Makki ibn Abi TalibAn‑Nur · 24:40–59

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:40–59

24:40–44Page 355

أَوۡ كَظُلُمَٰتٖ فِي بَحۡرٖ لُّجِّيّٖ يَغۡشَىٰهُ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ سَحَابٞۚ ظُلُمَٰتُۢ بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ إِذَآ أَخۡرَجَ يَدَهُۥ لَمۡ يَكَدۡ يَرَىٰهَاۗ وَمَن لَّمۡ يَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورٗا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ ٤٠

Or [they are] like darknesses within an unfathomable sea which is covered by waves, upon which are waves, over which are clouds - darknesses, some of them upon others. When one puts out his hand [therein], he can hardly see it. And he to whom Allāh has not granted light - for him there is no light.

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلطَّيۡرُ صَٰٓفَّٰتٖۖ كُلّٞ قَدۡ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسۡبِيحَهُۥۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٤١

Do you not see that Allāh is exalted by whomever is within the heavens and the earth and [by] the birds with wings spread [in flight]? Each [of them] has known his [means of] prayer and exalting [Him], and Allāh is Knowing of what they do.

وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٤٢

And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and to Allāh is the destination.

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزۡجِي سَحَابٗا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيۡنَهُۥ ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ رُكَامٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٖ فِيهَا مِنۢ بَرَدٖ فَيُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَصۡرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُۖ يَكَادُ سَنَا بَرۡقِهِۦ يَذۡهَبُ بِٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٣

Do you not see that Allāh drives clouds? Then He brings them together; then He makes them into a mass, and you see the rain emerge from within it. And He sends down from the sky, mountains [of clouds] within which is hail, and He strikes with it whom He wills and averts it from whom He wills. The flash of its lightning almost takes away the eyesight.

يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٤

Allāh alternates the night and the day. Indeed in that is a lesson for those who have vision.

قوله تعالى ذكره: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ﴾، إلى قوله: ﴿لَعِبْرَةً﴾ ﴿لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ﴾،

الكاف في ﴿كَظُلُمَاتٍ﴾، في موضع رفع عطف على الكاف في ﴿كَسَرَابٍ﴾، والكاف في ﴿كَسَرَابٍ﴾، في موضع رفع خبر الابتداء، وهو أعمالهم.

وقيل: التقدير أو هي كظلمات، فتقف على هذا القول على ما قبل ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ ولا تقف على القول الأول لأنه معطوف على ما قبله. وهنا مثل آخر ضربه الله تعالى لأعمال الكفار في أنها عملت على خطأ، وفساد،

وضلالة من، فأعمالهم مثل ظلمات في بحر لجي، أي عميق كثير الماء، ولجة البحر معظمه ووسطه.

﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، أي يغشى البحر موج، من فوق ذلك الموج موج، من فوق ذلك الموج سحاب.

﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾، فالظلمات مثل لأعمال الكفار، والبحر اللجي مثل لقلب الكافر، أي عمله بنية قلب قد غمره الجهل، وغشيته الضلالة والحيرة. كما يغشى هذا البحر موج من فوقه موج من فوقه سحاب، فكذلك قلب الكافر الذي عملُه كالظلمات يغشاه الجهل بالله، إذ الله ختم عليه، فلا يعقل عن الله، وعلى سمعه، فلا يسمع مواعظ الله، وعلى بصره غشاوة، فلا يبصر حجج الله، فتلك الظلمات بعضها فوق بعض.

قال: ابن عباس: الظلمات: الأعمال، والبحر اللجي: قلب الإنسان. وقوله: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، إلى ﴿فَوْقَ بَعْضٍ﴾، يعني به الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر.

وقال أبي بن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومدخله ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة في النار، فأعلمنا الله بهذه الآيات أمثال المؤمنين وأعمالهم، وأمثال الكفار وأعمالهم، وأن المؤمن يجد عمله عند الله فيجازيه عليه، ويزيده تفضلاً، وأن الكافر لا يجد شيئاً إذ لم يكن معه توحيد تقبل الأعمال معه.

ولا تقف على ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، لأن ﴿مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾، نعت له، وكذا ﴿مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾، لا تقف عليه لأن ﴿مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾، نعت له، وتقف على ﴿سَحَابٌ﴾ على قراءة من رفع "سحاباً" و "ظلمات" وإن كسرت التاء، وأضفت سحاباً إلى ظلمات لم تقف على سحاب لأنه مضاف إلى الظلمات، فإن نونت وكسرتها، لم تقف على سحاب أيضاً، لأن ظلمات بدل من ظلمات الأول.

* *

ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، أي إذا أخرج الناظر يده من هذه الظلمات التي وصفت لم يكد يراها، أي رآها بعد تعب وشدة. رؤية خفية، فإن قيل: كيف رآها مع هذه الظلمات المتضاعفة، فالجواب: أنه كقول القائل: ما كدت أراك من الظلمة أي ما رأيتك إلا بعد نظر وشدة، وتعب، فكذلك هذا.

وقيل: المعنى إذا أخرج يده رائياً لها لم يكد يراها، أي لم يقرب من أن يراها، فهو لم يرها من شدة الظلمة.

وقيل: المعنى: إذا أخرج يده لم يرها، ويكد داخل كدخول الظل فيما معناه اليقين كقوله تعالى: ﴿وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨].

وقيل: المعنى لم يرها ولم يكد أي لم يقرب من الرؤية لشدة الظلمة.

* *

ثم قال: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾، أي من لم يرزقه الله إيماناً وهدى من الضلالة، ومعرفة بكتابه فما له من هدى ولا إيمان ولا معرفة.

وقال الزجاج: ذلك في الدنيا: أي من لم يجعل الله له هداية إلى الإسلام في الدنيا لم يهتد. وغيره يتأوله في في الآخرة، أي من لم يجعل الله له نوراً إلى الجنة، والنور الإيمان بالله.

ثم قال تعالى ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ﴾، أي أَلَم تر يا محمد بعين قلبك أن الله يصلي له من في السماوات والأرض من مَلَكٍ، وإنس، وجن، والطير صافات أيضاً في الهواء تسبح لله، كل قد علم الله صلاته وتسبيحه، قال مجاهد: الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من الخلق.

وقيل: المعنى كل قد علم صلاة الله. أي الصلاة التي فرض الله وتسبيح الله.

* *

وقوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، يدل على قوة قول من قال: معناه: قد علم الله صلاته وتسبيحه. وإظهار اسم الله في ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾، يدل على قوة كون الضمير في الموضعين لغير الله، إذ لو كان لله لم يظهر الاسم، لتقدم ذكره في قوله تعالى: ﴿أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ﴾، وكان يلزم أن يكون "وهو عليم". وإنما يجوز في هذا لأن المعنى لا يشكل، فلا يظن فيه أن الثاني غير الأول، وهو مثل:

"لا أرى الموت يسبق الموت شيء".

وقيل: معنى التسبيح من الخلق كلهم، في هذا هو أن ما في الخلق من الدلالة على قدرة الله، تنزيه له من كل سوء، ومن أن يعبد غيره، وليس هو تسبيح على الحقيقة، إذ لو كانت الطير تسبح على الحقيقة لكانت مكلفة بالطاعة، ولكانت بمنزلة العقلاء من الناس المكلفين، فهو مجاز في ما لا يعقل. والقول الأول عليه أكثر الناس. ومعنى ﴿عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، أي هو ذو علم بما يفعل كل مصل ومسبح منهم، لا يخفى عليه شيء.

وتقف على ﴿تَسْبِيحَهُ﴾، إذا جعلت الضمير يعود على المصلي والمسبح، ثم تبتدئ ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، وإن جعلت الضمير يعود على الله أو جعلت الضمير في علم الله، لم تقف إلا على ﴿يَفْعَلُونَ﴾ لأن الاسم قد ظهر وهو أفخم عند سيبويه من إضماره في مثل هذا المعنى لا يشكل.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: له سلطانهما وملكهما دون كل من هو دونه من سلطان ومَلِكٍ.

* *

ثم قال: ﴿وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ﴾، أي: الله مرجعكم بعد موتكم فيوفيكم أجور أعمالكم فأحسنوا العمل تدركوا الأمل.

* *

ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، يزجي يسوق السحاب حيث يريد ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، أي: يؤلف قطعه أي يلصق بعضها إلى بعض ويقربها، لأن السحاب يحدث قطعاً، قطعاً.

وقيل: معناه يؤلف متفرقه لأن السحاب جمع سحابة.

وقال عبيد بن عمر: "الرياح أربع: يبعث الله الريح الأولى: فَتَقُمُّ الأرض قَمّاً، ثم يبعث الثانية فتنشئه سحاباً، ثم يبعث الثالثة فتؤلف بينه فتجعله ركاماً، أي متراكماً بعضه على بعض، ثم يبعث الرابعة فتمطره، والودق المطر".

ومعنى: ﴿مِنْ خِلاَلِهِ﴾، أي: من بين السحاب، والهاء من ﴿خِلاَلِهِ﴾ تعود على السحاب والخلال جمع خَلَلٍ.

وقرأ ابن عباس، والضحاك: من خلَلِه بالتوحيد لأنه مثل: جمل وجمال.

ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾، فمن برد صفة للجبال، كما يقول: أعطيتك من طعام من بُرٍٍّ، فالجبال هي من برد مخلوقة، وفيها صفة أيضاً لجبال، كأنه قال: وينزل من السماء من جبال مستقرة في السماء مخلوقة من برد.

وقيل: المعنى: وينزل من السماء قدر جبال أو أمثال جبال، من برد إلى الأرض. فيكون ﴿مِن بَرَدٍ﴾، في موضع نصب على البيان كقوله: ﴿أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً﴾ [المائدة: ٩٥].

وقال الزجاج: معناه وينزل من السماء من جبال من برد فيها. كما تقول: هذا خاتم في يدي من حديد، أي خاتم حديد في يدي وإنما جئت في (هذا) وفي الآية بـ (من) لما فرقت، ولأنك إذا قلت: هذا خاتم من حديد، وخاتم حديد، كان المعنى واحداً، ويجوز أن يكون من برد في موضع نصب كما تقول: مررت بخاتم حديداً على الحال عند سيبويه. وعلى البيان عند المبرد، وإن شئت كان في موضع خفض على البدل كما تقول: مررت بخاتم حديد على البدل.

وقيل: التقدير من جبال برد بتنوينهما، قاله الفراء. كما تقول: الإنسان من لحم ودم، والإنسان لحم ودم، فالجبال عنده هي البرد وليست الآية كالتمثيل الذي مثل، لأن حرف العطف في التمثيل وليس في الآية حرف عطف.

وذهب الأخفش إلى أن من زائدة فيهما، ومن جبال، ومن برد في موضع نصب عنده.

* *

وقوله: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ﴾، أي: فيصيب بالبرد من يشاء فيهلكه أو يهلك به زرعه، ويصرفه عن من يشاء أي عن إهلاك من يشاء.

* *

ثم قال: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾، أي: ضوؤه يذهب بالأبصار لشدة لمعانه. وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع: ﴿يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَارِ﴾، بالضم وخطأه الأخفش، وأبو حاتم لأن "الباء" تعاقب الهمزة. وقيل: إن "جوازه" على زيادة الباء.

وقيل: الباء متعلقة بالمصدر. والتقدير: يذهب إذهابه بالأبصار. وكذلك أجازوا أُدِخِلَ بالمُدْخَلِ "السجن" الدار فجمعوا بين الهمزة والباء على أن يتعلق الباء بالمصدر. وهو قول علي بن سلمان عن المبرد.

* *

ثم قال: ﴿يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ﴾، أي: يقلب من هذا في هذا، ومن هذا في هذا.

وقيل: معناه يعقب بينهما: إذا ذهب هذا أتى هذا، فيقلب موضع الليل نهاراً وموضع النهار ليلاً.

* *

ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ﴾، أي: إن في إنشاء السحاب، ونزول المطر والبرد، وتقليب الليل والنهار لعبرة لمن اعتبر، والكاف من ذلك خطاب للنبي ﷺ.

24:45–50Page 356

وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٖ مِّن مَّآءٖۖ فَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ بَطۡنِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ رِجۡلَيۡنِ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰٓ أَرۡبَعٖۚ يَخۡلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٤٥

Allāh has created every [living] creature from water. And of them are those that move on their bellies, and of them are those that walk on two legs, and of them are those that walk on four. Allāh creates what He wills. Indeed, Allāh is over all things competent.

لَّقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖۚ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤٦

We have certainly sent down distinct verses. And Allāh guides whom He wills to a straight path.

وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعۡنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧

But they [i.e., the hypocrites] say, "We have believed in Allāh and in the Messenger, and we obey"; then a party of them turns away after that. And those are not believers.

وَإِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ ٤٨

And when they are called to [the words of] Allāh and His Messenger to judge between them, at once a party of them turns aside [in refusal].

وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلۡحَقُّ يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ مُذۡعِنِينَ ٤٩

But if the right is theirs, they come to him in prompt obedience.

أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ أَمۡ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٥٠

Is there disease in their hearts? Or have they doubted? Or do they fear that Allāh will be unjust to them, or His Messenger? Rather, it is they who are the wrongdoers [i.e., the unjust].

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ﴾، إلى قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾،

معناه: والله خلق كل ما يدب من نطفة، فمنهم من يمشي على بطنه كالحيات، ومنهم من يمشي على رجلين: كبني آدم، والطير، ومنهم من يمشي على أربع كالبهائم.

وجاز أن تأتي ﴿مَّن﴾ هنا لأنه لما خلط من يعقل لمن لا يعقل غَلَّبَ ما يعقل فقوله: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ﴾، قد يدخل فيه الناس وغيرهم من البهائم ولذلك قال: "فمنهم" ولم يقل: فمنها ولا منهن.

* *

﴿يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾، أي: يحدث من يشاء من الخلق ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

* *

ثم قال تعالى: ﴿لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ﴾، أي: علامات واضحات دالات على طريق الحق.

* *

وقوله: ﴿وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾، أي: يرشد من يشاء من خلقه إلى دين الإسلام وهو الطريق المستقيم.

* *

وقوله: ﴿عَلَىٰ أَرْبَعٍ﴾، تمام. قوله مبينات، قطع حسن.

* *

ثم قال: ﴿وَيَِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾، أي: ويقول المنافقون: صدقنا بالله وبالرسول وأطعناهما. ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾، أي: ثم تُدْبِرُ طائفة منهم من بعد قولهم وإقرارهم بالإيمان.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: ليس قائلو هذه المقالة بمؤمنين. ﴿مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾ قطع.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، يعني هؤلاء المنافقين إذا دعوا إلى كتاب الله، وإلى رسوله ليحكم بينهم فيما اختصموا فيه بحكم الله ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾، أي: يعرضون عن قبول الحق.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾، أي: إن يكن لهؤلاء المنافقين حق قِبَلَ الذين يدعونهم إلى كتاب الله يأتون إلى رسول الله منقادين لحكمه طائعين غير مكرهين.

يقال: أذعن فلان بالحق إذا أقر به طائعاً.

قال مجاهد: مذعنين سراعاً.

وقال عطاء: هم قريش. ثم قال: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ﴾، أي: أشكّوا في رسول الله أنه نبي ورسول فيأبوا الإتيان إليه أم يخافون أن يحيف الله عليهم، أن يجور عليهم بحكمه فيهم ومعناه: أن يحيف رسول الله، ولكن بدأ باسمه جل ذكره تعظيماً. كما يقال: قد أعتقك الله ثم أعتقك، وما شاء الله ثم شئت. ويدل على ذلك قوله: ﴿لِيَحْكُمَ﴾، ولم يقل ليحكما.

* *

ثم قال: ﴿بَلْ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾، أي: لم يخافوا أن يحيف رسول الله عليهم فيتخلفون عنه لذلك، بل تخلفوا لأنهم قوم ظالمون لأنفسهم بخلافهم أمر ربهم.

24:51–54Page 356

إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥١

The only statement of the [true] believers when they are called to Allāh and His Messenger to judge between them is that they say, "We hear and we obey." And those are the successful.

وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخۡشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقۡهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٥٢

And whoever obeys Allāh and His Messenger and fears Allāh and is conscious of Him - it is those who are the attainers.

۞ وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِنۡ أَمَرۡتَهُمۡ لَيَخۡرُجُنَّۖ قُل لَّا تُقۡسِمُواْۖ طَاعَةٞ مَّعۡرُوفَةٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٥٣

And they swear by Allāh their strongest oaths that if you ordered them, they would go forth [in Allāh's cause]. Say, "Do not swear. [Such] obedience is known.1 Indeed, Allāh is [fully] Aware of that which you do."

قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٥٤

Say, "Obey Allāh and obey the Messenger; but if you turn away - then upon him is only that [duty] with which he has been charged, and upon you is that with which you have been charged. And if you obey him, you will be [rightly] guided. And there is not upon the Messenger except the [responsibility for] clear notification."

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾.

قرأ الحسن ﴿قَوْلَ﴾ بالرفع على اسم كان، وهذه الآية تأديب للمؤمنين ليسارعوا إلى طاعة الله ورسوله إذا دعوا إلى حكم. ولفظه لفظ الخبر ومعناه التحضيض أن يفعل المؤمنون كذلك.

* *

وقوله: ﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾، معناه المدركون طلباتهم بفعلهم. ثم قال: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال ابن أبي كُريمة: معناه من يطع الله فيوحده، ورسوله فيصدقه، ويخش الله فيما مضى من ذنوبه، ويتقه فيما بقي من عمره فأولئك هم الفائزون.

الفوز في اللغة: النجاة، والفلاح: البقاء في النعيم.

وقيل: المعنى: من يطع الله فيما أمره به، ونهاه عنه ويسلم لحكمه له وعليه، ويخشى عاقبة معصية الله، ويتق عذاب الله، فأولئك هم الفائزون أي الناجون من عذاب الله.

* *

ثم قال: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾، أي: وحلف هؤلاء المعرضون عن حكم الله ورسوله إذا دعوا إليه: جهد أيمانهم، أي أغلظ أيمانهم وأشدها لئن أمرتهم يا محمد بالخروج إلى الجهاد ليخرجن. قل لهم يا محمد: لا تقسموا أي لا تحلفوا هذه طاعة معروفة بينكم فيها التكذيب.

وقيل: المعنى لا تحلفوا طاعة معروفة أمثل: من قسمكم.

وقال مجاهد: معنى طاعة معروفة: أي قد عرفت طاعتكم أي أنكم تكذبون.

* *

ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، من طاعتكم له ولرسوله وخلاف أمرهما وغير ذلك من أموركم.

وأجاز الزجاج: ﴿طَاعَةٌ﴾ بالنصب على المصدر ﴿لاَّ تُقْسِمُواْ﴾، تمام. ثم قال: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء المقسمين ليخرجن معك إذا أمرتهم: أطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، وأطيعوا الرسول ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾، يصلح أن يكون ماضياً، ومستقبلاً، ولكن هو هنا مستقبلاً بدليل قوله: ﴿عَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ﴾، ولو كان ماضياً لقال: عليهم ما حملوا. ومعنى: "عليكم ما حملتم" أي عليكم فعل ما أمركم به الرسول. وعليه ما حمل أي ما كلف من التبليغ.

* *

ثم قال: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾، أي: إن تطيعوا الرسول فيما أمركم به، ونهاكم عنه: تهتدوا أي ترشدوا وتصيبوا الحق ﴿وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾، أي: ليس على من أرسله الله إلى قوم برسالة إلا أن يبلغهم رسالات الله بلاغاً بيناً، ويفهمهم ما أراد الله منهم فيما أرسله به إليهم.

24:55–58Page 357

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٥٥

Allāh has promised those who have believed among you and done righteous deeds that He will surely grant them succession [to authority] upon the earth just as He granted it to those before them and that He will surely establish for them [therein] their religion which He has preferred for them and that He will surely substitute for them, after their fear, security, [for] they worship Me, not associating anything with Me. But whoever disbelieves1 after that - then those are the defiantly disobedient.

وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٥٦

And establish prayer and give zakāh and obey the Messenger - that you may receive mercy.

لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٥٧

Never think that the disbelievers are causing failure [to Allāh] upon the earth. Their refuge will be the Fire - and how wretched the destination.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسۡتَـٔۡذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَبۡلُغُواْ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَٰثَ مَرَّٰتٖۚ مِّن قَبۡلِ صَلَوٰةِ ٱلۡفَجۡرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعۡدِ صَلَوٰةِ ٱلۡعِشَآءِۚ ثَلَٰثُ عَوۡرَٰتٖ لَّكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ وَلَا عَلَيۡهِمۡ جُنَاحُۢ بَعۡدَهُنَّۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيۡكُم بَعۡضُكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٨

O you who have believed, let those whom your right hands possess and those who have not [yet] reached puberty among you ask permission of you [before entering] at three times: before the dawn prayer and when you put aside your clothing [for rest] at noon and after the night prayer. [These are] three times of privacy1 for you. There is no blame upon you nor upon them beyond these [periods], for they continually circulate among you - some of you, among others. Thus does Allāh make clear to you the verses [i.e., His ordinances]; and Allāh is Knowing and Wise.

قوله تعالى ذكره: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.

أي وعد الله المؤمنين منكم أيها الناس، وعملوا الأعمال الصالحات ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ قيل: أرض المشركين بعد النبي. فأخبر الله نبيه ووعده أنه سيمكن من آمن به من ملك أرض العدو، وأنه سيستخلفهم في تلك آمنين، فكان ما وعده به، وهذا من أدل ما يكون على صحة نبوة محمد عليه السلام لأنه أخبر بما يكون قبل أن يكون، فكان كما أخبر ﷺ، فلا يكون ذلك إِلا عن وحي من الله إليه بذلك، ولا يجوز أن يكون هذا الإخبار من متخرص يصيب ويخطئ، ويصيب بعضاً ويخطئ في بعض لأنه قد كان كل ما وعدهم به، لم يمتنع منه شيء، والمتخرص يقع خبره كذباً في أكثر أقواله، وربما وافق بعض ما أخبر به، وأخطأ في بعض، ولا يصيب المتخرص في كل ما وعد به، فلما كان كل ما أخبر به النبي ﷺ لم يمتنع منه شيء علمنا أنه بوحى، والوحي لا يكون إلا للنبي والرسول الصادق في أخباره، فكان في ذلك دلالة على نبوة محمد عليه السلام. لأن الله تعالى ذكره قد أنجز له وعده. وفيها دلالة على خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وعلى أمانتهم، لأنه لم يستخلف بعد رسول الله أحد ممن خوطب بهذه الآية غيرهم. لأن هذه الآية نزلت قبل فتح مكة.

وقال النبي ﷺ: الخلافة بعدي ثلاثون سنة. وهذا موافق للآية

ومعنى: ﴿كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، عني به بنو إسرائيل إذ أهلك الله الجبابرة بالشام وجعلهم ملوكها وسكانها، فدل ذلك أن الله هو الذي استخلفهم في الأرض، وبأمره صاروا خلفاء وأئمة، وأنهم كانوا يعبدون الله تعالى لا يشركون به شيئاً.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ﴾، أي: ليوطنن لهم دينهم وهو الإسلام الذي ارتضاه لهم وأمرهم به، وإنما جاء ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ في جواب ﴿وَعَدَ﴾ لأن الوعد قول فصار بمنزلة: قال لهم: ليستخلفنهم.

* *

ثم قال: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾، أي: يخضعون لي بالطاعة، لا يشركون في عبادتهم في الأوثان والأصنام، و "يعبدون": حال أي وعدهم في هذه الحال، ويجوز أن يكون مستأنفاً على الثناء عليهم. ويروى أن بعض أصحاب النبي عليه السلام شكى إليه ما هم فيه من العدو، وتضييقه عليهم، وشدة الخوف، وما يلقون من الأذى فنزلت هذه الآية بالوعد الجميل لهم. فأنجزه الله لهم، وملكهم ما وعدهم وأظهرهم على عدوهم.

قال أبو العالية: مكث النبي عليه السلام عشر سنين خائفاً، يدعو إلى الله سراً وجهراً ثم أمر بالهجرة إلى المدينة فمكث بها واصحابه خائفين يصبحون في السلاح، ويمسون فيه، فقال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ونضع هنا السلاح.

فقال النبي ﷺ كلمة معناها: لا تَغْبُرون إلا يسيراً، حتى يجلس الرجل منكم في الملإ العظيم محتبياً ليس بيده حديدة، فأنزل الله هذه الآية.

* *

وقوله: ﴿وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ﴾، أي: من كفر بالنعمة لا بالله قاله: أبو العالية.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّـلاَةَ﴾، أي: بحدودها ﴿وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ﴾، يعني التي فرض الله ﴿وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ﴾، يعني فيما أمر به ونهى عنه ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، أي: لعل ربكم يرحمكم، ولعل من الله خبر واجب يفعله بفضله.

* *

ثم قال تعالى: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾، من قرأه بالياء فالمفعول الأول لحسب محذوف على قول الفراء. والتقدير لا يحسبن الكفار أنفسهم معجزين.

وقال علي بن سليمان: ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، في موضع نصب.

والتقدير لا يحسبن الكافر الذين كفروا معجزين. ويجوز أن يكون المعنى: لا يحسبن محمد الذين كفروا معجزين. فأما من قرأ بالتاء فهو الأمر الظاهر، والنبي عليه السلام هو المخاطب، وهو الفاعل، و ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، في موضع نصب. و ﴿مُعْجِزِينَ﴾، مفعول ثان. ومعنى الآية لا تحسبن يا محمد الذين كفروا معجزين في الأرض إذا أراد الله هلاكهم، وتم الكلام على الأرض. ثم ابتدأ بخبر آخر عن عاقبة أمرهم، فقال: ﴿وَمَأْوَٰهُمُ ٱلنَّارُ﴾.

قيل: هو معطوف على محذوف تقديره: بل هم تحت القدرة ومأواهم النار بعد هلاكهم. ﴿وَلَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: بئس الذي يصيرون إليه.

* *

ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ﴾.

قال ابن عمر: هي محكمة. ودل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩]، يعني البالغين، أي يستأذن هؤلاء الأطفال إذا بلغوا على كل حال، كما استأذن البالغون في كل وقت، يعني من الرجال خاصة.

وقيل: عني به من مَلَكْتَهُ من الرجال والنساء ألا يدخل عليك في هذه الثلاثة الأوقات إلا بإذن..

* *

وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ﴾، يعني من لم يحتلم من الأحرار.

* *

ثم قال: ﴿ثَلاَثَ مَرَّاتٍ﴾، أي: في ثلاث مرات، يعني: بالمرات ثلاث أوقات. ثم بين الثلاث أوقات متى هن فقال: ﴿مِّن قَبْلِ صَـلَٰوةِ ٱلْفَجْرِ﴾، إلى قوله: ﴿صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ﴾، ولو حُمِلَ الكلام على ظاهره لوجب ألا يدخل إلا بعد استئذان ثلاث مرات، وليس الأمر كذلك إنما هو إذن واحد.

قال ابن عباس: إن الله رفيق حليم رحيم بالمؤمنين يحب السترة عليهم، وكان القوم ليس لهم ستور ولا حجال، فربما دخل الخادم والولد واليتيم على الرجل، وهو مع أهله في حال جماع، فأمر الله تعالى بالاستئذان في هذه الأوقات الثلاث، ثم جاء الله باليسر وبسط في الرزق فاتخذ الناس الستور والحجال، فرأى الناس ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به. وعنه أنه قال: الآية محكمة، والعمل بها لازم، ولكن الناس لا يعملون بها.

وقيل: إنما أمروا بالاستئذان لأنها أوقات يُتجرد فيها من الثياب، وتنكشف العورات، ودلت الآية على أن البالغين من ذوي المحارم عليهم الاستئذان في هذه الأوقات، وفي غيرها، وهؤلاء المذكورون في الآية إنما يستأذنون في هذه الأوقات خاصة.

وقال ابن المسيب: هي منسوخة: لا يُعمل بها اليوم. يعني أن الأبواب قد صنعت، والستور قد منعت من دخول هؤلاء وغيرهم على الإنسان، ودل على ذلك ما قال ابن عباس.

قال ابن عباس: جاء الله باليسر، وبسط الرزق فاتخذ الناس الستور والحجال، فرأى الناس ذلك قد كفاهم من الاستيذان الذي أمروا به. فكأنها على هذا القول ندب.

* *

ثم قال: ﴿ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾، من نصب ثلاث رده على ثلاث مرات.

وقيل: هو ظرف والتقدير أوقات ثلاث عورات، والرفع على الابتداء وما بعده الخبر، والعورات الساعات التي تكون فيها العورة، والخلوة سميت عورة لكون ظهور العورة فيها، كما قالوا: ليلك نائم: لكون النوم فيه.

وقيل: التقدير: ثلاث أوقات ظهور عورات.

* *

ثم قال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾، أي: ليس عليكم معشر أهل البيوت ولا على الذين ملكت أيمانكم من الرجال والنساء، والذين لم يبلغوا الحلم من أولادكم الصغار إثم في الدخول عليكم بغير استئذان بعد الأوقات. وهذا يدل على أن على الموالي من الاستئذان في الدخول على العبيد في هذه الأوقات، مثل ما على العبيد. لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾، أي: بعد هذه الأوقات في الدخول حرج. ويدل عليه أيضاً قوله: ﴿طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: يطوفون عليهم، كما يطوفون عليكم في هذه الأوقات، فعليكم من الاستئذان مثل ما عليهم. لكن خص الله الموالي بالخطاب والذكر، لأنهم هم الذين عرفت لهم الخدمة من عبيدهم.

* *

ثم قال تعالى: ﴿طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ﴾، أي: هؤلاء المماليك والصبيان الصغار: طوافون عليكم: أي يدخلون ويخرجون على مواليهم وأقربائهم في منازلهم غدوة وعشية بغير إذن.

* *

وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: يطوف بعضكم على بعض في سوى هذه الأوقات الثلاثة.

* *

ثم قال: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأَيَـٰتِ﴾، أي: كما بين لكم أوقات الاستئذان كذلك يبين لكم جميع أعلامه، وأدلته ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾، أي: ذو علم بمصالح عباده، حكيم في تدبيره إياهم.

24:59Page 358

وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡيَسۡتَـٔۡذِنُواْ كَمَا ٱسۡتَـٔۡذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٩

And when the children among you reach puberty, let them ask permission [at all times] as those before them have done. Thus does Allāh make clear to you His verses; and Allāh is Knowing and Wise.

ثم قال: ﴿وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ﴾، أي: إذا بلغ الأطفال من أولادكم وأقربائكم الحلم فليستأذنوا أي إذا أرادوا الدخول عليكم في كل الأوقات.

﴿كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يعني البالغين.

وقيل: يعني الكبار من ولد الرجل وأقربائه الأحرار.

قال ابن عباس: أما من بلغ الحلم، فإنه لا يدخل على الرجل وأهله، إلا بإذن على كل حال. وهو معنى الآية ﴿وَإِذَا بَلَغَ﴾.

وقال عطاء: واجب على الناس كلهم إذا بلغوا الحلم أن يستأذنوا على من كان من الناس.

وقال الزهري وابن المسيب: يستأذن الرجل على أمه.

* *

ثم قال: ﴿كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ معناه كالأول.

* *

قوله: ﴿ثَلاَثَ مَرَّاتٍ﴾ قال يعقوب: هو تمام. وقال غيره: التمام العشاء. لأن ما بعد مرات تبيين لها، فأما من قرأ ﴿ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ﴾، بالنصب فلا يكون الوقف على قوله إلا ثلاث عورات لكم، (وبعدهن) تمام.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском