Makki ibn Abi TalibTaha · 20:22–53

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

Taha 20:22–53

20:22–35Page 313

وَٱضۡمُمۡ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٍ ءَايَةً أُخۡرَىٰ ٢٢

And draw in your hand to your side; it will come out white without disease - another sign,

لِنُرِيَكَ مِنۡ ءَايَٰتِنَا ٱلۡكُبۡرَى ٢٣

That We may show you [some] of Our greater signs.

ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٢٤

Go to Pharaoh. Indeed, he has transgressed [i.e., tyrannized]."

قَالَ رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِي صَدۡرِي ٢٥

[Moses] said, "My Lord, expand [i.e., relax] for me my breast [with assurance]

وَيَسِّرۡ لِيٓ أَمۡرِي ٢٦

And ease for me my task

وَٱحۡلُلۡ عُقۡدَةٗ مِّن لِّسَانِي ٢٧

And untie the knot from my tongue

يَفۡقَهُواْ قَوۡلِي ٢٨

That they may understand my speech.

وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي ٢٩

And appoint for me a minister [i.e., assistant] from my family -

هَٰرُونَ أَخِي ٣٠

Aaron, my brother.

ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي ٣١

Increase through him my strength

وَأَشۡرِكۡهُ فِيٓ أَمۡرِي ٣٢

And let him share my task

كَيۡ نُسَبِّحَكَ كَثِيرٗا ٣٣

That we may exalt You much

وَنَذۡكُرَكَ كَثِيرًا ٣٤

And remember You much.

إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرٗا ٣٥

Indeed, You are of us ever Seeing."

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾.

المعنى: واضمم يا موسى يدك، فضعها تحت عضدك.

وقال مجاهد: "إلى جناحك" كفه في عضده.

يقال لآخر العضد، إلى مبتدأ الإبط جناح.

وقيل: أمر أن يدخل يده في ثيابه مما يلي صدره وعضده، ففعل، ثم أخرجها بيضاء لها شعاع ونور.

وقال أبو عبيدة: "إلى جناحك" إلى ناحية جنبك. والجناحان الناحيتان.

وقيل: "إلى جناحك" إلى صدرك، ففعل، فخرجت يده نوراً ساطعاً تضيء بالليل كضوء الشمس والقمر، فهي له آية أخرى مع العصا. أي: علامة على قدرة الله وصحة نبوته.

ومعنى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ﴾ من غير برص.

وقال مجاهد: كان موسى رجلاً آدم، فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء من غير سوء أي من غير برص مثل الثلج، ثم ردها فخرجت كما كانت على لونه.

* *

وقوله: ﴿آيَةً أُخْرَىٰ﴾ أي: دلالة أخرى على العصا.

وقوله: "بيضاء" نصب على الحال. "وآية" بدل من بيضاء عند الأخفش.

وقال الزجاج: هي نصب بإضمار فعل تقديره "آتيناك آية أخرى".

وقيل: "آية" حال أيضاً، لأنه بمعنى مبينة.

* *

ثم قال تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ﴾.

أي: لنريك من آياتنا العجائب.

* *

ثم قال: ﴿ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾.

أي: تجاوز قدره، وتمرد على ربه. وفي الكلام حذف. والتقدير: اذهب إلى فرعون إنه طغى فادعه إلى توحيد الله وطاعته، وإرسال بني إسرائيل معك.

* *

وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾. أي: افسح لي صدري لأعي عنك ما تودعه من وحيك، وأجترئ به على خطاب فرعون.

* *

﴿وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي﴾.

أي: سهّل عليّ القيام بما كلفتني من الرسالة والطاعة.

* *

﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي﴾.

أي: واطلق لساني للمنطق.

قيل: كانت في لسانه عجمة عن الكلام من أجل الجمرة التي كان ألقاها إلى فيه يوم همّ فرعون بقتله.

قال ابن جبير: "عقدة من لساني" عجمة بجمرة نار أدخلها في فيه عن أمر امرأة فرعون، ترد به عنه عقوبة فرعون حين أخذ موسى بلحيته، وهو لا يعقل. فقال فرعون: هذا عدو لي فقالت له امرأته: إنه لا يعقل. وكذلك قال مجاهد.

وقال السدي: لما تحرك الغلام - يعني موسى ﷺ - أرته أمه آسية. فبينما هي ترضعه وتلعب به، إذ ناولته فرعون وقالت: خذه. فلما أخذه، أخذ موسى بلحيته فنتفها. فقال فرعون: علي بالذباحين. فقالت آسية: لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً. إنما هو صبي لا يعقل، وإنما صنع هذا من صباه، وقد علمت أنه ليس في أهل مصر أحلى مني. أنا أضع له حلياً من الياقوت وأضع له جمراً. فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه، وإن أخذ الجمرة فإنما هو صبي, فأخرجت له ياقوتاً ووضعت له طستاً من جمر، فجاء جبريل عليه السلام فطرح في يده جمرة، فطرحها موسى ﷺ في فيه فأحرقت لسانه. فهو الذي يقول الله ﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾ أي يفهموا عني ما أقول لهم، وأبلغهم عنك. ففعل الله به ما سأل.

وقيل: إنه إنما زال بعض ما كان في لسانه من الحبسة ولم يزل كله بدلالة قول فرعون ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] وقد يجوز أن يكون كان هذا قبل أن يزيل الله ما كان به، ثم أزاله كله بعد ذلك. والله أعلم.

وقوله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ﴾ [طه: ٣٦].

يدل على أنه أزال عنه كل ما سأل، وأعطاه كل ما سأل.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي﴾ ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ .

وكان هارون أكبر من موسى.

والوزير هو الذي يلجأ إليه في الأمور. مشتق من الوزر، وهو الملجأ. والجبل وَزَرْ.

وقيل: "الوزير" الذي يتقلد خزائن الملك وأمتعته. فيكون مشتقاً من الوزار، وهي الأمتعة، ومنه قوله ﴿وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ﴾ أي: آنية الفضة والذهب.

وقيل: "الوزير": الذي يتحمل أثقال الملك، ومنه قيل للذنب: وزره، فمعنى: ﴿وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً﴾ أي: صاحباً ألجأ إليه وأعتمد عليه.

* *

وقوله: ﴿ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾.

أي: ظهري: وقيل للظهر أزر، لأنه محل الأوزار.

* *

وقوله: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي﴾.

أي: اجعله نبياً مثلي، وأرسله إلى فرعون معي. هذا على قراءة من جعله كله طلباً بفتح همزة "وأشركه"، فأما من جعله جواباً للطلب، وضم الهمزة، فمعناه: أن يجعل لي وزيراً أشدد أنا به ظهري وأشركه أنا في أمري.

* *

ثم قال: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾ أي: نعظمك بالتسبيح. ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾، فنحمدك. ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾ أي: كنت بنا ذا بصر منا، لا يخفى عليك من أفعالنا شيء.

وقيل: المعنى: إنك كنت عالماً بما يصلحنا.

وروى زيد بن أسلم أن نبي الله ﷺ موسى قال: يا رب، قد أنعمت عليّ كثيراً، فدلني على أن أشكرك. قال: اذكرني كثيراً فإنك إذا ذكرتني فقد شكرتني. وإذا نسيتني فقد كفرتني. قال: لي مواطن ينبغي أن أذكرك فيها. قال: اذكرني كثيراً. قال: فكان موسى عليه السلام إذا دخل الغائط، قال: سبحانك ربي كما توقني الأذى. من رواية ابن وهب.

20:36–44Page 313

قَالَ قَدۡ أُوتِيتَ سُؤۡلَكَ يَٰمُوسَىٰ ٣٦

[Allāh] said, "You have been granted your request, O Moses.

وَلَقَدۡ مَنَنَّا عَلَيۡكَ مَرَّةً أُخۡرَىٰٓ ٣٧

And We had already conferred favor upon you another time,

إِذۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ ٣٨

When We inspired to your mother what We inspired,

أَنِ ٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأۡخُذۡهُ عَدُوّٞ لِّي وَعَدُوّٞ لَّهُۥۚ وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةٗ مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ ٣٩

[Saying], 'Cast him into the chest and cast it into the river, and the river will throw it onto the bank; there will take him an enemy to Me and an enemy to him.' And I bestowed upon you love from Me1 that you would be brought up under My eye [i.e., observation and care].

إِذۡ تَمۡشِيٓ أُخۡتُكَ فَتَقُولُ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ مَن يَكۡفُلُهُۥۖ فَرَجَعۡنَٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَۚ وَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا فَنَجَّيۡنَٰكَ مِنَ ٱلۡغَمِّ وَفَتَنَّٰكَ فُتُونٗاۚ فَلَبِثۡتَ سِنِينَ فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرٖ يَٰمُوسَىٰ ٤٠

[And We favored you] when your sister went and said, 'Shall I direct you to someone who will be responsible for him?' So We restored you to your mother that she might be content and not grieve. And you killed someone,1 but We saved you from retaliation and tried you with a [severe] trial. And you remained [some] years among the people of Madyan. Then you came [here] at the decreed time, O Moses.

وَٱصۡطَنَعۡتُكَ لِنَفۡسِي ٤١

And I produced you for Myself.1

ٱذۡهَبۡ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَٰتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكۡرِي ٤٢

Go, you and your brother, with My signs and do not slacken in My remembrance.

ٱذۡهَبَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٤٣

Go, both of you, to Pharaoh. Indeed, he has transgressed.

فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ ٤٤

And speak to him with gentle speech that perhaps he may be reminded or fear [Allāh]."

قوله تعالى وجلّ ثناؤه: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ﴾ إلى قوله ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾.

أي: قد أعطيتك ما سألت من شرح صدرك وتيسير أمرك، وحل العقدة من لسانك، وتصيير أخيك هارون عوناً لك.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ﴾.

أي: تطولنا عليك قبل هذه المرة مرة أخرى، ثم بيَّن المرة الأخرى ما هي فقال: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ﴾ أي: إذا ألهمنا أمك.

وقيل: كانت رؤيا رأتها.

وقيل: بل أوحى إليها ما شاء.

وقال ابن إسحاق: لما ولدت أم موسى موسى ﷺ، أرضعته حتى إذا أمر فرعون بقتل من ولد سنته تلك، عمدت إليه، فصنعت به ما أمرها الله تبارك وتعالى.

روي أنها رؤيا رأتها، ففعلت ما أمرت به في رؤياها. وكان فرعون يذبح ذكور أولاد بني إسرائيل لأجل أنه بلغه أنه سيكون زوال ملكه وهلاكه على يدي واحد من أولاد بني إسرائيل فخافت أم موسى من فرعون على ولدها. فأراها الله ما أمرها به في منامها، فجعلته في تابوت صغير، ومهدت له فيه، ثم عمدت إلى النيل فقذفته فيه، وهو اليم، فأصبح فرعون في مجلس له كان يجلسه على شفير النيل كل غداة، فبينما هو جالس، إذ مرّ النيل بالتابوت فقذف به، وآسية بنت مزاحم امرأته جالسة إلى جنبه. فقال: إن هذا لشيء [عجيب] في البحر، فآتوني به، فخرج إليه أعوانه حتى جاءوا به ففتح التابوت، فإذا فيه صبي في مهد، فألقى الله عز وجل عليه محبته فعطف عليه نفسه. فهو قوله: ﴿أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾. يعني فرعون.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾. أي: حببتك إلى عبادي.

وقال عكرمة معناه: إني حسنت خلقك، أي: جعلت لك حسناً وملاحة.

وقيل معناه: حببتك إلى [كلِّ] من رآك.

وقيل: إن الله جلّ ذكره جعل في موسى عليه السلام ملاحة، فكان لا يراه أحد إلا أحبه واستحلاه ومال قلبه إليه.

وذكر ابن الإعرابي عن قتادة في قوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾. قال: ملاحة في عينيك، لا يراك أحد إلا أحبك.

وعن عكرمة أنه قال: حسن وملاحة.

وقيل معناه: جبلت القلوب على محبتك، اختصاصاً لك.

وقال مجاهد: مودة في قلوب المؤمنين.

* *

ثم قال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ﴾ أي: ولتغذى على عيني، قاله قتادة.

وقال ابن زيد: معناه: إني جعلتك في بيت الملك تنعم وتترف غذاؤه عندهم غذاء الملك.

وقال ابن زيد. معناه: وأنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت ثم في البحر ثم إذ تمشي أختك.

و "اللام" في "ولتصنع" متعلقة بـ "ألقيت" أي: ألقى المحبة لتصنع.

ثم قال: ﴿إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ﴾.

أي: ولتصنع على عيني حين تمشي أختك.

وفي الكلام حذف. والتقدير: إذ تمشي أختك تتبعك حتى وجدتك ثم يأتي من يطلب المراضع لك فتقول: هل أدلكم على من يكفله؟

قال السدي: لما ألقته أمه في اليم، قالت لأخته: قصيه، فلما التقطه آل فرعون، أرادوا له المرضعات، فلم يقبل أحداً من النساء، وجعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع، وأبى أن يأخذه فقالت أخته: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها وقالوا لها: إنك قد عرفت هذا الغلام، فدلينا على أهله.

قالت: ما أعرفه ولكني إنما قلت: هم للملك ناصحون.

ومعنى: يكفله: يضمه إليه ويرضعه.

ورويَ أن موسى عليه السلام لما خرج من التابوت بكى وطلب اللبن فطلب له النساء، فلم يقبل أحداً، فشق ذلك على فرعون، واغتم له، وقلق، وجعل يبعث إلى كل مرضعة، ولم يقبل أحداً، فعند ذلك، جاءت أخت موسى ﷺ، فقالت: هل أدلكم على من يرضعه؟ فقيل لها: هاتها، فجاءت بأم موسى، فقبل ثديها، فطابت نفس فرعون ومضت به معها، آمنة عليه مما كانت تخافه، وذلك وعد الله لها، وقوله لها: ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ﴾ وهو قوله: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ أي رددناك إلى أمك بعد أن كنت في أيدي آل فرعون كي تقرّ عينها، أي: تقرّ عينها بسلامتك من القتل والغرق، ولا تحزن عليك من الخوف ومن فرعون أن يقتلك.

قال ابن إسحاق: لما قالت أخت موسى ما قالت، قالوا: هاته، فأتت أمه فأخبرتها، فانطلقت معها حتى أتتهم فناولتها إياه فوضعه في حجرها، وأخذ ثدييها، فسّروا بذلك، وردّوه إلى أمه تكفله، لطفاً من الله لها، وصار موسى وأمه كأنهم من أهل بيت فرعون في الأمان من القتل وغيره. وكان على فراش فرعون وسريره متغذياً بما يتغذى به الملك. وهذا من بديع لطفه، لا إله إلا هو.

ويروى عن ابن عباس أنه قرأ: (تقِرِ) بكسر القاف، وهي لغة.

* *

ثم قال: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾.

يعني: قتله القبطي إذ استغاثه عليه الإسرائيلي: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾ أي: من غمّك بقتلك النفس إذا أرادوا أن يقتلوك. فخلصناك منهم حين هربت إلى أهل مدين.

روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ

ثم قال: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ قال ابن عباس: معناه: اختبرناك اختباراً. وعنه ابتليناك ابتلاء.

وعن ابن عباس أيضاً: أنه إنجاؤه موسى من القوم. ومن اليم ومن الذبح حين أخذ بلحية فرعون، ومن القتل حين قتل القبطي.

وذكر ابن جبير عن ابن عباس حديثاً طويلاً في قصة موسى عليه السلام معناه: أن فرعون تذاكر هو وجلساؤه، ما وعد الله إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فخافوا ذلك فأتمروا بينهم أن يذبح كل مولود ذكر من بني إسرائيل، فذبحوا كل من وجدوا، وتمادوا على ذلك، فقال بعضهم: يوشك أن يفنى بنو إسرائيل لذبحكم الصغار وموت الكبار بآجالهم فتبقون لمباشرة الأعمال والخدمة التي تكفيهم إياها بنو إسرائيل، فأجمعوا رأيهم على أن يقتلوا عاماً ويتركوا عاماً لئلا يفنى بنو إسرائيل، ولئلا يكثروا، فحملت أم موسى هارون في السنة التي لا يذبح فيها أحد فولدته علانية آمنة. وحملت بموسى في العام الثاني، وفيه الذبح، فوقع في قلبها الهم والحزن. قال ابن عباس: فذلك من الفتون مما دخل على موسى في بطن أمه. فأوحى الله تعالى ذكره إليها ألاّ تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين. وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت، ثم تلقيه في اليم، ففعلت ذلك، ثم أتاها إبليس، فوسوس إليها، وقال: لو ذبح ولدك في بيتك لكنت توارينه وتسترينه كان أحب إليك مما ألقيته بيدك إلى حيتان البحر ودوابه، فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري آل فرعون، فرأينه، فأخذنه، فهممن بفتح التابوت ثم خفن أن يكون في التابوت مال فلا يصدقن عليه ، فمررن به على حاله إلى امرأة فرعون، ففتحت التابوت، فإذا بغلام، فألقى الله عليه منها محبة لم يلق مثلها على أحد، وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى، فأتى الذباحون إلى امرأة فرعون ليذبحوه، فصرفتهم حتى تستوهبه من فرعون، فوهبها فرعون إياه، ومنعهم من ذلك. وذلك من الفتون.

وذكر ابن عباس، أنها لما أتت به إلى فرعون قالت: قرة عين لي ولك. قال فرعون: يكون لك، وأما أنا فلا حاجة لي فيه. فروي عن النبي ﷺ أنه قال: والذي حلف به، لو أقرّ فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت هي به لهداه الله به كما هدى به امرأته. ولكن الله تعالى حرمه ذلك

وروي أن امرأة فرعون كان لها جوار لا تشرب الماء إلا من استقائهن، فأتين يوماً إلى ساحل النيل ليأخذن الماء، فوجدن التابوت، فاتفقن على أن لا يفتحن التابوت، وأن يمضين به إلى مولاتهن على حاله، فذهبن به إلى امرأة فرعون ففتحته، فوجدت فيه صبياً لم تر مثله قط، فألقى الله في قلبها المحبة له، فأخذته ودخلت به على فرعون، وقالت له: قرة عين لي ولك فقال فرعون: أما لك فنعم، وأما لي، فلا.

قال النبي ﷺ: لو قال فرعون نعم هو قرة عين لي لآمن

فقالت له: فهبه لي، لا تقتله. فوهبه لها، فطلبت له المراضع فلم يقبل على ثدي امرأة، وكان من أمره ما قص الله علينا.

قال ابن عباس في حديث طويل معناه: أن امرأة فرعون طلبت له الرضاعة، فلم يقبل على ثدي أحد فغمّها ذلك حتى أخرجته إلى السوق تطلب له مرضعة، فأتت أخته فقالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها وقالوا: ما نصحهم له؟ هل تعرفونه، فشكوا في ذلك.

قال ابن عباس: وذلك من الفتون. فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في القرب من فرعون ورجاء منفعته، فتركوها، فانطلقت إلى أمه، فجاءت معها، فلما وضعته في حجرها ترامى إلى ثديها حتى امتلأ جنباه، وانطلقت البشرى إلى امرأة فرعون أن قد وجدنا لابنك مرضعة فوجهت وراءها، وجيء بها وبه فقالت لها: امكثي عندي ترضعين ابني هذا، فإني لم أحب حبه شيئاً قط، فأبت أم موسى وتعاسرت عليها في القيام عندها، وتذكرت ما وعدها الله من رده عليها، وأن الله منجز وعده، بابنها إلى بيتها من يومها، فأنبته الله نباتاً حسناً، فكان بنو إسرائيل يمتنعون من الظلم والسخرة بذمام موسى، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أرني ولدي، فوعدتها بالإتيان به ليوم بعينه، فقالت امرأة فرعون لخواصها وقهارمتها: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني بهدية وكرامة، فلما أتت به أمه، لم تزل الهدية والكرامة والتحف تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فأكرمته هي أيضاً ونحلته وأعجبها ما رأت من حسن أثرها عليه، وانطلقت به إلى فرعون ليكرمه وينحله، فدخلت به عليه، وجعلته في حجره فتناول موسى لحية فرعون حتى مدها، فقال عدو من أعداء الله لفرعون: هذا من وعد الله إبراهيم أنه سيصرعك ويعلوك فأراد ذبحه. قال ابن عباس: وذلك من الفتون. فقالت امرأته: قد وهبته لي فما بدا لك منه. قال: ألا ترينه يزعم أنه سيصرعني ويعلوني. فقالت: اجعل بيني وبينك أمراً تعرف به الحق. ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فقربهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين فهو يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين [فهو لا يعقل] ففعل ذلك، فتناول الجمرتين، فصرفه الله تعالى عن قتله، فأقام حتى بلغ مبلغ الرجال، وانتفع به بنو إسرائيل وامتنعوا به من السخرة والظلم. فبينما هو يمشي في ناحية من المدينة إذ هو برجلين يقتتلان، أحدهما من آل فرعون، والآخر من بني إسرائيل، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني. وقد ضرب الفرعوني الإسرائيلي، فغضب موسى واشتد غضبه لمعرفته لمنزلة الإسرائيلي وظلم الفرعوني له، فوكز موسى الفرعوني فقتله. ولم يرهما أحد إلا الله، فقال موسى ﷺ حين قتله: هذا من عمل الشيطان، ثم استغفر الله من قتله، فغفر له. وأصبح موسى خائفاً يستمع الأخبار، فبحث القوم عن قاتل الفرعوني فما وجدوا أحداً يخبر به. فمر موسى بذلك الإسرائيلي يقاتل رجلاً آخر فرعونياً، فاستغاثه أيضاً الإسرائيلي، فقال موسى للإسرائيلي: إنك لغوي مبين. ثم مد يده للفرعوني ليبطش به، فظن الإسرائيلي أنه إياه يريد، لما سمعه قال: إنك لغوي مبين. فقال: يا موسى، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس، فانطلق الفرعوني إلى قومه، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي، فخرجوا في طلب موسى. وجاءه رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر طريقاً حتى سبقهم، فأنذر موسى، قال ابن عباس: وذلك من الفتون.

وقال الضحاك: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾: أي: بلاء على بلاء.

وقال مجاهد: هو إلقاؤه في التابوت، ثم في اليم، ثم التقاط فرعون إياه، ثم خروجه خائفاً.

قوله تعالى ذكره: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ إلى قوله: ﴿يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾.

في الكلام حذف واختصار. والتقدير: وفتناك فتوناً، فخرجت خائفاً إلى مدين، فلبثت سنين فيهم.

قال: عشر سنين، كان فيهم في خدمة أجرة مهر زوجته.

* *

وقوله: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ﴾.

أي: جئت للوقت الذي أردنا إرسالك إلى فرعون فيه. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم.

* *

ثم قال: ﴿وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾.

أي: قويتك لتبلغ عبادي أمري ونهيي.

وقيل معناه: أخبرتك لتبلغ رسالتي.

* *

ثم قال: ﴿ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾.

أي: اذهبا بأدلتي وحججي ولا تفترا ولا تضعفا في أن تذكراني فيما أمرتكما ونهيتكما، فذكركما إياي يقوي عزيمتكما.

قال ابن عباس: "لا تنيا": لا تبطئا.

وقال مجاهد وقتادة والضحاك: لا تضعفا.

وقال ابن زيد: الوافي: الغافل المفرط.

* *

ثم قال: ﴿ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾.

أي: تجاوز في الكفر. ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً﴾. أي: كنياه. قاله مجاهد والسدي.

وعن السدي أنه قال: قال له موسى عليه السلام: هل لك أن يرد الله عليك شبابك، ويرد عليك مناكحك ومشاربك، وإذا مت دخلت الجنة؟ وتؤمن. فهذا هو القول اللين. فركن فرعون إليه وقال: مكانك حتى يأتي هامان.

وقيل: إن فرعون دخل إلى آسية فشاورها فيما قال له موسى. فقالت: ما ينبغي لأحد أن يرد هذا. فقال له هامان: أَتَعبْدُ بعدَما كنُتَ تُعْبَدْ، أنا أردك شاباً. فخضب لحيته بالسواد. فكان فرعون أول من خضب بالسواد. ودخل إلى آسية فقالت له: حسن إن لم ينصل.

وقيل: إن موسى عليه السلام قال له: إن ربنا أرسلنا إليك لتؤمن به وتعبده وتطيعه، فينسئ في أجلك أربع مائة سنة، ويملكك في أرضه ولا تبؤس ساعة من نهار، ثم تصير إلى الجنة، لا يضرك ما كنت فيه من نعيم الدنيا وسرورها ونضارتها جناح بعوضة. فقال فرعون: دعوني أستشير فاستشار هامان. فقال له: لا ترض. أبعد أن كنت مالكاً تصير مملوكاً. وبعد أن كنت رباً تصير مربوباً. فلم يؤمن لما سبق له في علم الله من الشقاء.

* *

وقوله: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾. قيل: معنى "لعل" هنا الاستفهام. والمعنى: فقولاً له قولاً لينا، فانظرا هل يتذكر فيراجع، أو يخشى الله فيرتدع عن طغيانه. قاله: ابن عباس.

وقيل: معنى "لعل" هنا: كي. أي: قولا له قولاً ليناً كي يتذكر. كما تقول: اعمل لعلك تأخذ أجرك. أي: كي تأخذ أجرك.

وقال الحسن: "لعله يتذكر" هو إخبار من الله عن قول هارون، وذلك أنه تعالى لما قال له: قولا له قولاً ليناً. قال هارون لموسى: لعله يتذكر أو يخشى.

وقيل: إن "لعل" على بابها، ترج وطمع من المرسلين. والتقدير عند سيبويه: اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما ومبلغكما من العلم أن يتذكر، وقد علم الله تعالى أنه لا يتذكر ولا يخشى إلا أن الحجة لا تجب إلا بالإبانة وخروج الفعل إلى الظاهر.

وقيل: إن "لعل" و "عسى" في القرآن لم يقعا إلا وقد كانا. فتذكر فرعون وخشيته قد كانت حين أدركه الغرق.

20:45–53Page 314

قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفۡرُطَ عَلَيۡنَآ أَوۡ أَن يَطۡغَىٰ ٤٥

They said, "Our Lord, indeed we are afraid that he will hasten [punishment] against us or that he will transgress."

قَالَ لَا تَخَافَآۖ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ ٤٦

[Allāh] said, "Fear not. Indeed, I am with you both; I hear and I see.

فَأۡتِيَاهُ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبۡهُمۡۖ قَدۡ جِئۡنَٰكَ بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكَۖ وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلۡهُدَىٰٓ ٤٧

So go to him and say, 'Indeed, we are messengers of your Lord, so send with us the Children of Israel and do not torment them. We have come to you with a sign from your Lord. And peace1 will be upon he who follows the guidance.

إِنَّا قَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡنَآ أَنَّ ٱلۡعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ٤٨

Indeed, it has been revealed to us that the punishment will be upon whoever denies and turns away.'"

قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَٰمُوسَىٰ ٤٩

[Pharaoh] said, "So who is the Lord of you two, O Moses?"

قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ ٥٠

He said, "Our Lord is He who gave each thing its form and then guided [it]."

قَالَ فَمَا بَالُ ٱلۡقُرُونِ ٱلۡأُولَىٰ ٥١

[Pharaoh] said, "Then what is the case of the former generations?"

قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى ٥٢

[Moses] said, "The knowledge thereof is with my Lord in a record. My Lord neither errs nor forgets."

ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَسَلَكَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّن نَّبَاتٖ شَتَّىٰ ٥٣

[It is He] who has made for you the earth as a bed [spread out] and inserted therein for you roadways and sent down from the sky, rain and produced thereby categories of various plants.

قوله تعالى: ﴿قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ﴾. إلى قوله: ﴿خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾.

أي: قال موسى وهارون: يا ربنا إننا نخاف فرعون إن نحن دعوناه إلى ما أمرتنا به أن يفرط علينا بالعقوبة. أي يعجل علينا ويقدم علينا. وأصله من التقدم. ومنه حديث النبي ﷺ "أنا فرطكم على الحوض

ثم قال تعالى: ﴿لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾. أي: إنني أعينكما عليه وأبصركما. أسمع ما يجري بينكما وبينه، فألهمكما ما تجاوباه وأرى ما تفعلان ويفعل، فلا أخلي بينكما وبينه.

قال ابن جريج: "أسمع وأرى ما يحاوركما، فأوحي إليكما، فتجاوباه. ثم قال: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾.

أي: أرسلنا ربك إليك، يأمرك أن ترسل معنا بني إسرائيل، ولا تعذبهم بما تكلفهم من الأعمال الصعبة.

* *

﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾.

أي بمعجزة تدل على أنا أرسلنا إليك بذلك إن أنت لم تصدقنا فيما نقول أريناكها ﴿وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ﴾. أي: والسلامة لمن اتبع الهدى.

وليس السلام هنا تحية.

* *

ثم قال: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.

هذا متصل بما قبله. أي: فقولا لفرعون: إنا رسولا ربك، وقولا له: إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى. أي: إن عذاب الله الذي لا انقطاع له على من كذب برسله وكتبه، وتولى عن طاعته.

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ﴾.

هذا كلام فيه حذف واختصار. والتقدير: فأتياه [فقالا] له ما أمرهما به ربهما. فقال لهما فرعون: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ﴾ اكتفى بخطاب موسى من خطاب أخيه من آخر الكلام. وقد خاطبهما جميعاً قبل ذلك في قوله: "ربكما" وإنما جاز ذلك لأن الخطاب إنما يكون من واحد، فردّ الخطاب إلى واحد مثله. وقريب منه "نسيا حوتهما" ولم ينسه إلا فتى موسى وحده. دل على ذلك قوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ﴾.

* *

ثم قال تعالى: ﴿رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾. أي: قال موسى: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه. أي: جعل لك ذكر نظير خلقه من الإناث. ثم هداهم لموضع الوطء الذي فيه النماء والزيادة من الخلق. فهدى كل حي كيف يأتي الوطء فيكون التقدير: أعطى كل شيء مثل خلقه. ثم حذف المضاف.

قال ابن عباس. معناه: خلق لكل شيء زوجه ثم هداه لمنكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه ومولده. وكذلك قال السدي.

وقال الحسن: معناه: تمم لكل شيء خلقه، ثم هداه لما يصلحه.

القرون الماضية وكيف تبعث، فأجابه موسى بعلمها فقال: علمها عند ربي. ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ أي علمها في أم الكتاب و ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾. نعتان لكتاب. أي: في كتاب غير ضال الله، أي: غير ذاهب عن الله وغير ناس الله له.

وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: "في كتاب" ثم ابتدأ فقال: "لا يضل ربي" أي: لا يهلك.

وقيل: معنى الآية: لا يضل عن ربي علم شيء، ولا ينسى شيئاً.

وقال ابن عباس: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئاً.

وقال ابن عباس وقتادة: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئاً.

وقال قتادة: قوله: ﴿فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ﴾ أي فما أعمار القرون الأولى. فوكلها موسى إلى الله فقال: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾.

وقرأ الحسن وقتادة وعيسى وعاصم الجحدري: ﴿لاَّ يَضِلُّ﴾ بضم الياء وكسر الضاد. أي: لا يضيعه. يقال: ضل فلان منزله يضله إذا أخطأه. وكذلك يقال في كل شيء ثابت، لا يبرح فيخطئه. فإذا ضاع ما يزول بنفسه مثل: دابة، وناقة، وفرس مما ينفلت فيذهب بنفسه، فإنه يقال: أضل فلان بعيره يضله.

* *

ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً﴾.

أي: فراشاً يتمهدها الناس، ولم يجعلها خربة خشنة.

ومن قرأ "مهداً" فهو: مصدر وصفت الأرض به. أي: ذات مهد.

وقيل "مهداً" اسم وصفت الأرض به، لأن الناس يتمهدونها فهي لهم كالمهد الذي يعرف.

وقيل: هما لغتان، كاللبس واللباس، والريش والرياش.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ أي: طرقاً.

* *

ثم قال: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ أي: مطراً.

﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً﴾ خرج إلى الإخبار عن الله جلّ ذكره، لأن كلام موسى مع فرعون انتهى إلى قوله: "من السماء ماء". ثم أخبر الله تعالى عن نفسه بجميل صنعه لخلقه في معاشهم ومعاش أنعامهم فقال: "فأخرجنا به".

وقيل: كله من كلام موسى، أخبر موسى عن نفسه، ومن معه بالزراعة والمعالجة في الحرث. فالماء هو سبب خروج النبات وبه تم وكمل. والمعالجة في الحرث وغيره لبني آدم بعون الله لهم وأقداره إياهم على ذلك. فلذلك أخبر عن نفسه فقال: فأخرجنا به أزواجاً. وقد قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] فأضاف الحرث إلى الخلق، وهو الزارع المنبث للحرث لا إله إلا هو. أي: أخرجنا بالمطر من الأرض أشباهاً وضروباً من نبات شتى. "وشتى": نعت للنبات أو للأزواج. ومعناه: مختلفة الأطعمة والرائحة والمنظر.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском