Makki ibn Abi TalibSad · 38:45–88

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

Sad 38:45–88

38:45–56Page 456

وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٥

And remember Our servants, Abraham, Isaac and Jacob - those of strength and [religious] vision.

إِنَّآ أَخۡلَصۡنَٰهُم بِخَالِصَةٖ ذِكۡرَى ٱلدَّارِ ٤٦

Indeed, We chose them for an exclusive quality: remembrance of the home [of the Hereafter].

وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٧

And indeed they are, to Us, among the chosen and outstanding.

وَٱذۡكُرۡ إِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ وَكُلّٞ مِّنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٨

And remember Ishmael, Elisha and Dhul-Kifl, and all are among the outstanding.

هَٰذَا ذِكۡرٞۚ وَإِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ لَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٤٩

This is a reminder. And indeed, for the righteous is a good place of return -

جَنَّٰتِ عَدۡنٖ مُّفَتَّحَةٗ لَّهُمُ ٱلۡأَبۡوَٰبُ ٥٠

Gardens of perpetual residence, whose doors will be opened to them.

مُتَّكِـِٔينَ فِيهَا يَدۡعُونَ فِيهَا بِفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ وَشَرَابٖ ٥١

Reclining within them, they will call therein for abundant fruit and drink.

۞ وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ أَتۡرَابٌ ٥٢

And with them will be women limiting [their] glances1 and of equal age.

هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ٥٣

This is what you, [the righteous], are promised for the Day of Account.

إِنَّ هَٰذَا لَرِزۡقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ ٥٤

Indeed, this is Our provision; for it there is no depletion.

هَٰذَاۚ وَإِنَّ لِلطَّٰغِينَ لَشَرَّ مَـَٔابٖ ٥٥

This [is so]. But indeed, for the transgressors is an evil place of return -

جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَا فَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ٥٦

Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the resting place.

قوله تعالى ذكر: ﴿وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ﴾ - إلى قوله - ﴿فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾،

أي: اذكر إبراهيم وولده إسحاق، وولد ولد يعقوب. ومن قرأ "عِبَادَنَا" بالجمع، أدخل الجمع في العبودية وجعل ما بعده بدلاً منه.

ومن قرأ بالتوحيد خص إبراهيم بالعبودية وجعل ما بعده معطوفاً عليه.

* *

وقوله: ﴿أُوْلِي ٱلأَيْدِي﴾.

قال ابن عباس: يقول: أولى القوة والعبادة. والأبصار: الفقه في الدين. قال: مجاهد: أولي الأيدي: القوة في أمر الله عز وجل والأبصار: العقول.

وقال قتادة: أُعطوا قوة في العبادة وبصراً في الدين.

وقال السدي: الأيدي: القوة في طاعة الله، والأبصار: البصر بعقولهم في دينهم.

وقيل: الأيدي: جمع يد، من النعمة، أي: هم أصحاب النعم التي أنعم الله عز وجل عليهم بها.

وقيل: "هم أصحاب النعم والإحسان، لأنهم قد أحسنوا وَقَدَّمُوا خيراً".

وأصل "اليد" أن تكون للجارحة، ولكن لما كانت القوة فيها، سميت القوة يداً. والبصر هنا عُني به بصر القلب الذي به تنال معرفة الأشياء.

وأجاز الطبري أن يكون المعنى أنهم أصحاب الأيدي عند الله عز وجل بالأعمال الصالحة التي قدموها تمثيلاً باليد تكون عند الرجل الآخر. وقرأ عبد الله: "أولي الأيدي" بغير ياء على معنى أولي التأييد والمعونة من الله لهم.

ويجوز أن يكون مثل الأول لكن أسقط الياء واكتفى بالكسرة.

وذكر الطبري عن السدي أنه قال: تزوج (إسحاق بامرأة) فحملت بغلامين في بطن، فلما أرادت أن تضع، اقتتل الغلامان في بطنها أيهما يخرج أولاً. فقال أحدهما للآخر: لئن خرجت قبلي لأعترضن في بطن أمي فلأقتلنها! فتأخر الآخر وخرج القائل ذلك، فسمي عيصا لعصيانه في بطن أمه، وخرج الثاني فسمي يعقوب لأنه خرج آخراً بعقب عيصا. وكان يعقوب أكبرهما في البطن لكن عيصا خرج قبله. والروم من ذرية عيصا.

* *

ثم قال: ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ﴾.

من نَوَّن "خالصة" جعل "ذكرى" بدلاً من "خالصة".

والمعنى: إنّا اخترناهم واختصصناهم بأن يذكروا معادهم ويعملوا له. (فلا هَمَّ لهم غيره). هذا قول مجاهد والسدي، وهو اختيار الطبري.

والاختيار عنده على قراءة من أضاف أن يكون المعنى: بخالصة ما ذكر في الدار الآخرة.

ويجوز أن يكون رفع "ذكرى الدار" على إضمار مبتدأ.

وقيل: المعنى: اختصوا بأن يذكروا الناس الدار الآخرة ويدعوهم إلى طاعة الله عز وجل، قاله قتادة.

ومن قرأ بالإضافة فمعناه: إنا اختصصناهم بأفضل ما في الآخرة؛ قاله ابن زيد.

وقال مجاهد أيضا: المعنى في الإضافة: إنا أخلصناهم بأن ذكرنا الجنة لهم.

وقال الفضيل: هو الخوف الدائم في القلب.

وقال ابن جبير: معناه: عقبى الدار.

وعن مجاهد أيضا - في الإضافة - معناه: بخالصة أهل الدار.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: لمن الذين صَفَوْا من الذنوب (ومن الأدانس) واختيروا.

والأخيار، جمع خير، على التخفيف كميْت وأموات.

ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: أذكرهم يا محمد وما أبلوا فيه من طاعة الله عز وجل فَتَأَسَّ بهم، وأسلك منهاجهم في الصبر على ما نالك في الله جل ذكره.

وسمي ذو الكفل بذلك، لأنه تكفل بعمل رجل صالح يقال، إن ذلك الرجل كان يصلي في كل يوم مائة صلاة، فتوفي؛ فتكفل ذو الكفل بعمله.

وقيل: إنه تكفل بإمر أنبياء من أنبياء الله عز وجل فخلصهم من القتل فسمي ذا الكفل. والكفل في كلام العرب: الحَظُّ والنصيب.

وقيل: تكفل لبعض الملوك بالجنة فكتب له كتاباً بذلك وقيل: لم يكن نبياً وقوله ﴿وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾، أي: كل هؤلاء من الأخيار المذكورين.

* *

ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾، أي: هذا القرآن ذكر لك يا محمد ولقومك.

وقيل: معناه: هذا ذكر جميل لهؤلاء في الدنيا، وإن لهم في الآخرة مع هذا لحسن مرجع.

وقيل: معنى: وإن للمتقين لحسن مئاب، أي: لمن اتقى الله فأطاعه لحسن مرجع ومنقلب.

ثم بين ذلك فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، أي: جنات إقامة وثبات، قال قتادة: سأل عمر كعباً: ما عدن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قصور في الجنة من ذهب يسكنها النبيئون والصديقون والشهداء وأئمة العدل.

وقال ابن عمر: "جنة عدن: قصر في الجنة، له خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف خَيْرة، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد".

وقوله ﴿مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ﴾، أي: تفتح لهم الأبواب منها بغير فَتْحِ سكانها لها بيد، أو بمعاناة، ولكن تنفتح بالأمر دون الفعل.

قال الحسن: "تُكَلَّم، فتتكلم، انفتحي، انغلقي".

و "مفتحة": نعت لـ "جَنَّتات"، والضمير محذوف، والتقدير: مفتحة لهم الأبواب منها.

* *

ثم قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾، أي: في الجنات ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾، أي: بفاكهة وشراب من الجنة فيأتيهم على ما يشتهون.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾، أي: وعند هؤلاء الذين تقدم ذكرهم نساء قصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم، ولا يَمدُدن أعينهن إلى سواهم، قاله قتادة وغيره.

وقال السدي: قُصرت أطرافهن وقلوبهن وأسماعهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم.

قال مجاهد: "أتراب: أمثال". وقال السدي: مستويات. وقيل: معناه: على سن واحد. وقيل: معناه: أحباب لا يتباغضن ولا يتعادين ولا يتغايرن ولا يتحاسدن. رُوي ذلك (أيضاً عن السدي).

وأصله في اللغة، أنهن أقران.

﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ﴾ تام عند أبي حاتم على أن يكون "المتقون" عام لا يراد به من تقدم ذكره.

فإن أردت به من تقدم ذكره من النبيين - على معنى: هذا ذكر جميل لهؤلاء الأنبياء في الدنيا، وإن لهم لحسن مصير في الآخرة - (لم تقف) على ذكر "لأنه جملة واحدة في معنى واحد". ثم قال: ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾.

من قرأه بالياء، فمعناه: هذا ما يوعد هؤلاء المتقون ليوم الجزاء.

ومن قرأ بالتاء جعله على المخاطبة، أي: هذا الذي تقدم ذكره من النعيم هو ما توعدون ليوم تجزى كل نفس بما كسبت.

* *

ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾، أي: إن ما تقدم ذكره لَرِزق الله عز وجل المتقين كرامة لهم ليس له من فراغ ولا انقطاع، وذلك أنهم كلما أخذوا ثمرة عادت مكانتها أخرى.

* *

ثم قال: ﴿هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، أي: لَشَرَّ مَرجِع ومصير ومنقلب.

ثم بيَّن ذلك ما هو فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾، أي: فبيس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم بأعمالهم السيئة.

والوقف على "هذا" حسن، ثم يبتدئ بـ: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾، على معنى: الأمر هذا، أو على معنى: هذا الذي وصفته للمتقين. ثم يستأنف خبر الطاغين وما لهم عند الله عز وجل.

38:57–70Page 456

هَٰذَا فَلۡيَذُوقُوهُ حَمِيمٞ وَغَسَّاقٞ ٥٧

This - so let them taste it - is scalding water and [foul] purulence.

وَءَاخَرُ مِن شَكۡلِهِۦٓ أَزۡوَٰجٌ ٥٨

And other [punishments] of its type [in various] kinds.

هَٰذَا فَوۡجٞ مُّقۡتَحِمٞ مَّعَكُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِهِمۡۚ إِنَّهُمۡ صَالُواْ ٱلنَّارِ ٥٩

[Its inhabitants will say], "This is a company bursting in with you. No welcome for them. Indeed, they will burn in the Fire."

قَالُواْ بَلۡ أَنتُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِكُمۡۖ أَنتُمۡ قَدَّمۡتُمُوهُ لَنَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ ٦٠

They will say, "Nor you! No welcome for you. You, [our leaders], brought this upon us, and wretched is the settlement."

قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَٰذَا فَزِدۡهُ عَذَابٗا ضِعۡفٗا فِي ٱلنَّارِ ٦١

They will say, "Our Lord, whoever brought this upon us - increase for him double punishment in the Fire."

وَقَالُواْ مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالٗا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلۡأَشۡرَارِ ٦٢

And they will say, "Why do we not see men whom we used to count among the worst?1

أَتَّخَذۡنَٰهُمۡ سِخۡرِيًّا أَمۡ زَاغَتۡ عَنۡهُمُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ ٦٣

Is it [because] we took them in ridicule, or has [our] vision turned away from them?"

إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقّٞ تَخَاصُمُ أَهۡلِ ٱلنَّارِ ٦٤

Indeed, that is truth [i.e., reality] - the quarreling of the people of the Fire.

قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مُنذِرٞۖ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٦٥

Say, [O Muḥammad], "I am only a warner, and there is not any deity except Allāh, the One, the Prevailing,1

رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفَّٰرُ ٦٦

Lord of the heavens and the earth and whatever is between them, the Exalted in Might,1 the Perpetual Forgiver."2

قُلۡ هُوَ نَبَؤٌاْ عَظِيمٌ ٦٧

Say, "It is great news

أَنتُمۡ عَنۡهُ مُعۡرِضُونَ ٦٨

From which you turn away.

مَا كَانَ لِيَ مِنۡ عِلۡمِۭ بِٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰٓ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ ٦٩

I had no knowledge of the exalted assembly [of angels] when they were disputing [the creation of Adam].

إِن يُوحَىٰٓ إِلَيَّ إِلَّآ أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٧٠

It has not been revealed to me except that I am a clear warner."

(قوله تعالى ذكره): ﴿هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ﴾ إلى قوله - ﴿نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾.

"هذا" مرفوع بالابتداء، و "حميم" الخبر. فلا تقف على هذا إلا على "أزواج".

ويجوز أن يكون الخبر "فليذوقوه"، فتقف على "فليذوقوه" ويجوز أن يكون (خبر ابتداء محذوف، أي: الأمر هذا)، فتقف على "هذا" إن شئت. ويجوز أن يكون "هذا" في موضع نصب (بإضمار قول يفسره "فليذوقوه"، مثل): زيداً فاضربه فتقف على هذا التأويل "فليذوقوه" وترفع "حميم وغساق"، على معنى: هو حميم، أو منه حميم.

والحميم: الذي قد انتهى حره. قاله السدي.

وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم تجمع في حياض النار فيسقونه.

قال قتادة: الغساق، ما يسيل من بين جلده ولحمه.

قال السدي: الغساق: الذي يسيل من أعينهم ودموعهم يسقونه مع الحميم.

وقال ابن زيد: هو الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض في النار فيسقونه، وقال مجاهد: الغساق: أبرد البرد.

وقال ابن عمر: هو القيح الغليظ؛ لو أن قطرة منها تهراق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تهراق بالمشرق لأنتنت أهل المغرب.

وقال كعب: "الغساق: عين في جهنم يسيل إليها حُمَةُ كل ذات حُمَةٍ من حية أو عقرب فتُستنقع فيُؤتى بالآدمي فيُغمس غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام حتى يتعلق جلده إلى كعبيه وعقبيه، ويجر لحمه جر الرجل ثوبه".

وروى الخدري أن النبي ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ دَلْواً مِنْ غَساقٍ يُهْرَاقُ في الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلَ الدُّنْيا

وقيل: هو ماء قد انتهى في البرودة ضد الحميم، يحرق كما يحرق الحميم. والعرب تقول: غسقت عينه، إذا سالت.

فمن شدد جعله مثل سيال، ومن خفف جعله مثل سائل.

فهو على هذا الاشتقاق ما سيل من أجسام أهل النار. ولم يعرف الكسائي ما هو. ومن شدد جعله صفة، ومن خفف أجاز أن يكون صفة واسماً.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾.

من جمع ﴿وَآخَرُ﴾ حمله على لفظ "أزواج". ومن وحد حمله على "شكله" ولم يقل شكلها، فالمعنى لمن جمع ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ ما ذكرنا.

وقيل: المعنى: من شكل الغساق.

وقوله: (أَزْوَاجٌ) يريد به الحميم والغساق والآخر، فذلك ثلاثة.

قال ابن مسعود: هو الزمهرير.

والمعنى: مِنْ ضَرْبِهِ ومن نحوه، ومعنى "أزواج": أنواع وألوان.

* *

ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾، أي: هذه فرقة مقتحمة معكم" في النار، وذلك دخول أمة من الكفار بعد أمة.

والتقدير: يقال هذا فوج يدخل معكم في النار، فهو قول الملائكة لأهل النار حين أتوهم بفوج يُدخِلُوَنه معهم.

* *

ثم قال: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾.

هذا خبر من الله جل ذكره عن قول أهل النار لما قيل لهم: "هذا فوج مقتحم معكم" فقالوا: لا مرحبا بهم. فهذا مثل قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨].

ومعنى: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾: لا اتسعت مداخلهم ومنازلهم في النار.

* *

ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ﴾.

هذا أيضاً من قول المتقدمين في النار للداخلين عليهم، أي: قالوا لا مرحباً بهم إنهم واردوا النار.

وقيل: هو من قول الملائكة الذين قالوا لأهل النار: "هذا فوج مقتحم معكم إنهم صالو النار".

* *

ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ﴾، أي: قال الفوج الداخلون على من تقدمهم لما قالوا لهم لا مرحبا بهم: بل أنتم لا مرحبا بكم، أي: لا اتسعت أماكنكم بكم.

﴿أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾، أي: أنتم أوردتمونا هذا العذاب بإضلالكم إيانا ودعائكم إيانا إلى الكفر فاتبعناكم فاستوجبنا سكنى جهنم.

* *

ثم قال تعالى ﴿قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ﴾، أي: قال الفوج المقتحم: ربنا من قدم لنا هذا بدعائه إيانا إلى العمل الذي أوجب لنا النار فزده عذاباً ضعفاً في النار، أي: أضعف لهم العذاب الذي هُمْ فيه.

وقيل: المعنى: أضعف له العذاب مرتين: عذاباً بكفره، وعذاباً بدعائه إيانا.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ﴾، أي: وقال الكافرون الطاغون الذين تقدمت صفتهم - وقيل: هم أبو جهل والوليد بن المغيرة وذووهما - قالوا في النار: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار، أي: كنا نعدهم في الدنيا من أشرارنا - قيل: (عنوا بذلك صهيباً وخباباً) وبلالاً وسلمان: قاله مجاهد.

* *

ثم قال تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً﴾.

من ضم: فمعناه: كنا نسخرهم في الدنيا ونستذلهم، ومن كسر فمعناه: كنا نسخر منهم في الدنيا، وقيل: هما لغتان بمعنى الهُزْء والسُّخرية.

فالمعنى: أَهُمْ في النار لا نعرف مكانهم، أم لم تقع أعيننا عليهم؟

ومن قرأ بقطع الألف من "اتخذناهم" ابتدأ به، ومن وصل الألف لم يبتدئ به لأنه صفة للرجال، هذا قول أبي حاتم.

وتكون "أم" عديلة لاستفهام مُضمَر، تقديره: أمفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار.

ويجوز أن تكون معادلة لـ "ما" في قوله: "ما لنا"، كما قال تعالى: ﴿مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠]، وقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ﴾ [القلم: ٣٦-٣٧]، فذلك جائز حسن.

وقد وقعت "أم" معادلة لـ "مَنْ" في الاستفهام، قال الله جل ذكره: ﴿فَمَن يُجَادِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ﴾ [النساء: ١٠٩].

* *

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ﴾، أي إن هذا الذي أخبرتك به من خبر أهل النار لحق هو تخاصم أهل النار.

ويجوز أن تكون "تخاصم" خبراً ثانياً لـ "إن" أو بدلاً من "لحَقٌّ" أو من المضمر في "لَحَقٌّ". فإن جعلته خبراً ثانياً (أو بدلاً) لم تقف على "لحَقٌّ". وإن جعلته مرفوعاً على إضمار مبتدأ، أي: هو تخاصم، وقفت إذا شئت على "لحق".

* *

ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ﴾، أي: نذير لكم بين يدي عذاب شديد.

﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾، أي: وما من معبود تجب له العبادة إلا الله الواحد، أي: المنفرد بالعبادة القهار لكل ما دونه بقُدرته.

﴿رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾: أي: ما لكهما ومالك ما بينهما من الخلق.

﴿ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: المنيع في نقمته.

﴿ٱلْغَفَّارُ﴾ لذنوب من تاب من كفره، وأطاع ربه.

ثم قال تعالى: - ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾، أي: قل يا محمد لقومك: هذا القرآن الذي قلتم فيه: "إن هَذَا إلا خْتِلاَقُ"، نبأ عظيم، أي: خبر عظيم، أنتم عنه معرضون، أي: قد كفرتم وانصرفتم عن الإيمان به والعمل بما فيه، وقيل: المعنى: هو خبر جليل، وقيل: معناه: خبر عظيم المنفعة.

* *

ثم قال: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: قل يا محمد للمشركين الذين ينكرون ما جئتهم به ويكذبونك: ما كان لي من علم بالملائكة إذ اختصموا في آدم إذ شوِروا في خلق آدم فاختصموا فيه، وقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] الآيات، قاله ابن عباس وغيره.

أي: لولا (ما أوحاه) إلي ربي وأعلمني به. فإعلامي ذلك لكم دليل على صدقي ونبوتي بأن هذا القرآن من عند الله عز وجل. وهذا كله معنى قول قتادة والسدي وغيرهما.

وفي الحديث: "يَخْتَصِمُون في الْكَفَّارَاتِ وَفي إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ في الْمكَارِهِ وَانْتِظَارِ الصَّلاَة بِعْدَ الصَّلاَةِ

قال الحسن: لما صُعِد بالنبي ﷺ إلى السماء ليلة الإسراء به مر في سماء منهن، فإذا هو بأصوات الملائكة يختصمون، (قال لجبريل: يا جبريل، ما هذه الأصوات؟ قال: أصوات الملائكة يختصمون) في كفارات بني آدم. فقال النبي عليه السلام: وما يقولون فيها؟ قال: يقولون: هي نقل الأقدام إلى الجماعات (والصلوات، وإسباغ) الوضوء عند المكروهات، والتعقيب في المساجد بعد الصلوات. قال: ثم أوحى الله عز وجل إلى النبي ﷺ: "ما كان لي من علم بالملأ الأعلى" الآيتين.

وعن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ: "قال لي ربي: فيمَ يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ (فقلت: أنت أعلم يا رب، فقالها ثانية، فقلت: أنت أعلم يا رب. فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض. فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: في الكفارات، فقال: وما الكفارات؟ فقلت: المشي ونقل الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكروهات، والجلوس في المساجد خلف الصلوات قال: من فعل ذلك يعيش بخير ويموت بخير، ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه

وأجاز النحاس أن يكون المعنيَّ بالاختصام قريشاً لأن منهم من قال: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى. فالمعنى على هذا: ما كان لي من علم بالملائكة إذ يختصم فيهم قريش. وأجاز أن يراد بالملأ الأعلى أشراف قريش يختصمون فيما بينهم فيخبر الله عز وجل نبيه ﷺ (بما شاء من ذلك فيعلمهم النبي بذلك).

* *

ثم قال: ﴿إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾، أي: ما يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين عن الله عز وجل وحيه، و "أنما" اسم ما لم يسم فاعله.

38:71–88Page 457

إِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن طِينٖ ٧١

[So mention] when your Lord said to the angels, "Indeed, I am going to create a human being from clay.

فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ ٧٢

So when I have proportioned him and breathed into him of My [created] soul,1 then fall down to him in prostration."

فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ ٧٣

So the angels prostrated - all of them entirely,

إِلَّآ إِبۡلِيسَ ٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٤

Except Iblees;1 he was arrogant and became among the disbelievers.

قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسۡجُدَ لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ أَسۡتَكۡبَرۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡعَالِينَ ٧٥

[Allāh] said, "O Iblees, what prevented you from prostrating to that which I created with My hands?1 Were you arrogant [then], or were you [already] among the haughty?"

قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ ٧٦

He said, "I am better than him. You created me from fire and created him from clay."

قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ ٧٧

[Allāh] said, "Then get out of it [i.e., Paradise], for indeed, you are expelled.

وَإِنَّ عَلَيۡكَ لَعۡنَتِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ٧٨

And indeed, upon you is My curse until the Day of Recompense."

قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ٧٩

He said, "My Lord, then reprieve me until the Day they are resurrected."

قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ٨٠

[Allāh] said, "So indeed, you are of those reprieved

إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ ٨١

Until the Day of the time well-known."

قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٨٢

[Iblees] said, "By Your might, I will surely mislead them all

إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٨٣

Except, among them, Your chosen servants."

قَالَ فَٱلۡحَقُّ وَٱلۡحَقَّ أَقُولُ ٨٤

[Allāh] said, "The truth [is My oath], and the truth I say -

لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٨٥

[That] I will surely fill Hell with you and those of them that follow you all together."

قُلۡ مَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُتَكَلِّفِينَ ٨٦

Say, [O Muḥammad], "I do not ask you for it [i.e., the Qur’ān] any payment, and I am not of the pretentious.

إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٨٧

It is but a reminder to the worlds.

وَلَتَعۡلَمُنَّ نَبَأَهُۥ بَعۡدَ حِينِۭ ٨٨

And you will surely know [the truth of] its information after a time."

قوله: تعالى ذكره: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ﴾، إلى آخر السورة - أي ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون حين قال ربك للملائكة ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ﴾، يعني بذلك خلق آدم ﷺ.

* *

ثم قال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾، أي: سويت خلقه وصورته ونفخت فيه من روحي، قال الضحاك: من روحي: من قدرتي.

والأحسن في هذا وما جانسه أن يقال: إنه تعالى أضاف الروح إلى نفسه لأنه إضافة (خلق إلى خالق). فالروح خلق الله أضافه إلى نفسه، على إضافة الخلق إلى الخالق، كما يقال: ﴿هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] و ﴿أَرْضُ ٱللَّهِ﴾ [النساء: ٩٧] و "سماء الله"، وشبهه كثير في القرآن، فهو كله على هذا المعنى. هذا قول أهل النظر والتحقيق فافهمه.

* *

قوله: ﴿فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾، أي: خروا له سجوداً.

﴿فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾، يعني: ملائكة السماوات والأرض.

﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ﴾، أي: تعاظم وتكبَّر عن السجود.

﴿وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾، أي: ممن كفر في علم الله السابق، قاله ابن عباس.

* *

ثم قال: ﴿قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، أي: قال الله عز وجل لإبليس: (يا إبليس)، أي: شيء منعك من السجود لآدم الذي خلقته بيدي.

قال ابن عمر: خلق الله أربعة بيده: العرش وعدن والقلم وآدم، ثم قال لكل شيء كن فكان.

والذي عليه أهل العلم والمعرفة بالله أن ذكر اليد وإضافتها إلى الله سبحانه ليست على جهة الجارحة، تعالى الله عن ذلك، ليس كمثله شيء.

وذكر اليد في مثل هذا وغيره صفة من صفات الله لا جارحة.

وقد اختلف في الترجمة عن ذلك:

فقيل: معناه: لما خلقت بقدرتي.

وقيل: بقوتي. وقيل: معناه: لما خلقته.

وذكر اليدين تأكيد، والعرب إذا أضافت الفعل إلى الرجل ذكروا اليدين. تقول لمن جنى: هذا ما جنيته، وهذا ما جنته يداك.

وقد قال الله عز وجل: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] بمعنى: بما كسبتم. (فيضاف الفعل إلى اليد والمراد صاحب اليد). وإنما خُصَّتِ اليد بذلك لأن بها يبطش وبها يتناول. فجرى ذلك على عادة العرب.

* *

وقوله: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ﴾، أي: أتعاظمت عن السجود لآدم أم كنت ذا علو وتكبر على ربك سبحانه ومعنى الكلام التوبيخ.

قال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة وكان خازن الجنان، وكان أميناً على السماء الدنيا والأرض ومن فيها، فأعجبته نفسه ورأى أن له فضلاً على الملائكة، ولم يعلم بذلك أحد إلا الله عز وجل يعني: علمه في سابق علمه قبل خلقه للأشياء، وعلمه متى يكون، وعلمه وقت حدوثه في نفس إبليس. فلما أمر الله عز وجل الملائكة بالسجود لآدم امتنع وتكبر.

ثم قال تعالى حكاية عن قول إبليس: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾، أي: لم أترك السجود استكباراً عليك، ولكن تركته لأني أفضل منه وأشرف، إذْ خَلْقِي من نار وخَلْقُه من طين، والنار تأكل الطين.

وهذا كله تقريع من الله جل ذكره وتوبيخ للمشركين إذ أبوا الانقياد والإذعان لما جاءهم به محمد ﷺ واستكبروا عن أن يكونوا تَبَعاً له، فأعلمهم الله عز وجل قصة إبليس وهلاكه باستكباره وترك إذعانه لآدم.

* *

ثم قال تعالى: ﴿قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾، أي: أخرج من الجنة فإنك مرجوم، أي ملعون، وقيل: مرجوم بالكواكب والشعب.

﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾، أي: عليك إبعادي لك وطردي لك من الرحمة ومن الجنة إلى يوم يُدَانُ الناس بأعمالهم.

﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، أي: قال: إبليس: يا رب أخِّرْنِي وَلاَ تَهْلِكني إلى يَوْم بعث خلقك من قبورهم.

قال الله: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ﴾، أي: من المؤخرين ﴿إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ﴾، فأخره الله عز وجل إلى وقت هلاكه وهو يوم يموت جميع الخلق ولم يؤخر إلى وقت بعث الخلق كما سأل. فأخره الله سبحانه تهاوناً له لأنه لا يضل إلا من تقدم في علم الله ضلاله.

ثم قال تعالى حكاية عن قول إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أي: قال إبليس: فبقدرتك وسلطانك، لأضلنهم باستدعائي إياهم إلى المعاصي.

﴿أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ﴾، أي: إلا عبادك الذين أخلصتهم لعبادتك وطاعتك، فلا سبيل لي إليهم.

ومن كسر اللام، فمعناه: إلا عبادك الذين أخلصوا دينهم لك.

* *

ثم قال تعالى: ﴿قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ﴾، أي: قال الله: فاتبعوا الحق، (أو: فاستمعوا) الحق. فهو مفعول به. ونصب "والحق أقول" على إعمال "أقول"، أي: وأقول الحق وقيل: نصبه على معنى: أحق الحق.

وأجاز الفراء وأبو عبيد أن ينتصب على إعمال "لأملأن"، كأنه قال: لأملأن جهنم حقا. ومنعه غيرهما لأن ما بعد اللام لا يعمل فيها قبلها، ولا يجوز عند أحد: زَيْداً لأَضْرِبَنَّ. ومن رفع "فالحقُ" فعلى الابتداء، والخبر محذوف، أي: فالحق مني. أو على إضمار مبتدأ، أي: فأنا الحق. ويجوز أن يكون خبره "لأملأن".

وأجاز الفراء "فالحقِّ" بالخفض على حذف حرف القسم كما تقول: الله لأفعلن، وأجازه سيبويه، وقيل: الفاء بدل من حرف القسم، قال مجاهد: معناه: أنا الحق والحق أقول.

وقال ابن جريج: الحق مني والحق أقول.

وقال السدي: "هو قسم أقسم الله به".

﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ﴾، أي: من نفسك ومن ذريتك، وممن تبعك من بني آدم كلهم.

* *

ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: قل يا محمد لمشركي قومك: ما أسألكم على ما جئتكم به من القرآن ثواباً وجزاءً.

﴿وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ﴾، أي: ممن يتكلف القول من عند نفسه ويتخرصه.

﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما هذا القرآن الذي جئتكم به من عند الله إلا ذكر من الله يتذكر به جميع الخلق من الجن والإنس.

﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ﴾، أي: ولتعلمن يا قريش وغيرهم من المشركين خبر هذا القرآن وحقيقته وما فيه من الوعد والوعيد يوم القيامة.

قال ابن زيد: نَبَأَهُ، أي: صِدقَ ما جئتكم به من القرآن والنبوة.

قال قتادة: بعد حين: "بعد الموت".

قال الحسن: "ابن آدم، عند الموت يأتيك الخبر اليقين"، وعن السدي: بعد حين: يوم بدر، قال ابن زيد: بعد حين: "يوم القيامة".

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском