Makki ibn Abi TalibAsh‑Shu'ara · 26:54–99

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

Ash-Shu'ara 26:54–99

26:54Page 369

إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَشِرۡذِمَةٞ قَلِيلُونَ ٥٤

[And said], "Indeed, those are but a small band,

أي: قال فرعون لمن جمع من الناس: إن موسى ومن معه لشرذمة قليلون. والشرذمة الطائفة، وشرذمة كل شيء بقيته القليلة.

قال أبو عبيدة: كانوا ست مائة ألف وسبعين ألفاً فوصفهم بالقلة.

قال عبد الله بن شداد بن الهاد: اجتمع يعقوب، وولده إلى يوسف وهم اثنان وسبعون وخرجوا مع موسى وهم ست مائة ألف غير من مات، وخرج فرعون على فرس أدهم حصان في عسكره ثمان مائة ألف.

قال الزجاج: كانت مقدمة فرعون: سبع مائة ألف، كل رجل منهم على حصان على رأسه بيضة.

وقال قيس بن عباد: كانت مقدمة فرعون ست مائة ألف، كل رجل منهم على حصان على رأسه بيضة، في يده حربة وهو خلفهم في الدهم، فلما انتهى موسى ببني إسرائيل البحر، قالت بنو إسرائيل: يا موسى أين ما وعدتنا؟ هذا البحر بين أيدينا، وهذا فرعون وجنوده قد دهمنا من خلفنا، فقال موسى للبحر: إنفلق يا أبا خالد، فقال: لا أنفلق يا موسى، أنا أقدم منك خلقاً، فنودي موسى ﴿أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ﴾ فضربه فانفلق البحر، وكانوا اثني عشر سبطاً، فسار لكل سبط طريق، فلما انتهى أول جنود فرعون إلى البحر، هابت الخيل البحر، ومثل الحصان منها وديق فرس، فوجد ريحها فاشتد، واتبعته الخيل فلما تتام آخر جنوده في البحر، وخرج آخر بني إسرائيل، أمر البحر فانطبق عليهم، فقالت بنو إسرائيل: ما مات فرعون وما كان ليموت أبداً، فسمع الله تكذيبهم لنبيه، فرمى به على الساحل كأنه ثور أحمر فرآه بنو إسرائيل.

قال مالك: خرج مع موسى رجلان من التجار إلى البحر، فلما أتيا إليه قالا له: ماذا أمرك ربك به؟ قال: أمرني ربي أن أضرب البحر بعصاي هذه فيجف، فقالا له: إفعل ما أمرك به ربك فلن يخلفك، قال ثم ابتدرا إلى البحر، فألقيا أنفسهما فيه تصديقاً به.

قال ابن جريج: أوحى الله جلّ ذكره إلى موسى قبل أن يسري بهم أن اجمع بني إسرائيل كل أربعة أبيات في بيت، ثم اذبحوا أولاد الضأن فاضربوا بدمائها على الأبواب فإني سآمر الملائكة ألا تدخل بيتاً على بابه دم، وسآمرهم بقتل أبكار آل فرعون ثم اخبزوا خبزاً فطيراً، فإنه أسرع لكم، ثم أسر بعبادي حتى تنهي البحر، فيأتيك أمري، ففعل فلما أصبحوا، قال فرعون: هذا عمل موسى وقومه، قتلوا أبكارنا، فأرسل في أثرهم ألف ألف وخمس مائة ألف وخمس مائة ملك مصور، مع كل ملك ألف رجل، وخرج فرعون في الكرسي العظيم، وقال: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾، وكانوا ست مائة ألف، منهم أبناء عشرين سنة إلى الأربعين.

وقال ابن عباس كان مع فرعون يومئذ ألف جبار كلهم عليه تاج، وكلهم أمير على خيل.

قال ابن جريج: كان ثلاثون ألفاً يعني من الملائكة ساقة، خلف فرعون يحسبون أنهم معهم، وجبريل عليه السلام أمامهم يرد أوائل الخيل على آخرها، فأتبعهم حتى انتهوا إلى البحر.

26:55Page 369

وَإِنَّهُمۡ لَنَا لَغَآئِظُونَ ٥٥

And indeed, they are enraging us,

أي: بقتلهم أبكارنا.

وقيل: معناه: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ﴾ بذهابهم بالعواري التي كانوا استعاروها من الحلي.

وقيل: ﴿لَغَآئِظُونَ﴾ بخروجهم من أرضنا بغير رضانا.

وقال عمرو بن ميمون: قالوا لفرعون: إن موسى قد خرج ببني إسرائيل، فقال: لا تكلموهم حتى يصيح الديك، فلم يصح تلك الليلة ديك فلما أصبح: أحضر شاة فذبحت، وقال: لا يتم سلخها حتى يحضر خمسمائة ألف فارس من القبط فحضروا.

26:56Page 369

وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَٰذِرُونَ ٥٦

And indeed, we are a cautious society..."

من قرأ بألف وبغير ألف فمعناه عند أبي عبيدة واحد، وهو مذهب سيبويه لأنه أجاز أن تعدى بحذراً كما يعدى حاذراً.

وقال الجرمي: لا يجوز: حذر زيداً إلا على حذف (من).

وقال الكسائي والفراء والمبرد: رَجُل حَذِرٌ. إذا كان الحَذَرُ في خلقته فهو متيقظ منتبه، فلا يتعدى على هذا المعنى كما لا يتعدى كريم وشريف. ومعنى حاذر عندهم: مستعد فيكون المعنى على قراءة من قرأ بغير ألف: وإنا لجميع قد استشعرنا الحذر حتى صار كالخلقة وقيل معناه: وإنا لجميع حاملون السلاح، وإن بني إسرائيل لا سلاح معهم. ومن قرأ بألف فمعناه: مستعدون بالسلاح، فهو أمر محدث فيهم.

قال ابن مسعود حاذرون مؤدون في الكراع والسلاح أي: معهم أداة ذلك.

وقيل حاذرون: شاكون في السلاح: وقرأ ابن أبي عمار حادرون بالدال غير معجمة بمعنى: ممتلئين غيظاً. تقول العرب جمل حادر: إذا كان ممتلئاً غيظاً.

وقيل: حاذرون ممتلئون بالسلاح.

26:57Page 369

فَأَخۡرَجۡنَٰهُم مِّن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٥٧

So We removed them from gardens and springs

أي: أخرج الله فرعون وقومه من بساتين وعيون، وكنوز ذهب وفضة.

26:58Page 369

وَكُنُوزٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ ٥٨

And treasures and honorable station1 -

﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، أي: حسن، يعني المنابر.

وقال عبد الله بن عمرو: نيل مصر: سيد الانهار، سخر الله له كل نهر بين المشرق والمغرب وذلَّله له، فإذا أراد الله أن يجري نيل مصر أمر كل نهر يمده، فتمده الأنهار بمائها، فإذا انتهى جريه إلى ما أراد الله، أوحى الله تعالى إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره.

وقال: كانت الجنات بحافتي هذا النيل من أوله إلى آخره في الشقين جميعاً من أسوان إلى رشيد.

وقال: المقام الكريم: المنابر، كان بها ألف منبر.

وقيل: المقام الكريم: الفيوم.

26:59–74Page 369

كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٥٩

Thus. And We caused to inherit it the Children of Israel.

فَأَتۡبَعُوهُم مُّشۡرِقِينَ ٦٠

So they pursued them at sunrise.

فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلۡجَمۡعَانِ قَالَ أَصۡحَٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدۡرَكُونَ ٦١

And when the two companies saw one another, the companions of Moses said, "Indeed, we are to be overtaken!"

قَالَ كـَلَّآۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهۡدِينِ ٦٢

[Moses] said, "No! Indeed, with me is my Lord; He will guide me."

فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ ٦٣

Then We inspired to Moses, "Strike with your staff the sea," and it parted, and each portion was like a great towering mountain.

وَأَزۡلَفۡنَا ثَمَّ ٱلۡأٓخَرِينَ ٦٤

And We advanced thereto the others [i.e., the pursuers].

وَأَنجَيۡنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ أَجۡمَعِينَ ٦٥

And We saved Moses and those with him, all together.

ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ ٦٦

Then We drowned the others.

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ٦٧

Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦٨

And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.

وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ إِبۡرَٰهِيمَ ٦٩

And recite to them the news of Abraham,

إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا تَعۡبُدُونَ ٧٠

When he said to his father and his people, "What do you worship?"

قَالُواْ نَعۡبُدُ أَصۡنَامٗا فَنَظَلُّ لَهَا عَٰكِفِينَ ٧١

They said, "We worship idols and remain to them devoted."

قَالَ هَلۡ يَسۡمَعُونَكُمۡ إِذۡ تَدۡعُونَ ٧٢

He said, "Do they hear you when you supplicate?

أَوۡ يَنفَعُونَكُمۡ أَوۡ يَضُرُّونَ ٧٣

Or do they benefit you, or do they harm?"

قَالُواْ بَلۡ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا كَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ ٧٤

They said, "But we found our fathers doing thus."

قوله تعال يذكره: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ،

أي: هكذا أخرجناهم من ذلك، كما وصفت لكم في هذه الآية .

﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾، أي: أورثنا تلك الجنات، والعيون والكنوز، والمقام الكريم: بني إسرائيل.

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾، أي: اتبع فرعون وأصحابه موسى ومن معه وقت الشروق.

وقال أبو عبيدة: نحو المشرق، يقال: أشرقنا: دخلنا في الشروق، كما يقال: أصبحنا دخلنا في الصباح. ويقال: شرقنا، إذا أخذوا نحو المشرق، وغربنا إذا أخذوا نحو المغرب. فعلى هذا لا يصح قول أبي عبيدة إلا لو كان مُشْرِقين.

قال مجاهد: خرج موسى ليلاً فكسف بالقمر، وأظلمت الأرض وقال أصحابه: إن يوسف أخبرنا أنا سنُنَجَّى من فرعون، وأخذ علينا العهد لنخرجن بعظامه معنا: فخرج موسى من ليلته سأل عن قبره، فوجد عجوزاً بيتها على قبره، فأخرجته له بحكمها، وكان حكمها أن قالت: احملني فاجر بي معك، فجعل عظام يوسف في كسائه، وجعله على رقبته، وخيل فرعون في ملء أعنتها خضراء في أعينهم، وهي لا تبرح، حبست عن موسى، وأصحابه حين تراءوا. الوقف عند نافع "كذلك" وعند أبي حاتم ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨].

* *

ثم قال تعالى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ﴾، أي: رأى بعضهم بعضاً: قال أصحاب موسى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، أي: الملحقون.

وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير ﴿لَمُدْرَكُونَ﴾ بالتشديد وهو مفتعلون، ومعنى التخفيف لملحقون، ومعنى التشديد: لمجتهد في لحاقنا، كما يقال: كسبت بمعنى أصبت وظفرت. وأكسبت بمعنى اجتهدت وطلبت.

وروي: أنهم قالوا ذلك تشاءموا بموسى وقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا.

قال: السدي: لما نظرت بنو إسرائيل إلى فرعون، وقد ردفهم قالوا: إنا لمدركون، قالوا: يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا، فكانوا يذبحون أبناءنا، ويستحيون نساءنا، ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا إنا لمدركون، البحر من بين أيدينا، وفرعون من خلفنا.

وعن ابن عباس أنه قال: لما انتهى موسى البحر، هاجت الريح العواصف والقواصف، فنظر أصحاب موسى خلفهم إلى الرهج وإلى البحر أمامهم فقالوا يا موسى: إنا لمدركون. ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، أي: ليس الأمر كما ذكرتم لا يدركونكم، إن معي ربي سيهدين طريقاً أنجو فيه من فرعون وقومه.

قال عبد الله بن شداد بن الهاد: لقد بلغني أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفاً من دهم الخيل سوى ما في جنده من شية الخيل، وخرج موسى حتى إذا قابله البحر ولم يكن عنه منصرف، طلع فرعون في جنده من خلفهم ثم قال تعالى ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ﴾ روي: أن الله جلّ ذكره: أمر البحر أن لا ينغلق حتى يضربه موسى بعصاه.

قال السدي تقدم هارون فضرب البحر، فأبى البحر أن ينفتح: وقال: من هذا الحبل الذي يضربني حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد وضربه فانفلق.

قال ابن جريج انفلق على اثني عشر طريقاً، في كل طريق سبط وكان بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً فكانت الطريق كجدران، فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا، فلما رأى ذلك موسى، دعا الله فجعلها لهم بقناطر كهيئة الطيقان ينظر بعضهم إلى بعض، على أرض يابسة، كأن الماء لم يصبها قط حتى عبروا.

وقوله تعالى: ﴿كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ﴾، أي: كالجبل العظيم.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ﴾، أي: قربنا "ثم" أي: هنالك الآخرين يعني قوم فرعون من البحر، وقدمناهم إليه.

قال ابن عباس: أزلفنا قدمناهم إلى البحر.

وقال ابن جرير: قربنا، وكذلك قال قتادة.

وقال أبو عبيدة: أزلفنا: جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة. أي: ليلة جمع.

وقيل: أزلفنا أهلكنا. وقرأ أبيُّ بن كعب: "أزلقنا" بالقاف. قال السدي، دنا فرعون، وأصحابه بعدما قطع موسى ببني إسرائيل البحر من البحر، فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقاً قال: ألا ترون: أن البحر فرق مني، قد تفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم، فلما قام فرعون على أفواه الطرق أتت خيله أن تقتحم، فنزل جبريل عليه السلام على ما ذيانة فشمت الحُصُن ريح الماذيانة، فاقتحمت في إثرها حتى إذا همّ أولهم أن يخرج ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم.

ثم قال تعالى ذكره ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ﴾، يعني بني إسرائيل ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ﴾، يعني فرعون وقومه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: إن في فعلنا بهم لعلامة، وحجة، ووعظاً لقومك يا محمد أن ينالهم مثل ذلك على تكذيبهم لك. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، أن أكثر قومك يا محمد لم يكونوا مؤمنين، في سابق علم الله. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: عزيز في انتقامه ممن كفر به، رحيم بمن أنجاه من الغرق ﴿لآيَةً﴾، قطع كاف، و ﴿مُّؤْمِنِينَ﴾ تمام، و ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ تمام.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾، أي: واقصص يا محمد على مشركي قومك خبر إبراهيم، حين قال لأبيه وقومه، أي: شيء تعبدون ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾، أي: نثبت خدماً مقيمين على عبادتها.

قال ابن جريج: هو الصلاة لأصنامهم. قال إبراهيم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾، أي: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم.

قال الأخفش التقدير هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم ثم حذف، وقرأ قتادة: هل يُسمِعونكم بضم الياء، أي: هل يُسمعونكم كلامهم.

وقيل: المعنى: هل يسمعونكم إذا دعوتموهم لصلاح أموركم، وهل يستجيبون لكم، ويعطونكم ما سألتموهم، وهل ينفعونكم إذ عبدتموهم وهل يضرون من لا يعبدهم، كل ذلك توبيخاً لهم وتقريعاً.

* *

وقوله: ﴿أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾، أي: هل تنفعكم هذه الأصنام فترزقكم شيئاً على عبادتكم لها، أو يضرونكم إذا تركتم عبادتها. فقالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، أي: نحن نفعل ذلك، كما فعله آباؤنا وإن كانت لا تسمع ولا تنفع، ولا تضر، إنما نتبع في عبادتها فعل آبائنا لا غير. وهذا الجواب: حائد على السؤال لأنه سألهم: هل يسمعون الدعاء، أو ينفعون أو يضرون، فحادوا عن الجواب وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وليس هذا جوابه، ولكن لما لم يكن لهم جواب، حادوا لأنهم لو قالوا: يسمعون، وينفعون، ويضرون لبان كذبهم عند أنفسهم وعند جماعهم، ولو قالوا: لا يسمعون، ولا ينفعون، ولا يضرون، لشهدوا على أنفسهم بالخطأ والضلال في عبادتهم من لا يسمع، ولا ينفع ولا يضر، فلم يكن لهم بد من الحيدة عن الجواب، فجاوبوا بما لم يسألوا عنه وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، ولم يُسألوا عن ذلك، وهذا من علامات انقطاع حجة المسؤول، ويبين أنهم حادوا عن الجواب، إدخال بل مع الجواب، وبل للإضراب عن الأولى والإيجاب للثاني فهم أضربوا عن سؤاله، وأخذوا في شيء آخر لم يسألهم عنه انقطاعاً منهم عن جوابه، وإقراراً بالعجز.

26:75–99Page 370

قَالَ أَفَرَءَيۡتُم مَّا كُنتُمۡ تَعۡبُدُونَ ٧٥

He said, "Then do you see what you have been worshipping,

أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُمُ ٱلۡأَقۡدَمُونَ ٧٦

You and your ancient forefathers?

فَإِنَّهُمۡ عَدُوّٞ لِّيٓ إِلَّا رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٧

Indeed, they are enemies to me, except the Lord of the worlds,1

ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهۡدِينِ ٧٨

Who created me, and He [it is who] guides me.

وَٱلَّذِي هُوَ يُطۡعِمُنِي وَيَسۡقِينِ ٧٩

And it is He who feeds me and gives me drink.

وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ ٨٠

And when I am ill, it is He who cures me

وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحۡيِينِ ٨١

And who will cause me to die and then bring me to life

وَٱلَّذِيٓ أَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لِي خَطِيٓـَٔتِي يَوۡمَ ٱلدِّينِ ٨٢

And who I aspire that He will forgive me my sin on the Day of Recompense."

رَبِّ هَبۡ لِي حُكۡمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ ٨٣

[And he said], "My Lord, grant me authority and join me with the righteous.

وَٱجۡعَل لِّي لِسَانَ صِدۡقٖ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ٨٤

And grant me a mention [i.e., reputation] of honor among later generations.

وَٱجۡعَلۡنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ ٨٥

And place me among the inheritors of the Garden of Pleasure.

وَٱغۡفِرۡ لِأَبِيٓ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٨٦

And forgive my father. Indeed, he has been of those astray.

وَلَا تُخۡزِنِي يَوۡمَ يُبۡعَثُونَ ٨٧

And do not disgrace me on the Day they are [all] resurrected -

يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ ٨٨

The Day when there will not benefit [anyone] wealth or children

إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ ٨٩

But only one who comes to Allāh with a sound heart."

وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ ٩٠

And Paradise will be brought near [that Day] to the righteous.

وَبُرِّزَتِ ٱلۡجَحِيمُ لِلۡغَاوِينَ ٩١

And Hellfire will be brought forth for the deviators,

وَقِيلَ لَهُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡبُدُونَ ٩٢

And it will be said to them, "Where are those you used to worship

مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلۡ يَنصُرُونَكُمۡ أَوۡ يَنتَصِرُونَ ٩٣

Other than Allāh? Can they help you or help themselves?"

فَكُبۡكِبُواْ فِيهَا هُمۡ وَٱلۡغَاوُۥنَ ٩٤

So they will be overturned into it [i.e., Hellfire], they and the deviators

وَجُنُودُ إِبۡلِيسَ أَجۡمَعُونَ ٩٥

And the soldiers of Iblees, all together.

قَالُواْ وَهُمۡ فِيهَا يَخۡتَصِمُونَ ٩٦

They will say while they dispute therein,

تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٩٧

"By Allāh, we were indeed in manifest error

إِذۡ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩٨

When we equated you with the Lord of the worlds.

وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلَّا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٩٩

And no one misguided us except the criminals.

قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ .

أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم.

﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية.

وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته.

ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين.

* *

ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي.

﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين.

وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين.

قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.

وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب.

قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات.

* *

ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد.

وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله.

وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين.

* *

ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة.

﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه.

﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة.

روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين

وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة

﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين.

﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد.

وقال قتادة: هو السليم من الشرك.

قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.

وقال الضحاك: السليم، الخالص.

وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها.

﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا.

يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها.

ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات.

وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها.

قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين.

قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين.

وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته.

وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده.

* *

ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة.

وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر.

﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم.

﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском