Makki ibn Abi TalibAz‑Zumar · 39:68–75

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:68–75

39:68–70Page 466

وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخۡرَىٰ فَإِذَا هُمۡ قِيَامٞ يَنظُرُونَ ٦٨

And the Horn will be blown, and whoever is in the heavens and whoever is on the earth will fall dead except whom Allāh wills. Then it will be blown again, and at once they will be standing, looking on.

وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٦٩

And the earth will shine with the light of its Lord, and the record [of deeds] will be placed, and the prophets and the witnesses will be brought, and it will be judged between them in truth, and they will not be wronged.

وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٧٠

And every soul will be fully compensated [for] what it did; and He is most knowing1 of what they do.

قوله تعالى ذكره ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، أي: ونفخ إسرافيل في القرن فمات من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله. وهذه هي النفخة الثانية.

وقيل: الصور جمع صورة.

فالمعنى: ونفخ إسرافيل في صورة بني آدم فماتوا. والأول أكثر.

* *

وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ﴾. قال السدي وغيره: هو جبريل وميكائيل وملك الموت.

وكذلك روى أنس عن النبي ﷺ: "لا يموتون في هذه النفخة (صلوات الله عليهم) ثم يموتون بعد ذلك، فلا يبقى إلا الله الحيّ القيوم، ثم يحيي الله تعالى إسرافيل عليه السلام ويأمره أن ينفخ في القرن لإحياء الخلق بإذن الله عز وجل. والله المميت للخلق بالنفخة التي هي نفخة الصعق وهو المحيي للخلق بالنفخة التي هي نفخة الأحياء

قال ابن جبير: عنى بذلك (شهداءهم) حول العرش (متقلدو السيوف).

وقيل: استثناء الشهداء، إنما هو في [نفخة الفزع. وهي الأولى.

وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ينفخ في الصور ثلاث نفخات]: النفخة الأولى، نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله جل ذكره إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء الله، فقال أبو هريرة: يا رسول الله، فمن استثنى حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ﴾؟

قال: أولئك الشهداء. (وإن ما يصير) الفزع إلى الأحياء. أولئك أحياء عند ربهم يرزقون (ووقاهم الله) فزع ذلك اليوم وأمنهم.

ثم يأمر الله عز وجل إسرافيل بنفخة الصعق فيقول: نفخة الصعق، فيصعق أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء الله فإذا هم خامدون.

ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول: يا رب، قد مات أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شئت، فيقول له وهو أعلم: من بقي؟ فيقول بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقي حملة عرشك، وبقي جبريل وميكائيل وإسرافيل.

(وينظر الله العرش، فيقول: يا رب، تميت جبريل وميكائيل وإسرافيل!).

فيقول له جل وعز: اسكت، إني كتبت الموت على من كان تحت عرشي.

ثم يأتي ملك الموت فيقول: رب، مات جبريل وميكائيل فيقول الله عز وجل وهو أعلم: فمن بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي (لا تموت وبقي) حملة عرشك وبقيت أنا، فيقول له: فليمت حملة عرشي، فيموتون، ويأمر الله عز وجل العرش فيقبض الصور.

ثم يأتي ملك الموت، فيقول: يا رب، قد مات حملة عرشك، فيقول: ومن بقي؟ - وهو أعلم - فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت أنا، فيقول: أنت خلق من خلقي خُلِقْتَ لما رأيت فمَتْ، فيموت

وروي أن النبي ﷺ قال: أتاني ملك الموت فقال: يا محمد، اختر: نبياً ملكاً، أو نبياً عبداً. فأومأ إليَّ جبريل أن تواضع.

قال: فقلت: نبياً عبداً. فأعطيت خصلتين: جعلت أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، فأرفع رأسي فأجد (موسى آخذاً) بالعرش فالله أعلم، بعد الصعقة الأولى أم لا

وفي حديث آخر: "ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، فأكون أول من يرفع رأسه. فإذا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله عز وجل

وفي حديث آخر: "فلا أرى أحداً إلا موسى متعلقاً بالعرش، فلا [أدري، أممن استثنى] الله جل ثناؤه ألا تصيبه النفخة أو بعث قبلي

وقوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ﴾، يعني: نفخة البعث.

﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "أنا أول من يرفع رأسه بعد النفخة الأخيرة فإذا أنا بموسى متعلق بالعرش، فلا أدري أكذلك كان أم بعد النفخة

عن أبي هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: "ما بين النفختين [أربعون]، ثم ينزل الله جل ذكره من السماء ماء فينبتون كما يَنْبُتُ البقْلُ. قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عَظْم واحد وهو عَجْبُ الذَّنَب ومنه يُرَكَّبُ الخلق يوم القيامة

وكان أصحاب النبي ﷺ يتأولون الأربعين أربعين سنة.

وقال الحسن: لا أدري، أهي أربعون سنة، أم أربعون شهراً، أم أربعون ليلة، أم أربعون ساعة.

قال قتادة: ذكر لنا أنه يبعث في تلك الأربعين مَطَر يُقَالُ له مطر الحياة، حتى تطيب الأرض وتهتز وتنبت أجساد الناس نبات البقل، ثم ينفخ فيه الثالثة فإذا هم قيام ينظرون.

قال النبي ﷺ: "يبعث الله المؤمنين يوم القيامة جُرْداً مُرْداً بنو ثلاثين سنة

وقال أبو الزعراء عن عبد الله أنه قال: يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض فينفخ فيه، فلا يبقى خلق الله بين السماوات والأرض - إلا من شاء الله - إلا مات. ثم يرسل الله من تحت العرش مَنَيَّاً كمني الرجال فتنبت جسمانهم ولحمانهم من ذلك كما تنبت الأرض، ثم قرأ عبد الله ﴿وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ [فاطر: ٩] - إلى قوله - ﴿كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ﴾ [فاطر: ٩] قال: ويكون بين النفختين ما شاء الله ثم يقوم ملك فينفخ فيه فتنطلق كل نفس إلى جسدها.

ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾، أي: أضاءت.

يقال: أشرقت الشمس إذا أضاءت وَصَفَت، وَشَرَقَت إذا طلعت.

وذلك حين يجيء الرحمان لفصل القضاء بين خلقه.

وروي أن الأرض يومئذ أرض من فضة تضيء وتشرق بنور ربها لا بشمس ولا بقمر.

والمعنى: أضاءت الأرض بنور (خلقه الله).

فإضافة النور إليه تعالى على طريق خلقه له مثل قوله: ﴿هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ﴾ تبارك وتعالى.

وقيل: معناه: أشرقت بعد الله عز وجل وحُكمه الحق تبارك وتعالى لأن له نوراً كنور الشمس وضياء القمر، هو أعظم وأجل من ذلك، ليس كمثله شيء. وهذا كقوله عز وجل: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، أي: بِهُدَاه يهتدي أهل السماوات والأرض. لم يُرِدِ النُّور الذي هو الضياء، ولو كان ذلك، لم يوجد ظلام لأنه باق في الليل والنهار.

وقد ثبتت الأحاديث عن النبي ﷺ أنه قال: "تنظرون إلى الله سبحانه لا تضامون في رؤيته

وقد اختلف في هذه اللفظة على أربعة أوجه:

- لا تُضامُون - مُخَفَّفاً -، أي: لا يلحقكم ضيم كما يلحق في الدنيا في النظر إلى الملوك.

- والوجه الثاني: لا تُضامُّون - مشدداً -، أي: لا ينضم بعضكم لبعض ليسأله أن يريه إياه.

- والوجه الثالث: (لا تُضارُون) - مخففاً -، أي: لا يلحقكم ضير في رؤيته، من ضارَه يضيرُه.

- والوجه الرابع: (لا تُضارُّون) - مشدداً، أي: لا يخالف بعضكم بعضاً في صحة رؤيته. يقال: ضاررته مضارة، أي: خالفته.

ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ﴾، يعني: كتاب أعمال العباد وحسابهم.

وقيل: هو اللوح المحفوظ.

﴿وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ﴾، أي: جيء بالنبيين ليسألهم ربهم عما أجابت به] أممهم وردت عليهم في الدنيا.

والشهداء، يعني: الذين يشهدون على الأمم. وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي: عدلاً ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].

وقيل: عنى بالشهداء هنا: الذي قتلوا في سبيل الله. والأول (أولى وأبين).

وقال السدي: الشهداء: الذين استشهدوا في طاعة الله عز وجل.

وقال ابن زيد: هم الحفظة يشهدون على الناس بأعمالهم.

* *

وقوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي: قضى بين النبيئين وأممهم بالحق؛ فلا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يظلم أحد فينقص من عمله. ثم قال تعالى:

﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾، أي: جزاء عملها من خير وشر.

﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ في الدنيا من طاعة له أو معصية. فيثيب المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ولا تظلم نفس شيئاً.

39:71–75Page 466

وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَتۡلُونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِ رَبِّكُمۡ وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنۡ حَقَّتۡ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧١

And those who disbelieved will be driven to Hell in groups until, when they reach it, its gates are opened and its keepers will say, "Did there not come to you messengers from yourselves, reciting to you the verses of your Lord and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "Yes, but the word [i.e., decree] of punishment has come into effect upon the disbelievers."

قِيلَ ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٧٢

[To them] it will be said, "Enter the gates of Hell to abide eternally therein, and wretched is the residence of the arrogant."

وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَا سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ طِبۡتُمۡ فَٱدۡخُلُوهَا خَٰلِدِينَ ٧٣

But those who feared their Lord will be driven to Paradise in groups until, when they reach it while its gates have been opened and its keepers say, "Peace be upon you; you have become pure; so enter it to abide eternally therein," [they will enter].1

وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعۡدَهُۥ وَأَوۡرَثَنَا ٱلۡأَرۡضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلۡجَنَّةِ حَيۡثُ نَشَآءُۖ فَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٧٤

And they will say, "Praise to Allāh, who has fulfilled for us His promise and made us inherit the earth [so] we may settle in Paradise wherever we will. And excellent is the reward of [righteous] workers."

وَتَرَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنۡ حَوۡلِ ٱلۡعَرۡشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡۚ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّۚ وَقِيلَ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٥

And you will see the angels surrounding the Throne, exalting [Allāh] with praise of their Lord. And it will be judged between them in truth, and it will be said, "[All] praise to Allāh, Lord of the worlds."

قوله تعالى ذكره: ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ - إلى آخر السورة.

أي: وحشر الذين كفروا بالله عز وجل إلى ناره يوم القيامة.

﴿زُمَراً﴾، أي جماعة جماعة. حتى إذا جاءوا جهنم فتحت أبوابها لهم ليدخلوها.

﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ﴾، أي خزنة جهنم.

﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾، أي: بشر مثلكم.

﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾، أي: كتب الله سبحانه.

﴿وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا﴾، أي: مصيركم إلى هذا اليوم (وما تلقون فيه.

﴿قَالُواْ بَلَىٰ﴾، أي: بلى قد جاءتنا الرسل وأنذرتنا لقاءنا هذا اليوم).

﴿وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾، أي: وحقت كلمة الله أن عذابه لاحق بمن كفر به. بكتبه ورسله.

* *

ثم قال تعالى ﴿قِيلَ ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أي: قالت لهم الخزنة ادخلوا أبواب جهنم) السبعة على قدر منازلكم فيها ماكثين فيها لا تنقلون عنها إلى غيرها.

﴿فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ﴾، أي: فبيس مسكن المتكبرين على الله سبحانه جهنم يوم القيامة.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً﴾، أي: حشروا إلى دخول الجنة جماعة جماعة.

﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا﴾، أي: جاؤا الجنة.

﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾. قال الكوفيون: "فتحت" جواب "إذا" والواو زائدة.

وقال بعضهم: الجواب: قال لهم خزنتها، والواو في "وقال" زائدة.

وقال المبرد: الجواب محذوف، والتقدير: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها سَعِدُوا.

وقال الزجاج: تقدير الجواب المحذوف: "طبتم فادخلوها خالدين، دخولها.

ودلت الواو في "وفتحت" أن الجنة كانت مفتحة لهم الأبواب منها قبل أن يجيؤها.

(ودل حذف الواو في قصة أهل النار من "فتحت" أنها مغلقة قبل أن يجيؤها) ففتحت عند مجيئهم.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ﴾، (أي: قال للذين اتقوا ربهم خزنة الجنة سلام عليكم)، أي: أمنة من الله لكم.

وقوله ﴿طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾، أي: طابت أعمالكم في الدنيا فطاب اليوم مثواكم.

وقال مجاهد: معناه: "كنتم طيبين (بطاعة) الله عز وجل". فادخلوا أبواب الجنة خالدين، أي: ماكثين أبداً لا انتقال لكم عنها.

ويروى أن حشر المتقين في الآخرة يكون على نجائب من نجائب الجنة.

وحشر الكفار يكون بالدفع والعنف. قاله ابن زيد وغيره.

وقرأ ابن زيد في الكفار: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]. وقرأ في المتقين ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾ [مريم: ٨٥]. ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال في المتقين: يساقون إلى الجنة فيجدون عند بابها شجرة، في أصل ساقها عينان تجريان، فيعمدون إلى إحداهما فيغتسلون فيها، فتجري عليهم نضرة النعيم، فلن تشعث رؤوسهم بعدها أبداً، ولن تغير جلودهم بعدها أبداً كأنما دهنوا بالدهان. ويعمدون إلى الأخرى فيشربون منها فيذهب ما في بطونهم من قذى وأذى، ثم يأتون باب الجنة فيستفتحون فيفتح لهم فتتلقاهم خزنة الجنة فتقول: سلام عليكم، ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون.

قال: وتتلقاهم الولدان المخلدون يطوفون بهم كما يطوف ولدان أهل الدنيا بالحميم إذا جاء من الغيبة، يقولون: أبشر، أعد الله لك كذا وأعدلك كذا. فينطلق أحدهم إلى زوجته فيبشرها به، فيقول قدم فلان - باسمه الذي كان يسمى به في الدنيا - قال: فَيَسْتَحَفِهُّا الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها، فتقول: أنت رأيته، (أنت رأيته) قال: فيقول: نعم، فيجيء حتى يأتي منزله. قال: أصوله من جندل اللؤلؤ بين أصفر وأخضر وأحمر ... قال الله جل ذكره: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤-١٦]. قال: ثم يدخل إلى زوجته من الحور العين، فلولا أن الله أعدّها له لا ليمتع بصره من نورها وحسنها. فاتكأ عبد الله ويقول: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]. فتناديهم الملائكة أن تلكم الجنة أورثتموها بعملكم.

وقال السدي: لهو أهدى إلى منزلة في الجنة منه إلى منزله في الدنيا. ثم قرأ السدي: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦].

ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾، أي: له الحمد خالصاً إذ صدقنا ما كان وعدنا في الدنيا على طاعته. ﴿وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ﴾، أي: أرض الجنة.

وقيل: أورثوا الأرض التي لأهل النار لو كانوا مؤمنين.

* *

وقوله: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ﴾، أي: نسكن منها حيث نحب. فنعم أجر العملين، أي فنعم ثواب المطيعين العاملين له في الدنيا: الجنة في الآخرة.

ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ﴾، أي: وترى يا محمد يوم القيامة الملائكة محدقين من حول العرش.

والعرش: السرير. وواحد حافين: حاف، قاله الأخفش.

وقال الفراء: لا يفرد.

ودخلت "من" في قوله: ﴿مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ﴾ لأنه ظرف، والفعل يتعدى إلى الظرف بحرف وبغير حرف. ومثله قوله: ﴿وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ [الزمر: ٦٥، والشورى: ٣].

وقال بعض البصريين: دخلت "من" في الموضعين توكيداً.

* *

ثم قال: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾، أي: يصلون حول عرش ربهم شكراً لَهُ.

والعرب تدخل الباء مع التسبيح وتحذفها. تقول: سبح بحمد ربك وسبح حمد ربك. كما قال: ﴿سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ﴾ [الأعلى: ١] وقال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤ و ٩٦].

﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: وقضى الله بين النبيئين والأمم والشهداء بالعدل.

﴿وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: وختمت خاتمة القضاء بينهم بالشكر الذي ابتدأ خلقهم ووفقهم للعمل بطاعته.

قال قتادة: فتح أول الخلق بالحمد لله فقال: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] وختم بالحمد فقال: ﴿وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском