Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic
Ya-Sin 36:32–64
36:32–40Page 442
وَإِن كُلّٞ لَّمَّا جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ ٣٢
And indeed, all of them will yet be brought present before Us.
وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلۡأَرۡضُ ٱلۡمَيۡتَةُ أَحۡيَيۡنَٰهَا وَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهَا حَبّٗا فَمِنۡهُ يَأۡكُلُونَ ٣٣
And a sign for them is the dead earth. We have brought it to life and brought forth from it grain, and from it they eat.
وَجَعَلۡنَا فِيهَا جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ وَفَجَّرۡنَا فِيهَا مِنَ ٱلۡعُيُونِ ٣٤
And We placed therein gardens of palm trees and grapevines and caused to burst forth therefrom some springs -
لِيَأۡكُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتۡهُ أَيۡدِيهِمۡۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ ٣٥
That they may eat of His fruit.1 And their hands have not produced it,2 so will they not be grateful?
سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ وَمِنۡ أَنفُسِهِمۡ وَمِمَّا لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦
Exalted is He who created all pairs1 - from what the earth grows and from themselves and from that which they do not know.
وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلَّيۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظۡلِمُونَ ٣٧
And a sign for them is the night. We remove1 from it the [light of] day, so they are [left] in darkness.
وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِي لِمُسۡتَقَرّٖ لَّهَاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٣٨
And the sun runs [on course] toward its stopping point. That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.
وَٱلۡقَمَرَ قَدَّرۡنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِيمِ ٣٩
And the moon - We have determined for it phases, until it returns [appearing] like the old date stalk.
لَا ٱلشَّمۡسُ يَنۢبَغِي لَهَآ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ وَلَا ٱلَّيۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ وَكُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ ٤٠
It is not allowable [i.e., possible] for the sun to reach the moon, nor does the night overtake the day, but each, in an orbit, is swimming.
قوله (تعالى ذكره): ﴿وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.
أي: الكل محضرون يوم القيامة.
و "ما" زائدة عند أبي عبيدة، والتقدير: وإن كل لجميع محضرون.
و "إِنْ" مخففة من الثقيلة، وكل مبتدأ، (والجميع) الخبر.
ويجوز أن يكون جميع بدلاً من ما، أو نعتاً لها، والتقدير: وإن كل لخلق أو لبشر جميع، وحسن كون "ما" لذلك لأن من يعقل وما لا يعقل أن يحضر يوم القيامة من بهيمة وإنسان.
ومن شدد فهي بمعنى إلا، حكى سيبويه: سألتك بالله لّما فعلت، بمعنى: إلا فعلت.
وأنكر الكسائي هذا.
وقال الفراء: المعنى لَمِنَ مَا جميع، ثم أدغم وحذفت إحدى الميمات تخفيفاً كما يقال: (عَلْمَاءِ بنو فلان). فيحذفون ويدغمون، والأصل: عَلَى المَاءِ.
ثم قال (تعالى): ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾ أي: دلالة لهؤلاء المشركين على قدرة الله وتوحيده: إحياؤنا للأرض الميتة بالمطر، ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ أي: في الأرض التي أُحْيِيَتْ بالمطر، ﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ﴾ أي: عيون الماء ليشربوا منها ويسقوا ثمارهم.
* *
ثم قال: ﴿لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ الهاء في ثمره تعود على ماء العيون، لأن الثمر من الماء اندرج وتَكَوَّنَ، فأضيف إليه، أي: فعلنا لهم ذلك ليأكلوا ثمرة النخيل والأعناب. ووحد الثمر في قوله ﴿ثَمَرِهِ﴾ فوحد الضمير، لأن العرب تأتي بالاثنين وتقتصر على خبر أحدهما.
ومن فتح الثاء جعله جمع ثَمَرَةٍ وثَمَرٍ كَخَشَبَةٍ وَخَشَبٍ.
ومن ضم جمع ثمرة على ثمار، ثم جمع ثماراً على ثُمُرٍ كحمار وحُمُرٍ، ويجوز أن يكون جمع ثمرة أيضاً كخشبة وخشب.
وقوله (تعالى): ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: ومن ثمر الذي عملته أيديهم، يعني الذي غرسوا وزرعوا.
ويجوز أن تكون "ما" نافية، أي لم يعمل ذلك الذي أحياه المطر أيديهم.
ومن حذف الهاء في "عملته" جعل "ما" والفعل مصدراً، او نافية، أو بمعنى الذي لا غير.
ومن أثبتها جعلها بمعنى الذي لا غير.
﴿أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾ أي: يشكر هؤلاء على هذه النعم.
ثم قال (تعالى): ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ (أي): تنزيهاً وتبرئة لله جل ذكره مما يضيف إليه هؤلاء المشركون من الشركاء، وهو الذي خلق الألوان كلها والأجناس كلها من نبات الأرض.
﴿وَمِنْ أَنفُسِهِمْ﴾، أي: وخلق من أولادهم ذكوراً وإناثاً.
﴿وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: وخلق أجناساً من الأشياء التي لم يطلعهم الله عليها.
ثم قال (تعالى): ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ﴾، أي: وعلامة أيضاً لهم على قدرة الله وتوحيده: الليل ينزع منه ضياء النهار.
﴿وَمِنْ﴾ هنا بمعنى (عن)، أي: ينزع عنه ضياء النهار، ومثله: ﴿فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥] أي : عنها وتركها.
* *
وقوله: ﴿فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾ أي: صاروا في ظلمة.
وقال قتادة: معناه: يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل.
وهذا بعيد في التأويل ليس هذا موضعه ولا يدل عليه الكلام. وحقيقة سلخت: أزلت الشيء من الشيء وخلصته منه حتى لم يبق منه شيء.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا﴾ أي: لموضع قرارها.
قال القتبي: مستقرها أقصى منازلها في الغروب لا تتجاوزه، يعني إلى أبعد مغاربها ثم ترجع.
وروى أبو ذر أن النبي ﷺ قال: "عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَا أَبَا ذَرّ أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ الشَّمْسُ؟ فقلت: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ، إِنَّهَا تَذْهَبُ فَتَسْجُدُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهَا جَلَّ ثَنَاؤُهْ, ثُمَّ تَسْتَأْذِنُ بِالرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّها قَدْ قِيْلَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلَعُ مِنْ مَكَانِهَا وَذَلِكَ مُسْتَقَرُّها
وروى أبو ذر أيضاً قال: "سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا﴾ فقال: مستقرها تحت العرش
قال قتادة: لمستقرها وقت واحد لا تعدوه.
وقيل: المعنى: (إنها) تجري إلى أبعد منازلها في الغروب ثم ترجع فلا تتجاوزه، وذلك أنها لا تزال تتقدم كل ليلة حتى تنتهي إلى أبعد مطالعها ثم ترجع.
وعن أبي ذر قال: "قُلْتُ (يا) رَسُولَ الله ﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا﴾ قَالَ: بَيْنَ يَدَيْ العَرْشِ
وروي عن ابن عباس أنه قرأ: "لا مُسْتَقَرٌّ لَهَا"، على معنى: هي جارية لا تثبت في موضع واحد: أي هي كل ليلة في موضع لا تكون فيه في الليلة التي تليها تتقدم أو تتأخر.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ أي: هذا الذي تجري عليه الشمس من التقدير، هو تقدير العزيز في انتقامه العليم بمصالح خلقه.
ثم قال (تعالى): ﴿وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [أي: وآية لهم القمر قدرناه منازل.
وقيل: التقدير: قدرنا له منازل، ثم حذفت اللام واتصل الضمير، كمنزلة: ﴿كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣]، والمعنى: قدرناه منازل في النقص والزيادة والتمام، فهو منذ يطلع كل ليلة في منزلة - ومنازله ثمانية وعشرون منزلة (معروفة) - ثم يستتر ليلتين فلا يُرى.
﴿حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ﴾ أي: في النقص كالعذق اليابس من القدم لأن العذق كلما قدم يبس وتقوس وانحنى، ولا يوجد مستوياً أبداً لا أخضر ولا يابس، فكذلك القمر في آخر الشهر ينقص ويتقوس وينحني. هذا قول ابن عباس وقتادة والحسن وغيرهم.
والعِذق بكسر العين هو الكِبَاسَة والقنو. وأهل مصر يسمونه الإسْبَاطَة.
والعَذَقُ بفتح العين هو النخلة.
ثم قال (تعالى): ﴿لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ﴾ أي: لا ينبغي ولا يمكن للشمس أن تدرك القمر فيذهب ضوؤه بضوئها (فتكون الأوقات كلها نهاراً.
﴿وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ﴾ أي: ليس يفوته بظلمته). فتكون الأوقات كلها مظلمة ليلاً. وفي هذا - لو كان - إبطال التدبير الذي بنيت عليه الدنيا، ألا ترى أن الدنيا إذا ذهبت، وزال تدبير الشمس والقمر جمع بينهما. قال الله جل ذكره في حال يوم القيامة: ﴿وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩]، ففي جمعهما زوال تدبير الدنيا بنهار بعد ليل وليل بعد نهار، فليس في الآخرة ليل يدخل على النهار، ولا شمس ولا قمر، وذلك تدبير آخر، تبارك الله أحسن الخالقين.
قال الضحاك: معناه: إذا طلعت الشمس لم يكن للقمر ضوء، وإذا طلع القمر لم يكن للشمس ضوء. وهو معنى قول ابن عباس.
قال قتادة: لِكُلِّ (حد) وعلم لا يعدوه ولا يقصر دونه، إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا.
وعن ابن عباس في الآية: إذا اجتمعا في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر، وإذا غابا غاب أحدهما بين يدي الآخر.
وقيل: المعنى: إن القمر في السماء الدنيا والشمس في السماء الرابعة فلا يدرك أحدهما الآخر.
وقيل: المعنى: إن سير القمر سير سريع، والشمس سيرها بطيء فهي لا تدركه.
وَسُئِلَ ابن عمر، فقيل له: ما بال الشمس تصلانا أحياناً، وتبرد أحياناً؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء، قال: لو كانت كذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته.
* *
وقوله: ﴿وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ﴾. استدل به بعض العلماء على أن النهار مخلوق قبل الليل، وأن الليل لم يسبقه بالخلق.
وقيل: المعنى: إن كل واحد منهما يجيء في وقته ولا يسبق صاحبه.
* *
ثم قال: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (أي): وكل ما ذكرنا من الشمس والقمر والليل والنهار في فلك يجرون.
قال ابن عباس: في فَلَكٍ كَفَلَكِ المغزل. وجاء يسبحون بالواو لأنه لما أخبر عنهن بلفظ من يعقل أجرى ضميرهم مجرى ضمير من يعقل ولم يقل يسبحن، ولو قيل لَحَسُنَ، ولكن جاء على هذا المعنى.
36:41–51Page 443
وَءَايَةٞ لَّهُمۡ أَنَّا حَمَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ٤١
And a sign for them is that We carried their forefathers1 in a laden ship.
وَخَلَقۡنَا لَهُم مِّن مِّثۡلِهِۦ مَا يَرۡكَبُونَ ٤٢
And We created for them from the likes of it that which they ride.
وَإِن نَّشَأۡ نُغۡرِقۡهُمۡ فَلَا صَرِيخَ لَهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنقَذُونَ ٤٣
And if We should will, We could drown them; then no one responding to a cry would there be for them, nor would they be saved
إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ ٤٤
Except as a mercy from Us and provision for a time.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيكُمۡ وَمَا خَلۡفَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٤٥
But when it is said to them, "Beware of what is before you and what is behind you;1 perhaps you will receive mercy..."2
وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٤٦
And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they are from it turning away.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنُطۡعِمُ مَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطۡعَمَهُۥٓ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٤٧
And when it is said to them, "Spend from that which Allāh has provided for you," those who disbelieve say to those who believe, "Should we feed one whom, if Allāh had willed, He would have fed? You are not but in clear error."
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٨
And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"
مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ ٤٩
They do not await except one blast1 which will seize them while they are disputing.
فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ تَوۡصِيَةٗ وَلَآ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمۡ يَرۡجِعُونَ ٥٠
And they will not be able [to give] any instruction, nor to their people can they return.
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يَنسِلُونَ ٥١
And the Horn will be blown;1 and at once from the graves to their Lord they will hasten.
قوله (تعالى ذكره): ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ (فِي ٱلْفُلْكِ)﴾ إلى قوله: ﴿إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾.
أي: وآية لأهل مكة أنا حملنا ذريات نوح في الفلك المشحون، أي: الموقر. فالضميران على هذا مختلفان.
وقد قيل: إن المعنى: وآية لأهل مكة أنا حملنا أولادهم وضعفاءهم ومن لا يقدر على المشي في السفينة في البحر. فالضميران متفقان، والفلك في القول الأول سفينة نوح واحد في المعنى.
وقيل: المعنى: إن الآباء يسمون ذرية. فالمعنى: وآية لأهل مكة أنا حملنا آباءهم في الفلك المشحون، وهي سفينة نوح. وإنما جاز ذلك لأن الذرية مِنْ: ذَرَأَ الله الخلق. (فسمي الولد ذريه لأنه ذري من الأب، ويسمى الأب ذرية لأن الابن ذري منه. فكما جاز أن يقال للابن ذرية لأبيه) لأنه ذري منه، فكذلك يجوز أن يقال للأب ذرية للابن لأن ابنه ذري منه.
فالمراد بها سفينة نوح، ويراد بها في القول الثاني: سفينة من السفن، وهي المَرْكَبُ، فيجوز أن يكون واحداً وجمعاً، فإذا كان جمعاً فواحده فَلَكٌ كُوَثَنٍ وَوُثْنٍ.
قال الحسن: (المشحون) المحمول.
وقيل: الممتلئ، قاله ابن عباس.
ثم قال (تعالى): ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾.
قال ابن عباس: هي السفن الصغار، ودل على ذلك: ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾.
وقال الضحاك: يعني السفن التي اتُّخِذَتْ بعد سفينة نوح.
وقاله قتادة وابن زيد وأبو صالح وغيرهم.
وعن ابن عباس: أنها الابل، قال: فالإبل سفن البر.
وقال مجاهد: يعني الأنعام.
وقال الحسن أيضا: هي الإبل.
واختيار الطبري قول من قال هي السفن، لقوله (تعالى): ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ إذ لا غرق في البر، والمعنى: إِنْ نشأ نغرق هؤلاء المشركين إذا ركبوا الفلك في البحر.
﴿فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ﴾ أي: لا مغيث لهم إذا نحن أغرقناهم.
﴿وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ﴾ أي: ينجون من الغرق.
وصريخ بمعنى مُصرخ: أي مغيث. يقال صرخ الرجل إذا صاح، وأصرخ إذا أغاث وأعان، فهو مُصْرِخ والأول صارخ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا﴾.
فنصب "رحمة" عند الزجاج لأنه مفعول من أجله.
وهي عند الكسائي نصب على الاستثناء.
والمعنى: ولا هم ينقذون إلا لأجل الرحمة والإمتاع بالحياة إلى وقت، هذا التقدير على قول الزجاج. والتقدير على قول الكسائي: ولا هم ينقذون إلا أن يرحمهم فيمتعهم إلى أجل.
قال قتادة: ﴿إِلَىٰ حِينٍ﴾ إلى الموت.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ [وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ أي: إذا قيل لهؤلاء المشركين من قومك يا محمد اتقوا ما بين أيديكم]، أي: احذروا ما تقدم قبلكم من نقم الله في الأمم الماضية بكفرهم وتكذيبهم الرسل أن يحل بكم مثل ذلك. ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ أي: وما أنتم لاقُوهُ من عذاب الله تعالى إن هلكتم على كفركم وتكذيبكم.
﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي لتكونوا على رجاء من الرحمة. هذا قول سيبويه، وقال الطبري: معناه: ليرحمكم ربكم.
قال قتادة: "ما بين أيديكم": وقائع الله جل ذكره فيمن خلا من الأمم، "وما خلفكم" أي: من أمر الساعة.
وقال مجاهد: ما بين أيديهم، ما مضى من ذنوبهم، وما خلفهم: (قال): ذنوبهم التي (هم) عاملوها.
وقال ابن جبير: "ما بين أيديكم" الآخرة. "وما خلفكم": الدنيا.
وجواب إذا محذوف، والتقدير: إذا قيل لهم ذلك أَعرضوا.
ثم قال (تعالى): ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ أي: ما يأتي هؤلاء المشركين من حجة من حجج ربهم إلا أعرضوا عنها لا يفكرون ولا يتدبرون.
ثم قال (تعالى): ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱلله﴾ أي: أَدُّوا زكاته لأهل الضعف منكم.
﴿قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: كفروا بالله ورسوله ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ﴾ بهما.
﴿أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ قالوه على التهزي.
* *
وقوله: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ يجوز أن يكون من قول الكفار للمؤمنين.
ويجوز أن يكون من قول الله جل ذكره (وثناؤه) للمشركين الذين قالوا: ﴿أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾.
قال الحسن: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ﴾ هم اليهود.
[ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: متى نبعث ونعذب، استعجالاً بالعذاب وتكذيباً للبعث، يقوله المشركون للمؤمنين وللنبي ﷺ].
ثم قال (تعالى ذكره): ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ أي: ما ينتظر هؤلاء المشركون الذين يستعجلون وعيد الله إلا صيحة واحدة، وذلك نفخة الفزع عند قيام الساعة، وهي النفخة الأولى تأخذهم وهم في بيعهم وشرائهم.
﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أي: لا يقدرون أن يوصوا ولا يرجعوا إلى أهلهم.
* *
وقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ﴾ قيل: هي النفخة الثالثة، وقيل: هي الثانية يقوم بها الأموات.
وقيل: هي ثلاث نفخات، و (قد) ذكرناها في غير موضع من كتابنا هذا، روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "إن الله جل ثناؤه لما فَرَغَ من خَلْقِ السماوات والأرض خَلَقَ الصُوْرَ فأعطاه إسْرَافِيلَ، فهو واضعه على فِيهِ شَاخِصٌ بِبَصَرِهِ إلَى العَرْشِ ينتظر متى يُؤْمَرُ".
قال أبو هريرة: "يا رسول الله، وما الصّور؟ قال: قَرْنُ. قال: وكَيْفَ هو؟ قال: قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فيه ثلاثُ نَفَخَاتٍ، الأُولى: نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثَّانِيَةُ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثَّالِثَةُ: نَفْخَةُ القِيَّامِ لِرَبِّ العَالَمِينَ جَلَّ ذِكْرُهُ، وَيَأْمُرُ الله إسْرَافِيلَ بِالنَّفْخَةِ الأُوْلَى، فَيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ، فَيَفْزَعُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَأَهْلُ الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ الله، وَيَأْمُرُهُ الله فَيُدِيمُهَا ويُطَوِّلُهَا فَلاَ تَفْتُرُ، وهي التي يَقُولُ: مَا يَنْظُرُ هَؤُلاَءِ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ ثُمَّ يَأْمُرُ الله إِسْرَافِيلَ بِنَفْخَةِ الصَّعْقِ، فَيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الصَّعْقِ، فَيَصْقَقُ: أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ الله فَإِذَا هُمْ فِيهَا خَامِدُونَ، ثم يُميتُ مَنْ بَقِيَ فإذَا لَمْ يَبْقَ إِلاَّ الله الوَاحِدُ الصَّمَدُ بَدَّلَ الأَرْضَ غَيْرَ الأَرْضِ والسَّمَاوَاتِ، فَيَبْسُطُهَا وَيَسْطَحُهَا وَيَمُدُّهَا مَدَّ الأدِيمِ العُكَاظِيّ لا تَرَى فِيهَا عِوَجَاً وَلاَ أَمْتاً، ثُمَّ يَزْجُرُ الله الخَلْقَ زَجْرَةً فإِذَا هُمْ فِي (هَذِهِ) المُبَدَّلَةِ فِي مِثْلِ مَوَاضِعِهِمْ مِنَ الأُولَى مَا كَانَ في بَطْنِهَا وَمَا كَانَ عَلى ظَهْرِهَا
قال قتادة: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ (الله) ﷺ كَانَ يَقُولُ: "تَهِيجُ السَّاعَةُ بِالنَّاسِ وَالرَّجُلُ يَسْقِي مَاشِيَّتَهُ، وَالرَجُلُ يُصْلِحُ حَوْضَهُ، والرَّجُلُ يُقِيمُ سِلْعَتَهُ فِي سُوقِهِ، والرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزَانَهُ وَيَرْفَعُهُ، وَتَهِيْجُ بِهِهْ وَهُمْ كَذَلِكَ ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾
قال عبد الله بن عمر: وَلَيُنْفَخَنَّ في الصّورِ، والنَّاسُ فِي طُرُقِهِمْ وأَسْوَاقِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ، (و) حَتَّى إِنَّ الثوْبَ لَيَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ يَتَسَاوَمَانِ فما يُرْسِلُهُ أَحَدُهُمَا مِنْ يَدِهِ حَتَّى يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، وَهِي التِي قَالَ الله عز وجل:
﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ الآية.
ومعنى قوله: ﴿وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: لا يرجعون إلى أهلهم بعد موتهم أبداً.
وقيل: لا يرجعون من أسواقهم إلى أهلهم، يموتون مكانهم، وهو اختيار الطبري.
وهو قول قتادة.
وقيل: المعنى: ولا إلى أهلهم يُرجِعُونَ قَوْلاً، يُشْغَلُونَ بأنفسهم.
* *
ومعنى ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أي: لا يمهلون حتى يوصوا بما في أيديهم.
ثم قال (تعالى): ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾.
قال قتادة: الصور هنا جمع صُورَةٍ، أي: نَفَخَ في الصُّوَرِ الأَرْوَاحَ.
وهو قول أبي عبيدة كَبُسْرَةٍ وَبُسْرٍ.
وقرأ ابن هرمز "في الصُّوَرِ" جعله كظُلْمَةِ وَظُلَمٍ.
وقيل: هو القرن على ما تقدم. وهذه النفخة هي الثالثة، وهي نفخة البعث.
والأجْدَاثُ: القُبُور، يقال جَدَثٌ وَجَدَفٌ.
ومعنى: ﴿يَنسِلُونَ﴾: يخرجون سراعاً. والنَّسَلاَنُ: الإسراع في المشي.
وقال الحسن في الآية: وثب القوم من قبورهم لمَّا سمعوا الصرخة ينفضون التراب عن رؤوسهم يقول المؤمنون: سبحانك وبحمدك ما عبدناك حق عبادتك.
قال وهب بن منبه: (يبلون) في قبورهم، فإذا سمعوا الصرخة عادت الأرواح إلى الأبدان، والمفاصل بعضها إلى بعض، فإذا سمعوا النفخة الثانية، وثب القوم قياماً على أرجلهم ينفضون التراب عن رؤوسهم.
36:52–64Page 443
قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرۡقَدِنَاۜۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَصَدَقَ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٥٢
They will say, "O woe to us! Who has raised us up from our sleeping place?" [The reply will be], "This is what the Most Merciful had promised, and the messengers told the truth."
إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ ٥٣
It will not be but one blast, and at once they are all brought present before Us.
فَٱلۡيَوۡمَ لَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗا وَلَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٥٤
So today [i.e., the Day of Judgement] no soul will be wronged at all, and you will not be recompensed except for what you used to do.
إِنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ ٱلۡيَوۡمَ فِي شُغُلٖ فَٰكِهُونَ ٥٥
Indeed the companions of Paradise, that Day, will be amused in [joyful] occupation -
هُمۡ وَأَزۡوَٰجُهُمۡ فِي ظِلَٰلٍ عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ ٥٦
They and their spouses - in shade, reclining on adorned couches.
لَهُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ٥٧
For them therein is fruit, and for them is whatever they request [or wish]
سَلَٰمٞ قَوۡلٗا مِّن رَّبّٖ رَّحِيمٖ ٥٨
[And] "Peace," a word from a Merciful Lord.
وَٱمۡتَٰزُواْ ٱلۡيَوۡمَ أَيُّهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٥٩
[Then He will say], "But stand apart today, you criminals.1
۞ أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٠
Did I not enjoin upon you, O children of Adam, that you not worship Satan - [for] indeed, he is to you a clear enemy -
وَأَنِ ٱعۡبُدُونِيۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦١
And that you worship [only] Me? This is a straight path.
وَلَقَدۡ أَضَلَّ مِنكُمۡ جِبِلّٗا كَثِيرًاۖ أَفَلَمۡ تَكُونُواْ تَعۡقِلُونَ ٦٢
And he had already led astray from among you much of creation, so did you not use reason?
هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ٦٣
This is the Hellfire which you were promised.
ٱصۡلَوۡهَا ٱلۡيَوۡمَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٦٤
[Enter to] burn therein today for what you used to deny."1
(قوله تعالى ذكره): ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.
أي: يقول ذلك المشركون إذا نُفِخَ في الصُّورِ نفخة البعث.
قال أُبَيٌّ بن كعب: ناموا نومة قبل البعث. وكذلك قال قتادة.
قال مجاهد: يهجع الكفار قبل يوم القيامة هجعة يذوقون فيها النوم، فإذا قامت القيامة قالوا: ﴿يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾.
* *
ثم قال: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ﴾.
قال قتادة: قال لهم أهل الهدى: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ﴾.
وقال مجاهد: قال ذلك لهم المؤمنون (المرسلون).
وقال ابن زيد: هو من قول بعضهم لبعض، صدقوا الرسل لما عاينوا ما أخبروهم به من البعث بعد الموت.
وقال الفراء: هو من قول الملائكة لهم.
وهذا القول موافق لقول قتادة، لأن الملائكة أهل هدى. وكذلك يتأول قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧].
وكذلك الحديث: "المُؤْمِنُ عِنْدَ الله خَيْرٌ مِنْ كُلِّ مَا خَلَقَ". وهو قول القتبي.
والوقف على "مَرْقَدِنَا" إجماع إلا ما حكى أحمد بن جعفر أنه يوقف على "هذا"، ثم يبتدئ: ﴿مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ﴾، أي: بعثكم ما وعد الرحمن.
وقرأ ابن عباس: "مِنْ بَعْثِنَا" بكسر الميم وخفض البعث.
فالوقف على ﴿يٰوَيْلَنَا﴾ جائز إلا على هذه القراءة لأن من متعلقة بما قبلها.
ثم قال (تعالى): ﴿إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ أي: قد حضروا للعرض على الله. وقد تقدم ذكر هذا.
ثم قال (تعالى): ﴿فَٱلْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ لا يُنْقَصُ من أجرها ولا يُحْمَل عليها وزر غيرها.
﴿وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ولا تكافؤون إلا مكافأة أعمالكم في الدنيا.
ثم قال (تعالى): ﴿إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾.
قال مجاهد: شغلهم افتضاض (الأبكار).
[وقال ابن مسعود: افتضاض العذارى].
وهو قول ابن المسيب.
وقال أبو قِلابة: بينما الرجل من أهل الجنة مع أهله إذ قيل له تحول إلى أهلك.
وقيل: "فِي شُغْلٍ" في نعمة.
وقيل: في شغل عما فيه أهل النار.
والشُّغْلُ والشُّغُلُ لغتان كالبُخْلُ والبُخُلُ.
وقرأ أبو جعفر: (فَكِهُونَ).
وهو عند الفراء مثل فاكهين في المعنى كَحَذِرٍ وحَاذِرٍ.
وقال أبو زيد: رجل فَكِهٌ إذا كان طيب النفس ضَحُوكاً.
وقال قتادة: "فكهون" معجبون.
قال ابن عباس: "فاكهون" فرحون.
وقال بعض أهل اللغة: الفاكه الكثير الفاكهة، وكذلك تَامِرٌ وَلاَحِمٌ وَشَاحِمٌ إذا كثر ذلك عنده.
وقرأ طلحة بن مُصَرِّف: "فَاكِهِينَ" بالنصب على الحال، وجعل في شغل الخبر.
* *
ثم قال: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ﴾ يعني أزواجهم من أهل الجنة. وظلال جمع ظُلَّةٍ كقُلَّةٍ وَقِلاَلٍ، ويجوز أن يكون جمع ظِل.
ومن قرأ "ظُلَلٍ" جعله أيضاً جمع ظُلَّة. كغُرفة وغُرَف، وظلْمَةٍ وظُلَمٍ، وَحُلَّةٍ وَحُلَلٍ.
* *
وقوله: ﴿عَلَى ٱلأَرَآئِكِ﴾ أي: على السُّرُرِ في الحجال، واحدها أريكة.
وقيل: (كل) فراش أريكة.
والقول الأول هو قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة.
قال أبو إسحاق: ﴿ٱلأَرَآئِكِ﴾ الفرش في الحجال، (وقيل الفرش)، وقيل: الأسرة. واختار أن تكون الفرش كانت في حجال أو في غير حجال.
وقيل: الأرائك أسرة الذهب مكللة بالزَّبَرْجَدِ والدُّرِّ واليَاقُوتِ.
والأريكة الواحدة مثل ما بين صَنْعَاءَ إلى أَيْلَةَ، وليس في الجنة نوم، إنما هو الاتكاء عليها.
* *
ثم قال: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ أي: يتمنون، ويدعون: يفتعلون من دعا، و "ما" في موضع رفع بالابتداء، و "لهم" الخبر.
* *
ثم قال: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ سلام بدل من "ما"، ومعناه: ولهم أن يسلم الله عليهم، وذلك غاية أمنيتهم.
ويجوز أن تكون "ما" نكرة، "وسلام" نعت لها، بمعنى مسلم لهم.
ويجوز أن يكون "سلام" خبراً عن "ما".
وفي حرف ابن مسعود: "سَلاَماً"، نصب على المصدر أو في موضع الحال بمعنى مسلماً لهم. "وقولاً" مصدر، أي: يقولونه قولاً يوم القيامة، أو يقوله الله لهم قولاً.
قال محمد بن كعب القرظي لعمر بن عبد العزيز: إذا فَرَغَ الله (من) أهل الجنة وأهل النار، أقبل في ظل من الغمام والملائكة إلى أول درجة، فيسلم عليهم فيردون السلام ، وهو في القرآن ﴿سَلاَمٌ (قَوْلاً) مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾، فيقول: اسألوا، فيقولون: ما نسألك وعزتك وجلالك لو أنك قسمت بيننا أرزاق الثقلين لأطعمناهم وسقيناهم وكسوناهم، (فيقول: سلوني)، فيقولون: نسألك رضاك، فيقول: رضائي أَحَلَّكُمْ دَارَ كَرَامَتِي. فيفعل ذلك بأهل كل درجة. قال: ولو أن امرأة من الحُورِ تَطَلَّعَتْ لأَهْلِ الأرض لأطفأ ضوء سِوَارِهَا الشمس والقمر، فكيف بِالمُسَوَّرَةِ.
وأجاز أبو حاتم الوقف على: "سلام"، وهو لا يجوز، لأن الجملة التي قبل قَوْلٍ عملت فيه فقامت مقام العامل.
ثم قال (تعالى): ﴿وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ (أي): اعتزلوا وانفردوا أيها الكافرون عن المؤمنين.
قال قتادة: عزلوا عن كل خير.
وروى محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "إذا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ أَمَرَ الله جَلَّ ذِكْرُهُ جَهَنّمَ، فَيَخْرُجُ مِنْهَا عُنُقٌ سَاطِعٌ مُظْلِمٌ، ثُمَّ يَقُولُ : ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً﴾ إلى [قوله: ﴿كُنتُمْ] تُوعَدُونَ﴾ ثم يقول: ﴿وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، فَيَتَميَّزُ النَّاسُ ويَجْثُونَ، وهو قوله (تعالى ذكره): ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ (كُلُّ أُمَّةٍ) ﴿تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾
وقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ أي: (ثم قال): ألم أوصيكم وآمركم في الدنيا ألا تطيعوا الشيطان في المعاصي، وأعلمتكم أنه لكم عدو مبين، وأنه أخرج أبويكم من الجنة لِعَدَاوَتِهِ لَهُمَا.
* *
ثم قال: ﴿وَأَنِ ٱعْبُدُونِي﴾ أي: ألم أعهد إليكم أن اعبدوني وأخلصوا العبادة لي.
﴿هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ أي: عبادتكم إياي خالصاً هو الصراط المستقيم.
ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً﴾ أي: أضل الشيطان منكم خلقاً كثيراً فأطاعوه، وجِبِلاًّ بكسر الجيم، والتشديد جمع جِبِلَّة.
و (من) قرأ بضم الجيم والباء والتخفيف جعله جمع جَبِيلٍ كَسَبِيلٍ وَسُبُلٍ.
وَجَبيلٍ معدول عن مَجْبُولٍ كَجَريحٍ بمعنى مَجْرُوحٍ.
وكذلك قراءة من أسكن الباء وضم الجيم وخفف، إنما أراد الضم ولكن أسكن استخفافاً.
* *
ثم قال: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: تفهمون أنه لا ينبغي أن يطاع من هو عدو، والكلام كله بمعنى التوبيخ والتقرير، أي قد عهدت إليكم ذلك.
* *
ثم قال: ﴿هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أي: في الدنيا، فتكذبون (بها). (و) جهنم أول باب من أبواب النار.
* *
ثم قال: ﴿ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ﴾ (أي): احترقوا فيها، وَرَدُوهَا جزاء بكفرهم في الدنيا بها وبالله ورسله.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences