Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:29–45
22:29–33Page 335
ثُمَّ لۡيَقۡضُواْ تَفَثَهُمۡ وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٢٩
Then let them end their untidiness and fulfill their vows and perform ṭawāf around the ancient House."
ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦۗ وَأُحِلَّتۡ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ وَٱجۡتَنِبُواْ قَوۡلَ ٱلزُّورِ ٣٠
That [has been commanded], and whoever honors the sacred ordinances of Allāh - it is best for him in the sight of his Lord. And permitted to you are the grazing livestock, except what is recited to you.1 So avoid the uncleanliness of idols and avoid false statement,
حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيۡرَ مُشۡرِكِينَ بِهِۦۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّيۡرُ أَوۡ تَهۡوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٖ سَحِيقٖ ٣١
Inclining [only] to Allāh, not associating [anything] with Him. And he who associates with Allāh - it is as though he had fallen from the sky and was snatched by the birds or the wind carried him down into a remote place.
ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ ٣٢
That [is so]. And whoever honors the symbols [i.e., rites] of Allāh - indeed, it is from the piety of hearts.
لَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٣٣
For you therein [i.e., the animals marked for sacrifice] are benefits for a specified term;1 then their place of sacrifice is at the ancient House.2
قوله تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾. إلى قوله: ﴿مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾ .
قال ابن عباس: التفث: الحلق والتقصير والرمي والذبح والأخذ من الشارب واللحية ونتف الإبط وقص الأظفار. وهو الخروج من الإحرام إلى الحل.
وقال ابن عمر: التفث: ما عليهم من الحج.
وعنه أيضاً: التفث: المناسك كلها.
وعن ابن عباس: التفث: حلق الرأس والأخذ من الشارب، ونتف الإبط وحلق العانة وقص الأظفار والأخذ من العارضين، ورمي الجمار، والموقف بعرفة والمزدلفة ومثله عن قتادة وابن جريج.
* *
وقوله: ﴿وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾ يعني: ما نذروا من البدن.
وقال مجاهد: هو نذر الحج والهدي وما نذره الإنسان من شيء يكون في الحج.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾.
يعني: بيت الله الذي هو مكة، سمي عتيقاً لأن الله أعتقه من الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه وهدمه، قاله: قتادة ومجاهد وابن أبي نجيح وهو مروي عن النبي عليه السلام.
وقال ابن جبير: إنما سمي بالعتيق لأنه أعتق من الغرق [في] زمان الطوفان.
وعن مجاهد: أنه إنما سمي عتيقاً لأنه لم يملكه أحد من الناس.
وقال ابن زيد: "سمي بذلك لقدمه، لأنه أول بيت وضع للناس، بناه آدم، وهو أول من بناه، ثم بوأ الله موضعه إبراهيم بعد الغرق، فبناه إبراهيم واسماعيل. ومنه قيل: للسيف القديم سيف عتيق.
وعنى بالطواف هنا طواف الإفاضة يوم النحر وبعده، وهو الذي يقال له طواف الزيارة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ﴾.
أي: الأمر، ذلك من الفروض.
وقيل: معناه: ذلك الذي أمرتم به من الوفاء بالنذور، والطواف بالبيت العتيق هو الفرض الواجب عليكم في حجكم.
﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ﴾ أي: ومن يجتنب مع ذلك ما أمره الله باجتنابه في حال إحرامه تعظيماً منه لحدود الله أن يواقعها، فهو خير له عند ربه في الآخرة.
قال مجاهد: ﴿حُرُمَاتِ ٱللَّهِ﴾ هي مكة والحج والعمرة، وما نهى الله عنه من المعاصي كلها.
وقال ابن زيد: ﴿حُرُمَاتِ ٱللَّهِ﴾: المسجد الحرام والبيت الحرام والبلد الحرام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ﴾ أي: أحلها الله لكم أن تأكلوها إذا ذكيتموها، لم يحرم عليكم بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام.
* *
ثم قال: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ أي: في كتاب الله، وذلك الميته والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، والمنخنقة والموقودة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع وما ذبح على النصب، فذلك رجس كله.
وقال قتادة: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾: الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه.
وقيل: هو الصيد المحرم على المحرمين.
فالمعنى: أحل لكم في حال إحرامكم أكل لحم الإبل والبقر والغنم، إلا ما يتلى عليكم من تحريم الصيد عليكم وأنتم محرمون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ﴾ أي: النتن، و "من" لبيان الجنس.
وقال الأخفش: هي للتبعيض. أي: فاجتنبوا الرجس الذي هو من الأوثان، أي عبادتها.
وقال ابن عباس: معناه: اجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: عدلت شهادة الزور بالشرك بالله، ثم قرأ: ﴿فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾
وقال ابن جريج: ﴿قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾ الكذب، والفرية على الله جلّ ثناؤه. وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهم.
وقيل: ﴿قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾: قولهم: إن الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك.
وقيل: معناه: اجتنبوا تعظيم الأوثان والذبح لها.
وسماها رجساً، استقذاراً لها. وكانوا ينحرون عندها، ويصبون عليها الدماء. فيقذرونها، وهم مع ذلك يعظمونها، فنهى الله المسلمين عن ذلك كله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾.
أي: اجتنبوا ذلك، ما يليق إلى الحق والتوحيد والإخلاص والإيمان بالله.
ثم قال تعالى ذكر: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾.
أي: مثل من يشرك بالله في بعده من الهدى وإصابة الحق وهلاكه، مثل من خرّ من السماء ﴿فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ﴾ أي: فهلك، أو مثل من ﴿تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾، أي: بعيد.
وقيل: المعنى: من يشرك بالله يكون يوم القيامة بهذه الصفة، لا يملك لنفسه نفعاً ولا يملك له أحد من الخلق نفعاً، ولا يمكنه امتناع مما يناله من عذاب الله، فكأنه في ذلك بمنزلة من خرّ من السماء، ومن هوى لا يقدر لنفسه على دفع ما هو فيه، فتخطفه الطير وتقطع جسمه بمخالبها ومناقرها، فهو لا يجد سبيلاً إلى دفع ذلك عن نفسه، وهو بمنزلة من تحمله الريح من موضع مرتفع، فترمي به في منحدر بعيد سحيق، فشبه الله المشرك بمنزلة هذا الذي خرّ من السماء، فهوت به الريح وتخطفته الطير، فكما لا يملك هذا لنفسه دفع ضر، وهو في الهُوِي، كذلك المشرك، يوم القيامة لا يقدر على دفع ما نزل له من العذاب.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾.
أي: ذلك أمر الله، ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ﴾، يعني: الوقوف بعرفة وتجميع ورمي الجمار والصفا والمروة، فهذه كلها شعائر، وتعظيمها: الوقوف والعمل بها في الأوقات المفروضة والمسنونة.
"والشعائر" جمع شعيرة، وهي ما جعله الله علماً لخلقه. وكذلك الشعائر البدن واحدها شعيرة أيضاً، لأنها قد أشعرت، أي: جعلت فيها علامة تدل على أنها هدي، ولذلك قال بعض العلماء: إن الشعائر هنا البدن.
* *
وقوله: ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾ أي: فإن الفعلة من تقوى القلوب. أي: فإن التعظيم واجتناب الرجس من وجل القلوب من خشية الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾.
أي: لكم في البدن منافع قبل تسميتها بدنة وإشعارها. وذلك لبنها وركوب ظهورها، وما يرزقون من نتاجها وشعرها ووبرها، وقوله: ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: إلى وقت يوجبها صاحبها فيسميها "بدنة" ويقلدها ويشعرها، فإذا فعل ذلك، بطل ما كان له من النفع منها. هذا معنى قول ابن عباس وعطاء. وهو قول قتادة، قال: "إلى أجل مسمى" أي: إلى أن تقلد فإذا قلدت، فمحلها إلى البيت العتيق.
وعن عطاء أن المعنى: لكم في البدن التي أوجبتم هديها منافع، وذلك ركوب ظهروها إذا احتجتم إلى ذلك، وتشربون ألبانها إذا اضطررتم إلى ذلك، ويحمل عليها المضطر غير منتهك لها.
* *
وقوله: ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ يعني إلى أن تنحر.
ويروى أن النبي ﷺ كان يأمر بالبدن إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها ويركب غير منهوكة وإن نتجت أن يحمل عليها ولدها، ولا يشرب من لبنها إلا فضلاً عن ولدها. فإن كان في لبنها فضل فيشرب من أهداها ومن لم يهدها.
ومن جعل الشعائر: الأماكن المذكورة، فالمعنى عنده: لكم فيها منافع إلى أجل مسمى، أي: لكم في حضور هذه الأماكن منافع، وذلك تجاراتهم وبيعهم "إلى أجل مسمى" أي: إلى الخروج والانتقال من هذه الشعائر إلى غيرها. هذا معنى قول ابن عباس.
وقال ابن زيد: معناه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ هو الأجر الذي ربحوا في تلك الأماكن.
ومعنى: ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: إلى أيام معلومة، فإذا ذهبت تلك الأيام، لم يأتِ أحد تلك الأماكن يبتغي الأجر، مثل عرفة ورمي الجمار ومزدلفة، فإنما منافعها في تلك الأيام بعينها، وهي الأجل المسمى.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾.
أي: ثم محل البدن أن يبلغ الحرم، فتنحر بها.
وقيل: المعنى: ثم محلكم أيها الناس من مناسك حجكم إلى البيت العتيق إذا طفتم طواف الإفاضة.
وقال ابن زيد: معناه: ثم محل أيام الحج إلى البيت العتيق. أي: إذا طافوا بالبيت طواف الإفاضة انقضت أيام الحج.
22:34–36Page 336
وَلِكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكٗا لِّيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۗ فَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَلَهُۥٓ أَسۡلِمُواْۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَ ٣٤
And for every [religious] community We have appointed a rite [of sacrifice]1 that they may mention the name of Allāh over what He has provided for them of [sacrificial] animals. For your god is one God, so to Him submit. And, [O Muḥammad], give good tidings to the humble [before their Lord]
ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمۡ وَٱلۡمُقِيمِي ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣٥
Who, when Allāh is mentioned, their hearts are fearful, and [to] the patient over what has afflicted them, and the establishers of prayer and those who spend from what We have provided them.
وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمۡ فِيهَا خَيۡرٞۖ فَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا صَوَآفَّۖ فَإِذَا وَجَبَتۡ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡقَانِعَ وَٱلۡمُعۡتَرَّۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرۡنَٰهَا لَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٣٦
And the camels and cattle We have appointed for you as among the symbols [i.e., rites] of Allāh; for you therein is good. So mention the name of Allāh upon them when lined up [for sacrifice]; and when they are [lifeless] on their sides, then eat from them and feed the needy [who does not seek aid] and the beggar. Thus have We subjected them to you that you may be grateful.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً﴾. إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
أي: ولكل جماعة سلفت قبلكم من أهل الإيمان جعلنا ذبحاً يهرقون دمه ليذكروا اسم الله [على ما رزقهم] عند ذبحهم إياه.
* *
وقوله: ﴿مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ﴾.
فخص لأن من البهائم ما ليس من الأنعام، كالخيل والبغال والحمير. وسميت بهائم لأنها لا تتكلم.
وقال مجاهد: منسكاً: هو هراقة الدماء.
وقال ابن عباس: منسكاً، عيداً.
وقال عكرمة: مذبحاً.
والمَنْسِك بالكسر موضع الذبح، كالمجلس موضع الجلوس لأن اسم المكان من فعل يفعل المفعل.
والمَنْسَك بالفتح: المصدر فيكون معنى قراءة من كسر، ولكل أمة جعلنا موضع ذبح.
ومن قرأ بالفتح، فتقديره: ولكل أمة جعلنا أن يتقربوا بذبح الذبائح.
وقيل: ﴿مَنسَكاً﴾ متعبداً، وهو ما يعبد الله به.
"والمنسك": العبادة والناسك: العابد.
وأصل المنسك أن يكون اسم المكان الذي يعبد الله فيه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾.
أي: فإلهكم إله واحد فلا تذكروا معبوداً غيره على ذبائحكم.
وقيل: المعنى: فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور.
﴿فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ﴾، أي: اخضعوا بالطاعة.
* *
﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ﴾.
أي: الخاشعين المطمئنين إلى الله، قاله مجاهد.
قال ابن عيينة: "المخبتين": المطمئنين.
وقال قتادة: المتواضعين.
وقيل: المخبتون: الذين لا يظلمون الناس، وإذا ظلموا لم ينتصروا.
والخبت في اللغة: المكان المطمئن المنخفض، والزور: الباطل.
وقيل: إنه أريد به في هذا الموضع الكذب.
وقيل: المخبتين: المخلصين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
أي: خشعت قلوبهم وجلاً من عقابه.
قال ابن زيد: وجلت قلوبهم: لا تقسوا ﴿وَٱلصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ﴾ أي: من شدة في أمر الله. ﴿وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلاَةِ﴾ "يعني المفروضة" وما رزقناهم ينفقون، أي: يزكون وينفقون على عيالهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ﴾.
أي: هي ما أشعرهم الله به، وأعلمهم إياه من أمر دينه. فبين أن ذبح البدن هو مما أعلمهم الله به من أمور دينه والتقرب إليه به. أي: من إعلام الله، أمركم بنحرها في مناسك حجكم إذا قلدتموها وأشعرتموها.
"والبدن" جمع بدنة، كخشبة وخشب، إلا أن الإسكان في "بدن" أحسن، والضم في "خشب" أحسن، لأن بدناً أصله النعت، لأنه من البدانة وهو السمن وخشبة اسم غير نعت. والنعت أثقل من الاسم، فكان إسكانه وتخفيفه أولى من الاسم.
"والبدن": الإبل. وإنما سميت بدناً لأجل السمانة والعظم. وقوله:
* *
﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾.
أي: أجر في الآخرة بنحرها والصدقة منها وفي الدنيا: الركوب إذا احتيج إلى ركوبها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ﴾ أي: انحروها واذكروا اسم الله عليها قائمة على ثلاثة تعقل اليد اليسرى.
وقال ابن عباس: ﴿فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا﴾ قال: الله أكبر، الله أكبر، اللهم منك ولك. ﴿صَوَآفَّ﴾ قياماً على ثلاثة.
وقرأ الحسن والأعرج: صَوَافِي، جمع صافية، ومعناها مخلصين في نحرها لله لا شرك فيها لأحد.
وقرأ ابن مسعود: صَوَافِنَ. جمع صافنة، وهي القائمة على ثلاث.
وروي عن مجاهد أنه قال: "صواف"، قائمة على أربع مصفوفة. و "صوافن": قائمة على ثلاث.
قال قتادة: معقولة اليد اليمنى.
وقال مجاهد: "اليسرى".
ونحر النبي ﷺ بدنة قياماً. ودل على ذلك قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾.
أي: إذا سقطت على جنوبها. وهو قول: مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي. واستحب عطاء أن تنحر باركة معقولة لئلا تؤذي بدمها أحداً. وقد روى جابر أن رسول الله ﷺ وأصحابه، كانوا ينحرون البدنة معقولة اليد اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها.
وكان النبي ﷺ يقول إذا ذبح: بسم الله والله أكبر
وقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾. إباحة، لأن المشركين كانوا لا يأكلون من ذبائحهم، فرخص الله للمسلمين في ذلك. ثم قال: ﴿وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ﴾.
قال ابن عباس: القانع: المستغنى بما أعطيته وهو في بيته، والمعتر: الذي يتعرض لك ويلم [رجاء] أن تعطيه، ولا يسأل.
وقال مجاهد: "القانع" جارك، يقنع بما أعطيته. "والمعتر": الذي يتعرض لك، ولا يسألك.
وعن ابن عباس: "القانع" الذي يقنع بما عنده ولا يسأل، "والمعتر" الذي يعتريك فيسألك.
وقال قتادة: "القانع": المتعفف الجالس في بيته، "والمعتر" الذي يعتريك فيسألك.
وقال الحسن: "القانع" السائل، "والمعتر: الذي يتعرض ولا يسأل.
وكذلك قال زيد بن أسلم وابن جبير أن القانع: السائل.
وعن مجاهد: "القانع" جارك وإن كان غنياً. "والمعتر": الذي يعتريك.
وعن زيد بن أسلم أيضاً: "القانع": المسكين الطواف. "والمعتر": الصديق الضعيف الذي يزور.
وقال محمد بن كعب القرظي: "القانع": الذي يقنع بالشيء اليسير يرضى به، و "المعتر" الذي يمر بجانبك ولا يسأل شيئاً.
وقيل: "القانع" الذي هو فقير لا يسأل. "والمعتر" الفقير الذي يسأل.
وعن مجاهد: "القانع": الطامع. "والمعتر" الذي يعتر من غني أو فقير.
وقال عكرمة: "القانع": الطامع.
وقال ابن زيد: "القانع": المسكين. "والمعتر": الذي يتعرض للحم وليس له ذبيحة، يجيء إلى القوم من أجل لحمهم.
وقال مالك: أحسن ما سمعت أن القانع هو الفقير، وأن "المعتر" هو الزائر.
يقال: قنع الرجل يقنع قنوعاً، إذا سأل، وقنع يقنع قناعة، إذا رضي "فهو قنع".
وقرأ أبو رجاء: ﴿وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ﴾ على معنى الذي يرضى بما عنده.
وقرأ الحسن: ﴿وَٱلْمُعْتَرَّ﴾ وهي لغة فيه، يقال: اعتره واعتراه إذا تعرض لما عنده، وإن طلبه.
* *
ثم قال: ﴿كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
أي: هكذا سخرنا لكم البدن لعلكم تشكرون على تسخيرها أيها الناس.
22:37–40Page 336
لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمۡ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٧
Their meat will not reach Allāh, nor will their blood, but what reaches Him is piety from you. Thus have We subjected them to you that you may glorify Allāh for that [to] which He has guided you; and give good tidings to the doers of good.
۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ ٣٨
Indeed, Allāh defends those who have believed. Indeed, Allāh does not like everyone treacherous and ungrateful.
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ ٣٩
Permission [to fight] has been given to those who are being fought,1 because they were wronged. And indeed, Allāh is competent to give them victory.
ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٤٠
[They are] those who have been evicted from their homes without right - only because they say, "Our Lord is Allāh." And were it not that Allāh checks the people, some by means of others, there would have been demolished monasteries, churches, synagogues, and mosques in which the name of Allāh is much mentioned [i.e., praised]. And Allāh will surely support those who support Him [i.e., His cause]. Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.
قوله تعالى: ﴿لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
أي: لن يصل إلى الله لحوم هديكم، ولا دماؤها ولكن يناله اتقاؤكم إياه وإرادتكم بها وجهه وتعظيمكم حرماته. وتقديره: لن يتقبل الله لحوم هديكم ولا دماؤها، وإنما يتقبل إخلاصكم لله وتعظيمكم لحرماته.
وقيل: المعنى: لن يبلغ رضا الله لحومها ولا دماؤها ولا يرضيه ذلك عنكم، ولكن يبلغ رضاه التقوى منكم، ويرضيه ذلك عنكم.
وفي الكلام مجاز وتوسع، إذا أتى "لن ينال الله" في موضع لن يبلغ رضا الله وحَسُنَ ذلك، لأن كل من نال شيئاً فقد بلغه.
وقال ابن عباس: كانوا في الجاهلية ينضحون بدم البدن ما حول البيت، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك فأنزل الله الآية.
* *
ثم قال: ﴿كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾.
أي: هكذا سخر لكم البدن لكي تعظموا الله على توفيقه لكم لدينه والنسك في حجكم.
وقيل: معناه: لتكبروا الله على ذبحكم في الأيام المعلومات.
﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: وبشر يا محمد الذين أطاعوا الله فأحسنوا في طاعتهم إياه في الدنيا بالجنة إلى الآخرة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ﴾.
أي: يصرف عن المؤمنين مرة بعد مرة غائلة المشركين وما يريدون بالمؤمنين. فيكون "يدافع" على معنى: تكرير الفعل من الله، لا على معنى مدافعة اثنين. وهذا كقوله: فيضاعفه له: فيفاعل للتكرير. أي: يضعف له مرة بعد مرة، لا أن ثم فاعلين مثل: قاتل.
ومن قرأ. يَدْفَعُ: أراد مرة واحدة. وعدل من يفاعل، لأن أكثر باب المفاعلة أن يكون من اثنين، والله تعالى ذكره، لا يمانعه شيء.
وقيل: معناه: أن الله يدفع عن المؤمنين شدائد الآخرة وكثيراً من شدائد الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾.
أي: كل من خان الله فخالف أمره ونهيه، وجحد كتبه ورسله.
ومعنى لا يحب كل كفار أي: لا يحب إكرامه وإعزازه، بمعنى لا يريد ذلك كما يريده بالمؤمنين، فعنى الله بهذه الآية دفعه تعالى ذكره كفار قريش عمن كان بين أظهرهم من المؤمنين قبل هجرتهم.
و "خوان" فعال: من الخيانة وهو من أبنية المبالغة وكذلك كفور.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾.
أي: أذن الله للذين يقاتلهم المشركون أن يقاتلوهم. ففي الكلام حذف على قراءة من فتح التاء. ومن كسر التاء، فمعناه: أذن الله للذين يقاتلون المشركين في سبيله بالقتال لظلم المشركين لهم: فثم حذف أيضاً.
وقرأ ابن عباس: ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بكسر التاء. وقال: هي أول آية نزلت في القتال لما خرج رسول الله ﷺ من مكة. وقال: عنى الله بها محمداً وأصحابه إذ أخرجوا من مكة إلى المدينة. يقول الله: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾. قال ابن عباس: لما خرج النبي ﷺ من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن، فأنزل الله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ...﴾ الآية.
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: فعرفت أنه سيكون قتال، وكذلك قال الضحاك.
وقال ابن زيد: أذن لهم في قتالهم بعدما عفا عنهم عشر سنين. وقرأ: ﴿ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. وقال: هؤلاء المؤمنين.
وقيل: إن هذه الآية إذن للنبي ﷺ بالخروج من مكة وقتال المشركين، لأن الآية نزلت بمكة، وبعقبها خرج النبي من مكة إلى المدينة، ثم بعقب ذلك كانت وقعة بدر، وهو النصر الذي وعدهم الله في قوله: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.
ومعنى: بأنهم ظلموا" أي: لأنهم ظلموا. فمن أجل الظلم الذي لحقهم أذن لهم في قتال من ظلمهم، فأخرجهم من ديارهم ووعدهم بالنصر على من ظلمهم بقوله: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.
وقال مجاهد: الآية مخصوصة، نزلت في قوم خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة ، فكانوا يمنعون، فأذن الله عز وجل للمؤمنين بقتال الكفار فقاتلوهم حين أرادوا ردهم عن الهجرة.
قال مجاهد وقتادة: هي أول آية نزلت في القتال.
وقال الضحاك: "كان أصحاب النبي ﷺ أستأذنوه في قتال الكفار بمكة قبل الهجرة فأنزل الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾. فلما هاجر رسول الله وأصحابه إلى المدينة، أطلق الله لهم قتل الكفار وقتالهم فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ...﴾ الآية. فالآية ناسخة عند الجميع لكل ما في القرآن من الأمر بالصفح عنهم، والصبر على أذاهم والمنع من قتالهم.
وقال ابن زيد: هذا ناسخ لقوله: ﴿وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ﴾ وخولف في ذلك، لأن هذا تهدد ووعيد، فلا ينسخ.
ومعنى: "بأنهم ظلموا" بسبب ظلمهم.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ هذا وعد من الله للمؤمنين بالنصر، فقد فعل تعالى ذلك بالمؤمنين، أعزهم ونصرهم، وأعلى كلمتهم. وأهلك عدوهم.
* *
ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ﴾.
تقديره: أذن للذين أخرجوا من ديارهم بغير حق.
فالذين: بدل من الذين الأولى ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ. أو في موضع نصب على إضمار أعني.
وقوله: إلا أن يقولوا."إن": في موضع خفض بدل من حق. هذا قول: الفراء وأبي إسحاق.
وقال سيبويه: هي في موضع نصب استثناء ليس من الأول. فمعنى الآية: أذن للذين يقاتلون الذين أخرجوا من ديارهم. يعني من مكة، أخرجهم كفار قريش بغير حق إلا بتوحيدهم الله، وذلك أن كفار قريش كانوا يسبون المؤمنين، ويعذبونهم ويوعدونهم حتى اضطروهم إلى الخروج عنهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾.
قال ابن جريج: معناه: ولولا دفاع الله المشركين بالمؤمنين.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إنما نزلت هذه الآية في أصحابِ رسول الله ﷺ لولا ما يدفع الله بأصحاب محمد ﷺ عن التابعين لهدمت صوامع وبيع.
وقال ابن زيد: المعنى: لولا الجهاد والقتال في سبيل الله.
وقال علي بن أبي طالب: نزلت الآية في أصحاب رسول الله ﷺ. فالمعنى: لولا دفاع الله المشركين بأصحاب رسول الله، لهدمت صوامع وبيع.
وقيل: معناه: لولا أن الله يدفع أي يأخذ الحقوق والشهادات لمن أوجب قبول شهادته عمن لا يجوز قبول شهادته، فتركوا المظالم من أجل ذلك، لتظالم الناس، فهدمت صوامع، قاله: مجاهد.
وقال أبو الدرداء معنى: لولا أن الله يدفع بمن في المساجد عمن ليس في المساجد، وبمن يغزو عمن ليس يغزو. لأتاهم العذاب ولاختلفوا، فهدمت صوامع.
قال مجاهد والضحاك: هي صوامع الرهبان يبنونها على الطريق.
وقال قتادة: هي صوامع الصابئين. وقال البيع: بيع النصارى.
وقال مجاهد: البِيَع: كنائس اليهود.
وقال ابن زيد: البيع: الكنائس.
وقال ابن عباس: الصلوات: الكنائس، يعني: ومواضع صلوات.
وقال الضحاك: هي كنائس اليهود، يسمون الكنائس صلوات، وقاله: قتادة.
وقال أبو العالية: الصَّلَوَاتُ: مساجد الصابئين.
وقال مجاهد: هي مساجد لأهل الكتاب، ولأهل الإسلام على الطرق.
وقال ابن زيد: هي صلوات أهل الإسلام، تنقطع إذا دخل العدو عليهم. يعني النوافر. قال: وتهدم المساجد كما صنع بختنصر.
وقوله: "وَمَسَاجِدُ" قال قتادة: هي مساجد المسلمين.
* *
وقوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ﴾.
يعني: في المساجد، لأنها أقرب إلى الضمير من غيرها. وقيل الضمير في "فيها" يعود على جميع ما ذكره ومعناه: يذكر فيها اسم الله في وقت شرائعهم وإقامتهم للحق.
قال خصيف: أما الصوامع، فصوامع الرهبان وأما "البيع"، فكنائس النصارى، وأما "الصلوات" فكنائس اليهود، وأما "المساجد" فمساجد المسلمين.
ومعنى: "وصلوات" أي: مواضع صلوات، قاله: أبو حاتم.
وقال الحسن: هدمها: تركها.
وقال الأخفش: التقدير: وتركت صلوات.
وقرأ عاصم الجحدري: "وصُلُوب" بالباء المعجمة، واحدة من أسفل من غير ألف بعد الواو، وضم اللام، يريد به الصلبان، كأنه اسم للجمع على فعول.
وقرأه جعفر بن محمد، بإسكان اللام، وبالتاء المعجمة، باثنتين من فوق.
ويروى أن مساجد اليهود تسمى صلوات.
وعن مجاهد أنه قرأ: وَصِلْوِيتاً، بالياء والتاء، وبكسر الصاد والواو وإسكان اللام، وقال: هي القباب على شاطئ الأنهار.
وقرأ الضحاك، بضم اللام من غير ألف بعد الواو على وزن فعول وبالثاء المعجمة، ثلاثة من فوق.
وروي: أن مساجد الصابئين تسمى صُلُوثاً، وبذلك قرأ الكبي أعني بالثاء المعجمة ثلاثاً من فوق.
ومعنى: "لهدمت" لضيعت وتركت.
ومن جعل الضمير في "يذكر فيها" يعود على المساجد خاصة، وقف على صلوات، وهو قول نافع.
* *
ثم قال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ أي: وليعينن الله من يقاتل في سبيله فيجعل كلمته العليا، كما أنه إنما يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: قوي على نصر من جاهد في سبيله، ونصر دينه منيع لا يغلبه غالب.
22:41–45Page 337
ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ ٤١
[And they are] those who, if We give them authority in the land, establish prayer and give zakāh and enjoin what is right and forbid what is wrong. And to Allāh belongs the outcome of [all] matters.
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَثَمُودُ ٤٢
And if they deny you, [O Muḥammad] - so, before them, did the people of Noah and ʿAad and Thamūd deny [their prophets],
وَقَوۡمُ إِبۡرَٰهِيمَ وَقَوۡمُ لُوطٖ ٤٣
And the people of Abraham and the people of Lot
وَأَصۡحَٰبُ مَدۡيَنَۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰۖ فَأَمۡلَيۡتُ لِلۡكَٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٤٤
And the inhabitants of Madyan. And Moses was denied, so I prolonged enjoyment for the disbelievers; then I seized them, and how [terrible] was My reproach.
فَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئۡرٖ مُّعَطَّلَةٖ وَقَصۡرٖ مَّشِيدٍ ٤٥
And how many a city did We destroy while it was committing wrong - so it is [now] fallen into ruin1 - and [how many] an abandoned well and [how many] a lofty palace.2
قوله تعالى ذكره: ﴿ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾.
المعنى: الذين إن وطأنا لهم في الأرض، فقهروا المشركين وقتلوهم، أقاموا الصلاة بحدودها، وآتوا الزكاة مما يجب عليهم فيه الزكاة من أموالهم، "وأمروا بالمعروف" أي: دعوا الناس إلى توحيد الله والعمل بطاعته. "ونهوا عن المنكر" أي: عن الشرك والعمل بمعاصيه يعني بذلك: أصحاب النبي ﷺ، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، إلا بتوحيدهم لله وقد تقدم ذكرهم.
وقيل: إن هذه الآية مخصوصة في أربعة من أصحاب النبي ﷺ، وهم الذين أذن لهم بقتال المشركين في الآية الأولى وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم.
وقال الحسن: "هم أمة محمد ﷺ".
قال ابن أبي نجيح: "هم الولاة".
وروي: أن عثمان رضي الله عنه قال للذين أرادوا قتله: فينا نزلت هذه الآية.
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ...﴾ إلى ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ﴾. وقال: نحن الذين قوتلنا وظلمنا وأخرجنا من ديارنا بغير حق إلا أن قلنا ربنا الله، فنصرنا الله عز وجل، فمكننا في الأرض، فأقمنا الصلاة وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، فهذه لي ولأصحابي وليست لكم.
وقال الضحاك: هذا شرط اشترطه الله على من أعطاه الله الملك من هذه الأمة.
* *
ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ﴾.
أي: له آخر أمور الخلق، يثيب على الحسنات مع الإيمان، ويعاقب على السيئات مع الكفر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾.
هذه الآية تسلية لمحمد ﷺ وتعزية له، ليقوى عزمه على الصبر على ما يناله من المكذبين له، فالمعنى: أن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون فيما جئتهم به من الحق، فالتكذيب سنة أوليائهم من الأمم الخالية، كذبت رسلها فأمهلتهم، ثم أحللت عليهم نقمتي، ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: انظر يا محمد: كيف كان تغييري ما كان بهم من نعمة، فكذلك أفعل بقريش الذين كذبوك، وإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني منجزك وعيدي فيهم، كما أنجزت ذلك لغيرك من الرسل في الأمم المكذبة لهم.
* *
وقوله: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَىٰ﴾ ولم يقل: وقوم موسى، كما قال في نوح وعاد وثمود وإبراهيم، فإنما ذلك، لأن قوم موسى هم بنو إسرائيل وكانوا مؤمنين به وإنما كذبه فرعون وقومه، وهم من القبط ليسوا من قومه فلذلك قال: وكذب موسى ولم يقل وقوم موسى.
قال أبو إسحاق: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: أخذتهم فأنكرت أبلغ إنكار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أي: وكثير من القرى أهلكنا أهلها وهم ظالمون. فعبر عن إهلاك القرية وهو يريد أهلها، مثل ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
فالمعنى: فما أهلكنا كثيراً من أهل القرى بظلمهم، كذلك نهلك أهل قريتك يا محمد بظلمهم إذا جاء الأجل. كل هذا تخويف وزجر لقريش و "كأين" هي كاف التشبيه دخلت على "أي" فصارتا بمنزلة "كم" في الخبر، هذا مذهب الخليل وسيبويه، والوقف على قولهما على الياء، لأنه تنوين دخل على "أي" فأما قراءة ابن كثير "وكَائِنْ" يروى عن الخليل أنه قال: من قال كإن فإنه قدم الياء الساكنة قبل الهمزة ثم خلفها بألف، كما قالوا:، إن أصل آية: إيَّة، ثم أبدلوا من الياء الساكنة ألفاً، ثم اعتلت الياء الثانية، لأنها بعد متحرك وهو الهمز فصارت كياء قاض ورام.
وقال ابن كيسان: هي أي: دخلت عليها الكاف وكثر استعمالها في الكلام حتى صار التنوين فيه بمنزلة النون الأصلية، فقالوا: كأين بنون في الوقف. قال: وفيها لغة أخرى، يقولون: كا إن، كفاعل من كنت، قال: وأصلها في المعنى كالعدد، كأنه قال كشيء من العدد لأن "أيا" شيء من الأشياء، فكأنه قال: كعدد كثير فعلنا ذلك بهم، فخرجت في الإبهام إلى باب "كم" وأكثر ما جاءت "كأي" مفسرة بـ "من" نحو: كأين من رجل رأيت فإن حذفت "من" نصبت، فقلت كأي رجلاً، كما تقول: عندي كذا وكذا درهماً فتنصب، وتقول: عندي كذا وكذا من رهم. وتقول: كم لك من درهم، وكم لك درهماً، ولو خفضت فقلت كأين رجل جاز، كما تقول: كم رجل جاءك في الخبر. فتقدير النصب في ذلك أن تجعله بمنزلة عدد فيه نون أو تنوين. وتقدير الخفض أن تجعله بمنزل عدد يضاف إلى ما بعده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾.
أي: فالقرية خالية من سكانها فخربت وتداعت، فتساقطت حيطانها على سقوفها فصارت القرية عاليه سافلها السقوف تحت الحيطان.
* *
ثم قال: ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ﴾.
أي: تعطلت البير بهلاك أهلها ولا وارد ولا شارب منها، وخفض "البير" على العطف على العروش، وإن كان غير داخل في معنى العروش، لكنه مثل: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] بالخفض كأنه أراد وثم بير وقصر، فلما لم يكن في الكلام ما يرفعه، عطفه على ما قبله، هذا مذهب الفراء.
وقال أبو إسحاق هو عطف على "قرية". أي: وكم من قرية وكم من بير ومن قصر.
و "البير" مشتق من بأرت الأرض، إذا حفرتها، وابتأرتها، احتفرتها.
* *
وقوله: ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾.
أي: مجصص، قاله عكرمة.
وقال الضحاك: "مشيد" طويل.
وقال أهل اللغة، شاد القصر يشيده، إذا بناه بالشيد وهو الجص. ومشيد: مفعل بمعنى مفعول، كمبيع بمعنى مبيوع. يقال قد شيد القصر: إذا طوله وأشاده أيضاً.
وقال قتادة: "مشيد": رفيع طويل.
وعن ابن عباس: أن المشيد، الحصين.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences