Makki ibn Abi TalibAs‑Saffat · 37:45–82

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:45–82

37:45–57Page 447

يُطَافُ عَلَيۡهِم بِكَأۡسٖ مِّن مَّعِينِۭ ٤٥

There will be circulated among them a cup [of wine] from a flowing spring,

بَيۡضَآءَ لَذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ ٤٦

White and delicious to the drinkers;

لَا فِيهَا غَوۡلٞ وَلَا هُمۡ عَنۡهَا يُنزَفُونَ ٤٧

No bad effect is there in it, nor from it will they be intoxicated.

وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ عِينٞ ٤٨

And with them will be women limiting [their] glances,1 with large, [beautiful] eyes,

كَأَنَّهُنَّ بَيۡضٞ مَّكۡنُونٞ ٤٩

As if they were [delicate] eggs, well-protected.

فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٥٠

And they will approach one another, inquiring of each other.

قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٞ ٥١

A speaker among them will say, "Indeed, I had a companion [on earth].

يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُصَدِّقِينَ ٥٢

Who would say, 'Are you indeed of those who believe

أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ٥٣

That when we have died and become dust and bones, we will indeed be recompensed?'"

قَالَ هَلۡ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ ٥٤

He will say,1 "Would you [care to] look?"

فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِي سَوَآءِ ٱلۡجَحِيمِ ٥٥

And he will look and see him1 in the midst of the Hellfire.

قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرۡدِينِ ٥٦

He will say, "By Allāh, you almost ruined me.

وَلَوۡلَا نِعۡمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِينَ ٥٧

If not for the favor of my Lord, I would have been of those brought in [to Hell].

قوله (تعالى ذكره): ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ﴾.

أي: يطوف عليهم الخدم بكأس من خمر جارية، قاله قتادة وغيره. وحكى أهل اللغة أن العرب تقول للقدح إذا كان فيه خمر: كأس، فإذا لم يكن فيه خمر فهو قدح.

وقال بعضهم: كل إناء فيه شراب فهو كأس، فإذا لم يكن فيه شراب فهو إناء. كذلك الخِوَانُ إذا كان عليه طعام قيل له مائدة، فإذا لم يكن عليه طعام قيل له خوان. ومثله الهودج يقال له: ظعينه، إذا كانت فيه امرأة، فإذا لم تكن فيه قيل له هودج.

قال الضحاك: كل كأس في القرآن فهو خمر.

وهو قول السدي.

وقال ابن عباس: هو الخمر.

وقال مجاهد: هي خمر بيضاء.

قال الزجاج: "من معين" أي: تجري كما تجري العيون على وجه الأرض.

* *

وقوله: ﴿بَيْضَآءَ﴾: يعني به الكأس، وهو مؤنثة، ﴿لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾ أي: ذات لذة، والمعنى: يلتذ بها شاربها.

ثم قال (تعالى ذكره): ﴿لاَ فِيهَا غَوْلٌ﴾ أي: لا تغتال هذه الخمر عقل شاربها كما تفعل خمر الدنيا.

وقال ابن عباس: "لا فيها غول" (أي): ليس في الخمر صداع. وعنه: ليس فيها وجع بطن. وكذلك قال مجاهد.

وقال ابن زيد: ليس فيها وجع البطون، وشارب الخمر يشتكي بطنه.

وقال السدي: لا تغتال عقولهم.

وقال ابن جبير: لا فيها أذى ولا مكروه.

وقيل معناه: لا فيها إثم.

وذكر الليث: أن ابن عباس أشكل عليه تفسير الغَوْل حتى سمع إعرابياً يقول لصاحبه: إني لأجِدُ في بطني غَوْلاً فقال ابن عباس: جاءت والله (الغَوْل): الوجع يجده في بطنه.

ثم قال (تعالى): ﴿هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ من فتح الزاي فمعناه لا تذهب عقولهم. قاله ابن عباس ومجاهد والسدي.

وقال قتادة: لا تغلبهم على عقولهم. تقول العرب: نُزِفَ الرَّجُلُ فهو مَنْزُوف إذا ذهب عقله، (ونزف دم فلان إذا ذهب). فنفى الله جل ذكره عن خمر الجنة الآفات من الصداع والسكر اللذين يحدثان من خمر الدنيا.

فأمّا من قرأ بكسر الزاي، فمعناه: لا يفنى شرابهم. يقال أَنْزَف الرجل إذا نفد شرابه.

وحكى الفراء: أنزف الرجل إذا نفد شرابه، وأَنْزَفَ إذا ذهب عقله. فيكون على هذا القول الأخير كقراءة من فتح الزاي.

ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ عِينٌ﴾ أي: وعندهم حور قصرن طرفهن على الأزواج فلا يبغين غيرهم، قاله ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب القرظي.

قال عكرمة: "قاصرات الطرف" أي: محبوسات على أزواجهن.

وقال ابن زيد: "قاصرات الطرف" (لا ينظرن إلا) إلى أزواجهن، ليس كما يكون نساء أهل الدنيا.

* *

وقوله: ﴿عِينٌ﴾: يعني به النُّجْل العيون لعظامها، وهو جمع عَيْناء، والعيناء المرأة الواسعة العين العظيمة العين، (وهي) أحسن ما يكون من العيون. وسألت أم سلمة رضي الله عنها النبي ﷺ فقالت: "يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: "وَعْنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ"، (قال): العِينُ: الضِّخَامُ العُيُونِ (شَفَرُ) الحَوْرَاءِ بِمَنْزِلَةِ جَنَاحِ النَّسْرِ

وقال (تعالى): ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾.

قال ابن جبير: كأنهن بطن البيض. يريد: أنه شبههن في بياضهن ببطن البيض.

وقال السدي: كأنهن البيض حين يقشر قبل أن تمسه الأيدي. وهو قول قتادة.

وهو اختيار الطبري، شبهن ببياض البيضة قبل أن تمسه الأيدي، إذ هن لم يمسسهن قبل أزواجهن إنس ولا جان، فَشُبِّهْن في صفاء اللون (وبياضه) (و) في صيانتهن ببياض البيضة في قشره، وبياض البيض عند الطبري هو القشر الرقيق الذي على البيضة من داخل القشر.

وروي أن النبي ﷺ قال لأم سلمة، إذ سألته عن ذلك: "رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الجِلْدَةِ التِي رَأيتَهَا فِي دَاخِلِ البَيْضَةِ التِي تَلِي القِشْرَةَ وَهِيَ الغِرْقِىءُ

وقال ابن زيد: كأنهن البيض الذي يكنه الريش مثل بيض النعام، فهي إلى الصفرة تبرق.

وقال ابن عباس: "كأنهن بيض مكنون" يعني: اللؤلؤ المكنون في الصدف.

ثم قال (تعالى): ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: أقبل أهل الجنة يسأل بعضهم بعضاً، قاله قتادة وابن زيد.

ثم قال تعالى عنهم: إنهم قالوا في مساءلتهم: ﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ * أَءِذَا مِتْنَا [وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ﴾].

[فقوله: "إنا لمدينون" جواب للاستفهامين في قوله: "أ.نَّكَ لمن المصدقين أ إذا متناً"].

أي: قال قائل من أهل الجنة إني كان لي صاحب ينكر البعث بعد الموت ويقول لي: أتُصَدِّقُ بأنك تبعث بعد أن تكون عظاماً ورفاتاً، وتجزى بعملك؟ هذا معنى قول ابن عباس.

وقال مجاهد: القرين كان شيطاناً .

قال ابن عباس: لما صار المؤمن إلى الجنة ذكر ذلك فرأى صاحبه في سواء الجحيم، أي: في وسطه، قال: ﴿تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ﴾. أي: والله إنك قاربت أن تهلكني لو قبلت منك، ولولا نعمة ربي إذ ثبتني على الإيمان لكنت من المحضرين معك في النار.

وروي أنه كان شريكان، وكان أحدهما له حرفة والآخر ليس له حرفة، فقال الذي له حرفة للآخر: ليس عندك حرفة ولا أراني، إِلا مفارقك ومقاسمك، فقاسمه وفارقه.

ثم إن الرجل صاحب الحرفة اشترى داراً بألف دينار كانت لِمَلِكٍ مَاتَ، فدعا صاحبه الذي لا حرفة له فأراه الدار، وقال : كيف ترى هذه الدار ابتعتها بألف دينار؟ قال: ما أحسنها. فلما خرج قال: اللهم إن صاحبي هذا قد ابتاع هذه الدار بألف دينار وإني أسألك داراً من دور الجنة، فَتَصَدَّقَ بألف دينار، ثم مكث ما شاء الله أن يمكث ثم تزوج امرأة بألف دينار، ثم دعا الذي لا حرفة معه وصنع له (طعاماً) فلما أتاه قال: إني تزوجت هذه المرأة بألف دينار، (فقال: ما أحسن هذا! فلما انصرف قال: يا رب إن صاحبي تزوج امرأة بألف دينار وإني أسألك امرأة من الحور العين، فَتَصَدَّق بألف دينار، ثم مكث ما شاء الله أن يمكث ثم اشترى بستانين بألفي دينار، ثم دعاه) فأراه ذلك، وقال: إني ابتعت هذين البستانين بألفي دينار، (قال: ما أحسن هذا! فلما خرج قال: يا رب إن صاحبي هذا اشترى بستانين بألفي دينار)، وإني أسألك بستانين من الجنة، فتصَدَّقَ بألفي دينار، ثم إن المَلَك أتاهما فتوفاهما، ثم انطلق بهذا المتصدق فأدخله داراً مُعْجبة فإذا امرأة تطلع يضيء منها ما تحتها من حُسْنَها ثم أدخله بستانين وشيئاً الله (به) عليم، فقال المتصدق عند ذلك: ما أشبه هذا برجل كان من أمره كذا وكذا، قال: فأنت ذلك ولك هذان البستانان والمرأة. قال: فإنه كان لي صاحب يقول: أئنك لمن المصدقين؟ قيل له: فإنه في الجحيم، فقال: هل أنتم مطلعون؟ فاطلع فرآه في سواء الجحيم، فقال عند ذلك: "تَاللهِ إِنْ كِدتَّ لَـتُرْدِينِ، وَلَوْلاَ نَعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مَنَ المُحْضَرِينَ" أي: من المحضرين في النار معك. ذكر هذه الحكاية بن ثعلبة البهراني.

وهو تأويل يوجب أن تكون القراءة: من "المُصَّدِقينَ" بالتشديد للصاد من الصدقة. وقراءة الجماعة إنما هي من التصديق بالحساب والبعث والمجازاة بالأعمال.

قال ابن عباس: "لمدينون" لمجازون بالعمل.

وقال مجاهد: لمحاسبون.

قال قتادة: سأل ربه أن يطلعه (فأطلعه) فأطلع فرأى صاحبه في وسط النار.

قال مطرف بن عبد الله: لولا أن الله عَرَّفه به ما عرفه لتغير حبره وسبره بعده.

وروي أنه أطلع فرأى جماجم القوم تغلي.

وروى ابن المبارك عن معمر عن عطاء الخرساني مثل الحكاية بعينها إلا أن فيها اختلاف ألفاظ، قال: كان رجلان شريكان بينهما ثمانية آلاف دينار فاقتسماها، فعمد أحدهما فاشترى داراً بألف دينار وأرضاً بألف دينار، وتزوج امرأة بألف دينار واشترى أثاثاً بألف، فقال الآخر: اللهم إني أشتري منك في الجنة داراً وأرضاً وامرأة وأثاثاً بأربعة آلاف دينار، ثم تصدق بها كلها، ثم احتاج فتعرض لشريكه أن ينيله مما عنده، فقال له: أين مالك؟ فأخبره بما فعل، فقال له: وإنك لمن المصدقين بهذا، اذهب فوالله لا أعطيك شيئاً. وطرده فنزلت فيهما (هذه) الآيات، فتذكر المتصدق أمر شريكه وهو في الجنة فاطلع ليراه في وسط الجحيم.

قال قتادة: رأى جماجم (القوم) تغلي.

قال ابن المبارك: وبلغنا أنه سأل ربه أن يطلعه عليه.

قال أبو محمد مؤلفه (نضر الله وجهه) نقلت معنى الحكاية واختصرت بعض لفظها.

ويروى أن الله جل ذكره جعل بين أهل الجنة وأهل النار كِوىً ينظر إليهم أهل الجنة إذا أحبوا ليعلموا قدر ما أنجاهم الله منه وقدر ما أعطاهم، ودل على ذلك قوله (تعالى): ﴿فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: أطلع من الكوى فرآه في وسط الجحيم.

37:58–82Page 448

أَفَمَا نَحۡنُ بِمَيِّتِينَ ٥٨

Then, are we not to die

إِلَّا مَوۡتَتَنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ٥٩

Except for our first death, and we will not be punished?"

إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٦٠

Indeed, this is the great attainment.

لِمِثۡلِ هَٰذَا فَلۡيَعۡمَلِ ٱلۡعَٰمِلُونَ ٦١

For the like of this let the workers [on earth] work.

أَذَٰلِكَ خَيۡرٞ نُّزُلًا أَمۡ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ ٦٢

Is that [i.e., Paradise] a better accommodation or the tree of zaqqūm?

إِنَّا جَعَلۡنَٰهَا فِتۡنَةٗ لِّلظَّٰلِمِينَ ٦٣

Indeed, We have made it a torment for the wrongdoers.

إِنَّهَا شَجَرَةٞ تَخۡرُجُ فِيٓ أَصۡلِ ٱلۡجَحِيمِ ٦٤

Indeed, it is a tree issuing from the bottom of the Hellfire,

طَلۡعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَٰطِينِ ٦٥

Its emerging fruit as if it was heads of the devils.

فَإِنَّهُمۡ لَأٓكِلُونَ مِنۡهَا فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ ٦٦

And indeed, they will eat from it and fill with it their bellies.

ثُمَّ إِنَّ لَهُمۡ عَلَيۡهَا لَشَوۡبٗا مِّنۡ حَمِيمٖ ٦٧

Then indeed, they will have after it a mixture of scalding water.

ثُمَّ إِنَّ مَرۡجِعَهُمۡ لَإِلَى ٱلۡجَحِيمِ ٦٨

Then indeed, their return will be to the Hellfire.

إِنَّهُمۡ أَلۡفَوۡاْ ءَابَآءَهُمۡ ضَآلِّينَ ٦٩

Indeed they found their fathers astray.

فَهُمۡ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ يُهۡرَعُونَ ٧٠

So they hastened [to follow] in their footsteps.

وَلَقَدۡ ضَلَّ قَبۡلَهُمۡ أَكۡثَرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٧١

And there had already strayed before them most of the former peoples,

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ ٧٢

And We had already sent among them warners.

فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُنذَرِينَ ٧٣

Then look how was the end of those who were warned -

إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٧٤

But not the chosen servants of Allāh.

وَلَقَدۡ نَادَىٰنَا نُوحٞ فَلَنِعۡمَ ٱلۡمُجِيبُونَ ٧٥

And Noah had certainly called Us, and [We are] the best of responders.

وَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٦

And We saved him and his family from the great affliction.

وَجَعَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلۡبَاقِينَ ٧٧

And We made his descendants those remaining [on the earth]

وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ٧٨

And left for him [favorable mention] among later generations:

سَلَٰمٌ عَلَىٰ نُوحٖ فِي ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٩

"Peace upon Noah among the worlds."

إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٠

Indeed, We thus reward the doers of good.

إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨١

Indeed, he was of Our believing servants.

ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ ٨٢

Then We drowned the others [i.e., disbelievers].

قوله (تعالى ذكره): ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ﴾.

أي: قال المؤمن ليس نحن بميتين إلا موتتنا (الأولى في الدنيا). ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ قال ذلك سروراً منه واغتباطاً منه بما أعطاه الله من كرامته.

* *

ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ أي: إن ما أعطانا الله من أنا لا نعذب ولا نموت لهو النجاء العظيم.

قال قتادة: هذا قول أهل الجنة.

﴿لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ﴾ أي: لمثل هذا الذي أُعْطِيَ هذا المؤمن من الكرامة في الآخرة فليعمل في الدنيا لأنفسهم العاملون.

قال قتادة: آخر كلام المؤمن: "لهو الفوز العظيم"، ثم قال الله جل ذكره: "لمثل هذا فليعمل العاملون".

ثم قال (تعالى ذكره): ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ﴾ أي: الذي تقدم من ذكر النعيم للمؤمنين خير أم ما أعد الله لأهل النار من الزقوم. والنزول: الرزق الذي له سعة، ومعناه في الأصل: أنه الطعام الذي يصلح أن ينزلوا معه ويقيموا فيه. ولما ذكر الله هذه الآية، قال المشركون: كيف ينبت الشجر في النار، والنار تحرق الشجر؟ فقال الله جل ذكره: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ﴾ يعني المشركين الذين قالوا في ذلك ما قالوا، ثم أخبرهم الله بصفة هذه الشجرة، فقال (جل ذكره): ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ﴾.

قال قتادة: غُذِّيت بالنار ومنها خُلِقت.

قال السدي: قال أبو جهل لما نزلت هذه الآية: إن شجرة الزقوم: أتعرفونها في كلام (العرب)؟ أنا آتيكم بها، فدعا جاريته فقال: إيتني بزبد وبتمر، فقال: دونكم تزقموا فهذا الزقوم الذي يخوفكم به محمد ﷺ، فأنزل الله تعالى ذكره تفسير هذا: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً﴾ إلى آخر الآيات. فالظالمون هنا أبو جهل وأصحابه. وهي مشتقة من التزقم، وهو البلع على جهد وشدة، فقيل لها شجرة الزقوم أنهم يتزقمونها (أي) يبتلعونها من شدة جوعهم، فيبتلعونها على جهد وتقف على حلوقهم يختنقون بها لخشونتها ومرارتها وكراهتها ونتنها فيتعذبون بها على أن تصل إلى أجوافهم فيملؤون بطونهم من ذلك من شدة الجوع ثم لا ينفعهم ذلك ولا يجدون له نفعاً ولا لذة.

ثم قال (تعالى ذكره): ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ﴾ أي: طلعها في قبحه وسماجته كرؤوس الشياطين، وهذا تمثيل لأنهم لم يكونوا يرون الشياطين، ولكن من شأن العرب أنها إذا تبالغت في صفة القبح والسماجة قالت: كأنه رأس شيطان، فخوطبوا بما يعقلون وما يجري بينهم ويفهمون.

وقيل: بل مُثِّل لهم الطلع بما يعرفون، وذلك أن ضرباً من الحيات قباح الصور والمناظر يقال لها شيطان، فشبهت لهم الطلع (بذلك).

(وقيل): الشياطين نبت باليمن قبيح المنظر، يقال له: الأَسْتَنُ والشيطان شبه الطلع به، وطلعها ثمرها كأنه أول ما يخرج.

ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا﴾ أي: فإن هؤلاء المشركين لآكلون من هذه الشجرة فمالئون منها البطون، ثم إن لهم على ما يأكلون منها لشوباً من حميم، أي: خلطاً من ماء قد انتهى حره.

وحميم فعيل مصروف عن مفعول، والشوب مصدر شاب طعامه إذا خلطه يشوبه شَوْباً وَشَابَةً وَشِيَاباً.

وقال ابن عباس: لشوباً لمزجاً.

وقال قتادة: لمزاجاً.

وقال السدي: حميم يشاب لهم بغساق بما يغسق أعينهم وصديد من قيحهم ودمائهم.

ثم قال (تعالى): ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ﴾.

قال قتادة: فهم (في) عناء وعذاب من نار جهنم، وتلا: "يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيم - انٍ".

قال بعض المفسرين: هذا النص يدل على أنهم في وقت أكلهم للزقوم وشربهم للحميم ليسوا في النار المتوقدة، هم في عذاب آخر، ثم يردون إلى الجحيم، والجحيم النار المتوقدة.

قال ابن مسعود: والذي نفسي بيده لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، ثم تلا: "أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمّئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً".

ثم قال (تعالى): ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلِّينَ﴾ أي: وجودهم على الضلال والكفر بالله وعبادة الأصنام.

﴿فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ أي: فهم مسرعون في اتباع ما كان عليه آباؤهم من الكفر.

قال مجاهد وقتادة: ﴿يُهْرَعُونَ﴾ يسرعون.

وقال ابن زيد: يستعجلون.

قال (الفراء: الإهراع: الإسراع فيه شبيه) بالرعدة.

قال المبرد: المُهْرَعُ المُستحث. يقال: جاء فلان يهرع إلى النار إذا استحثه البرد إليها.

وحكى الزجاج: هُرِع وأُهْرِع إذا استُحث وأزعِج، كأنهم يزعجون من الإسراع إلى اتباع آبائهم.

ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: ولقد ضل عن الإيمان والرشد قبل مشركي قريش أكثر الأمم الخالية.

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ﴾ أي: في الأمم الخالية رسلاً منذرين تنذرهم بأس الله وعقابه على الكفر والتكذيب، فكذبوهم، وحذف فكذبوهم لدلالة الكلام عليه.

* *

ثم قال: ﴿فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ﴾ أي: فَتَأَمَّل يا محمد كيف كان عاقبة الأمم الذين قبلك إذ كَذَّبوا رسلهم كيف أهلكهم الله فصيرهم عبرة لمن اغتر وعظة لمن اتعظ.

* *

ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا من آمن بالرسل من الأمم فأخلص لله العمل والإيمان بما جاء به الرسل. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: إلا من آمن بالرسل، وأخلصه الله في سابق علمه الإيمان والتصديق فوفقه له.

ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ﴾ أي: نادى فقال: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾ [نوح: ٢٦]، وبقوله: ﴿دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً﴾ [نوح: ٥] وما بعده، فلنعم المجيبون كنا له إذ دعانا فأجبناه وأهلكنا قومه.

﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: من الأذى والمكروه الذي كان فيه (من الكافرين) من قومه.

وقيل: من الطوفان والغرق قاله السدي.

* *

ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ﴾ أي: هم الذين بقوا في الأرض بعد هلاك قومه، وذلك أن الناس كلهم من ذرية نوح بعد الغرق.

قال ابن المسيب: فجميع الخلق من ذرية سام وحام ويافت.

[ورواه سمرة بن جندب عن النبي ﷺ قال: "هُمُ البَاقِينَ" هم حَام وسَام ويَافت]". "فالعرب كلهم والروم والفرس من ولد سام، وجميع أجناس السودان من السند والهند والزغاوة والنؤبة وغيرهم من البربر من ولد حام، والصقالبة والترك ويأجوج ومأجوج من ولد يافت، والخير في ولد سام"

ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾.

قال قتادة: أبقى الله عليه الثناء (الحسن) في الآخرين، وهو قول السدي.

وقيل: في "الآخرين": أمة محمد ﷺ، لأنها آخر الأمم فهي تثني على نوح وتصلي عليه وتترحم عليه.

ثم قال (تعالى): ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: يقال: سلام على نوح، (أي): أبقينا عليه في الآخرين أن يقال ذلك، يعني في أمة محمد ﷺ، ولذلك رفع "سلام" لأنه محكي.

وقيل: التقدير: "في الآخرين" تم الكلام، ثم ابتدأ "سلام" على نوح ابتداء وخبر.

وفي حرف ابن مسعود: "سَلاماَ" بالنص، أعمل فيه تركنا فنصبه، ومعناه في الرفع أمنة من الله لنوح في العالمين أن يذكره أحد بسوء.

قال أبو إسحاق معناه: وتركنا عليه أن يُصلى عليه إلى يوم القيامة. وقيل: (معناه): أبقينا (عليه) الثناء الحسن في الآخرين.

* *

ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: إنا كما فعلنا بنوح ومن آمن معه، كذلك نجزي من أحسن فآمن بالله وصدق الرسل.

* *

ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن نوحاً من الذين صدقوا وأخلصوا العبادة لله والتوحيد له.

* *

ثم قال: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ﴾ أي: بعد أن أنجينا نوحاً ومن آمن معه أغرقنا الذين بقوا بعده ممن كفر به وكذبه.

قال قتادة: أنجاه الله ومن معه في السفينة وأغرق بقية قومه.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском