Makki ibn Abi TalibYa-Sin · 36:1–31

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

يس

Ya-Sin

Ya Sin · Meccan · 83 ayahs

36:1–8Page 440

يسٓ ١

Yā, Seen.1

وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡحَكِيمِ ٢

By the wise1 Qur’ān,

إِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٣

Indeed you, [O Muḥammad], are from among the messengers,

عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤

On a straight path.

تَنزِيلَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٥

[This is] a revelation of the Exalted in Might, the Merciful,

لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمۡ فَهُمۡ غَٰفِلُونَ ٦

That you may warn a people whose forefathers were not warned, so they are unaware.

لَقَدۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَىٰٓ أَكۡثَرِهِمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٧

Already the word [i.e., decree] has come into effect upon most of them, so they do not believe.

إِنَّا جَعَلۡنَا فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ أَغۡلَٰلٗا فَهِيَ إِلَى ٱلۡأَذۡقَانِ فَهُم مُّقۡمَحُونَ ٨

Indeed, We have put shackles on their necks, and they are to their chins, so they are with heads [kept] aloft.

قوله تعالى (ذكره): ﴿يسۤ * وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُم مُّقْمَحُونَ﴾.

قال ابن أبي ليلى: لكل شيء قلب وقلب القرآن يس، من قرأها نهاراً كُفِي همه، ومن قرأها ليلاً كُفِي ذنبه.

وقال شهر بن حوشب: يقرأ أهل الجنة طه ويس فقط.

روي عن عقبة بن عامر أنه كان يحدث: (أن) النبي ﷺ قال: "مَنْ قَرَأَ يَس فَكَأنَّما قَرَأَ القُرْآنَ عَشْرَ مَرَّاتٍ"من رواية ابن وهب.

قرأ عيسى بن عمر: "يَاسِينَ" بفتح النون، جعله مبنياً على الفتح، ويجوز أن يكون فتح لالتقاء الساكنين، وأراد به الوصل واختار الفتح، كما قالوا: كيف وأين.

وأجاز سيبويه أن يكون مفعولاً به على معنى: اقرأ ياسين، أو: اذكر ياسين. لكنه لم ينصرف لأنه اسم للسورة، فهو اسم أعجمي عنده كهابيل.

وذكر الفراء: كسر النون لالتقاء الساكنين كما قالوا: جَيْرٍ لا أَفْعَل.

قال ابن عباس: "يس" قسم أقسم الله به وهو من أسمائه تعالى ذكره.

وعنه أيضاً: "يس" يا إنسان، يريد محمداً ﷺ.

وروى عكرمة عنه: "يس": يا إنسان، بالحبشية.

وقال مجاهد: "يس" مفتاح كلام افتتح الله جل ذكره به كلامه.

وقال قتادة: (كل هجاء) في القرآن فهو اسم من أسماء القرآن.

وقال الزجاج: جاء في التفسير "يس" معناه: يا إنسان، وجاء (يا) رجل، وجاء: يا محمد.

* *

وقوله: ﴿وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ﴾ قسم، والحكيم: المحكم آياته.

﴿إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ جواب القسم، (أي) لمن المرسلين بوحي الله إلى عباده.

﴿عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي: على طريق لا اعوجاج فيه، وهو الإسلام، قاله قتادة.

وقيل: على طريق الأنبياء قبلك.

والوقف على ﴿يسۤ﴾ جائز إذا جعلته اسماً للسورة، أو تنبيهاً.

ولا يحسن الوقف على ﴿ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ لأن ما بعده متعلق به.

و (قد) أجازه أبو حاتم. وهو غلط.

ثم قال (تعالى): ﴿تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ﴾ من رفعه جعله خبراً ثانياً لإنَّ. ويجوز رفعه على إضمار مبتدأ، أي: هذا القرآن تنزيل المنيع بسلطانه وقدرته، الشديد في انتقامه ممن كفر به الرحيم بخلقه.

ومن نصب "تنزيل" فعلى المصدر، أي: نزله تنزيلاً.

ولا يحسن الوقف على "الرحيم"، لأن اللام بعده متعلقة بما قبله، أي نزله تنزيلاً لتنذر.

ويجوز أن يتعلق بالمرسلين، أي: إنك لمن المرسلين لتنذر.

(والمعنى لتنذر) يا محمد قوماً لم يُنْذَر آباؤُهم من قبلهم، قاله قتادة فما جحد.

وقال عكرمة: قد أُنْذِرَ آباؤهم. فتكون "ما" والفعل مصدراً [أي إنذاراً مثل إنذار آبائهم. ويجوز أن تكون "ما" بمعنى الذي على هذا القول]، أي لتنذر قوماً الذي أُنْذِرَ آباؤهم، أي: الذي أُنْذِرُوا.

﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ أي: غافلون عن دين الله وما الله صانع بهم إن ماتوا على كفرهم به.

وهذا يدل على أن (ما) نافية، لأنهم لو كان آباؤهم أنذِروا لم يكونوا غافلين. ويدل على ذلك أيضاً قوله (تعالى): ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ﴾ [سبأ: ٤٤].

* *

ثم قال: ﴿لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ﴾ أي: وجب عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون.

وقيل: معناه: وجب (عليهم العذاب)، كما قال: ﴿وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١].

وهذا إثبات للقدر، وأن الأمر كله قد قدره الله وفرغ منه، فحق وقوعه على ما قدره وعلمه.

وكذلك: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً﴾ [يس: ٩] الآية. كله يدل على أن القدر قد سبق في علم الله، يضل من يشاء فَيَخْذِلُهُ، ويهدي من يشاء فيوفقه.

* *

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ﴾ قال الضحاك: معناه: منعناهم من النفقة في سبيل الله (كما) قال: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩].

وقيل: ذلك يوم القيامة إذا دخلوا النار.

فجعل (بمعنى يجعل).

قال الطبري: التقدير: إنا جعلنا أيمان هؤلاء الكفار مغلولة إلى أعناقهم بالأغلال فلا تنبسط لشيء (من) الخير.

وفي قراءة ابن عباس وابن مسعود: ((إنَّا جَعَلْنَا) فِي أَيْمَانِهِمْ أَغْلالاً) وقرأ بعضهم: "في أَيْدِيهِمْ".

والكناية في (فهي) ترجع إلى الإيمان، (لأن) الكلام دل على الأيمان، لأن الغل لا يكون في العنق دون اليد ولا في اليد دون (العنق).

فالمعنى: فالأيدي إلى الأذقان. والذَّقْنُ مُجْتَمَعُ اللِّحْيَيْنِ. ثم قال: ﴿فَهُم مُّقْمَحُونَ﴾.

قال مجاهد: رافعوا رؤوسهم [و] أيديهم على أفواههم.

وقال قتادة: ﴿مُّقْمَحُونَ﴾ مغللون عن كل خير.

(و) قال أبو عبيدة: (هو الذي) يحدث وهو رفع رأسه.

قال الفراء: هو الرافع رأسه الغاض بصره.

وقيل: المقمح: الرافع رأسه لمكروه نزل به.

وأراهم علي بن أبي طالب الإقماح فجعل يديه تحت لحييه وألصقهما ورفع رأسه.

(وحكى) الأصمعي: أكْمَحْتَ الدابة إذا أَخَذْتَ لجامها لترفع رأسها والكاف بدل من القاف وقالوا: (الكانونين) شَهْرَا قِمَاحٍ لرفع الإبل فيهما رؤوسها عند الماء لبرده.

36:9–19Page 440

وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ سَدّٗا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدّٗا فَأَغۡشَيۡنَٰهُمۡ فَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ ٩

And We have put before them a barrier and behind them a barrier and covered them, so they do not see.

وَسَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠

And it is all the same for them whether you warn them or do not warn them - they will not believe.

إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكۡرَ وَخَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِۖ فَبَشِّرۡهُ بِمَغۡفِرَةٖ وَأَجۡرٖ كَرِيمٍ ١١

You can only warn one who follows the message and fears the Most Merciful unseen. So give him good tidings of forgiveness and noble reward.

إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمۡۚ وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ ١٢

Indeed, it is We who bring the dead to life and record what they have put forth and what they left behind, and all things We have enumerated in a clear register.

وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلًا أَصۡحَٰبَ ٱلۡقَرۡيَةِ إِذۡ جَآءَهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ١٣

And present to them an example: the people of the city, when the messengers came to it -

إِذۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱثۡنَيۡنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزۡنَا بِثَالِثٖ فَقَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَيۡكُم مُّرۡسَلُونَ ١٤

When We sent to them two but they denied them, so We strengthened [them] with a third, and they said, "Indeed, we are messengers to you."

قَالُواْ مَآ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَكۡذِبُونَ ١٥

They said, "You are not but human beings like us, and the Most Merciful has not revealed a thing. You are only telling lies."

قَالُواْ رَبُّنَا يَعۡلَمُ إِنَّآ إِلَيۡكُمۡ لَمُرۡسَلُونَ ١٦

They said, "Our Lord knows that we are messengers to you,

وَمَا عَلَيۡنَآ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٧

And we are not responsible except for clear notification."

قَالُوٓاْ إِنَّا تَطَيَّرۡنَا بِكُمۡۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهُواْ لَنَرۡجُمَنَّكُمۡ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨

They said, "Indeed, we consider you a bad omen. If you do not desist, we will surely stone you, and there will surely touch you, from us, a painful punishment."

قَالُواْ طَٰٓئِرُكُم مَّعَكُمۡ أَئِن ذُكِّرۡتُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ ١٩

They said, "Your omen [i.e., fate] is with yourselves. Is it1 because you were reminded? Rather, you are a transgressing people."

قوله (تعالى ذكره): ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً﴾ إلى قوله ﴿قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ قد تقدم ذكر السَّدِّ والسُّدِّ في الكهف، والمعنى: جعلنا من بين أيدي هؤلاء الكفار حاجزاً ومن خلفهم حاجزاً.

﴿فَأغْشَيْنَاهُمْ﴾ أي: جعلنا على أعينهم غشاوة.

وروي عن ابن عباس وعكرمة ويحيى بن يعمر: "فَأَعْشَيْنَاهُمْ"، بالعين غير معجمة من عَشَى العين.

قال الطبري في "سُدّاً": من فتح كان من فعل بني آدم، وإذا كان من فعل الله كان بالضم.

وقيل: معناه أنهم زين لهم سوء أعمالهم فهم يعمهون فلا يبصرون شيئاً.

قال مجاهد: سداً عن الحق فهم يترددون.

وقال ابن زيد: جعل هذا السد بينهم وبين الإسلام والإيمان فهم لا يخلصون إليه. وقرأ: ﴿وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ﴾، وقرأ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦]، وقرأ شبه ذلك.

وقيل: هو تمثيل، والمعنى: أنه تعالى منعهم من الهدى بالضلال فلم ينتفعوا بالإنذار.

قال ابن إسحاق: جلس عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل وأمية بن خلف يرتصدون النبي ﷺ ليبلغوا من أذاه، فخرج عليهم فقرأ أول ﴿يسۤ﴾ وفي يده تراب فرماهم به، وقرأ: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً﴾ إلى رأس العشر، فأطرقوا حتى مر رسول الله ﷺ.

وقال ابن عباس: أقسم أبو جهل لئن رأيت محمداً يصلي لأدمغنه، فأخذ حجراً والنبي عليه السلام يصلي ليرميه به، فلما أومأ به إليه رجعت يده إلى عنقه والتصق الحجر بيده، فهو قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً﴾ [يس: ٨].

قال عكرمة: كانوا يقولون: هذا محمد، فيقول أبو جهل: أين هو؟ أين هو؟ لا يبصره.

* *

ثم قال: ﴿وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ﴾ أي: الإنذار وتركه على هؤلاء الذين حق عليهم القول سواء، فهم لا يؤمنون لما سبق لهم في أم الكتاب، وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩].

قال ابن عباس: ما آمن منهم أحد، يريد من القوم الذين تقدم ذكرهم.

* *

ثم قال: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ﴾ أي: من آمن بالقرآن.

﴿وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ﴾ أي: وخاف الله حين يغيب عن أبصار الناس لأن المنافق يستخف بدين الله إذا خلا.

ويجوز أن يكون المعنى: وخاف الله من أجل ما أتاه من الأخبار التي غابت عنه فلم يعاينها، ولكنه صدقها فخاف من عواقبها، فهو مثل قوله: ﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣].

* *

ثم قال: ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ أي: بستر من الله لذنوبه إذا اتبع الذكر وخاف الله.

﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ أي: وثواب في الآخرة حسن، وذلك الجنة.

ثم قال: (تعالى ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ﴾ يعني في الآخرة للنشور.

﴿وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ﴾ أي: من أعمالهم في الخير والشر. وتقديره: ونكتب ذكر ما قدموا.

﴿وَآثَارَهُمْ﴾ أي: ما أخروا بعدهم من الأعمال والسنن التي يتبعون عليها (ويقتدى بهم فيها). فهو ما أبقى الرجل بعده من عمل يجري عليه ثوابه أو إثمه. وقيل هو تصرفهم وتقلبهم في (الدنيا) وخطاهم مكتوب (كله).

وروي أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا أن يقربوا من مسجد رسول الله ﷺ ليقرب عليهم. فيكون المعنى: ونكتب ثواب خطاهم ومشيهم إلى المسجد على بعد مساكنهم وقربها.

قال ابن عباس: كانت (منازل) الأنصار متباعدة من المسجد فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فنزلت ﴿وَنَكْتُبُ مَاَ (قَدَّمُواْ) وَآثَارَهُمْ﴾ فقالوا: نثبت مكاننا.

وقال جابر: أَرَادَ بَنُو سَلِمَة قُرْبَ المَسْجِدِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "يَا بَنِي سَلِمَةَ دِيَّارَكُمْ إِنَّهَا تُثْبَتُ آثَارُكُمْ

وقال مجاهد و (الحسن) وقتادة: آثارهم خطاهم.

قال جابر بن عبد الله: "هَمَمْنَا أَنْ نَنْتَقِلَ إِلَى قُرْبِ المَسْجِدِ، واسْتَشَرْنَا رَسُولَ الله ﷺ، فَقَالَ: "امْكُثُوا (مَكَانَكُمْ)، فَإِنَّ لَكُمْ فَضِيْلَةٌ عَلَى مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْكُمْ بِكُلِّ خُطْوَةٍ دَرَجَةً

وروى جابر أنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فقال: يَا رَسُولَ الله أَرَدْنَا أَنْ نَتَحَوَّلَ إِلَى قُرْبِ المَسْجِدِ، فَقَالَ النَّبِيُّ: "لا تَفْعَلُوا فَإِنَّ بِكُلِّ خُطْوَةٍ (حَسَنَةً)"

وروى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ أنه قال: "يُكْتَبُ لَهُ بِرِجْلٍ حَسَنَةً وَيُحَطُّ عَنْهُ بِرِجْلٍ سَيِّئَةً ، ذَاهِباً وَرَاجِعاً إِذَا خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ

ثم قال (تعالى): ﴿وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ أي: ما كان وما هو كائن أثبتناه في أم الكتاب. ومعنى ﴿مُّبِينٍ﴾ أي: بَيّنٍ عن حقيقة ما أثبت فيه، وهو اللوح المحفوظ. قاله مجاهد وقتادة وابن زيد.

ثم قال (تعالى): ﴿وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ﴾ أي: اذكر لهم يا محمد مثلاً ومثل لهم مثلاً.

يقال هذا من ضرب هذا، أي: من أمثاله وجنسه.

أصحاب القرية بدل من مثل، والتقدير مثل أصحاب القرية.

قال عكرمة: هي أَنْطَاكِيَة.

وقاله الزهري.

وهو مروي عن ابن عباس أيضاً.

قال قتادة: ذُكِرَ لنا أن عيسى بن مريم عليهما السلام بعث رجلين من الحواريين إلى أنْطاكِيَة مدينة الروم فكذبوهما، فقواهما الله بثالث فكذبوهم.

وقال وهب بن منبه: كان بمدينة أنطاكية فرعون من الفراعنة يعبد الأصنام، يقال له: أنطيخس بن أنطيخس بن أنطيخس، فبعث الله (إليه) المرسلين وهم ثلاثة صَادِقٌ وصَدُوقٌ وَشَلُومٌ، فقدم الله إليه وإلى أهل مدينته اثنين منهم فكذبوهما، وهو قوله: ﴿قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ أي: لستم بملائكة، إنما أنتم بنو آدم مثلنا فلا نقبل منكم، ﴿وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ﴾ قالت الرسل: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾.

(أي من عنده)، ﴿وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾ أي: ليس يلزمنا إلا أن نبلغ إليكم ما أُرْسِلْنا به (إليكم) ونبينه لكم. قال وهب: ثم عزز الله بثالث، فلما دعته الرسل ونادته بأمر الله وعابت دينه قالوا لهم: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ أي: تَشَاءَمْنا بِكُمْ، ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾، أي: لئن لم تسكتوا عما تقولون لنقتلنكم رجماً ولنعذبنكم عذاباً (أليماً).

وتأول الفراء: أن الثالث أرسل قبل الاثنين، وأنه شمعون ولو كان كما قال لكان القرآن: فعززنا بالثالث.

ومعنى: ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ فقوينا وشددنا، وأصله من عَزَّنِي إذا غلبني، ومنه قوله: ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]، أي غلبني.

ثم قال (تعالى): ﴿قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾ أي: قالت لهم الرسل لما تشاءموا بهم: أعمالكم معكم وحظكم من الشر والخير معكم ليس ذلك من شؤمنا، أَمِنْ أجل أنَّا ذَكَّرْنَاكُمْ بالله وبعقابه تطيرتم بنا.

وقيل: التقدير: قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم فمعكم طائركم، يقدره على التكرير، وهو مذهب بعض البصريين.

وقرئت ﴿أَئِن ذُكِّرْتُم﴾ بهمزتين مفتوحتين.

والمعنى: لأن ذُكِّرْتُم تطيرتم بنا فهو على ما مضى، وقراءة الجماعة على ما يأتي.

﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ أي: في المعاصي.

36:20–31Page 441

وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٠

And there came from the farthest end of the city a man, running. He said, "O my people, follow the messengers.

ٱتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرٗا وَهُم مُّهۡتَدُونَ ٢١

Follow those who do not ask of you [any] payment, and they are [rightly] guided.

وَمَالِيَ لَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٢

And why should I not worship He who created me and to whom you will be returned?

ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدۡنِ ٱلرَّحۡمَٰنُ بِضُرّٖ لَّا تُغۡنِ عَنِّي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يُنقِذُونِ ٢٣

Should I take other than Him [false] deities [while], if the Most Merciful intends for me some adversity, their intercession will not avail me at all, nor can they save me?

إِنِّيٓ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٢٤

Indeed, I would then be in manifest error.

إِنِّيٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمۡ فَٱسۡمَعُونِ ٢٥

Indeed, I have believed in your Lord, so listen to me."

قِيلَ ٱدۡخُلِ ٱلۡجَنَّةَۖ قَالَ يَٰلَيۡتَ قَوۡمِي يَعۡلَمُونَ ٢٦

It was said, "Enter Paradise."1 He said, "I wish my people could know

بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ ٢٧

Of how my Lord has forgiven me and placed me among the honored."

۞ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِن جُندٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ٢٨

And We did not send down upon his people after him any soldiers from the heaven, nor would We have done so.

إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ خَٰمِدُونَ ٢٩

It was not but one shout,1 and immediately they were extinguished.

يَٰحَسۡرَةً عَلَى ٱلۡعِبَادِۚ مَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٣٠

How regretful for the servants. There did not come to them any messenger except that they used to ridicule him.

أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ أَنَّهُمۡ إِلَيۡهِمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ٣١

Have they not considered how many generations We destroyed before them - that they to them1 will not return?

قوله (تعالى ذكره): ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ (يَسْعَىٰ)﴾ إلى قوله: ﴿إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾.

قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس وعن كعب الأحبار وعن وهب بن منبه: أن رجلاً من أهل أنطاكية، اسمه حبيب النجار، (كان) يعمل الجرير، وكان سقيماً (قد أسرع فيه) الجذام ، وكان منزله عند باب من أبواب المدينة (قاصياً)، وكان مؤمناً ذا صدقة يجمع كسبه إذا أمسى فيقسمه نصفين، فيطعم نصفه عياله ويتصدق بنصفه فلم يهمه سقمه ولا عمله ولا ضعفه عن عمل ربه، فلما اجتمع قومه - يعني أهل أنطاكية - على قتل الرسل بلغ ذلك حبيباً وهو على باب المدينة الأقصى فجاء يسعى إليهم ويذكرهم الله ويدعوهم إلى اتباع المرسلين، فقال لهم ما قص الله علينا.

قال قتادة: ذُكِرَ لنا أن اسمه حبيب وكان يعبد ربه في غار.

ويروى أنه كان نجاراً، وقيل: (إنه) كان حطاباً، لما بلغه أمر الرسل أتى مسرعاً بحزمته فآمن، وقال للناس: ﴿يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾.

ثم أقبل على المرسلين فقال: أتريدون مالاً نعطيكم، فقالوا: لا، فأقبل على الناس يقول: ﴿ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ فقيل له: أَفأَنْتَ تتبعهم، فقال: ﴿وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي﴾، إلى قوله: ﴿ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، ثم أقبل على المرسلين فقال لهم: ﴿إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فتألب عليه الناس فقتلوه.

قال ابن عباس: هو حبيب النجار.

ويروى أنه لما سمع بخبر الرسل جاء يسعى فقال لهم: أتطلبون (على) ما جئتم به أجراً، قالوا: لا، فأقبل على قومه فقال: ﴿يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ﴾ يقول هذا للرسل.

قال قتادة: فرجمه قومه، فقال: اللهم اهد قومي، أحسبه قال: فإنهم لا يعلمون، فقتلوه رجماً، فأدخله الله الجنة، فلم ينظر الله قومه حتى أهلكهم.

روي أن جبريل ﷺ وضع جناحاً في أقطارها فقلبها عليهم فبقوا خامدين ساكتين.

وعن كعب الأحبار أنه قال: الرسولان والذي جاء يسعى خُدَّ لهم أُخْدود وحرقوا بالنار فيه.

وأكثر الناس على أن الرسل كانوا من حواريي عيسى عليه السلام، تنبأهم الله بعد عيسى، وأرسل منهم اثنين إلى أنطاكية فكذبوهما وضربوهما وحبسوهما، فقواهم الله برسول ثالث.

وقد قيل: إن الثالث شمعون، (وهو) من أصحاب عيسى، وأنه أرسل قبل الاثنين إلى أنطاكية فكذبوه، وإلى ذلك ذهب الفراء.

قال كعب ووهب: وثبوا على الذي جاء يسعى وثبة رجل واحد فقتلوه. وقوله: ﴿وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ أي: على استقامة من الحق، فاهتدوا بهداهم.

ولا يحسن الوقف على "المرسلين" لأنَّ مَنْ بدل "من" المرسلين بإعادة الفعل.

* *

وقوله: ﴿وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي﴾ (أي): وأَي شيء لي في ترك عبادة خالقي.

﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: تصيرون أيها القوم.

قال ابن إسحاق على روايته عن ابن عباس وكعب ووهب: فنادى قومه بخلاف ما هم عليه وأظهر لهم دينه، وعاب آلهتهم فقال: ﴿أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونَ﴾.

أي: لا تشفع لي آلهتكم عند ربي إذا عذبني على الكفر ولا ينقذون من عذابه، ولا تدفع عني ضراً ولا تجلب إليَّ نفعاً.

ثم قال (تعالى): ﴿إِنِّيۤ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: لفي جور عن الحق ظاهر، إن اتبعت آلهتكم وعبدتها من دون الله.

* *

ثم قال: ﴿إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ﴾.

قال ابن إسحاق: هذا مخاطبة لقومه.

والمعنى: أني آمنت بربكم الذي كفرتم به فاسمعوا قولي.

[وقيل بل خاطب بذلك الرسل قال لهم: اسمعوا قولي فاشهدوا لي] بما أقول لكم عند ربي، فعندما قال هذا وثبوا عليه فقتلوه.

قال ابن مسعود وابن عباس وكعب ووهب: وثبوا عليه فوطؤوه بأقدامهم على سقمه ومرضه حتى مات.

* *

ثم قال: ﴿قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ قَالَ يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ﴾ قال هذا بعد أن قتل.

* *

وقوله: ﴿فَٱسْمَعُونِ﴾ هو آخر قوله لقومه في الدنيا، وبه تم كلامه. ثم حكي الله عنه حاله في الآخرة وما قال وما قيل له بقوله: ﴿قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ﴾.

وقد قيل: إنه إخبار من الله عما يقال له يوم القيامة وما يقول، (أي): فلما قتلوه قيل له: ادخل، (فلما) دخلها وعاين ما أكرمه (الله به)، قال: يا ليت قومي يعلمون بغفران ربي لي، وجعله إياي من المكرمين. (أي): فعل ذلك على إيماني، فلو عاينوا ذلك لآمنوا واستوجبوا مثل ما استوجبت.

قال النبي ﷺ: "نَصَحَ قَوْمَهُ حَيّاً وَمَيِّتاً

قال قتادة: فلما دخلها، قال ذلك، فلا تلقى المؤمن إلا ناصحاً.

(فما) والفعل مصدر، ويجوز أن تكون بمعنى الذي.

ثم قال (تعالى): ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: من رسالة ولا نبي بعد قتله، قاله قتادة ومجاهد.

وعن ابن مسعود: أن المعنى: أن الله غضب لقتله غضبة فعجل لهم النقمة بما استحلوا منه فلم يبعث إليهم جنوداً من السماء بعد قتله، وما كانت إلا صيحة واحدة فلم يبقَ منهم باقية قال قتادة: فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله حتى أهلكهم. وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ ظاهر الكلام أن "ما" نافية.

وقال بعض أهل النظر: "ما" اسم في موضع خفض على "جند" على اللفظ، أو في موضع نصب عطف على موضع جند لأن "من" زائدة. وتقديره: وما أنزلنا على قومه من جند من السماء، وما كنا منزلين على الأمم الكافرة من نحو الحجارة والغرق والمسخ والريح وغير ذلك، إنما أخذتهم صيحة فهلكوا.

* *

وقوله: ﴿إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ أي: ما كانت عقوبتهم على قتله إلا صيحة واحدة.

وقيل: التقدير: وما كانت هلكتهم إلا صيحة.

وقرأ أبو جعفر: برفع الصيحة الواحدة، على أنه اسم كان، والتقدير: إن كانت عليهم إلا صيحة واحدة.

وقيل: التقدير: إن وقعت إلا صيحة.

ومنعه أبو حاتم لأجل التأنيث الذي مع الفعل، وقال: لا يجوز: ما جاءتني إلا جارياتك وإنما يقال: ما جاءني (لأن التقدير ما جاءني) أحد. وهذا الذي منع جائز على أن يكون التقدير: ما جاءتني امرأة إلا جاريتاك.

وقول أبي حاتم أولى لأنه نفي عام فلا يضمر إلا أحد.

وفي حرف ابن مسعود: "إِنْ كَانَتْ إِلاَّ زَقْيَةً واحدة" بالرفع. (وزقية) في موضع صيحة.

والمعروف في اللغة: زقا يزقو زقوة: إذا صاح، ولا يُقْرَأُ به لأنه مخالف لخط المصحف.

* *

وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ أي: هالكون وساكتون بمنزلة الرماد الخامد.

ثم قال (تعالى): ﴿يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ﴾ أي: تعالي يا حسرة فهذا إبانك ووقتك يَتَحَسَّرُ بِكِ العباد على أنفسهم. هذا مذهب سيبويه. ونصبت لأنها نكرة.

وقال الطبري: معناه: يا حسرة من العباد على أنفسهم وتندماً وتلهفاً في استهزائهم برسل الله.

وذُكِر أن في بعض القراءات: "يا حسرة على العباد على أنفسها".

روي عن قتادة: يا حسرة العباد على أنفسها ما ضيعت من أمر ربها وفرطت في جنب الله.

قال ابن عباس: "يا حسرة على العباد" معناه: يا ويلاً على العباد.

وقال أبو العالية: العباد هنا الرسل. والمعنى أن الكفار لما رأوا العذاب قالوا: يا حسرة على العباد، أي: على الرسل الثلاثة الذين أرسلوا إليهم، تحسروا عليهم أن يؤمنوا بهم.

ثم قال الله جل ذكره: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.

وقال بعض أهل اللغة: (المعنى): يا لها حسرة على العباد. وحقيقة الحسرة أن يلحق الإنسان من الندم ما يصير به حسيراً، أي منقطعاً.

ثم قال (تعالى): ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ﴾ أجاز الفراء أن تكون "كم" في موضع نصب يروا، واستدل على ذلك أن في حرف ابن مسعود: "أَلَمْ يَرَوا مَن أهلكنا".

ولا يجوز هذا عند البصريين لأن "كم" استفهام، ولا يعمل فيها ما قبلها. والعامل فيه أهلكنا، وأنها عند سيبويه بدل من كم. ورد ذلك عليه المبرد، والتقدير عنده: بأنهم.

والمعنى: الم ير هؤلاء المشركون من قومك يا محمد كم أهلكنا قبلهم من القرون بتكذيبهم الرسل، فيخافوا أن ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك، أي: ألم يعلموا ذلك.

وقرأ الحسن: "إِنَّهُم" بالكسر على الاستئناف.

﴿لاَ يَرْجِعُونَ﴾: لا يعودون بعد موتهم وهلاكهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском