Makki ibn Abi TalibAz‑Zumar · 39:22–44

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:22–44

39:22–28Page 461

أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٖ مِّن رَّبِّهِۦۚ فَوَيۡلٞ لِّلۡقَٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٢٢

So is one whose breast Allāh has expanded to [accept] Islām and he is upon [i.e., guided by] a light from his Lord [like one whose heart rejects it]? Then woe to those whose hearts are hardened against the remembrance of Allāh. Those are in manifest error.

ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ ٢٣

Allāh has sent down the best statement: a consistent Book wherein is reiteration. The skins shiver therefrom of those who fear their Lord; then their skins and their hearts relax at the remembrance [i.e., mention] of Allāh. That is the guidance of Allāh by which He guides whom He wills. And one whom Allāh sends astray - for him there is no guide.

أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجۡهِهِۦ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَقِيلَ لِلظَّٰلِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٢٤

Then is he who will shield with his face1 the worst of the punishment on the Day of Resurrection [like one secure from it]? And it will be said to the wrongdoers, "Taste what you used to earn."

كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٥

Those before them denied, and punishment came upon them from where they did not perceive.

فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلۡخِزۡيَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٢٦

So Allāh made them taste disgrace in worldly life. But the punishment of the Hereafter is greater, if they only knew.

وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٧

And We have certainly presented for the people in this Qur’ān from every [kind of] example - that they might remember.

قُرۡءَانًا عَرَبِيًّا غَيۡرَ ذِي عِوَجٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٢٨

[It is] an Arabic Qur’ān, without any deviance1 that they might become righteous.2

قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾ - إلى قوله - ﴿لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.

في هذه الآية حذف واختصار لدلالة الكلام عليه على مذاهب العرب.

والتقدير: أفمن شرح الله صدره فاهتدى، كمن طبع على قلبه فلم يهتد لقسوته. ثم بيّن ذلك بقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾، أي: عن ذكر الله عز وجل فلا يثبت ذكر الله سبحانه فيها.

وقيل: الجواب والخبر: ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾.

* *

وقوله: ﴿فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ معناه: على بصيرة ويقين من توحيد ربه.

ويروى أن قوله: ﴿أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ نزلت في حمزة وعليّ رضي الله عنهما.

* *

وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾ نزلت في أبي لهب وولده قال قتادة: ﴿فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾، يعني به: كتاب الله عز وجل، المؤمن به يأخذ وإليه ينتهي.

وروي أن أصحاب النبي ﷺ قالو له: "أَوَ يَنْشَرِحُ القَلْبُ"!؟

قال: نَعَمْ. إذاَ أَدْخَلَ الله فِيهِ النُّورَ انْشَرَحَ وَانْفَسَحَ.

قالوا: فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ عَلاَمَةٍ تُعْرَف؟

قال: نَعَمْ، التَّجَافي عَنْ دَارِ الغُروُرِ، وَالإِنَابَةِ إِلَى دَارِ الخُلُودِ وَالاسْتِعْدَادِ لِلْمَوْتِ قَبْلَ المَوْتِ

قال المبرد، يقال: (قسا وعتا) إذا صلب، وقلب قاس لا يلين ولا يرق.

فالمعنى: فويل للذين جَفَتْ قلوبهم عن قبول ذكر الله عز وجل وهو القرآن فلم يؤمنوا به ولا صدّقوه.

قال الطبري: "مِنْ" هنا، بمعنى: "عن"، أي: عن ذكر الله.

فيكون المعنى: غلظت قلوبهم وصلبت عن قبول ذكر الله.

وقيل: "من" على بابها.

والمعنى: كلما تلي عليهم من ذكر الله قست قلوبهم.

ثم بين حالهم فقال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: في ضلال عن الحق ظاهر.

ومن جعل جواب: ﴿أَفَمَن شَرَحَ﴾ محذوفاً وقف على ﴿نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾.

ومن جعل الجواب: ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ﴾ لم يقف عليه.

* *

ثم قال: ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ﴾، أي: يشبه بعضه بعضاً لا اختلاف فيه ولا تضاد، هذا قول قتادة والسدي.

وقال ابن جبير: يشبه بعضه بعضاً ويصدق بعضه بعضاً ويدل بعضه على بعض.

* *

وقوله: ﴿مَّثَانِيَ﴾ معناه: ثنى فيه الأخبار والقصص والأحكام والحجج.

وقال الحسن وعكرمة: "ثنى الله عز وجل فيه القضاء".

وقال قتادة: ثنى الله فيه ذكر الفرائض والقضاء والحدود.

وقال ابن عباس: ثنى الله عز وجل (الأمر فيه) مراراً.

وقيل: مثاني: ثنى فيه ذكر العقاب والثواب والقصص.

وقيل: المثاني، كل سورة فيها أقل من مائة آية أي: ثنى في الصلاة.

* *

ثم قال تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾، أي: تقشعر من سماعه إذا تلي وذكر فيه العذاب والعقاب خوفاً وحذراً.

* *

وقوله: ﴿رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾، أي: إلى العمل بما في كتاب الله عز وجل والتصديق به.

وقيل: تلين إلى ذكر الثواب والرحمة والمغفرة، وتقشعر إلى ذكر (العقاب والعذاب).

روى ابن عباس أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله، لو حدثتنا. فنزلت: ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ﴾ الآية.

* *

ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى ٱللَّهِ﴾، أي: ما يصيب هؤلاء القوم من اقشعرار جلودهم عند سماع العقاب ولينها عند سماع الثواب هو هدى الله وفقهم لذلك.

﴿يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ﴾، أي: يهدي بالقرآن من يشاء.

وقيل: ذلك هدى الله إشارة إلى القرآن، فيكون المعنى: ذلك القرآن بيان الله يوفق به من يشاء.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾، أي: من يخذل الله عن التوفيق فما له من موفق.

وقوله: (مثاني) وقف إن قطعت "تقشعر" مما قبله.

وإن جعلته نعتاً "للكتاب" لم يجز الوقف على "مثاني".

* *

ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾ "من" بمعنى "الذي" مرفوعة بالابتداء والخبر محذوف.

والتقدير عند الأخفش: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب أفضل، أم من يتقيه.

وقيل: التقدير: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب خير أم من ينعم في الجنان.

وقيل: التقدير: كمن يدخل الجنة، وقيل: التقدير: كمن هداه الله فأدخله الجنة، وقيل: التقدير: كمن لا يصيبه العذاب.

وهذه المعاني كلها قريب بعضها من بعض وإن اختلفت الألفاظ.

(وقيل معنى) الآية: أفمن يرمى به مكبوباً على وجهه في جهنم.

قال مجاهد: "يجر على وجهه في النار".

وقيل: المعنى: إنه ينطلق به إلى النار مكتوفاً ثم يرمى به فيها. فأول ما تمس النار وجهه، روى ذلك عن ابن عباس.

وقيل: يرمى بالكافر في النار مغلولاً فلا يقدر أن يتقي إلا بوجهه.

وقيل: الإتقاء في هذا بمعنى الاستقبال كرهاً.

وخصّ الوجه لأنه أعز ما في الإنسان على الإنسان وفيه الحواس الخمس.

تقول العرب: اتقيت فلاناً بحقه، أي: استقبلته به.

وقد كان الإنسان في الدنيا يتقي عن وجهه السوء بجميع جوارحه لشرفه وعزته عليه. فأعلمنا الله عز وجل أن الوجه هو أعز الجوارح به يتقي الكافر سوء العذاب يوم القيامة، فما ظنك بجميع الجوارح التي هي دون الوجه، أعاذنا الله من ذلك ونجّانا منه.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾، أي: وقيل للظالمين أنفسهم ذوقوا عقاب كسبكم في الدنيا معاصي الله سبحانه. وهذا فعل ماض عُطِفَ، وليس قبله ما يُعْطَفُ عليه، لكنه محمول على المعنى والحكاية. والتقدير: ويقال ذلك يوم القيامة.

* *

ثم قال: ﴿كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ ٱلْعَـذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ أي: كذبت الأمم رسلهم من قبل هؤلاء المشركين فجاءهم عذاب الله من حيث لا يعلمون بمجيئه.

﴿فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلْخِزْيَ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: عجّل لهم الهوان والعذاب في الدنيا قبل الآخرة، ولعذاب الله إياهم في الآخرة أكبر من العذاب الذي نالهم في الدنيا لو كانوا يعلمون ذلك.

والخزي، أصله: المكروه، وهو أشد الهوان وأبلغه.

قال المبرد: "يقال لكل ما نال الجارحة من شيء قد ذاقته، أي: وصل إليها كما تصل الحلاوة والمرارة إلى الذائق لهما".

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾، أي: ولقد مثلنا للناس، يعني: المشركين في هذا القرآن من كل مثل من مثال القرون الخالية تخويفاً وتحذيرا ﴿لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ فيرجعون عمّا هم عليه من الكفر والشرك.

* *

ثم قال: ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾.

نصب "قرآناً" عند الأخفش على الحال.

وقال علي بن سليمان: "عربياً" هو الحال، "وقرءاناً" توطئة للحال (كما تقول مررت بزيد رجلاً صالحاً، "فصالح" هو المنصوب على الحال ورجلاً توطئة للحال).

قال الزجاج: "عربياً". منصوب على الحال، "وقرآناً" توكيد.

* *

وقوله: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾. قال مجاهد: معناه، "غير ذي لبس"

وقال الضحاك غير مختلف.

وقال ابن عباس: غير مخلوق.

* *

ثم قال: ﴿لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: يتّقون ما حذّرهم الله عز وجل من بأسه وعذابه.

39:29–35Page 461

ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلٗا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَٰكِسُونَ وَرَجُلٗا سَلَمٗا لِّرَجُلٍ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٩

Allāh presents an example: a man [i.e., slave] owned by quarreling partners and another belonging exclusively to one man - are they equal in comparison? Praise be to Allāh! But most of them do not know.

إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ٣٠

Indeed, you are to die, and indeed, they are to die.

ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ ٣١

Then indeed you, on the Day of Resurrection, before your Lord, will dispute.

۞ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدۡقِ إِذۡ جَآءَهُۥٓۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡكَٰفِرِينَ ٣٢

So who is more unjust than one who lies about Allāh and denies the truth when it has come to him? Is there not in Hell a residence for the disbelievers?

وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ٣٣

And the one who has brought the truth [i.e., the Prophet (ﷺ)] and [they who] believed in it - those are the righteous.

لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٤

They will have whatever they desire with their Lord. That is the reward of the doers of good -

لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٥

That Allāh may remove from them the worst of what they did and reward them their due for the best of what they used to do.

قوله (تعالى ذكره): ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ﴾ - إلى قوله - ﴿بِأَحْسَنِ ٱلَّذِي كَـانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.

هذا مثل للمؤمن والكافر، فالكافر يعبد أرباباً كثيرة مختلفين من الشياطين والأصنام. فهو بينهم مقسم وجميعهم مشتركون فيه.

والمؤمن يعبد الله وحده لا شرك لأحد فيه، قد سلم له عبادته فهو سالم من الإشراك.

قال الفراء: متشاكسون: مختلفون: هذا معنى قول قتادة وهو قول ابن عباس، وقال مجاهد والضحاك هو مثل للحق والباطل، والشركاء: الأوثان.

قال الزجاج: ضرب هذا المثل لمن وحد الله عز وجل (ولم يجعل معه شريكاً).

فالذي وحّد الله مثله مثل السالم لرجل لا يشركه فيه غيره.

ومثل الذي عبد غير الله مثل صاحب الشركاء المتشاكسين، أي: المختلفون العسرون.

وحكى المبرد: متشاكسون: متعاسرون، من شكس يشكُسُ وهو شَكِسٌ، مثل عَسُرَ يَعْسُرُ فهو عَسِرٌ. يقال: رجل شَكِسُ أي: عسير لا يرضى بالإنصاف.

* *

وقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾، أي: هل يستوي من يخدم جماعة هم فيه شركاء قد اختلفت مراداتهم فيلقى من (التعب والنصب ما لا قوام) له به من غير أن يبلغ رضى الجميع، أو الذي يخدم واحداً لا ينازعه فيه منازع، إذا أطاع عرف موضع طاعته فأكرمه، وإذا أخطأ صفح له عن خطئه.

فالمعنى: أي هذين أحسن حالاً وأروح جسماً.

قال ابن عباس: هل يستويان مثلاً، أي: هل يستوي من اختلف فيه ومن لم يختلف فيه.

* *

ثم قال ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: الشكر لله كله والحمد كله له دون من سِواه، بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون الفرق بين من فيه أرباب مشتركون ومن ليس له إلا رب واحد. فلجهلهم يعبدون آلهة شتى.

ومعنى: ضرب الله مثلا" (مَثَّلَ الله مثلاً).

وقال "مثلاً" ولم يقل "مثلين" لأنهما كليهما ضربا مثلاً واحداً فجرى المثل فيهما بالتوحيد لذلك كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠].

ولم يقل آيتين إذ كان معناهما واحداً في الآية.

* *

ثم قال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾، أي: إنك يا محمد ستموت عن قليل، وإن هؤلاء المكذبين لك من قومك والمؤمنين منهم سيموتون.

﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾، (قال ابن عباس يخاصم الصادق الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهتدي الضال).

وقال ابن زيد وابن جبير: يختصم أهل الإسلام وأهل الكفر.

وقال ابن عباس: بلغ من الخصومة يوم القيامة حتى إن الروح ليخاصم الجسد. فيقول الروح: رب، هذا الذي عمل العمل فخلد عليه العذاب.

فيقول الجسد: رب، وما كنت أنا، به كنت أبسط، وبه كنت أقبض، وبه كنت أعمل، وبه كنت أقوم وأقعد، فخلد عليه العذاب.

فيقال لهما: أرايتما لو أنّ اعمى وصحيحاً دخلا حائطاً مثمراً، فقال البصير: لا أَنَالُهُ. فقال الأعمى: أنا أحملك على عنقي (حتى تناله فتأخذ): فحمله حتى أخذ من التمر، فأكلا جميعاً، على من يكون العذاب؟ فيقول: عليهما جميعاً!.

وعن النبي ﷺ أنه قال: "أَوَّلُ مَا يُقْضَى فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ

وقيل: هو اختصام أهل الإسلام فيما بينهم.

وروي عن ابن عمر أنه قال: نزلت هذه الآية (وما ندري ما تفسيرها حتى وقعت الفتنة، فقلنا: هذا الذي وعدنا ربنا أن نختصم فيه. وقال النخعي: لما نزلت هذه الآية) قالوا ما خصومتنا بيننا ونحن إخوان؟

قال: فلما قتل عثمان رضي الله عنه قالوا: هذه خصومتنا بيننا.

قال: أبو العالية: هم أهل القبلة يختصمون يوم القيامة في مظالم بينهم.

وروي عن النبي ﷺ أنه قال في الآية: "يَخْتَصِمُونَ في الدِّمَاءٍ في الدِّمَاءِ" قاله مرتين).

وروي عن الزبير أنه قال: يا رسول الله، أنختصم يوم القيامة بعدما كان بيننا؟ قال: "نعم، حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه". قال الزبير: إن الأمر إذن لشديد

وفي الحديث المسند: "أول ما تقع فيه الخصومات الدماء

وقوله: "مثلاً" تمام عند أبي حاتم وغيره.

وليس ذلك بمختار لأن الممثل به لم يذكر بعد فهو متصل بما قبله.

وقيل: إن "مثلاً" تقديره أن يكون مؤخراً بعد "سلما لرجل"، أي: ضرب الله هذا مثلاً وفي الكلام حذف، والتقدير: ضرب الله مثلاً لمن أشرك به غيره.

* *

وقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾: المثل في هذا بمعنى الصفة كما قال: ﴿مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥]، أي: صفة الجنة.

* *

ثم قال تعالى ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ﴾، أي: لا أحد أظلم ممن كذب على الله فجعل له ولداً وصاحبة.

و "من" استفهام، معناه: الجحد، أي: لا أحد أظلم منه.

﴿وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ﴾، أي: بالقرآن وبمحمد ﷺ إذ جاء رسولاً.

* *

ثم قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾، أي: أليس فها مأوى ومسكن لمن كفر بالله عز وجل ورسله صلوات الله عليهم، وكتبه بل فيها مأوى ومسكن لهم.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ "الذي" هنا واحد يدل على الجمع.

وقيل: كان أصله: "الذين"، فحذفت النون لطول الاسم.

وقيل: "الذي" للواحد وهو النبي ﷺ، جاء بـ "لا إله إلا الله" وصدق بذلك: هذا قول ابن عباس.

وقال مجاهد: جاء محمد بالقرآن وصدّق به، وقاله الشعبي.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الذي جاء بالصدق رسول الله ﷺ وصدّق به أبو بكر رضي الله عنه.

وقال قتادة: الذي جاء بالصدق رسول الله ﷺ جاء بالقرآن والإسلام وصدّق به يعني المؤمنين، وكذلك قال ابن زيد وقال السدي: الذي) جاء بالصدق: جبريل ﷺ، جاء بالقرآن من عند الله وصدّق به، يعني: محمداً ﷺ.

وقال مجاهد: ﴿وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ هم: المؤمنون يجيئون بالقرآن يوم القيامة، يقولون: هذا الذي أعطيتمونا قد اتبعنا ما فيه".

وعن مجاهد أيضاً: (والذي جاء بالصدق) يعني محمداً ﷺ "وصدق به" يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقيل: هو أبو بكر رضي الله عنه وأصحابه.

فمن جعله لجماعة استدل بقوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾.

ومن جعله لواحد حسن عنده (أولئك) بعد الواحد، لأن الجليل القدر يخبر عنه بلفظ الجماعة.

وقرأ أبو صالح: (وصدق به) بالتخفيف، (يعني به النبي ﷺ.

والباء بمعنى: في. والمعنى: جاء بالقرآن وصدق فيه.

واختار الطبري أن يحمل على العموم، فيكون معنى: والذي جاء بالصدق كل من دعا إلى توحيد الله عز وجل والعمل بطاعته، ويكون الصدق: القرآن والتوحيد والشرائع، والمصدق: المؤمنون والأنبياء وغيرهم من جميع من صدق به.

ودل على هذا العموم ما قبله من العموم في قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ﴾ فهذا عام في جميع المكذبين بالقرآن والتوحيد والشرائع، وفي جميع الكاذبين على الله سبحانه فكذلك يجب أن يكون التصديق عقيبه عاما في جميع المصدقين والصادقين فيترتب الشيء وضده على نظام واحد لأن الذين كانوا عند بعث النبي ﷺ قوم مكذبون لما أتاهم به كاذبون على الله سبحانه، ثم أعقبهم ممن آمن قوم مصدقون بما أتى به النبي ﷺ صادقون في قولهم.

وفي قراءة ابن مسعود: "والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به بالجمع.

* *

ثم قال تعالى ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ يعني، يوم القيامة لهم ما تشتهيه أنفسهم.

* *

ثم قال: ﴿ذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾، ذلك: إشارة إلى قوله: لهم ما يشاءون.

والكاف في "ذلك" للنبي ﷺ، أي: هذا الذي لهم عند ربهم جزاء كل محسن في الدنيا بطاعة الله عز وجل.

* *

ثم قال: ﴿لِيُكَـفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ﴾، أي: فعل بهم ذلك لكي يكفر عنهم أسوأ ما عملوا في الدنيا مما بينهم وبين ربهم ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ﴾، أي: في الآخرة.

﴿بِأَحْسَنِ ٱلَّذِي كَـانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا (لا بأسوئه).

39:36–44Page 462

أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُۥۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٦

Is not Allāh sufficient for His Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)]? And [yet], they threaten you with those [they worship] other than Him. And whoever Allāh leaves astray - for him there is no guide.

وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٖ ذِي ٱنتِقَامٖ ٣٧

And whoever Allāh guides - for him there is no misleader. Is not Allāh Exalted in Might and Owner of Retribution?

وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوۡ أَرَادَنِي بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَٰتُ رَحۡمَتِهِۦۚ قُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُۖ عَلَيۡهِ يَتَوَكَّلُ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ٣٨

And if you asked them, "Who created the heavens and the earth?" they would surely say, "Allāh." Say, "Then have you considered1 what you invoke besides Allāh? If Allāh intended me harm, are they removers of His harm; or if He intended me mercy, are they withholders of His mercy?" Say, "Sufficient for me is Allāh; upon Him [alone] rely the [wise] reliers."

قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَٰمِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣٩

Say, "O my people, work according to your position, [for] indeed, I am working; and you are going to know

مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ ٤٠

To whom will come a torment disgracing him and on whom will descend an enduring punishment."

إِنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٍ ٤١

Indeed, We sent down to you the Book for the people in truth. So whoever is guided - it is for [the benefit of] his soul; and whoever goes astray only goes astray to its detriment. And you are not a manager [i.e., authority] over them.

ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَاۖ فَيُمۡسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيۡهَا ٱلۡمَوۡتَ وَيُرۡسِلُ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٤٢

Allāh takes the souls at the time of their death, and those that do not die [He takes] during their sleep. Then He keeps those for which He has decreed death and releases the others for a specified term. Indeed in that are signs for a people who give thought.

أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَۚ قُلۡ أَوَلَوۡ كَانُواْ لَا يَمۡلِكُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَعۡقِلُونَ ٤٣

Or have they taken other than Allāh as intercessors? Say, "Even though they do not possess [power over] anything, nor do they reason?"

قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَٰعَةُ جَمِيعٗاۖ لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٤٤

Say, "To Allāh belongs [the right to allow] intercession entirely. To Him belongs the dominion of the heavens and the earth. Then to Him you will be returned."

قوله تعالى ذكره: ﴿أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ - إلى قوله - ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي أليس الله بكاف محمداً ﷺ أمر أعداء المشركين.

قال مجاهد: بكافيه الأوثان.

وروي أنهم قالوا للنبي ﷺ: لئن لم تنته عن سب آلهتنا لنأمرنها فتخبلك.

فالمعنى: يخوفك يا محمد هؤلاء المشركون بالأوثان أن تصيبك بسوء، أليس الله بكافيك؟! أي: هو كافيك ذلك.

ومن قرأ "عباده" بالجمع أدخل فيه النبي ﷺ ومن تقدمه من الأنبياء صلوات الله عليهم الذين توعدتهم أممهم بمثل ما توعدت به أمة محمد محمداً ﷺ.

قال مجاهد: نزلت هذه الآية حين قرأ النبي ﷺ سورة "والنجم" عند باب الكعبة.

* *

ثم قال تعالى ﴿وَمَن يُضْـلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ * وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ﴾، أي: من يخذل الله فيضله عن طريق الحق فما له سواه من مرشد، ومن يوفقه الله إلى طريق الحق فما له من مضل.

* *

ثم قال تعالى ﴿أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي ٱنتِقَامٍ﴾، أي: أليس الله يا محمد بعزيز في انتقامه ممن كفر به، ذي انتقام منهم.

* *

ثم قال: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، (أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين منْ خلق السماوات والأرض ليقولن الله) خلقهن، فإذا أقروا بذلك فقل لهم يا محمد: أفرأيتم هذه الآلهة التي تدعون من دون الله إن أرادني الله بضرّ، أي: سقم أو شدة في معيشتي هل هن كاشفات عني ما أصابني، وإن أرادني الله عز وجل برحمة، أي بصحة وَسَعَةٍ في الرزق هل هن ممسكات عني ما أعطاني.

والجواب في هذا محذوف لعلم السامع بالمعنى.

والتقدير: فإنهم سيقولون لا نقدر على شيء من ذلك، فإذا قالوا ذلك فقل يا محمد حسبي الله، أي: كافِيي الله مما سواه من الأشياء.

﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾، أي: من هو متوكل فليتوكل عليه لا بغيره.

وقال قتادة: ولئن سألتهم من خلق السماوات، يعني: الأصنام فيكون المسؤول في هذا القول: الأصنام. والقول الأول عليه أكثر المفسرين.

ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ يٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُـمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ معنى الكلام التهدد والوعيد، أي: اعملوا على تمكنكم من العمل الذي تعملونه مثل قوله: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].

وقال مجاهد: معناه اعملوا على ناحيتكم، (أي: على) ناحيتكم التي اخترتموها وتمكنت عندكم، إني عامل على ناحيتي.

وقيل: المعنى إنى عامل على عمل من سلف من الأنبياء عليهم السلام قبلي.

* *

﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي سوف تعلمون من يهان ويذل ممن يكرم وينعم إذا جاءكم بأس الله عز وجل فيظهر لكم المحق منا من المبطل وهو معنى قوله: ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾.

* *

ثم قال تعالى ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ لِلنَّـاسِ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: أنزلناه تبياناً بالحق.

﴿فَـمَنِ ٱهْتَـدَىٰ فَلِنَفْسِهِ﴾، أي من آمن به واتبعه فلنفسه عمل، لأنه أكسب نفسه باتباعه الحق وإيمانه الفوز والرضى من الله عز وجل والخلود في النعيم المقيم.

* *

ثم قال: ﴿وَمَن ضَـلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾، أي: ومن جار عن ما أنزل إليك فإنما يجُورُ على نفسه، لأنه أكسبها بكفره وجوره عن الحق العطب والخزي الدائم، والخلود في نار جهنم.

* *

ثم قال: ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِـيلٍ﴾، أي: ما أنت يا محمد على من أرسلناك إليهم برقيب ترقب أعمالهم وتحفظ أفعالهم، إنما أنت رسول وما عليك غير البلاغ المبين وحسابهم علينا، قال قتادة، والسدي: بوكيل: بحفيظ.

* *

ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا﴾ (أي يقبض الأرواح عند فناء آجالها وانقضاء مدة حياتها ويقبض أيضاً التي لم تمت في منامها) كما يتوفى التي ماتت عند مماتها فيرسل نفس النائم ويمسك نفس الميت، فإذا جاء وقت أجل النائم قبض نفسه ولم يردها إليه.

قال ابن جبير: يقبض الله عز وجل أرواح الأحياء النائمين وأرواح الموتى فتلتقي أرواح الأحياء وأرواح الموتى، ثم يرسل الله أرواح الأحياء النائمين، ويمسك أرواح الموتى.

وعن ابن عباس أنه قال: يلتقي أرواح الموتى وأرواح النائمين فيتساءلون بينهم، ثم يمسك الله عز وجل أرواح الموتى ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها إلى أجل مسمى، وهو الموت.

قال الفراء: المعنى: ويقبض التي لم تمت في منامها عند انقضاء أجلها، قال: وقد يكون توفيها نومها، فالتقدير عنده: والتي لم تمت، نومها: وفاتها.

وقال ابن جبير: معناه أن الله جل ذكره يجمع بين أرواح الأحياء والموتى، فيتعارف منهما ما شاء الله أن يتعارف فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجسادها.

وقال السدي: يقبض الله عز وجل روح النائم في منامه فتلقى الأرواح بعضها بعضاً أرواح الموتى وأرواح النيام (فتلتقي فتسأل).

قال فيخلي الله عز وجل عن أرواح الأحياء فترجع إلى أجسادها إلى أجل مسمى - أي: إلى بقية آجالها - وتريد الأخرى أن ترجع فيحبس التي قضى عليها الموت، وهو قول ابن زيد.

وقال بعض أهل اللغة: النفس على معنيين: نفس التمييز، ونفس الحياة. ونفس التمييز هي من نفس الحياة وليس نفس الحياة هي نفس التمييز لوجودنا النائم معه نفس الحياة ولا تمييز له.

فنفس التمييز ترتبط بنفس الحياة في حال وتفارقها في حال.

فتنفرد نفس الحياة، وليس تنفرد نفس التمييز بالبقاء البتة في الجسد، وتنفرد نفس الحياة بالبقاء في البدن. فالتي تقبض عند النوم هي نفس التمييز لا نفس الحياة، والتي تقبض عند الموت هي نفس الحياة، (فذهاب نفس الحياة) لا عودة بعده في الدنيا، وذهاب نفس التمييز له رجعة في الدنيا.

ونفس الحياة بها يكون التمييز والحركة والنفس، ونفس التمييز لا تكون إلا تابعة لنفس الحياة فهي جزء منها. ألا ترى أن التمييز يذهب والحياة والنفس والحركة باقية، ولو ذهبت نفس الحياة لم يبق (تمييز ولا نفس) ولا حركة. فالجملة نفس واحدة إلا أنها تنقسم في المنافع.

فصاحب هذا القول ينحو إلى أن النفس التي هي التمييز هي العقل، كأن التمييز هو العقل الذي تميز به الأشياء فهو مرتبط بالحياة، فسمي نفساً لارتباطه بالنفس والحياة.

وقيل: إن المعنى على هذا التأويل: الله يتوفى الأنفس حين موتها بإزاله أرواحها وتمييزها ويتوفى التي لم تمت في منامها بإزالة تمييزها دون حياتها، وهذا هو القول الذي قبله مختصراً.

* *

ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، أي: في قبض الله عز وجل نفس النائم وردّها عليه، وقبضه نفس الميت ومنها من الرد عليه، لَعِبَراً وعظات لمن تفكر وتدبر، وبياناً أن من فعل هذا يقدر على أن يحيى الموت إذا شاء.

ثم قال تعالى ذكره وجل ثناءه: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ﴾، أي اتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهتهم التي يعبدون (شفعاء) تشفع لهم عند الله.

* *

ثم قال: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ﴾، أي: قل لهم يا محمد: أتتخذونهم آلهة وإن كانوا لا يملكون لكم ضراً ولا نفعاً ولا يعقلون عنكم شيئاً.

* *

ثم قال تعالى: ﴿قُل لِلَّهِ ٱلشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: قل يا محمد: لله الشفاعة جميعاً فاعبدوه ولا تعبدوا ما لا يملك لكم شفاعة ولا غيرها.

﴿لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: له سلطان ذلك وملكه، فما تعبدون أيها المشركون داخل في ملكه وسلطانه فاعبدوا المالك دون المملوك، فإليه ترجعون بعد موتكم فيجازيكم على أعمالهم.

قال قتادة: أم اتخذوا من دون الله شفعاء، يعني: الآلهة. قل أو لو كانوا لا يملكون شيئاً يعني: لا يملكون الشفاعة.

قال مجاهد: قل لله الشفاعة جميعاً، أي: "لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه".

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском