Makki ibn Abi TalibAl‑Ahzab · 33:34–52

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:34–52

33:34–37Page 422

وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ٣٤

And remember what is recited in your houses of the verses of Allāh and wisdom.1 Indeed, Allāh is ever Subtle2 and Aware.

إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلۡخَٰشِعِينَ وَٱلۡخَٰشِعَٰتِ وَٱلۡمُتَصَدِّقِينَ وَٱلۡمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰٓئِمِينَ وَٱلصَّٰٓئِمَٰتِ وَٱلۡحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمۡ وَٱلۡحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا ٣٥

Indeed, the Muslim men and Muslim women, the believing men and believing women, the obedient men and obedient women, the truthful men and truthful women, the patient men and patient women, the humble men and humble women, the charitable men and charitable women, the fasting men and fasting women, the men who guard their private parts and the women who do so, and the men who remember Allāh often and the women who do so - for them Allāh has prepared forgiveness and a great reward.

وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا ٣٦

It is not for a believing man or a believing woman, when Allāh and His Messenger have decided a matter, that they should [thereafter] have any choice about their affair. And whoever disobeys Allāh and His Messenger has certainly strayed into clear error.

وَإِذۡ تَقُولُ لِلَّذِيٓ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَأَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِ أَمۡسِكۡ عَلَيۡكَ زَوۡجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخۡفِي فِي نَفۡسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبۡدِيهِ وَتَخۡشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَىٰهُۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيۡدٞ مِّنۡهَا وَطَرٗا زَوَّجۡنَٰكَهَا لِكَيۡ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ حَرَجٞ فِيٓ أَزۡوَٰجِ أَدۡعِيَآئِهِمۡ إِذَا قَضَوۡاْ مِنۡهُنَّ وَطَرٗاۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولٗا ٣٧

And [remember, O Muḥammad], when you said to the one on whom Allāh bestowed favor and you bestowed favor,1 "Keep your wife and fear Allāh," while you concealed within yourself that which Allāh is to disclose.2 And you feared the people,3 while Allāh has more right that you fear Him.4 So when Zayd had no longer any need for her, We married her to you in order that there not be upon the believers any discomfort [i.e., guilt] concerning the wives of their claimed [i.e., adopted] sons when they no longer have need of them. And ever is the command [i.e., decree] of Allāh accomplished.

قوله تعالى (ذكره): ﴿وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْـمَةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً﴾.

أي: واذكرن نعمة الله عليكن إذ جعلكن في بيوت تتلى فيهما (آيات) الله والحكمة، أي: اشكرن الله على ذلك.

والحكمة هنا: ما أوحي إلى النبي ﷺ من أمر دينه مما لم ينزل به قرآن، وذلك السنة.

قال قتادة: الحكمة السنة امتَنَّ (الله) عليهن بذلك.

وقيل: معناه الحكمة من الآيات.

* *

ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفاً﴾ أي (ذا) لطف بكن إذ جعلكن في البيوت التي يتلى فيها القرآن والسنة.

﴿خَبِيراً﴾ بكن إذ اختاركن لرسوله أزواجاً.

ثم قال تعالى (ذكره) بعقب (ذِكِرُ) ما أَمَرَ به أزواج نبيه ﷺ.

﴿إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ﴾ الآية، أي: (المتذللين) بالطاعة والمتذللات.

وأصل الإسلام التذلل والانقياد والخضوع.

﴿وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: المصدقين الله ورسوله والمصدقات.

وأصل الإيمان التصديق.

﴿وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْقَانِتَاتِ﴾ أي: والمطيعين والمطيعات الله ورسوله، فيما أمروا به ونهوا عنه. وأصل القنوت الطاعة.

﴿وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلصَّادِقَاتِ﴾ أي صدقوه فيما عاهدوه عليه.

﴿وَٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّابِرَاتِ﴾ أي: صبروا لله في البأساء والضراء على الثبات على دينه.

﴿وَٱلْخَاشِعِينَ وَٱلْخَاشِعَاتِ﴾ أي خشعوا لله وجلاً من عقابه وتعظيماً له.

﴿وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ أي: تصدقوا بما افترض الله عليهم في أموالهم.

﴿وٱلصَّائِمِينَ وٱلصَّائِمَاتِ﴾ أي: صاموا شهر رمضان الذي افترضه الله عليهم.

﴿وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَافِـظَاتِ﴾ أي: حفظوها إلا عن الأزواج أو ما ملكت أيمانهم.

﴿وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ﴾ أي: ذكروه بألسنتهم وقلوبهم.

﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ أي: ستراً لذنوبهم وثواباً في الآخرة من أعمالهم وهو الجنة.

قال مجاهد: لا يكون ذاكراً لله حتى يذكره قائماً وجالساً ومضطجعاً.

وقال أبو سعيد الخدري: من أيقظ أهله وصَلَّياّ أربع ركعات كُتِباَ من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات.

قال قتادة: دخل نساء على نساء النبي ﷺ، فقلن قد ذكركن الله في القرآن ولم نذكر بشيء، أما فينا من يذكر؟ فأنزل الله جل ذكره: ﴿إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ الآية.

وقال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله، يذكر الرجال ولا يذكر النساء؟

فنزلت الآية: "إن المسلمين" الآية.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ أي: أن يتخيروا من (أمرهم غير) الذي قضى الله ورسوله، ويخالفوا (ذلك) فيعصونهما، ﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيما أُمِرَ أو نُهِيَّ.

﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً﴾ أي: جار عن قصد السبيل، وسلك غير طريق الهدى.

ويروى أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش حين خطبها رسول الله على فتاه زيد بن حارثة فامتنعت من إنكاحه (نفسها).

قال ابن عباس: خطبها رسول الله على فتاه زيد بن حارثة فقالت: لسْتُ بِناكِحَتِهِ، فقال رسول الله ﷺ: "بَلَى فانْكَحِيهِ، فقالت يا رسول الله أؤامِرُ نفسي؟ فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسوله فقالت رَضِيتَهُ لي يا رسول الله منكحاً، قال: نعم، قالت: إذاً لا أعْصِي رسول الله ﷺ، قد أَنْكَحْتُه نفسي".

قال قتادة: لما خطب رسول الله زينب بنت جحش، وهي بنت عمته، ظنت أنه يريدها لنفسه، فلما علمت أنه يريدها لزيد امتنعت، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ الآية، فأطاعت وسلمت.

وقيل: نزلت في [أم كلثوم] بنت عقبة بن أبي معيط وذلك أنها وهبت نفسها للنبي فزوجها زيد بن حارثة، قاله ابن زيد.

قال: وكانت أول من هاجر من النساء، فوهبت نفسها للنبي ﷺ، فقال: قد قبلت، فزوجها زيد بن حارثة، فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله فزوجنا عبده، فنزلت الآية.

وروي أن النبي ﷺ لما خطبها لزيد قالت: لا أرضى به، وأن أَيِّمُ نساء قريش، فقال لها النبي عليه السلام: قد رضيته لك، فأبت عليه فنزلت الآية، فرضيت به وجعلت أمرها لرسول الله ﷺ، فأنكحها من زيد بن حارثة، فمكثت عند زيد ما شاء الله، ثم أتاه رسول الله زائراً له فأبصرها قائمة فأعجبته، فقال: سبحان الله مقلب القلوب، فرأى زيد أن رسول الله قد هويها، فقال: يا رسول الله ائذن لي في طلاقها، فإن بها كبرة وأنها تؤذيني بلسانها، فقال له رسول الله ﷺ: "اتق الله وأمسك عليك زوجك"، وفي قلبه ما في قلبه، ثم إن زيداً طلّقها بعد ذلك، فلما انقضت عدتها أنزل الله نكاحها من السماء على رسوله وأنزل عليه الآيات: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ﴾ إلى: ﴿مَّقْدُوراً﴾.

وعن عائشة أنها قالت: "لو كتم رسول الله ﷺ شيئاً مما أنزل عليه لكتم هذه الآية.

قال أنس: "لما انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ مِنْ زَيدٍ قال رسول الله ﷺ لزيد: اذكُرْنِي لَهَا، فَانْطَلَقَ زَيْدَ إِلى زَيْنَب فقال لها: أَبْشِرِي أَرْسَلَ رسول الله يَذْكُرُكِ، فَقَالَتْ: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئاً حَتَّى أُؤامِرَ رَبِّي فَقَامَتْ إلى مَسْجِدِهَا وَصَلَّتْ، وَنَزلَ القُرآنُ عَلَى رَسُولِهِ: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ الآيتان. فجاء إليها رسول الله ﷺ حتى دخل عليها بغير إذنها

وروي أنها كانت تقول لرسول الله: لست كأحد من النساء لأن الله زوجنيك.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾، هذا عتاب من الله للنبي ﷺ، أي: واذكر يا محمد إذ تقول للذي أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعمت عليه بالعتق - وهو زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ - أمسك عليك زوجك واتق الله في مفارقتها للفرار.

روي أن النبي ﷺ رأى زينب بنت جحش وهي ابنة عمته بعد أن تزوجها زيد فأعجبته، فألقى الله في نفس زيد كراهتها لما علم ما وقع في نفس النبي منها، فأراد زيد فراقها فذكر ذلك للنبي ﷺ، فقال له النبي: "﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾ فيما عليك لها" وهو يحب لو قد بانت منه لينكحها، وهو الذي أخفى غي نفسه، فقد أبداه الله كما ذكره.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ أي: وتخاف أن يقول الناس أمَرَ رجلاً بطلاق امرأته ثم نَكَحَها حين طَلَّقها، والله أحق أن تخشاه مِنَ الناس، هذا كله معنى قول قتادة وابن زيد.

قال الحسن: ما أنزلت عليه آية أشد منها، ولو كان رسول الله ﷺ كاتماً شيئاً من الوحي لكتمها.

وقال علي بن الحسين: كان الله جل ذكره أَعْلَمَ نبيه عليه السلام أن زينب ستكون من أزواجه، فلما أتاه زيد يشكوها، قال: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾، وهو يخفي في نفسه ما قد أعلمه الله من تزويج زينب، والله مبديه، أي مظهره بتمام التزويج، وطلاق زيد لزينب.

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً﴾ أي حاجته وإربه.

﴿زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً﴾ أي لِئَلاَّ يكون على المؤمنين ضيق وإثم في نكاح أزواج من تبنوا بعد طلاقهم إياهن، إذا قضوا منهن حاجتهم، وهو قوله جل ذكره: ﴿وَحَلَٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فدل على أن اللاتي من الأبناء من غير الأصلاب حلال نكاحهن.

وفي قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً﴾ إشارة إلى إيقاع الطلاق، وكذلك في قوله: ﴿إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً﴾.

* *

ثم قال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً﴾ أي: ما قضى الله من قضاء كائناً لا محالة، ذلك ما قضى الله من تزويج النبي ﷺ من زينب بنت عمته.

وقال الشعبي: كانت زينب تقول للنبي عليه السلام: إني لأَدِلُّ عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تَدِلُّ بهن: إن جَدِّي وَجَدُّكَ وَاحِدٌ، وإنّي أنْكَحَنِكَ الله مِنَ السَّماءِ، وإنَّ السَّفِيرَ جِبْرِيلُ ﷺ.

وروى أنس بن مالك أن زيداً كان مسبباً من الشام ابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد، فوهبه لعمته خديجة زوج النبي، فوهبته خديجة للنبي ﷺ فتبناه النبي.

33:38–49Page 423

مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنۡ حَرَجٖ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥۖ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرٗا مَّقۡدُورًا ٣٨

There is not to be upon the Prophet any discomfort concerning that which Allāh has imposed upon him.1 [This is] the established way of Allāh with those [prophets] who have passed on before. And ever is the command of Allāh a destiny decreed.

ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا ٣٩

[Allāh praises] those who convey the messages of Allāh1 and fear Him and do not fear anyone but Allāh. And sufficient is Allāh as Accountant.

مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٤٠

Muḥammad is not the father of [any] one of your men, but [he is] the Messenger of Allāh and seal [i.e., last] of the prophets. And ever is Allāh, of all things, Knowing.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا ٤١

O you who have believed, remember Allāh with much remembrance

وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا ٤٢

And exalt Him morning and afternoon.

هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيۡكُمۡ وَمَلَٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَكَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَحِيمٗا ٤٣

It is He who confers blessing upon you,1 and His angels [ask Him to do so] that He may bring you out from darknesses into the light. And ever is He, to the believers, Merciful.

تَحِيَّتُهُمۡ يَوۡمَ يَلۡقَوۡنَهُۥ سَلَٰمٞۚ وَأَعَدَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَرِيمٗا ٤٤

Their greeting the Day they meet Him will be, "Peace." And He has prepared for them a noble reward.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٤٥

O Prophet, indeed We have sent you as a witness and a bringer of good tidings and a warner

وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِۦ وَسِرَاجٗا مُّنِيرٗا ٤٦

And one who invites to Allāh, by His permission, and an illuminating lamp.

وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَضۡلٗا كَبِيرٗا ٤٧

And give good tidings to the believers that they will have from Allāh great bounty.

وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَدَعۡ أَذَىٰهُمۡ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ٤٨

And do not obey the disbelievers and the hypocrites and disregard their annoyance, and rely upon Allāh. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَكَحۡتُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمۡ عَلَيۡهِنَّ مِنۡ عِدَّةٖ تَعۡتَدُّونَهَاۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا ٤٩

O you who have believed, when you marry believing women and then divorce them before you have touched them [i.e., consummated the marriage], then there is not for you any waiting period to count concerning them. So provide for them and give them a gracious release.

قوله تعالى: ذكره ﴿مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ﴾ إلى قوله: ﴿سَرَاحاً جَمِيلاً﴾.

أي ليس على محمد ﷺ إثم في نكاح امرأة من تبناه بعد فراقه إياها.

قال قتادة: ما فرض الله له، أي ما أحل الله. وفي الكلام معنى المدح كقوله: ﴿مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] ثم قال: ﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ﴾. انتصبت "سُنَّة" على المصدر، والفاعل فيه ما قبله لأنه بمعنى سن الله له ذلك سنَّة، والمعنى لا إثم عليه في ذلك كما لا إثم فيه على من خلا قبله من النبيئين فيما أحل الله لهم.

قال الطبري في معناه: لم يكن الله لِيُؤُثِمَ نبيه فيما أحل الله له مثالَ فِعْلِه بمن قَبْلَهُ مِنَ الرسل. ثم قال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً﴾ أي: قضاء مقضياً. [وقيل: قَدَرُ أحَدٍ قَدَّرَهُ وَكَتَبَهُ قبل خلق الأشياء كلها مقدوراً] أي أنه ستكون الأشياء على ما تقدّم في علمه. ولا تقف على: ﴿فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ﴾ لأن "سنة" انتصبت على عامل قام ما قبلها مقامه.

* *

ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ﴾ أي: سنة الله في الذين خلوا من قبل محمد من الرسل الذين يبلغون رسالات الله إلى من أُرْسِلوا إليه. ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾: أي: يخافون الله.

﴿وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ﴾ أي: لا يخافون غيره، فَمِن هؤلاء فَكُن يا محمد، فإن الله يمنع منك وينصرك كما فعل بمن قبلك من الرسل.

"الذين" بدل من "الدين" في قوله: ﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ﴾ أو نعت لهم أو عطف بيان.

* *

ثم قال: ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً﴾ أي: وكفاك يا محمد حافظاً لأعمال خلقه ومحاسباً لهم عليها.

ويجوز أن يكون (حسيب) بمعنى محاسب، كما تقول آكِيلٌ وشَرِيب، معنى مُواكِل وُمَشَارِب. ويجوز أن يكون بمعنى محسب، أي مكف كما قالوا السميع بمعنى المسمع وأليم بمعنى مؤلم. يقال: أحسبني الشيء بمعنى كفاني.

* *

ثم قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ أي: لم يكن محمد أبا زيد ابن حارثة، ولا أباً لغيره لأنه لم يكن له ابن وقت نزول هذه الآية.

قال قتادة: نزلت في زيد بن حارثة أنه لم يكن بابنه، ولعمري لقد ولد له ذكور وإنه لأبو القاسم وإبراهيم والمطهر. فالمعنى على هذا: لم يكن محمد أباً لِمَنْ تَبَنَّى من رجالكم، ولكنه أبو أمته في التبجيل والتعظيم.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ﴾ أي: ولكن كان رسول الله. ﴿وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ﴾ أي: آخرهم. هذا على قراءة من فتح التاء. ومن كسرها فمعناها: أي طبع على النبوة فلا تفتح لأحد بعده.

روى جابر أن النبي ﷺ قال: "أَنَا خَاتِمُ أَلْفِ نَبِيٍّ أَوْ أَكْثَرَ". والخاتم الذي يلبس، فيه أربع لغات: خَاتَمٌ وخَاتِمٌ وخَاتَامٌ وخَيْتَامٌ.

ثم قال تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ أي: اذكروه بقلوبكم وجوارحكم ولا تخلوا أنفسكم من ذكره في حال من أحوال طاقتكم.

* *

ثم قال: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ أي: صلوا له غدوة وعشياً، يعني صلاة الصبح وصلاة العصر، والأصيل العَشِيُّ وجمعه أصائل. والأصيل بمعنى الأُصُل وجمعه آصال، هذا لفظ المبرد. وقال غيره: أُصُل عنده جمع أَصِيل كرغيف ورغف.

* *

ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ﴾ أي: ربكم الذي أمرتم بذكره كثيراً هو الذي يرحمكم ويثني عليكم فيشيع عنكم الذكر الجميل وملائكته تدعو لكم.

روي أنه لما نزل : ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] أتاه المؤمنون يهنؤونه بذلك، فقال أبو بكر يا رسول الله: هذا لك خاصة فَمَا لَنا؟ فأنزل الله جل ذكره: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ﴾، أي: يدعون لكم بالرحمة.

وروى الحسن أن النبي ﷺ قال في حديث طويل: "إِنَّ الله قَالَ لمُوسَى: أَخْبِرْ بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّ صَلاَتِي عَلى عِبَادِي لَتَسْبِقُ رَحْمَتِي غَضَبِي وَلَوْلاَ ذَلِكَ لأَهْلَكْتُهُمْ

وقال عطاء بن أبي رباح: "صلاته على عباده: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ لَتَسْبِقُ رَحْمَتِي غَضَبِي".

وفي حديث آخر عن النبي ﷺ: "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي

ثم قال: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾ أي: تدعو ملائكة الله ليخرجكم الله من الكفر إلى الإيمان. وأصل الصلاة في اللغة: الدعاء. وسمي الركوع والسجود صلاة للدعاء الذي يكون في ذلك.

وقال المبرد: أصل الصلاة الترحم، فالصلاة من الله رحمة لعباده، ومن الملائكة رقة لهم واستدعاء للرحمة من الله لهم، والصلاة من الناس سميت صلاة لطلب الرحمة بها.

قال أبو عبيدة: الأصِيلُ ما بين العصر إلى الليل: وقال: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ﴾ أي: يبارك عليكم.

قال ابن عباس: لا يقضي الله على عباده فريضة إلا جعل لها حداً معلوماً، ثم عذر أهلها في حال العذر، غَيرَ الذِّكر، فإن الله لم يجعل له حداً ينتهي إليه، ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على عقله.

* *

ثم قال: ﴿وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ أي: ذا رحمة أن يعذبهم وهم له مطيعون.

﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ﴾ أي: تحية بعض هؤلاء المؤمنين في الجنة سلام، أي أمنة لنا ولكم من عذاب الله.

قال البراء بن عازب: معناه يوم يلقون ملك الموت يسلم عليهم لا يقبض روح مؤمن حتى يسلم عليه.

قال قتادة: تحية أهل الجنة السلام.

وقال البراء بن عازب في معناه: إن (ملك) الموت لا يقبض روح المؤمن حتى يسلم عليه.

قال الزجاج: هذا في الجنة، واستشهد عليه بقوله تعالى: وَ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] ودليله أيضاً قوله جل ذكره: ﴿يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٣-٢٤].

وفرق المبرد بين التحية والسلام، فقال: التحية تكون لكل دعاء، والسلام مخصوص، ومنه ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً﴾ [الفرقان: ٧٥].

ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ أي: أعد لهم الجنة على طاعتهم له في الدنيا.

ثم قال تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ أي: أرسلناك يا محمد شاهداً على أمتك بإبلاغك إياهم ما أرسلت به، ومبشراً لمن أطاعك بالجنة، ونذيراً لمن عصاك بالنار، قاله قتادة وغيره.

* *

ثم قال: ﴿وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ أي: إلى توحيد الله، وطاعته. قال قتادة: "ودَاعِياً اِلَى الله" إلى شهادة أن لا إله إلا الله.

﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: بأمره إياك بذلك. ﴿وَسِرَاجاً مُّنِيراً﴾ أي: مضيئاً للخلق يبين لهم أمر دينهم ويهتدون به كما يُهْتَدَى بالسرج المضيء.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً﴾ أي: من ثواب الله أضعافاً كثيرة. وقيل: المعنى: وذا سراج: أي ذا كتاب بين مضيء.

قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً﴾ الآية، دعا النبي ﷺ علياً ومُعاذاً فقال: "انْطلِقَا فَيَسِّرا وَلاَ تُعَسِّرَا فَإِنَّهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيَّ: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً﴾ الآية وقرأ الآية

ثم قال: ﴿وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ﴾ أي: لا تسمع دعاءهما إليك على التقصير في تبليغ رسالات الله.

﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾. قال مجاهد أعرض عنهم. وقال مجاهد: دع الأذى لا تجازهم عليه حتى تؤمر فيه بشيء. وقيل: المعنى لا تؤذيهم، وكان هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسخ ذلك بالقتال.

قال قتادة: معناه: اصبر على أذاهم.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّـلْ عَلَى ٱللَّهِ﴾ أي: فوِّض إلى الله أمرك وثق به، فإن الله كافيك. ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِـيلاً﴾ أي: وحسبك بالله فيما يأمرك به حافظاً لك وكَالِئاً.

ثم قال تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية، أي إذا تزوجتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل الدخول بهن والمجامعة - والنكاح هنا العقد - فلا عدة لكم عليهن ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أي: أعطوهن ما يستمتعن به من عرض أو عين.

﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ أي: خلوا سبيلهن تخلية بمعروف.

قال ابن عباس: إذا طلق التي لم يدخل بها واحدة بانت منه ولا عدة عليها، تتزوج من شاءت، فإن كان سمى لها صداقاً فلها نصفه، وإن كان لم يسم متعها على قدر عسره ويسره.

وقيل: المتعة منسوخة بقوله جل ذكره: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، قاله ابن المسيب وقتادة: وهذه الآية خصصت آية البقرة وبينتها وهي قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فظاهر الآية أن ذلك في كل مطلقة. فبينت آية الأحزاب أن آية البقرة في المدخول بها. وكذلك آية الأحزاب خصصت وبينت آية الطلاق، وهي قوله: ﴿وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَٱللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] فبينت آية الأحزاب أن الثلاثة الأشهر لهذين الصنفين، إنما ذلك للمدخول بها، كذلك أيضاً آية الطلاق خصصت وبينت أن آية البقرة في غير الصنفين المذكورين في سورة الطلاق فصار في آية البقرة تخصيصان وبيانان من سورتين. وصارت آية الأحزاب مخصصة ومبينة لآيتين من سورتين فآية الأحزاب أحكم إذ لا تخصيص فيها.

فالإعتداد للرجال، أي: هم يستوفون من النساء ما عليهن من العدة. فالعدة على النساء، والاعتداد للرجال لأن العدة التي على النساء حق للأزواج ليستبْرِءوا أرحامهن لئلا يلحق أولادهم بغيرهم، أو يلحق بهم غير أولادهم.

33:50–52Page 424

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحۡلَلۡنَا لَكَ أَزۡوَٰجَكَ ٱلَّٰتِيٓ ءَاتَيۡتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّٰتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَٰلَٰتِكَ ٱلَّٰتِي هَاجَرۡنَ مَعَكَ وَٱمۡرَأَةٗ مُّؤۡمِنَةً إِن وَهَبَتۡ نَفۡسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنۡ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسۡتَنكِحَهَا خَالِصَةٗ لَّكَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۗ قَدۡ عَلِمۡنَا مَا فَرَضۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ لِكَيۡلَا يَكُونَ عَلَيۡكَ حَرَجٞۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٥٠

O Prophet, indeed We have made lawful to you your wives to whom you have given their due compensation1 and those your right hand possesses from what Allāh has returned to you [of captives] and the daughters of your paternal uncles and the daughters of your paternal aunts and the daughters of your maternal uncles and the daughters of your maternal aunts who emigrated with you and a believing woman if she gives herself to the Prophet [and] if the Prophet wishes to marry her; [this is] only for you, excluding the [other] believers. We certainly know what We have made obligatory upon them concerning their wives and those their right hands possess, [but this is for you] in order that there will be upon you no discomfort [i.e., difficulty]. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.

۞ تُرۡجِي مَن تَشَآءُ مِنۡهُنَّ وَتُـٔۡوِيٓ إِلَيۡكَ مَن تَشَآءُۖ وَمَنِ ٱبۡتَغَيۡتَ مِمَّنۡ عَزَلۡتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكَۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن تَقَرَّ أَعۡيُنُهُنَّ وَلَا يَحۡزَنَّ وَيَرۡضَيۡنَ بِمَآ ءَاتَيۡتَهُنَّ كُلُّهُنَّۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمٗا ٥١

You, [O Muḥammad], may put aside whom you will of them1 or take to yourself whom you will. And any that you desire of those [wives] from whom you had [temporarily] separated - there is no blame upon you [in returning her]. That is more suitable that they should be content and not grieve and that they should be satisfied with what you have given them - all of them. And Allāh knows what is in your hearts. And ever is Allāh Knowing and Forbearing.

لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعۡدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ حُسۡنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ رَّقِيبٗا ٥٢

Not lawful to you, [O Muḥammad], are [any additional] women after [this], nor [is it] for you to exchange them for [other] wives, even if their beauty were to please you, except what your right hand possesses. And ever is Allāh, over all things, an Observer.1

قوله تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً﴾.

أي: أحل لك يا محمد أزواجك اللاتي أعطيتهن صدقاتهن، وأحل لك ما ملكت يمينك من السبي، وأحل لك بنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك من هاجر منهن معك دون من لم يهاجر. هذا معنى قول الضاحك.

قال ابن زيد: كل امرأة أتاها مهرها فقد أحلها الله له.

وروى أبو صالح عن أم هانئ أنها قالت: "خَطَبَنِي رَسُولُ الله ﷺ فَاعْتَذَرْتُ إِلَيه فَعَذَرَنِي، ثمَّ أَنزَلَ الله تعَالى: ﴿إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إِلى قَوله: ﴿هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾، وَلم أَكُنْ هَاجَرْتُ وَإِنَّمَا كُنْتُ منَ الطُّلَقَاءِ، فَكُنْتُ لا أَحِلُّ لَهُ

وفي قراءة ابن مسعود: "واللاتي هاجرنَ معك" بالواو فهذا يدل على أنه قد أحل له من هاجر ومن لم يهاجر.

* *

وقوله: ﴿وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ أي: وأحللنا له امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها له بغير صداق. ﴿إِن وَهَبَتْ﴾ شرط، وجوابه محذوف، والتقدير: إن وهبت نفسها حلت له، أي: إن تهب نفسها تحل.

ويجوز أن يكون الجواب هو المحذوف الناصب لامرأة.

وقرأ الحسن: "أنْ وَهَبَتْ" بفتح أن. أي لأن وهبت، أي: من أجل أن وهبت.

وقيل: هي بدل من "امرأة" على بدل الاشتمال.

وفي قراءة ابن مسعود: "وامْرأَةً مُؤمِنَةً وَهَبَتْ" بغيرِ إِنْ. والمعنى على ما مضى نقول: كُلْ طعاماً إِنْ ملكته، وكل طعاماً ملكته، أي: ملكته في ما مضى.

* *

ثم قال تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا﴾ أي: ينكحها فحلال له نكاحها إذا وهبت له نفسها بغير مهر.

﴿خَالِصَةً لَّكَ﴾ أي: لا يحل ذلك لأحد غيرك.

قال قتادة: ليس لأمرأة أن تهب نفسها لرجل بغير أمر ولي ولا مهر إلا للنبي ﷺ كانت له خالصة دون سائر أمته. وروي أنها نزلت في ميمونة بنت الحارث وهبت نفسها للنبي عليه السلام، قاله الزهري وعكرمة ومحمد بن كعب وقتادة. وقيل: لم يكن عند النبي أمرأة وهبت له نفسها بغير صداق، وإنما المعنى: إِنْ وقع ذلك فهو حلال لك يا محمد قاله مجاهد وابن عباس. وقال علي بن الحسين وعروة والشعبي: هي أم شريك وقيل: هي زينب بنت خزيمة ولا تكون إلا مكسورة على قول ابن عباس ومجاهد لأنها بمعنى: إن وقع ذلك فيما يستقبل. ويجب أن تكون مفتوحة على قول غيرهما لأنه شيء قد وقع وكان على قولهم.

* *

وقوله: ﴿خَالِصَةً لَّكَ﴾ يرجع على المرأة التي وهبت نفسها دون ما قبلها من قوله: ﴿إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ وما بعده. وإنما قال تعالى للنبي ولم يقل لك، لئلا يتوهم أنه يجوز ذلك للغير كما جاز ذلك في: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾. أي: بنات العم والعمة والخال والخالة يحللن للناس.

وقيل: إنما جاز ذلك لأن العرب تخبر عن الحاضر بأخبار الغائب ثم ترجع فتخاطب.

وروي أن النبي ﷺ كان قبل نزول الآية يتزوج أي النساء شاء فقصره الله على هؤلاء، فلم يعداهن وقصر سائر أمته على مثنى وثلاث ورباع.

* *

ثم قال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ﴾ يعني المؤمنين لا يحل لأحد نكاح إلا بولي وعقد وصداق وشهود عدول، وأن لا يزوج الرجل أكثر من أربع وما ملكت اليمين، قاله قتادة وغيره (فالمعنى) قد علمنا ما في ذلك من الصلاح.

وقال أبي بن كعب في معناها: هو مثنى وثلاث ورباع.

* *

ثم قال تعالى: ﴿لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ أي: أحللنا لك ما تقدم ذكره لئلا يكون عليك إثم وضيق في نكاح من نكحت من هؤلاء الأصناف المسميات لك في هذه الآية.

* *

ثم قال: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ أي: غفوراً لك ولأهل الإيمان بك، رحيماً بك وبهم أن يعاقبهم على ذنوب تابوا منها.

* *

ثم قال تعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ﴾ أي: تؤخر يا محمد من تشاء من أزواجك وتضمّ من تشاء.

يقال: أرْجَأْتُ الأمْرَ: أخَّرْتَهُ. ومن ترك الهمزة في "ترجي" فيحتمل أن يكون أبدل من الهمزة ثم أسكنها استثقالاً للضمة.

وقيل: هي لغة، يقال: أرْجيْتُ بمعنى أرْجَأْتُ. كما يقال قريْتُ. بمعنى قَرَأتُ.

وقال المبرد: هو من رجا يرجو، يقال: رجاء وأرَجَيْتَه إذا جَعَلْتَه يَرْجُو.

قال مجاهد في معنى الآية: تعزل يا محمد بغير طلاق من أزواجك من تشاء وتؤوي إليك من تشاء، أي تردها إليك.

قال قتادة: جعله الله في حل من ذلك أن يدع من يشاء منهن بغير قسم وكان صلى الله عليه يقسم.

وقال أبو رزين: لما أشفق النبي ﷺ أن يطلقهن، قلن يا رسول الله: اجعل لنا في مالك ونفسك ما شئت فكان ممن أرجأ منهن سودة بنت زمعة وجويرية وصفية وأم حبيبة وميمونة، وكان ممن أوى عائشة وأم سلمة وحفصة وزينب. فالمعنى على هذا القول أنه صلى الله عليه أخر هؤلاء فلم يقسم لهن ولم يطلقهن، وضم هؤلاء فقسم لهن، وهو قول الضحاك.

وعن ابن عباس أن المعنى من شئت خليت سبيله منهم ومن شئت أمسكت منهن.

وقال الحسن: المعنى أن النبي ﷺ كان إذا خطب امرأة لم يكن لرجل أن يخطبها حتى يتركها أو يتزوجها.

فالمعنى: اترك نكاح من شئت من أمتك، وانكح من شئت.

وقال ابن زيد في ذلك كلاماً معناه: إن الله جل ذكره أمر نبيه أن يخير نساءه بين الدنيا والآخرة في قوله: ﴿قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا﴾ [الأحزاب: ٢٨] إلى قوله: ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٢٩] فلما اخترن الآخرة واخترنه أبيح له أن يعزل من شاء منهم فلا يقسم لها، ويضم من شاء فيقسم لها، ومن ابتغى ممن عزل عن نفسه، فله أن يرجع ويقسم لها، فخيرهن أيضاً في الرضى بهذا أو يفارقهن فرضين بذلك إلاَّ امرأة بدوية ذهبت.

فقال الله جل ذكره: ﴿ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ أي: أن يسكن ولا يغرن ويرضين كلهن بما فعلت من ضم أو عزل، إذ ذلك كله من حكم الله لك فيهن، وذلك إشارة إلى ما تقدم مما أباحه الله لرسوله عليه السلام فيهن.

قال قتادة: وَمَنِ ابْتَغيْتَ" أي: لك أن تأتي من شئت منهم لا إثم عليك في ذلك، وهو قول الحسن.

وقال ابن عباس: معناه من مات من نسائك اللواتي عندك، أو خليت سبيله فلا إثم عليك في أن تستبدل عوضها من اللاتي أحللت لك، ولا يحل أن تزداد على عدة نسائك اللاتي عندك شيئاً.

قال الزجاج: معناه إن أردت أن تؤوي إليك من عزلت فلا جناح عليك. وهو القول الأول بعينه، وهو أحسنها إن شاء الله تعالى.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ﴾ أي: من ميلكم إلى بعض من عندكم من النساء دون بعض بالهوى والمحبة فلذلك وضع عن رسول الله ﷺ الحرج في ذلك لأن القلب لا يملك، والهوى سلطان غائب عن الإنسان.

* *

ثم قال: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً﴾ أي: ذا علم بأعمالكم وغيرها. ﴿حَلِيماً﴾ أي: ذا حلم عن عباده أن يعاجل أهل الذنوب بالعقوبة.

* *

ثم قال تعالى: ﴿لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ﴾ أي: من بعد من عندك من النساء.

قال قتادة: لما اخترن الله ورسوله قصره عليهن وهن تسع.

وقيل: المعنى: لا يحل لك النساء بعد اللواتي أحللنا، يعني في قوله: ﴿إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى قوله: ﴿مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ قاله أُبي بن كعب والضحاك.

وقال مجاهد: المعنى: من بعد المسلمين، فحرم عليه نكاح اليهوديات والنصرانيات. وهو قول ابن جبير وعكرمة.

وروي عن عائشة أنها قالت: "ما مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أحَلَ اللهُ لَهُ النِّسَاءَ"، فتكون الآية منسوخة بالسنة.

وقد روي ذلك عن أم سلمة، وهو قول علي وابن عباس والضحاك. وقيل: الآية محكمة، ولا يحل له النساء بعد نزول هذه الآية، وهو قول أُبي بن كعب، واختيار الطبري.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ أي: ولا يحل لك أن تستبدل من عندك غيرهن من المسلمات، قاله الضحاك.

وقال مجاهد: لا تستبدل بمن عندك من المسلمات كتابية.

وقال ابن زيد: لا تبدل زوجتك بزوجة رجل آخر، وهو فعل كان في الجاهلية وقوله: ﴿إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ أي: فذلك حلال.

وقال ابن زيد: إلا ما ملكت يمينك، فلك أن تبادل غيرهن ولا تفعل ذلك في الحرائر.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском