Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:58–77
4:58Page 87
۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا ٥٨
Indeed, Allāh commands you to render trusts to whom they are due and when you judge between people to judge with justice. Excellent is that which Allāh instructs you. Indeed, Allāh is ever Hearing and Seeing.
قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا﴾ الآية.
قال زيد بن أسلم: نزلت الآية في ولاة أمور المسلمين.
قال مكحول في وقوله: ﴿وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ﴾: هم أهل الآية التي قبلها في قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا﴾.
وقال ابن زيد: قال أبي: هم الولاة أمرهم الله عز وجل أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها.
وقال ابن جريج: خوطب بهذا النبي عليه السلام أن يرد مفاتيح الكعبة على عثمان بن طلحة كان المفتاح لآبائه من قصي، وكان أبوه قتل يوم بدر فورثه من أبيه طلحة.
وروي أن النبي ﷺ قال: يا عثمان خذ المفاتيح على أن للعباد معك نصيباً، فأبى أن يأخذه حتى نزلت الآية، فدفعه النبي ﷺ ولم يشرك معه أحداً، فهو اليوم في ذريته الأمثال فالأمثال.
وكان النبي ﷺ قد أخذها منه يوم فتح مكة، ففتح البيت ودخله، ثم خرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفاتيح
وقيل: نزلت لما أخذ النبي ﷺ مفاتيح الكعبة من شيبة بن عثمان.
وروى أهل التفسير أن العباس عم النبي عليه السلام سأل النبي عليه السلام أن يجمع له السقاية والسدانة، وهي الحجابة، وهو أن يجعل له مع السقاية فتح البيت وإغلاقه، فنازعه شيبة بن عثمان فقال: "يا رسول الله: اردد علي ما أخذت مني"، يعني مفاتيح الكعبة فرده ﷺ على شيبة.
وقال الحسن: لما فتح رسول الله ﷺ مكة دعا عثمان بن طلحة فقال: "أرنا المفتاح"، فلما أتاه به قال عباس: "يا رسول الله اجمعه لي مع السقاية، فكف عثمان يده مخافة أن يدفعه إلى العباس، فقال رسول الله ﷺ: يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فأرني المفتاح".
فقال: هاك في أمانة الله عز وجل، فأخذه رسول الله ﷺ، ففتح باب الكعبة، ثم دخل، فأفسد ما كان في البيت من التماثيل، وأخرج مقام إبراهيم ﷺ فوضعه حيث وضعه، ثم طاف بالبيت مرة أو مرتين، ونزل جبرئيل عليه السلام بالآية يأمره أن يرد المفتاح إلى أهله، فدعا عثمان فقال: هاك المفتاح إن الله يقول: "أدوا الأمانات إلى أهلها وقرأ الآية كلها
وقال ابن عباس: الآية على العموم في كل من ائتمن على شيء فعليه رده إلى أهله.
واختار أهل النظر أن يكون خطاباً لولاة أمور المسلمين أن يؤدوا الأمانة. فيما ائتمنوا عليه من أمور المسلمين في أحكامهم والقضاء في حقوقهم بكتاب الله، والقسم بينهم بالسوية، ويدل على صحة ذلك أن الله تعالى أمر المسلمين بطاعتهم بعد ذلك فقال: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فحض الولاة على العدل والإنصاف بين المسلمين، وحض المسلمين على طاعة الولاة.
* *
قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي: نعمه العظيمة يعظكم بها يا ولاة أمور المسلمين، في أداء ما ائتمنتم عليه من أموال المسلمين ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً﴾ أي: لم يزل سميعاً لما تقولون وتنطقون وتحكمون في رعيتكم ﴿بَصِيراً﴾ بما تعملون فيما ائتمنكم عليه من الحكم والإنصاف، لا يخفى عليه شيء من أفعالكم. وهذا كان لولاة أمور المسلمين ومن قام مقامهم من الحكام، وقد حض على ذلك في غير موضع من كتابه فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [النحل: ٩٠].
وقال: ﴿يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [ص: ٢٦].
وقال: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، و ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥].
وقال: ﴿كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥].
وقال ﷺ "المقسطون يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمان، وكلتا يديه - جلت عظمته - يمين هم الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وأموالهم
وقال ﷺ: "إن أحب الناس إلى الله عز وجل وأقربهم إليه سبحانه وتعالى - إمام عادل" وقال: "إن أبغض الناس إلى الله جل ذكره وأشدهم عذاباً إمام جائر" وقال ﷺ: "إن أفضل عباد الله منزلة إمام عادل رقيق، وإن شر عباد الله تعالى منزلة يوم القيامة إمام جائر
وقال معقل المزني عند موته: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس من ولي أمة قلَّت أو كثرت لم يعدل فيهم إلا كبه الله على وجهه في النار
وروي عنه ﷺ أنه قال: "ما من أمير عشرة إلا وهو يجيء يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه حتى يكون عمله هو الذي يطلقه أو يوبقه، وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته
وقال ﷺ: "سبعة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله: إمام مسقط، وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل حتى توفاه الله على ذلك، ورجل ذكر الله في خلا، ففاضت عيناه من خشية الله عز وجل، ورجل كان قلبه متعلقاً بالمسجد حين يخرج منه حتى يرجع إليه، ورجل قال أحدهما للآخر: إني أحبك في الله، وقال الآخر: إني أحبك في الله، فتصادرا على ذلك، ورجل دعته امرأة ذات جمال ومنصب إلى نفسها فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه
وقال النبي ﷺ في خطبته: "أصحاب الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط، ومصدق مؤمن، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، ورجل عفيف فقير
قال ابن مسعود، إذا كان الإمام عادلاً فله الأجر وعليكم الشكر، وإذا كان جائراً فعليه الوزر وعليكم الصبر.
وقال بعض الحكماء: عدل الحكام أنفع من خصب الزمان.
4:59Page 87
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا ٥٩
O you who have believed, obey Allāh and obey the Messenger and those in authority among you. And if you disagree over anything, refer it to Allāh and the Messenger, if you should believe in Allāh and the Last Day. That is the best [way] and best in result.
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ ...﴾ الآية.
أي: دوموا على طاعته ﴿وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ﴾ في سنته، وما أتاكم به ﴿وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ أي: ولاة أموركم، وهم الأمراء، قال ذلك أبو هريرة، وابن عباس وغيرهما.
وقيل: هم أصحاب السرايا على عهد رسول الله ﷺ.
وقال زيد بن زيد أسلم: هم السلاطين.
وقال جابر بن عبد الله " هم أهل العلم والفقه والخير، قاله مجاهد وقتادة، وأبو العالية، وروي عن ابن عباس مثله وقاله عطاء، ولذلك قيل، إن الأمر في هذا: القرآن: فمعناه: وأولي القرآن، وأولي العلم بالقرآن، ودل على أن الأمر: القرآن قوله: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ [الطلاق: ٥].
وعن ابن عباس أنه قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي ﷺ في سرية. وروي عن مجاهد أنه قال: هم أصحاب محمد ﷺ.
وقال عكرمة: هم أبو بكر وعمر.
واختار أهل النظر أن يكون المراد أمراء مسلمين لقوله ﷺ: "سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البر ببره، ويليكم الفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم، وأطيعوا في كل ما وافق الحق، وصلوا وراءهم، فإن أحسنوا فلهم، وإن أساءوا فلكم وعليهم
قال ﷺ: "على المرء المسلم الطاعة
وقال ﷺ: "لا يزال الناس بخير ما استقامت لهم هداتهم وولاتهم". والهداة العلماء العاملون بعلمهم.
* *
قوله: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ﴾ الآية.
المعنى: إن اختلفتم في شيء من أمور دينكم فردوه إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله، وحكمه.
وقيل: المعنى إن اختلفتم في شيء فقولوا: الله ورسوله أعلم، على التغليظ في الاختلاف والنهي عنه، قوله: ﴿ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ أي هذا الفعل خير لكم في دنياكم وأخراكم، وأحسن عاقبة، لأنه يدعوكم إلى الإلفة وترك الاختلاف والتنازع، والفرقة.
وقال مجاهد ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾: أحسن جزاء.
وقيل: أحسن ثواباً، وخير عاقبة.
4:60–61Page 88
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا ٦٠
Have you not seen those who claim to have believed in what was revealed to you, [O Muḥammad], and what was revealed before you? They wish to refer legislation to ṭāghūt,1 while they were commanded to reject it; and Satan wishes to lead them far astray.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيۡتَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودٗا ٦١
And when it is said to them, "Come to what Allāh has revealed and to the Messenger," you see the hypocrites turning away from you in aversion.
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية: معناه ألم تعلم بقلبك الذين يزعمون أنهم صدقوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك من الكتاب، وهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمرهم الله أن يكفروا به: أي: بما جاء به الطاغوت.
والطاغوت كل ما عبد من دون الله عز وجل فهو جماعة، وهو يذكر ويؤنث، فإذا ذُكِّر ذهب به إلى [معنى] الشيطان وإذا أُنِّث ذُهب [به] إلى معنى الألوهية، وإذا جمع ذهب به إلى [معنى] الأصنام.
قال الله في التذكير: ﴿وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾ فذكر على معنى الشيطان، وقيل: هو كعب بن الأشرف.
قال الله جل ذكره: ﴿ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧] فأنث على معنى الألوهية. وقال في الجمع: ﴿أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧] فجمع على معنى: أولياؤهم الأصنام.
* *
قوله: ﴿يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ﴾ أن يضلهم أي: يضل هؤلاء المتحاكمين إلى الطاغوت عن الحق أي: يصدهم عنه.
وروي أن هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين دعا رجلاً من اليهود في خصومة كانت بينهما، فكان المنافق يدعوه إلى اليهود لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة، واصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن جهينة ليحكم بينهم، ورسول الله ﷺ بين أظهرهم، فأنزل الله هذه الآية فقوله: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني به المنافق ﴿وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ يعني به اليهود ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ﴾ وهو الكاهن ﴿وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾ أمر هذا في كتابه، وهذا في كتابه أن يكفروا بالكاهن. وقيل: إنهما رجلان من اليهود تخاصما فدعا أحدهما إلى النبي ﷺ والآخر يدعو إلى الكاهن فمضيا، فأنزل الله هذه الآية.
وقال ابن عباس: كانت اليهود إذا دعيت إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أبوا، وقالوا: بل نتخاصم إلى كعب بن الأشرف، فأنزل الله هذه الآية.
وقوله ﴿ضَلاَلاً﴾ مصدر لفعل دل عليه ﴿يُضِلَّهُمْ﴾ كأنه فيضلهم ﴿ضَلاَلاً﴾ مثل: ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧]. قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ﴾ هذا ذم لفعل المذكورين أنهم يتحاكمون إلى الطاغوت، فأخبر الله تعالى أنهم إذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله "أي: إلى كتابه جلت عظمته وإلى رسوله ﷺ ﴿رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ﴾ أي: يمتنعون عنك.
و ﴿صُدُوداً﴾: هو اسم للمصدر عند الخليل، والمصدر عنده الصد، وهو مصدر عند الكوفيين، والصد أيضاً مصدر عندهم.
ووقع الإخبار عن المنافق بالصد لأنه هو الذي دعا إلى الكاهن، ولم يمض إلى رسول الله ﷺ.
وقال ابن جريج: دعا اليهودي المنافق إلى رسول الله ﷺ.
وقيل:دعا اليهودي المنافق إلى رسول الله ﷺ، فقال المنافق: بيني وبينك الكاهن، فلم يرض اليهودي بالكاهن، ومضيا إلى النبي ﷺ فحكم لليهودي على المنافق، فقال المنافق: لا أرضى، وقال: بيني وبينك أبو بكر، فحكم أبو بكر لليهودي، فلم يرض المنافق، فقال: بيني وبينك عمر، فمضيا إلى عمر فأخبره اليهودي أن المنافق قد حكم عليه النبي ﷺ، وأبو بكر فلم يرض بحكمهما، فقال عمر للمنفق: كذلك؟: قال: نعم، قال عمر اصبر، فإن لي حاجة ادخل فأقضيها وأخرج إليكما، فدخل وأخذ سيفه وخرج إلى المنافق فضاربه بالسيف فقتله، فجاء أهله فشكوا إلى النبي ﷺ، فسأله عن قصته فقال عمر: رد حكمك يا رسول الله! فقال النبي ﷺ: أنت الفاروق
ومعنى: يصدون عنك أي: عن حكمك.
4:62–63Page 88
فَكَيۡفَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّآ إِحۡسَٰنٗا وَتَوۡفِيقًا ٦٢
So how [will it be] when disaster strikes them because of what their hands have put forth and then they come to you swearing by Allāh, "We intended nothing but good conduct and accommodation."
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَعِظۡهُمۡ وَقُل لَّهُمۡ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَوۡلَۢا بَلِيغٗا ٦٣
Those are the ones of whom Allāh knows what is in their hearts, so turn away from them1 but admonish them and speak to them a far-reaching [i.e., effective] word.
قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ﴾ الآية.
معنى: كيف في هذا: الاستفهام، ولها معان أخرى.
تكون بمعنى التحذير، والتخويف نحو قوله ﴿فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ [النمل: ٥١].
وتكون بمعنى الجحود فتتبعها إلى نحو قوله ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٧] ألا ترى بعده ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ﴾ [التوبة: ٧] تقديره ما يكون للمشركين عهد.
وتكون كيف استفهام بمعنى التوبيخ والتعجب، نحو قوله ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً﴾ [البقرة: ٢٨] ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠١] وتكون تنبيهاً نحو قوله: ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا﴾ [الإسراء: ٢١]، ﴿ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ﴾ [الإسراء: ٤٨].
وتكون توكيداً لما قبلها، وتحقيقاً له، نحو قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] فهذا كله من تفسير الكوفيين النحويين وهو صحيح.
والمعنى كيف يكون حال هؤلاء الذين يتحاكمون إلى الطاغوت ويزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، ويمتنعون أن يأتوا حكمك إذا أصابتهم مصيبة أي: نزلت بهم نقمة من الله تعالى ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بذنوبهم التي تلفت منهم ﴿ثُمَّ جَآءُوكَ﴾ حالفين بالله ﴿إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَٰناً وَتَوْفِيقاً﴾.
أخبر الله عنهم أنهم لا يردعهم عن النفاق: والعبر والنقمات وأنهم إذا أصابتهم مصيبة بذنوبهم أخذوا يحلفون كاذبين أنا لم نرد إلا الإحسان والتوفيق أي: لم نرد باحتكامنا إلى الكاهن إلا الإحسان من بعضنا البعض، ولم يرجعوا إلى التوبة والاعتراف.
وقيل: أنهم أتوا النبي ﷺ في أمر القتيل الذي قتله عمر وحلفوا، أنا ما أردنا بطلب الدم إلا إحساناً وموافقة الحق.
* *
قوله: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: يعلم ما أضمروا من احتكامهم إلى الكاهن، وتركهم الاحتكام إلى كتاب الله ورسوله ﷺ، فهو يعلم ذلك منهم، وإن حلفوا أنا ما أردنا إلا الإحسان والتوفيق ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (أي): فدعوهم ولا تعاقبهم في أبدانهم ولكن ﴿عِظْهُمْ﴾ بالتخويف من الله عز وجل أن تحل بهم عقوبة منه ﴿وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ هذا التوعد بالقتل لمن خالف حكم الله وكفر به.
وقيل: قوله ﴿فِيۤ أَنْفُسِهِمْ﴾ مؤخر عن موضعه يراد به التقديم، فكيف إذا أصابتهم مصيبة في أنفسهم بما قدمت أيديهم.
وكونه في غير موضعه من غير تقديم ولا تأخير، أحسن لتمام المعنى بذلك، إنما يحسن تقدير التقديم والتأخير إذا لم يكمل معنى الآية، وتقدير التقديم والتأخير مروي عن مجاهد.
4:64Page 88
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا ٦٤
And We did not send any messenger except to be obeyed by permission of Allāh. And if, when they wronged themselves, they had come to you, [O Muḥammad], and asked forgiveness of Allāh and the Messenger had asked forgiveness for them, they would have found Allāh Accepting of Repentance and Merciful.
قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ الآية.
المعنى ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا﴾ رسولاً إلا افترضنا طاعته على من أرسل إليهم، فأنت يا محمد من الرسل الذين فرضت طاعتهم على من أرسلته إليهم فهذا توبيخ لمن احتكم إلى غير النبي ﷺ.
* *
قوله: ﴿بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ أي: بعلمه، فدل هذا، أن هؤلاء الذين لم يتحاكموا إلى رسول الله ﷺ وتركوا طاعته إنما ذلك لشيء سبق في علم الله عز وجل، فطاعته تكون ممن سبق في علم الله أنه يطيعه، وكذلك خلافه.
* *
قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ لو أن هؤلاء المنافقين إذ تحاكموا إلى الكاهن، فظلموا أنفسهم بذلك ﴿جَآءُوكَ﴾ تائبين مستغفرين مما فعلوا، فسألت الله العفو عن جرمهم ﴿لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً﴾ ومعنى تواباً راجعاً عما يكرهون إلى ما يحبون، رحيماً بهم في تركه عقوبتهم على ذنبهم.
4:65Page 88
فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا ٦٥
But no, by your Lord, they will not [truly] believe until they make you, [O Muḥammad], judge concerning that over which they dispute among themselves and then find within themselves no discomfort from what you have judged and submit in [full, willing] submission.
قوله: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية.
المعنى في قوله: ﴿فَلاَ﴾ أي: ليس الأمر على ما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك إذا دعوا إليك، ثم استأنف القسم فقال: ﴿وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: وربك يا محمد، لا يؤمنون أي: لا يصدقون بالله عز وجل ونبيه ﷺ ﴿حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، أي: يحكمونك حَكَماً بينهم في خصوماتهم. وقرأ أبو السمأل: ﴿شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ بإسكان الجيم وهو بعيد لخفة الفتحة.
* *
قوله: ﴿ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ﴾ أي: ضيقاً من حكمك أي لا تأثم أنفسهم بإنكارها حكمك، وشكها في طاعتك لأن الحرج الإثم، وكأنه قال: ثم لا تحرج أنفسهم بإنكارها حكمك، قال: معنى ذلك مجاهد والضحاك.
وقيل: الحرج: الشك وكله يرجع إلى الإثم.
﴿وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ أي: يسلموا لحكمك إقراراً بنبوتك.
ويروى أن هذه الآية نزلت في الزبير بن العوام وخصم له، ذكر عن الزبير أنه خاصم رجلاً من الأنصار وهو حاطب بن أبي بلتعة في شريج من الحرة كانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاري سرح الماء يمر، وكانت أرضه أسفل من أرض الزبير فأبى عليه، فاختصما إلى النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: اسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك. فغضب الأنصاري فقال: يا رسول الله إن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ، ثم قال: يا زبير اسق، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجَدْر، ثم أرسل الماء إلى جارك، فاستوعب رسول الله ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم وكان أولاً أراد النبي ﷺ الرفوت والسعة لهما فنزلت الآية
وقيل: نزلت في اليهودي والمنافق اللذين تقدم ذكرهما قاله مجاهد وغيره، وهو أولى بسياق الكلام.
قال الطبري: ولا ينكر أن تكون الآية نزلت في الجميع فيكون حكم المتحاكمين إلى الطاغوت، وحكم الزبير وخصمه.
ومن قال إنها في الزبير وخصمه ما زالت أحسن الوقف على ما [قبل الآية، ومن قال: إنها في اليهود والمنافق ما زالت، فليس الوقوف على ما] قبلها بتمام، لأن القصة واحدة.
وروي أنها نزلت في رجلين اختصما إلى النبي ﷺ، فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه ردنا إلى عمر، فقال النبي ﷺ: انطلقا إلى عمر، فلما أتيا عمر قال الذي له الحق: يا ابن الخطاب قضى رسول الله ﷺ على هذا، فقال: ردنا إلى عمر فردنا إليك، قال: كذلك؟ قال: نعم! قال عمر: مكانكما حتى أخرج فأقضي بينكما، فخرج إليهما مشتملاً على سيفه، فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر فاراً إلى رسول الله ﷺ فأخبر النبي ﷺ بذلك، فقال النبي ﷺ: "ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن"! فأنزل الله عز وجل: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ الآية
4:66–68Page 89
وَلَوۡ أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُواْ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٞ مِّنۡهُمۡۖ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا ٦٦
And if We had decreed upon them, "Kill yourselves" or "Leave your homes," they would not have done it, except for a few of them. But if they had done what they were instructed, it would have been better for them and a firmer position [for them in faith].
وَإِذٗا لَّأٓتَيۡنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٦٧
And then We would have given them from Us a great reward.
وَلَهَدَيۡنَٰهُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٦٨
And We would have guided them to a straight path.
قوله ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ الآية.
فالمعنى: ولو أنا كتبنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك المتحاكمين إلى الطاغوت أي: فرضنا عليهم قتل أنفسهم، والخروج من ديارهم ما فعل ذلك إلا قليل منهم.
ومعنى: قتل أنفسهم قتل بعضهم بعضاً كما أمر أصحاب موسى ﷺ، ولما نزل ذلك افتخر ثابت بن قيس ورجل من اليهود، فقال اليهودي، والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم فقتلنا أنفسنا وبلغت القتلى منا سبعون ألفاً، فقال ثابت: والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم لقتلنا أنفسنا، فأنزل الله عز وجل ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ وقيل:إن الآية لما نزلت قال رجل من أصحاب النبي ﷺ قيل: هو أبو بكر رضي الله عنه لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "إن من أمتي لرجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي"
ومعنى ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ أي: أثبت لهم في أمورهم وأقوى.
وقال السدي: وأشد تثبيتاً أي تصديقاً.
* *
قوله: ﴿وَإِذاً لأَتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً﴾ المعنى: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً، ﴿وَإِذاً لأَتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً﴾، أي ثواباً في الآخرة ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي لوفقناهم للصراط المستقيم وهو طريق الجنة.
4:69–70Page 89
وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا ٦٩
And whoever obeys Allāh and the Messenger - those will be with the ones upon whom Allāh has bestowed favor of the prophets, the steadfast affirmers of truth, the martyrs and the righteous. And excellent are those as companions.
ذَٰلِكَ ٱلۡفَضۡلُ مِنَ ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمٗا ٧٠
That is the bounty from Allāh, and sufficient is Allāh as Knower.
قولهم: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾ الآية.
المعنى من يطع الله عز وجل والرسول ﷺ بتسليم لأمرهما والرضا بحكمهما، فهو مع الذين أنعم الله عليهم لأنبيائه، وأهل طاعته في الآخرة ﴿وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً﴾ أي: وحسن الأنبياء ومن معهم رفيقاً.
و﴿رَفِيقاً﴾ منصوب على الحال عند الأخفش، بمعنى رفقاء، وقال الكوفيون: نصبه على التفسير، وقال بعض البصريين نصبه على التمييز.
والصديقون: أتباع الأنبياء صلوات الله عليهم، صدقوهم فهو فعيل من الصدق وقد كثر ذلك عنه.
وقيل: هو فعيل من الصدقة كأنه (كثر) ذلك منه.
وروي عن النبي ﷺ في حكاية أنه قال: "الصديقون المتصدقون
وفعيل أصله المبالغة في ذم أو مدح.
﴿وَٱلشُّهَدَآءِ﴾ جمع شهيد، وهو المقتول في سبيل لله [شهد لله عز وجل بالحق، فسمي شهيداً لذلك. وقيل: سمي شهيداً لأنه يشهد كرامة الله] سبحانه وقيل: لأنه يشهد على العباد بأعمالهم يوم القيامة، وقيل: هم الذين قاموا وشهدوا لله بالحق. ويقال: الشهداء عدول يوم القيامة.
﴿وَٱلصَّالِحِينَ﴾ كل من صلحت سريرته وعلانيته. ﴿وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً﴾ في الجنة. والرزق لفظه لفظ واحد وهو في معنى الجمع.
ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم حزنوا على فقد النبي ﷺ حذر ألا يروه في الآخرة، فأخبرهم الله عز وجل أن من أطاعه، وأطاع رسوله مع النبيين في الجنة.
وقال ابن جبير: جاء رجل من الأنصار إلى النبي ﷺ وهو محزون: قيل: هو عبد الله بن زيد الذي رأى الآذان في منامه، فقال له النبي ﷺ: "مالي أراك محزوناً؟" فقال: يا نبي الله، شيء فكرت فيه يقال: "ما هو؟" فقال: نحن نغدو ونروح ننظر في وجهك ونجالسك، وغداً ترفع مع النبيين فلا نصل إليك، فلم يرد عليه النبي ﷺ شيئاً، فأتاه جبرئيل ﷺ بهذه الآية: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ﴾ الآية.
فبعث إليه النبي ﷺ فبشره
وقال مسروق: قال أصحاب رسول الله ﷺ له: ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا فإنك لو قد مت رفعت فوقنا، فلم نرك، فأنزل الله عز وجل ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾ الآية: وروي نحو ذلك قتادة والسدي وغيرهما.
وقال عطاء: جاء رجل من الأنصار إلى النبي ﷺ وهو يبكي، فقال: "ما يبكيك يا فلان؟" فقال: يا نبي الله والله الذي لا إله إلاّ هو، لأنت أحب إلي من أهلي ومالي، والله الذي لا إله إلا هو، لأنت أحب إلي من نفسي، وأنا أذكرك وأنا في أهلي، فيأخذني الجنون حتى أراك، فذكرت موتك وموتي، فعرفت ألا اجتمع معك، إلا في الدنيا، وأنت ترفع مع النبيين وعرفت أني إن دخلت الجنة منزلتي أدنى من منزلتك، فلم يرد النبي ﷺ شيئاً، فأنزل الله عز وجل ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾ الآية
قيل هو عبد الله بن زيد الذي رأى الأذان في المنام وروي أنه لما بلغه موت رسول الله ﷺ قال: اللهم اعمني حتى لا أرى شيئاً بعد حبيبي ﷺ فعمي من وقته.
* *
قوله: ﴿ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ﴾ أي ذلك العطاء بأن يكونوا مع النبيين صلوات الله عليهم، فضل من الله عز وجل عليهم، بأن وفقهم للطاعة، فجعلهم مع النبيين والصديقين في الجنة، فهو سابقة منه لهم، لم يطيعوا إلا بفضله، وبالطاعة التي هي بفضله وصلوا إلى فضله، فكل من عنده، وبفضل منه، لا إله إلا هو، لا خير إلا من عنده، ولا توفيق إلا به يوفق للخير ويجازي عليه بخير، فهذا الفضل العظيم الظاهر ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً﴾ أي اكتفوا به.
4:71–73Page 89
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا ٧١
O you who have believed, take your precaution and [either] go forth in companies or go forth all together.
وَإِنَّ مِنكُمۡ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنۡ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَالَ قَدۡ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذۡ لَمۡ أَكُن مَّعَهُمۡ شَهِيدٗا ٧٢
And indeed, there is among you he who lingers behind; and if disaster strikes you, he says, "Allāh has favored me in that I was not present with them."
وَلَئِنۡ أَصَٰبَكُمۡ فَضۡلٞ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمۡ تَكُنۢ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُۥ مَوَدَّةٞ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ مَعَهُمۡ فَأَفُوزَ فَوۡزًا عَظِيمٗا ٧٣
But if bounty comes to you from Allāh, he will surely say, as if [i.e., showing that] there had never been between you and him any affection, "Oh, I wish I had been with them so I could have attained a great attainment."1
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ...﴾ الآية.
هذا أمر من الله للمؤمنين أن يأخذوا أسلحتهم وينفروا إلى عدوهم مجتمعين أو متفرقين، جماعة بعد جماعة، يعني سرايا متفرقين.
فقوله: ﴿ثُبَاتٍ﴾ جمع ثبة، والساقط منها اللام، وهو ياء وتصغيرها ثبية، وثبت الحوض، وهو يثوب الماء إلى الحوض أي رجع، الساقط منها العين وهو واو، لأنها من: ثاب يتوب، وتصغيرها: تويبة، والثُبات هنا: الجماعة المتفرقة.
* *
قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ﴾: لام "لام" تأكيد وليبطئن لام قسم، كان التقدير لمن أقسم: ليبطئن، والتشديد [في الطاء] بمعنى التكثير.
وقرأ مجاهد: "ليبطئن" بإسكان الباء، وتخفيف الطاء.
ومن قرأ كأن لم تكن، فلتأنيث لفظ المودة.
ومن قرأ بالياء حمله على معنى الود. لأن المودة والود بمعنى واحد. وقرأ الحسن ليقولن بضم اللام على الجمع حمله على معنى من، فَضَم، لتدل على الواو المحذوفة.
ومعنى الآية أن الله تعالى أعلم المؤمنين منهم من يبطئ أن ينفر معهم إلى جهاد العدو، أي يتأخر وهم المنافقون، فإن أصابتكم أيها المؤمنون مصيبة. أي: هزيمة أو قتل أو جراح من عدوكم قال: ﴿قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً﴾ أي حاضر، فيصيبني ما أصابهم ولئن أصابكم فضل من الله "اللام في" لئن لام اليمين و "فضل" أي: ظفر على عدوكم أو غنيمة. ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ هذا الذي أبطأ عنكم، وجلس عن قتال عدوكم: ﴿يٰلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ هذا كله صفة المنافق يشمت إذا أصاب المؤمن ضرر ويحسدهم إذا أصابوا نفعاً وظفراً، فهو غير راج ثواباً، ولا خائف من عقاب كل هذا معنى قول مجاهد وقتادة وابن جريج وابن زيد وغيرهم.
والتقدير في: كأن لم يكن بينكم وبينه مودة "أن يكون مؤخر المعنى" [فأفوز فوزاً عظيماً كأن لم يكن بينكم وبينهم] أي: كأن لم يعاقبكم على الجهاد.
وقيل: التقدير ﴿قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً﴾ كأن لم يكن بينكم وبينهم مودة ولا أن أصابكم فضل من الله".
4:74Page 89
۞ فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَن يُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقۡتَلۡ أَوۡ يَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٧٤
So let those fight in the cause of Allāh who sell the life of this world for the Hereafter. And he who fights in the cause of Allāh and is killed or achieves victory - We will bestow upon him a great reward.
قوله: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ﴾ الآية.
حض الله عز وجل المؤمنين على القتال في هذه الآية غالبين أو مغلوبين، ومعنى، ﴿فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: في ذات الله ودينه، ومعنى ﴿يَشْرُونَ﴾ يبيعون حياتهم الدنيا بنعيم الآخرة، يقال: شريت الشيء بعته، وشريته اشتريته ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ أي: نعطيه في الآخرة ثواباً عظيماً [لـ] معظمه مقدار يبلغ إليه الخلق.
4:75Page 90
وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ٧٥
And what is [the matter] with you that you fight not in the cause of Allāh and [for] the oppressed among men, women and children who say, "Our Lord, take us out of this city of oppressive people and appoint for us from Yourself a protector and appoint for us from Yourself a helper"?
قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ الآية:
﴿ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ عطف على السبيل كأنه قال: "وفي المستضعفين أي: في خلاصهم.
وقيل: المعنى: وفي سبيل المستضعفين، وهم الذين أسلموا بمكة وغلبوا على أنفسهم بالقهر، وعذبوا في أبدانهم ليرجعوا عن دينهم.
حض الله عز وجل المؤمنين على القتال من أجل دين الله سبحانه [ومن أجل] المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، عذرهم الله، وأخبر أنهم يقولون ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ أي: التي ظلم أهلها.
روى الحسن وقتادة: أن رجلاً من بني إسرائيل خرج من القرية الظالمة إلى القرية الصالحة فأدركه الموت في الطريق فنأى بصدره إلى القرية الصالحة، فاحتجت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمروا أن يعدوا أقرب القريتين إليه، فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر، فتوفته ملائكة الرحمة، وقيل: أن الله قرب إليه القرية الصالحة والقرية الصالحة هي مكة.
* *
قوله: ﴿وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾ أي: من عندك ولياً يلي خلاصنا.
﴿وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً﴾ أي: من عندك من ينصرنا على أعدائك، وينصرنا على الخلاص منهم، والذين في موضع خفض على البدل من المستضعفين، أو نعت لهم، أو نعت للجميع المذكور من الرجال وغيرهم.
4:76Page 90
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓاْ أَوۡلِيَآءَ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّ كَيۡدَ ٱلشَّيۡطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا ٧٦
Those who believe fight in the cause of Allāh, and those who disbelieve fight in the cause of ṭāghūt.1 So fight against the allies of Satan. Indeed, the plot of Satan has ever been weak.
قوله: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ الآية.
أخبر الله عز وجل أن: ﴿ٱلَّذِينَ﴾ صدقوا بالنبي ﷺ وبما جاء به يقاتلون في سبيل الله.
وأن الكافرين يقاتلون في سبيل الطاغوت، وهو الشيطان هاهنا بدليل قوله: ﴿فَقَٰتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَٰنِ﴾ أي: الذين يتولونه ويطيعون أمره ﴿إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفاً﴾: أولياؤه ضعاف لأنهم يقاتلون لغير الثواب، والمؤمنون يقاتلون رجاء الثواب.
4:77Page 90
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبۡتَ عَلَيۡنَا ٱلۡقِتَالَ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖۗ قُلۡ مَتَٰعُ ٱلدُّنۡيَا قَلِيلٞ وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظۡلَمُونَ فَتِيلًا ٧٧
Have you not seen those who were told, "Restrain your hands [from fighting]1 and establish prayer and give zakāh"? But then when battle was ordained for them, at once a party of them feared men as they fear Allāh or with [even] greater fear. They said, "Our Lord, why have You decreed upon us fighting? If only You had postponed [it for] us for a short time." Say, "The enjoyment of this world is little, and the Hereafter is better for he who fears Allāh. And injustice will not be done to you, [even] as much as a thread [inside a date seed]."
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية.
هذه الآية نزلت في ناس من أصحاب النبي ﷺ تسرعوا إلى قتال المشركين بمكة قبل الهجرة، بما يلقون منهم من الأذى، فقيل لهم: كفوا أيديكم عن القتال وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فكانوا يتمنون القتال ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ﴾ كرهه جماعة منهم، ومعنى كتب فرض، ومعنى ﴿لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي: إلى أن نموت بآجالنا، ولا نتعرض للقتال فنقتل، حباً للدنيا فقال الله تعالى ﴿قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ﴾.
قال ابن عباس: هو عبد الرحمن بن عوف وأصحابه سألوا النبي ﷺ القتال ثم كرهه جماعة منهم لما فرض عليهم.
وقال السدي: قوم أسلموا قبل أن يفرض القتال فسألوا القتال، فلما فرض عليهم كرهه جماعة منهم وخاف منه كما يخاف الله وأشد من ذلك.
وقيل: هم المنافقون عبد الله بن أبي وأصحابه.
وقيل: نزلت في يهود فعلوا ذلك، فنهى الله هذه الأمَة أن تصنع صنيعهم.
ويجوز - والله أعلم - أن يكون هؤلاء اليهود الذين فعلوا ذلك هم الذين ذكرهم الله في البقرة في قوله ﴿إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] ثم قال: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢٤٦] أي فرض ﴿تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٦].
ومن قراء ﴿وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ بالتاء أجراه على الخطاب لأن بعده ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ﴾.
ومن قرأ بالياء أجراه على ما قبله وهو قوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾ وقوله ﴿وَقَالُواْ﴾ وقوله ﴿لَهُمْ﴾ وقوله ﴿كُفُّوۤاْ﴾ وشبهه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences