم شهود.
وقيل: الخطاب من أوله لهم وهم المقرون، وذلك من بالحضرة من اليهود.
* *
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾.
لأوائلهم، وأوائلكم يشهدون بأخذي للميثاق عليهم ودل على ذلك قوله ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ﴾، فَوَبَّخَ من بالحضرة، وأشار إليهم بهاء التشبيه بعد أن مضى ذكر أسلافهم، ورجع إلى ذكرهم. ومخاطبتهم بقوله لهم: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ هو أنهم كانوا قد افترقوا فرقتين: فرقة مع الأوس وفرقة مع الخَزْرَجِ. فإذا جرى بين الأوس والخزرج قِتَال أعانت كل فرقة منهم أصحابهم، فيقتل بعضهم بعضاً، ويجلي بعضهم بعضاً في الحمية وهم في أيديهم التوراة يعرفون ما عليهم، وكانت الأوس والخزرج أهل شرك لا كتاب لهم يعبدون الأوثان، فإذا وضعت الحرب فَدَوْا أسراهم تصديقاً لما في التوراة، كل ذلك مظاهرة لأهل الشرك، فذلك قوله:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾، يستحلون دماء بعضهم بعضاً، فذلك كفرهم. ويتحَرجون أن يبقى الأسرى في أيديهم فيتفادوا؛ فذلك البعض الذي يؤمنون به، وكان فرض عليهم أن لا يستعبدوا أحداً من بني إسرائيل وفرض عليهم ألا يقتلوا أحداً، ولا يخرجوا أحداً من ديارهم، فحللوا القتل والإخراج، ولم يحلوا ترك الفداء والإخراج من الديار، ويؤمنون بالفداء وترك الاستعباد. يعني بذلك كله بني [قينقاع وأعدائهم قريظة وبني] النضير وكانت الخزرج حلفاء بني قينقاع، والأوس حلفاء قريظة والنضير. وكان بين الأوس والخزرج عداوات وحروب، وهم مشركون، وبين بني قينقاع وقريظة والنضير عداوات وحروب، فيعاون كل قوم حلفاءهم إذا تحاربوا.
* *
قوله: ﴿وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ﴾.
في موضع الحال، والأكثر أن يكون على "أَسْرى" كقراءة حمزة، كقتيل وقتلى، وجريح وجرحى.
ومن قال: ﴿أُسَارَىٰ﴾ شبهه بـ "سكارى"، كما قالوا "سكرى" على التشبيه "بأسرى"، فكل واحد مشبه بالآخر في بابه، ولم يُجِز أبو حاتم "أسارى".
وإنما يقال "فَعْلاَن" فيما كان آفة تدخل على العقل كما قال سيبويه.
والفتح في "سُكَارَى" الأصل، والضم داخل عليه كأنه لغة، ويقال أُسَرَاءُ كَظُرفَاءَ. وَفَرَّقَ أبو عمرو بين أَسْرَى وأُسَارَى:
فقال: "ما صار في أيديهم فهو أسارى كأنه آفة دخلت عليهم "كسَكْرَانَ"، وما أتى مستأسراً فهم الأسرى.
وواحد "الأسرى" و "الأسارى" أسير؛ بمعنى مأسور، كجريح وقتيل.
قوله: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ﴾.
هو راجع إلى الإخراج، دل عليه: "تَخْرُجونَ".
وقيل: هو مجهول كناية عن الأمر أو الشأن.
وقال بعض الكوفيين: "هو فاصلة"، وذلك لا يجوز لأن حذفها يخل بالكلام، والفاصلة يجوز حذفها.
* *
قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾.
كفرهم هو قتل بعضهم بعضاً ومعاونة الأوس والخزرج لهم، وهم يعلمون أن ذلك محرم عليهم. وإيمانهم هو أنهم افترض عليهم ألا يستعبدوا أحداً من بني إسرائيل وأن يفدوهم. وكانوا إذا فرغوا من الحرب فدوا من أسر منهم بعضهم [من بعض].
* *
قوله: ﴿إِلاَّ خِزْيٌ﴾.
هو أخذ الجزية عن يد.
وقيل: هو أخذ القاتل بمن قتل.
وقيل: هو إجلاء رسول الله [عليه السلام] بني النضير عن ديارهم لأول الحشر إلى الشام.
وقيل: هو قتل مقاتلة قريظة وسبي ذراريهم.
وأصل الخزي الذل والصغار.
وروي أن بني قينقاع من اليهود كانوا أعداء قريظة والنضير من اليهود، وكانت الأوس حلفاء بني قينقاع، والخزرج حلفاء قريظة والنضير. وقريظة والنضير كانا أخوين من أهل الكتاب، والأوس والخزرج أخوان افترقا، وافترق أيضاً قريظة والنضير. فكانت النضير مع الخزرج وقريظة مع الأوس، فإذا اقتتل الأوس والخزرج [أعانت النضير الخزرج وقريظة الأوس]، فقتل بعضهم بعضاً فعيرهم الله بذلك.
2:86Page 13
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٨٦
Those are the ones who have bought the life of this world [in exchange] for the Hereafter, so the punishment will not be lightened for them, nor will they be aided.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences