Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:28–51
3:28Page 53
لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨
Let not believers take disbelievers as allies [i.e., supporters or protectors] rather than believers. And whoever [of you] does that has nothing [i.e., no association] with Allāh, except when taking precaution against them in prudence.1 And Allāh warns you of Himself, and to Allāh is the [final] destination.
قوله: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ﴾
قال ابن عباس: نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار يتخذوهم أولياء، إلا أن يكون الكفار لهم القوة والغلبة، فيظهر لهم اللطف بالقول لا غير وهو قوله: ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً﴾.
قال الضحاك: التقية أن يحمل على أمر يتكلم به بلسانه من معصية الله فيفعل وهو مطمئن بالإيمان، فلا إثم عليه.
قال الحسن: ذلك في المشركين يكرهون المؤمنين على الكفر وقلوبهم كارهة.
وقال قتادة: التقاة: أن تصل رحمك من الكفار من غير أن توليهم على المؤمنين فتصله لقرابة منك ولا تواليه في الدين.
ويقال: إنها نزلت في عمار بن ياسر، وحاطب بن أبي بلتعة، أما عمار فخاف أن يقتله المشركون فكلمهم ببعض ما أحبوا، وأما حاطب فكتب إلى المشركين يعلمهم بأخبار النبي عليه السلام ليحفظوه في أهله بمكة وهو مطمئن بالإيمان.
وقرأ مجاهد وجابر بن زيد وحميد والضحاك: تقية
وهي فعلية، وتقاة: فعلة، وهما مصدران.
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (أي) من نفسه، أي: تركبوا ما نهيتم عنه.
3:29Page 53
قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٩
Say, "Whether you conceal what is in your breasts or reveal it, Allāh knows it. And He knows that which is in the heavens and that which is on the earth. And Allāh is over all things competent.
قوله: ﴿قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾ الآية.
معناه: قل يا محمد للذين نهوا أن يتخذوا الكافرين أولياء ﴿أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾: إن تخفوا ما في أنفسكم من ولاية الكافرين أو تبدوه فذلك سواء، الله يعلم الجميع فيجازيكم عليه، فيغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء".
3:30Page 54
يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٣٠
The Day every soul will find what it has done of good present [before it] and what it has done of evil, it will wish that between itself and that [evil] was a great distance. And Allāh warns you of Himself, and Allāh is Kind to [His] servants."
قوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ الآية.
أي: هو على كل شيء قدير ذلك اليوم.
وقيل المعنى: واذكر يوم تجد.
وقيل (المعنى): ويحذركم الله نفسه يوم تجد.
* *
ومعنى ﴿مُّحْضَراً﴾: موقرا، ﴿أَمَدَاً بَعِيداً﴾ "قال السدي: مكاناً بعيداً".
وقال ابن جريج: أجلاً بعيداً.
وقال الحسن: لا يسر أحدكم أن يلقى عمله أبداً.
* *
قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي يحذركم ألا تسقطوه.
وقال الزجاج معناه: ويحذركم الله إياه، ثم استغنوا عنه بالنفس.
وقال غيره: المعنى: عقابه، ثم حذفت.
3:31–32Page 54
قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣١
Say, [O Muḥammad], "If you should love Allāh, then follow me, [so] Allāh will love you and forgive you your sins. And Allāh is Forgiving and Merciful."
قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٢
Say, "Obey Allāh and the Messenger. But if you turn away - then indeed, Allāh does not like the disbelievers."
قوله: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي﴾ الآية.
قال الحسن: قال قوم على عهد النبي ﷺ إنا نحب ربنا فأنزل الله: "قل (يا محمد) ﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ﴾ (كما زعمتم) ﴿فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾.
وقيل إنها نزلت في نصارى نجران، وذلك أنهم ادعوا في عيسى ﷺ ما اخترقوا، وقالوا: نقوله حباً لله وتعظيماً له فقيل لهم: إن كنتم صادقين في قولكم فاتبعوا محمداً ﷺ فيحببكم الله.
ثم قال: قل [يا] محمد اطيعوا الله في اتباعي، وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به، كله مخاطبة للنصارى من وفد نجران.
وعن مالك أنه قال: معناه من أحب طاعة الله أحبه وحببه إلى خلقه.
3:33–34Page 54
۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٣
Indeed, Allāh chose Adam and Noah and the family of Abraham and the family of ʿImrān over the worlds -
ذُرِّيَّةَۢ بَعۡضُهَا مِنۢ بَعۡضٖۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٣٤
Descendants, some of them from others. And Allāh is Hearing and Knowing.
"قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً﴾ الآية.
نصب ﴿ذُرِّيَّةً﴾ عند الأخفش على الحال، وعلى القطع عند الكوفيين.
وأجاز الزجاج نصبها على البدل مما قبلها فيعمل فيها ﴿ٱصْطَفَى&#١٦٤٨﴾ والذرية هنا الجماعة، ويقع للواحد، قال الله تعالى: ﴿هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] فهو واحد كما قال: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾ [مريم: ٥].
فذكر الله في هذه الآية رجلين، وأهل بيتين، وفضلهم على العالمين فمحمد ﷺ من آل إبراهيم، وآل الرجل قد يكون أتباعه.
قال مالك: [آل محمد ﷺ: أهل الاتباع له. وعنه أنه قال]: آل محمد ﷺ كل تقي، وهو مروي عن النبي ﷺ.
ومعنى، بعضها من بعض أي: في الدين والمعاونة على الإسلام والنية والإخلاص.
وقيل معناه: متقاربون في النسب مجتمعون.
3:35–40Page 54
إِذۡ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ عِمۡرَٰنَ رَبِّ إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا فَتَقَبَّلۡ مِنِّيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٥
[Mention, O Muḥammad], when the wife of ʿImrān said, "My Lord, indeed I have pledged to You what is in my womb, consecrated [for Your service], so accept this from me. Indeed, You are the Hearing, the Knowing."
فَلَمَّا وَضَعَتۡهَا قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي وَضَعۡتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا وَضَعَتۡ وَلَيۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ وَإِنِّي سَمَّيۡتُهَا مَرۡيَمَ وَإِنِّيٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٣٦
But when she delivered her, she said, "My Lord, I have delivered a female." And Allāh was most knowing of what she delivered, and the male is not like the female. "And I have named her Mary, and I seek refuge for her in You and [for] her descendants from Satan, the expelled [from the mercy of Allāh]."
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ ٣٧
So her Lord accepted her with good acceptance and caused her to grow in a good manner and put her in the care of Zechariah. Every time Zechariah entered upon her in the prayer chamber, he found with her provision. He said, "O Mary, from where is this [coming] to you?" She said, "It is from Allāh. Indeed, Allāh provides for whom He wills without account."
هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥۖ قَالَ رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةًۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٨
At that, Zechariah called upon his Lord, saying, "My Lord, grant me from Yourself a good offspring. Indeed, You are the Hearer of supplication."
فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدٗا وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٣٩
So the angels called him while he was standing in prayer in the chamber, "Indeed, Allāh gives you good tidings of John, confirming a word1 from Allāh and [who will be] honorable, abstaining [from women], and a prophet from among the righteous."
قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَقَدۡ بَلَغَنِيَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِي عَاقِرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ ٤٠
He said, "My Lord, how will I have a boy when I have reached old age and my wife is barren?" He [the angel] said, "Such is Allāh; He does what He wills."
قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ﴾ الآية.
المعنى سميع عليم إذ قالت.
وقيل: واذكر إذ قالت.
وقال أبو عبيدة: ﴿إِذْ﴾ زائدة، وأنكر ذلك جماعة النحويين.
وقال الزجاج: المعنى: اصطفى آل عمران إذ قالت.
واسم امرأة عمران حنة، وزكريا هو ابن آذر، وعمران هو ابن ماتان وكلاهما من ولد داود النبي من سبط يهود بن يعقوب صلى الله عليهم وسلم أجمعين.
وذلك أن زكريا وعمران تزوجا اختين، فكانت أم مريم عند عمران، وأم يحيى عند زكريا، فهلك عمران، وأم مريم حامل بها وكانت في حياة عمران قد أمسك عنها الولد حتى يبست، وكانوا أهل بيت [لهم] عند الله مكان، فبينا هي ذات يوم في ظل شجرة نظرت إلى طائر يطعم فرخاً، فتحركت له نفسها للولد، فدعت الله أن يهب لها ولداً، فحملت ثم مات عمران، فلما علمت أن في بطنها جنيناً حسبته ذكراً فنذرته ليكون حبيساً لخدمة الكنيسة، وقيل: خدمة بيت المقدس.
قال الكلبي: لما وضعتها لفتها في خرقتها ثم أرسلت بها إلى بيت المقدس، فوضعتها فيه، فتنافست الأحبار بنو هارون.
فقال زكرياء: أنا أحقكم بها عندي خالتها، فذروها لي.
فقالت الأحبار: لو تركت لأفقر الناس إليها لتركت لأمها، ولكنا نقترع عليها، فاقترعوا عليها بأقلامهم [التي]. يكتبون بها الوحي، فقرعهم زكريا عليه السلام، واسترضع لها حتى إذا شبت بنى لها محراباً في المسجد على الباب فلا يرقى إليها إلا بِسلم.
* *
ومعنى ﴿مُحَرَّراً﴾ عتيقاً لعبادتك لا ينتفع به لشيء من أمور الدنيا.
وقال مجاهد "محرراً خادماً للكنيسة.
ونصب ﴿مُحَرَّراً﴾ على أنه نعت لمفعول محذوف أي: غلاماً محرراً.
وكانوا إنما يحررون الغلمان، فظنت أنها تلد غلاماً فلما وضعت أنثى قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ﴾ تريد أنه إنما يحرر الغلمان للخدمة.
وقيل المعنى إن الأنثى تحيض فلا تصلح لخدمة بيتك.
ثم دعت لها فقالت: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ﴾ فاستجاب الله لها وأعاذها وذريتها منه. وأصل المعاذ: الملجأ والمفعل، والهاء في "وضعتها لما على المعنى.
وقيل: لمريم ولم يجر لها ذكر ولكن المعنى مفهوم فحسن. ومن قرأ ﴿وَضَعَتْ﴾ بإسكان التاء ففي الكلام تقديم وتأخير تقديره: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ﴾ ﴿وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ﴾ فهذا من كلامها، ثم قال تعالى إخباراً منه ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾.
ومن قرأ بضم التاء فليس فيه تقديم ولا تأخير وهذا كله من كلام أم مريم.
وقرأ ابن عباس: "وضعتِ" بكسر التاء ومعْناه إنه خطاب من الله لها.
قال ابن عباس: ما ولد مولود إلا قد استهل سوى عيسى ابن مريم ﷺ فإنه لم يسلط عليه الشيطان لأن الله أجاب دعاء أم مريم في قولها: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾ الآية.
قال وهب بن منبه: لما ولد عيسى ﷺ أتت الشياطين إبليس فقالوا: أصبحت الأصنام قد انكسرت رؤوسها! فقال: هذا في حادث حدث، فقال: مكانكم، وطار حتى جاء خافقي الأرض فلم يجد شيئاً، ثم جاء البحار فلم يجد شيئاً، ثم طار ثانية فوجد عيسى ﷺ قد ولد عند مدوذ حمار، والملائكة قد حفت به، فرجع إليهم فقال لهم: إن نبياً قد ولد البارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا أنا بحضرتها إلا هذه، فيئسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفة والعجلة.
وقال النبي عليه السلام "كل آدمي طعن الشيطان في جلده إلا عيسى ابن مريم وأمه جعل بينها وبينه حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ إليهما شيء
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من لمس الشيطان إياه إلا مريم وابنها(ثم) يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ﴾.
* *
قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾: أي: رضيها مكان المحرر ﴿وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً﴾ من غذائه.
وقرأ مجاهد: وتقبلْها بالإسكان، ﴿رَبُّهَا﴾ بالنصب عن النداء و "أنبتها" بكسر الباء والإسكان، و "كفلْها" بالإسكان "زكرياءَ" بالنصب.
* *
وقوله: ﴿بِقَبُولٍ﴾ أتى مصدراً على غير المصدر، وكان القياس ضم القاف كالجلوس، ولكن أتى بالفتح فلا نظير له عند سيبويه.
وقال غيره، قد أتى منه الولوع والوجود والسعوط كل مصدر على فعول بالفتح.
* *
قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ المد في زكرياء لغة، وزكري لغة، وزكر، وحكى أبو حاتم بغير صرف، وهو غلط عند النحويين لأن ما كانت في هذه الياء. والتخفيف في كفلها على أن زكريا الفاعل. ومن شدد فمعناه كفلها الله زكرياء لأنه تعالى أخرج قلمه إذ ساهم مع أحبار بني إسرائيل عليها من يكفلها.
وكان زكريا زوج خالتها.
وقيل زوج أختها كان.
وامرأة زكريا بنت امرأة عمران، فهي أخت مريم.
وروي أن زكرياء كان ابن عم مريم أيضاً.
فلما همت بالبلوغ فكانت تخدم في صغرها (مسجد) بيت المقدس، أراد زكريا، أن يكفلها، وقال: هي ابنة عمي، وأختها زوجتي، فلم يتركها له جماعة الأحبار والأنبياء، فتساهموا عليها، وأتوا بسهامهم إلى عين، فطرحوها فيها فغرقت سهامهم كلهم، إلا سهم زكرياء، فضمها زكرياء لنفسه فكانت عنده في غرفة بسلم.
* *
وقوله: ﴿وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً﴾.
قال الضحاك: كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف.
وقال ابن إسحاق: كفلها زكرياء بعد هلاك أمها [و] ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا بلغت أدخلوها الكنيسة لنذر أمها، فأصابت بني إسرائيل شدة، فضعف زكرياء عن حملها فتقارع بنو إسرائيل عليها: من يقوم بها؟ وكلهم يشتكي من الشدة ما يشتكي زكرياء، ولكن لم يكن لهم بد من حملها، فخرج السهم لحملها على رجل نجار من بني إسرائيل يقال له جريج، [فعرفت مريم في وجهه شدة مؤونة ذلك عليه، فقالت: يا جريج]، أحسن بالله الظن، فإن الله سيرزقنا، فجعل جريج يرزق بمكانها عنده فيأتيها كل يوم من كسبه بما يصلحها، فينميه الله ويكثره، فيدخل عليها زكريا، فيرى عندها فضلاً من الرزق ليس بقدر ما يأتيها به جريج، فيقول: ﴿يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا﴾ أي: من أي وجه لك هذا؟ فتقول: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
قد تقدم في البقرة تفسير قوله ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ والاختلاف في ذلك.
والمحراب: هو مقدم كل مجلس ومصلاه.
وهو أيضاً: المكان العالي.
فلما رأى زكرياء من الله لها ما رأى، طمع بالولد مع كبر سنه من المرأة العاقر فدعا الله في الولد من ذلك الوقت، وهو قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ فبشر وهو يصلي بالمحراب.
وقيل: بشر يحيى بعد أربعين سنة من وقت دعائه ولذلك قال عند البشارة: ﴿رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ لأنه نسي دعاءه لطول المدة التي كانت بين الدعاء والإجابة.
والمحراب: المسجد، وهو الآن مقام الإمام في المسجد.
وقال الطبري: المحراب: "مقدم كل مجلس ومصلى" وهو سيد المجالس وأشرفها وأكرمها.
والذرية في هذا الوضع: الولد، ويكون في غيره للجميع.
* *
قوله: ﴿مِن لَّدُنْكَ﴾ أي: من عندك.
ومعنى: ﴿طَيِّبَةً﴾ زكية مباركة.
﴿إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾ أي: تسمع من دعاك.
* *
قوله: ﴿فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾.
قال قتادة وغيره: جبريل ناداه.
وأكثر الناس على أن الجماعة من الملائكة نادوه.
ومن أنَّثَ فلتأنيث الجماعة ومطابقة اللفظ.
ومن ذَكَّر فعلى المعنى، ولتذكر الجمع.
ومن كسر (إن) أجرى النداء مجرى القول.
[وفي قراءة عبد الله: يا زكريا إن الله، فهذا يدل على إضمار القول].
ومن فتح: أعمل النداء لأنه فعل.
وسمي يحيى بيحيى لأن الله أحياه بالإيمان.
* *
قوله: ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾، أي: بعيسى ابن بنت خالته".
وقيل: بابن خالته هو.
قال الضحاك وغيره، كان أول من صدق بعيسى يحيى.
قال ابن عباس: كانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى وتقدمه في ذلك، ويحيى أكبر من عيسى.
وقال أبو عبيدة: ﴿بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾، أي: بكتاب من الله وأكثر المفسرين على أن الكلمة عيسى.
وسمي كلمة لأن الناس يهتدون به.
ويجوز أن يكون سمي كلمة لأنه من غير ذكر بقوله: "كن" أي: فهذه الكلمة.
والسيد: الشريف في العلم والعبادة.
وقال الضحاك: السيد الحليم التقي.
وقال مجاهد السيد: الكريم.
وقال عكرمة، وابن زيد: (السيد) الذي لا يغلبه الغضب ﴿وَحَصُوراً﴾ ممتنعاً من جماع النساء لا يشتهيهن.
وقيل: الحصور الذي لا يولد له، وليس له ماء.
وقيل: الهيوب.
وقال ابن عباس: هو الذي لا ينزل الماء.
وقال ابن المسيب: كان يحيى حصوراً معه مثل الهُدْبَة.
وقيل: الحصور هنا هو الذي لا يأتي الذنوب كأنه محصور عنها أي: ممنوعاً منها.
قال مالك: بلغني أن يحيى إنما قتل في امرأة، وأن بختنصر لما دخل بيت المقدس بعد زمان طويل، وجد دمه يفور لا يطرح عليه تراب ولا شيء إلا فار فسأل بني إسرائيل عن ذلك فقالوا: لا علم لنا، هكذا وجدناه، وأخبرنا آباؤنا بأنهم هكذا وجدوه، فقال بختنصر: هذا دم مظلوم، ولأقتلن عليه، فقتل عليه سبعين ألفاً من المسلمين والكفار، فهدأ بعد ذلك.
وروي أن امرأة كانت طلبته فامتنع، فاشتكت إلى صاحبها أنه طلبها فقتله.
وروي أن جباراً من الجبابرة استفتاه: هل يتزوج بنت أخيه؟ فمنعه من ذلك، فسعت ابنة أخيه في قتله فقتل بها.
قال ابن شهاب: كان يحيى ابن خالة عيسى وكان أكبر من عيسى. قال مجاهد: كان طعام يحيى العشب، وإن كان ليبكي من خشية الله ما لو كان القار على عينيه يحرقه، ولقد كان الدمع اتخذ مجرى في خدِّه.
وقال أبو عبيدة، الكلمة هنا: الكتاب يعني التوراة، ولا يجوز أن يكون عيسى كلمة الله على الحقيقة لأنه مخلوق، وكلمة الله غير مخلوقة.
قوله ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ أي: من أي وجه وأنا كبير ﴿وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ﴾ أي: بلغته ﴿وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾.
والعلة التي من أجلها سأل زكريا فقال: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ فإنه روي أنه لما سمع نداء الملائكة بالبشارة أتاه الشيطان فقال: إن الصوت الذي سمعت ليس من الله إنما هو من الشيطان، فسأل عندما لبس عليه ليتثبت لا على طريق الإنكار بقدرة الله ولا لاعتراض لما يورد الله سبحانه وتعالى عن ذلك.
وقال: لما سأل (عن ذلك) ليعلم هل من زوجته العاقر يكون ذلك، أو من غيرها؟. وقيل: إنما سأل عن ذلك عن طريق التواضع والإقرار فكأنه يقول: بأي منزلة أستوجب هذا عندك يا رب...!
وقيل: إنما سأل: هل يرزق ذلك وهو شيخ وامرأته عاقر، أو يرد شاباً، وامرأته كذلك سالمة من العقم؟ أم يرزقان ذلك على حالتهما؟ فأجابه الله فقال ﴿كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾، أي: يولد العاقر والشيخ فلا يتعذر عليه شيء أراده.
وقيل: إنما سأل لأنه نسي دعاءه بأن يهب له غلاماً، وكان بين دعائه والبشارة بيحيى أربعين عاماً.
3:41Page 55
قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمۡزٗاۗ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ كَثِيرٗا وَسَبِّحۡ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ ٤١
He said, "My Lord, make for me a sign." He said, "Your sign is that you will not [be able to] speak to the people for three days except by gesture. And remember your Lord much and exalt [Him with praise] in the evening and the morning."
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ [لِّيۤ] آيَةً﴾... الآية.
معناه: قال زكريا: رب إن كان هذا الصوت من عندك فاجعل لي علامة تدل على أن ذلك من عندك، فجعل الله آيته أن منعه من الكلام ثلاثة أيام إلا إيماء أو إشارة.
قال قتادة: عوقب بذلك لسؤاله بعد مشافهة الملائكة بالبشارة فسأل الآية على ذلك.
ويروى أن لسانه ربا في فيه حتى أطلقه الله بعد ثلاث. وأكثرُ أهل التفسير على أن الله جعل احتباس لسانه عن الكلام علامة يعلم بها الوقت الذي يهب له فيه الغلام، وليس بعقوبة.
والرمز: الإشارة بالعينين والحاجبين.
وقيل: هو تحريك الشفتين من غير صوت.
وقال الضحَّاك: هو تحريك اليدين.
وقرأ علقمة بن قيس "إلا رُمُزا" بالضم فيهما.
وقرأ الأعمش "رَمَزا" بفتحتين، وهما اسمان.
وقراءة الجماعة على المصدر.
وقيل: إنما منعه الكلام وهو يقدر على ذلك، وأباح له الإشارة باليد، أو بالرأس، ثم نسخ الله ذلك بقول النبي "لا صمت يوماً إلى الليل" وهذا على قول من أجاز النسخ القرآني بالسنة.
وقيل: إنما منع النبي الصمت عن ذكر الله، فأما عن الهدر، وما لا فائدة فيه، فالصمت عنه حسن.
ودل على هذا القول أمره تعالى [لزكرياء] بالذكر والتسبيح فلو منعه الكلام كافة لم يأمره بالذكر والتسبيح اللذين لا يكونان مع الآفة.
وقد قال: إنها آفة دخلت عليه في الثلاثة الأيام، جماعة من المفسرين.
وقيل: فعل به ذلك عقوبة له إذ سأل فقال: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ وهذا قول مرغوب عنه.
ومعنى: "[و] سبح" نزه ربك من السوء بالعشي والإبكار.
وقرىء ﴿بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ﴾ جمع بكر.
والكسر مصدر أبكر.
وفي زكريا أربع لغات "زكرياء ممدود ومقصور وقد قرئ بهما وزكري مشدد الياء معرب، وزكري مخفف الياء.
3:42–43Page 55
وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٢
And [mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allāh has chosen you and purified you and chosen you above the women of the worlds.
يَٰمَرۡيَمُ ٱقۡنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسۡجُدِي وَٱرۡكَعِي مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣
O Mary, be devoutly obedient to your Lord and prostrate and bow with those who bow [in prayer]."
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يٰمَرْيَمُ...﴾ الآية (إذ) عطف على ما تقدم.
وقيل: المعنى واذكر إذ قالت. ﴿ٱصْطَفَـٰكِ﴾ اختارك، ﴿وَطَهَّرَكِ﴾" أي: طهر دينك من الريب والشكوك، وقاله مجاهد وقيل معناه: طهرك من الحيض والنفاس.
﴿وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ أي اختارك على نساء عالم زمانك.
وقيل ﴿عَلَىٰ﴾ جميع العالم وذلك بعيسى إذ ولدته من غير ذكر. وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: "فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين
وروي عن أنس بن مالك أنه قال "خير نساء العالمين أربع مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد (ﷺ).
* *
ومعنى ﴿ٱقْنُتِي﴾: أخلصي الطاعة.
وقيل معناه: أطيعي القيام والركوع.
وقال النبي عليه السلام "أفضل الصلاة طول القنوت"أي: القيام.
وقال مجاهد: لما قيل لمريم ذلك قامت حتى ورم قدماها.
3:44Page 55
ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ ٤٤
That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muḥammad]. And you were not with them when they cast their pens1 as to which of them should be responsible for Mary. Nor were you with them when they disputed.
قوله: ﴿"ذٰلِكَ" نُوحِيهِ إِلَيكَ﴾ الآية.
أي هذه الأشياء التي أخبرناك بها من الغيب الذي كنت لا تعلمه، وهو أدل ما يكون على نبوتك، إذ لست ممن يقرأ الكتب وتخبر بما فيها، ولا صاحبت أهل الكتاب فتنقل عنهم، إنما ذلك عندك بوحي من عندي.
* *
قوله: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾.
معناه ينظرون أيهم كما تقول: اذهب، فانظر أيهم قائم ﴿إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ﴾ أي: سهامهم على مريم من يكفلها.
وقال ابن عباس: اقترعوا بأقلامهم التي [كانوا] يكتبون [بها] الوحي، فقرعهم زكرياء، فما كنت يا محمد عندهم في جميع ذلك فإخبارك بما لم تشهده دليل على صدقك في النبوة وأنه وحي من عندي.
وقال عكرمة: ألقوا أقلامهم في الماء فذهب [ت] أقلامهم مع الجرية، وأصعد قلم زكرياء يغالب الجرية فذهب [ت] بأقلامهم غير قلم زكرياء، فكفلها.
وقيل: هي أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة.
وقيل: هي السهام التي يقترع بها.
3:45–46Page 55
إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ٤٥
[And mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allāh gives you good tidings of a word1 from Him, whose name will be the Messiah, Jesus, the son of Mary - distinguished in this world and the Hereafter and among those brought near [to Allāh].
وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٤٦
He will speak to the people in the cradle and in maturity and will be of the righteous."
قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ﴾ الآية معناه: لم تكن يا محمد عندهم إذ يختصمون في أمر مريم من يكفلها حين قالت الملائكة.
وقيل: المعنى وما كنت لديهم إذ قالت الملائكة كذا وكذا إذ يختصمون، فلم تكن يا محمد عندهم وقت بشارة الملائكة لمريم، وما قالت وما قيل لها، فإخبارك به يصحح دعواك في نبوتك.
* *
ومعنى ﴿بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ﴾ هو بشارته التي بشرت بها مريم.
وقيل: ﴿بِكَلِمَةٍ [مِّنْهُ]﴾ هو قوله ﴿كُنْ﴾ فسماه كلمة لأنه عن كلمته (كان). وقال ابن عباس: الكلمة هو عيسى اسم له. والهاء في ﴿ٱسْمُهُ﴾ تعود على الكلمة لأنها عيسى في المعنى. وفي الظاهر على قول ابن عباس. والمسيح: فعيل: فنقول في مفعول: أصله ممسوح أي: مسحه الله فطهره من الذنوب.
وقيل: مسحه بالبركة.
وقيل: مسح بدهان كانت الأنبياء تمسح به، فيعلم أنها أنبياء.
وقال النخعي: المسيح الصّدِّيق
وقيل: سمي المسيح لأنه كان إذا مسح بيده على أهل العاهة أفاقوا كما ذكر الله فيكون فاعلاً غير منقول عن مفعول.
وذكر ابن حبيب عن ابن عباس أنه قال: المسيح تفسيره الملك. وفسره ابن حبيب فقال: سمي ملكاً لأنه ملك إبراء الأكمه والأبرص وأحيى الموتى، وغير ذلك من الآيات.
3:47–51Page 56
قَالَتۡ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٧
She said, "My Lord, how will I have a child when no man has touched me?" [The angel] said, "Such is Allāh; He creates what He wills. When He decrees a matter, He only says to it, 'Be,' and it is.
وَيُعَلِّمُهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ ٤٨
And He will teach him writing and wisdom1 and the Torah and the Gospel
وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنِّي قَدۡ جِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ أَنِّيٓ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ وَأُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأۡكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٤٩
And [make him] a messenger to the Children of Israel, [who will say], 'Indeed I have come to you with a sign from your Lord in that I design for you from clay [that which is] like the form of a bird, then I breathe into it and it becomes a bird by permission of Allāh. And I cure the blind [from birth] and the leper, and I give life to the dead - by permission of Allāh. And I inform you of what you eat and what you store in your houses. Indeed in that is a sign for you, if you are believers.
وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٥٠
And [I have come] confirming what was before me of the Torah and to make lawful for you some of what was forbidden to you. And I have come to you with a sign from your Lord, so fear Allāh and obey me.
إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٥١
Indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. That is the straight path.'"
قوله: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾.
أي: من أين يكون لي ولد؟ أمن بعل أتزوجه، أم تبتدئ [خلقه] من غير بشر أتزوجه؟، فأعلمها الله أنه يخلق ما يشاء، فيعطي الولد من غير فحل لك، ويحرم ذلك نساء العالمين، وإذا أراد أمراً ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، والهاء في "له" تعود على الأمر.
[وقيل المعنى: فإنما يقول (له) من أجله ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: من أجل، الأمر] الذي يقضي به ويريد.
قال ابن عباس: وضعت مريم عيسى عليه السلام لثمانية أشهر فلذلك لا يعيش من (ولد) لثمانية أشهر.
* *
قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ﴾ أي: يكتب بيده، ﴿وَٱلْحِكْمَةَ﴾: السنة التي توحَى إليه، ﴿وَٱلتَّوْرَاةَ﴾: هي التي أنزلت قبله على موسى عليه السلام و ﴿وَٱلإِنْجِيلَ﴾ أي: الكتاب الذي أنزل عليه، ولم يعطه أحد قبله، وتعليمه إياه إلهام منه إليه بذلك، و ﴿رَسُولاً﴾ أي: ويجعله رسولاً، فالابتداء به حسن
وقيل المعنى: ويكلمهم رسولا
وقيل: هو معطوف على وجيه، فالابتداء به على ذلك.
ومن فتح ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ فهو متعلق برسول، أي: فإني قد جئتكم بآية تصدقني أني رسول.
والآية بمعنى الآيات، وهي إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وإحداث الطير من الطين. وغير ذلك من: الإنجيل وغيره.
* *
قوله: ﴿أَنِيۤ أَخْلُقُ﴾ من فتح أني جعلها بَدَلاً من (أن) الأولى، وإن شئت بدلاً من (آية)، (و) إن شئت على إضمار هي فتكون أن في موضع رفع.
وقرأ يزيد بن القعقاع (أخلق لكم من الطين كهيأة الطائر) فيكون طائراً.
وقال ابن اسحاق: حبس [عيسى] عليه السلام يوماً مع غلمان في الكتاب [فأخذ طيناً] ثم قال: أجعل لكم هذا الطين طائراً؟ قالوا: وتستطيع ذلك؟ قال: نعم، بإذن الله ربي، قال: ثم هيأه حتى إذا صار في هيأة الطائر نفخ فيه، ثم قال كن طائراً بإذن الله، فخرج يطير بإذن [الله] بين كفيه فذكر الغلمان ذلك لمعلمهم فأفشوه في الناس، وترعرع، فهمت به بنو إسرائيل، فلما خافت أمه عليه حملته على حُمير ثم خرجت به هاربة.
قال ابن جريج وغيره: قال لهم: أيُّ الطير أشد خلقاً؟ قالوا: الخفاش، إنما هو لحم، ففعل مثله من الطين، وقال في هذه الصورة ﴿فَأَنفُخُ فِيهِ﴾ رده على الطير، وفي المائدة ﴿فَتَنفُخُ فِيهَا﴾ [المائدة: ١١٠] رده على الهيأة، ويجوز رد الهاء في هذه السورة] على الهيأة لأنها (بمعنى) المثال والشبه، وتأنيثها غير حقيقي ولا سلطت لا في نسخ.
ولا يجوز في سورة المائدة رجوع الهاء على الطير لأنه اسم جمع.
* *
وقوله: ﴿وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ﴾.
قال مجاهد: هو الذي يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار.
وقال الأوزاعي: هو الذي لا يبصر بالليل، وهو الذي به عشى.
وقال قتادة: هو الذي ولد أعمى، وكذلك قال أكثر المفسرين.
وعن ابن عباس وغيره: هو الأعمى حَدَث به ذلك، أو ولد [به]
وقال عكرمة: هو الأعمش.
وقال وهب: كان عيسى عليه السلام قد هربت [به] أمه إلى أرض مصر من قومها فلما بلغ اثني عشر سنة أوحى الله عز وجل إليها أن انطلقي إلى الشام، ففعلت حتى إذا بلغ ثلاثين سنة، جاءه الوحي على رأس الثلاثين فكانت نبوته ثلاثين سنة، ثم رفعه الله إليه.
وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنه نعى نفسه لفاطمة حين بلغ سنّه ستين سنة وقال: "ما من نبي إلا يعمر مثل نصف عمر من قبله (و) أن عيسى عمّر مائة سنة وقد بلغت ستين سنة وما أراني إلا ميتاً في هذا العام" أو كلام هذا معناه".
قال وهب: ربما اجتمع على عيسى عليه السلام من المرضى خمسون ألفاً من أطاق أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق ذلك أتاه عيسى يمشي إليه، فكان عيسى يداويهم بالدعاء وكان يُحْيي الموتى.
قوله ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾.
أصل تدخرون تدتخرون: تفتعلون من ذخرت، فلما اختلف الحرفان، بأن كانت الذال حرفاً مجهوراً، والتاء حرفاً مهموساً أبدل من التاء حرفا مجهوراً يشبه الدال في الجهر، ويقرب منها في المخرج وهو الدال، ثم ادغمت الذال في الدال.
قال ابن إسحاق: لما بلغ [عيسى] تسع سنين أو عشراً، أدخلته أمه الكتاب، فلا يذهب المؤدب يعلمه شيئاً إلا بادره عيسى ﷺ قبل أن يعلمه إياه، فيقول المؤدب ألا تعجبون لابن هذه الأرملة، أذهب أعلمه شيئاً إلا وجدته أعلم به مني.
قال ابن جبير وغيره: كان يخبر الصبيان بما صنع في بيوتهم وبما صنع آباؤهم، ويقول يا فلان: إن أهلك قد خبأوا لك كذا وكذا من طعام، ويقول للصبي: انطلق فإن أهلك يأكلون كذا وكذا، ويقول: إنطلق فقد خبأ لك أهلك كذا وكذا. فينطلق الصبي يبكي على أهله حتى يعطوه ذلك الشيء، فيقولون له: من أخبرك بهذا؟ فيقول: عيسى.
فلما رأى ذلك بنو إسرائيل قالوا لأولادهم: لا تلعبوا مع هذا الساحر، وحبسوا أولادهم عنه، فجمعوهم في بيت فجاء عيسى عليه السلام (يطلبهم فقالوا: ليس هم هنا، فقال عيسى عليه السلام): وما في هذا البيت؟ فقالوا: خنازير! فقال عيسى عليه السلام: كذلك يكونون، ففتحوا عنهم فإذا هم خنازير، فذلك قوله (تعالى): ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨]
قال قتادة: معنى قوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ ذلك في أمر المائدة التي نزلت عليهم كانت خواناً تنزل أين ما كانوا بثمر من ثمار الجنة، وأمروا ألا يخونوا فيه ولا يدخروا لغد، ابتلاهم الله بذلك فكانوا إذا فعلوا من ذلك شيئاً، وادخروا لغد أنبأهم عيسى ﷺ به، فهو قوله: ﴿بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾ أي: من المائدة التي نهوا عن ادخار ما ينزل عليهم فيها.
وقرأ مجاهد والزهري تدخرون، بدال مخففة.
﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً﴾، أي: في جميع ما ذكر آية، أي: في نبوة عيسى.
وقوله ﴿وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ﴾ أي: ما قبلي من التوراة إيماناً بها، وتصديقاً بما فيها، وإن كانت شريعته تخالفها فإنه، ونحن مؤمنون بما صح منها، ولم يبدل ولم يغير على أن عيسى ﷺ كان عاملاً بالتوراة لم يخالف فيها شيئاً إلا ما خفف الله أشياء كانت حراماً فيها وهو قوله ﴿وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ وذلك أنه حلل لحوم الإبل والثروب وأشياء من الطير والحيتان كانت في التوراة محرمة.
واللام متعلقة بفعل محذوف والمعنى، ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم.
وكان أبو عبيدة يجيز أن يكون البعض هنا بمعنى الكل، وهذا يوجب أن يحل لكم القتل والسرق والزنى وغيره لأن كل ذلك كان محرماً عليهم في التوراة، فلا يجوز ما قال، ولا وجه له في العربية ولا في المعنى.
وقد قيل: إنما أحل لهم عيسى ﷺ أشياء حرمتها عليهم الأحبار لم تكن محرمة في التوراة، فهو غير مخالف للتوراة.
وقيل: إنما أحل لهم أشياء حرمتها عليهم ذنوب اكتسبوها ولم يكن في التوراة تحريمها نحو: أكل الشحوم وكل ذي ظفر.
* *
قوله: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ أي: بعلامة تعلمون بها أني صادق فيما أقول لكم ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences