Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic
Ash-Shuraa 42:19–37
42:19–23Page 485
ٱللَّهُ لَطِيفُۢ بِعِبَادِهِۦ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ ١٩
Allāh is Subtle1 with His servants; He gives provision to whom He wills. And He is the Powerful, the Exalted in Might.
مَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلۡأٓخِرَةِ نَزِدۡ لَهُۥ فِي حَرۡثِهِۦۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ٢٠
Whoever desires the harvest of the Hereafter - We increase for him in his harvest [i.e., reward]. And whoever desires the harvest [i.e., benefits] of this world - We give him thereof, but there is not for him in the Hereafter any share.
أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةُ ٱلۡفَصۡلِ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢١
Or have they partners [i.e., other deities] who have ordained for them a religion to which Allāh has not consented? But if not for the decisive word,1 it would have been concluded between them. And indeed, the wrongdoers will have a painful punishment.
تَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعُۢ بِهِمۡۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِي رَوۡضَاتِ ٱلۡجَنَّاتِۖ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ ٢٢
You will see the wrongdoers fearful of what they have earned, and it will [certainly] befall them. And those who have believed and done righteous deeds will be in lush regions of the gardens [in Paradise] having whatever they will in the presence of their Lord. That is what is the great bounty.
ذَٰلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِي ٱلۡقُرۡبَىٰۗ وَمَن يَقۡتَرِفۡ حَسَنَةٗ نَّزِدۡ لَهُۥ فِيهَا حُسۡنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ شَكُورٌ ٢٣
It is that of which Allāh gives good tidings to His servants who believe and do righteous deeds. Say, [O Muḥammad], "I do not ask you for it [i.e., this message] any payment [but] only good will through [i.e., due to] kinship." And whoever commits a good deed - We will increase for him good therein. Indeed, Allāh is Forgiving and Appreciative.1
قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ شَكُورٌ﴾، أي: والله ذو لطف بعباده، يرزق من يشاء فيوسع عليه ويقتر على من يشاء.
﴿وَهُوَ ٱلْقَوِيُّ﴾ لا يغلبه غالب.
﴿ٱلْعَزِيزُ﴾ في انتقامه من أعدائه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾. الحرث هنا: العمل.
والمعنى: من كان يريد بعمله الآخرة نَزِدْ لَهُ في حرثه، أي: نوفقه ونضاعف له الحسنات.
﴿وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾، (أي: ومن كان يريد بعمله الدنيا نؤته منها ما يريد، مثل دفع الآفات ونحوها ومثله قوله: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨].
وقيل: المعنى: من كان يريد بفعله الخير ثناء أهل الدنيا تركناه وذلك، ولم يكن له في الآخرة من عمله نصيب.
وقيل نزلت في الغزو، والجهاد. والتقدير: من كان يريد بغزوه وجهاده الآخرة وثوابها نعطه ذلك ونزده، ومن كان يريد بذلك الغنيمة والكسب نؤته منها، أي: نخلي بينه وبين ذلك.
وكان النبي ﷺ لا يمنع المنافقين من أخذ الغنيمة ومن أجلها غزوا معه لا لله سبحانه. ففيهم (وفي أشباههم نزلت الآية) فتكون الآية على هذا القول مخصوصة.
وقال طاوس: "من كان همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه (ولم ينل من الدنيا إلا مَا كُتِبَ له)، ومن كان همه الآخرة (جعل الله غناه بين عينيه)، ونور قلبه، وآتاه من الدنيا ما كتب الله له".
وقال الطبري في معناها: من كان يريد بعمله الآخرة نزد له في عمله الحسنى، فنجعل له بالواحد عشراً إلى ما شاء ربنا من الزيادة، ومن كان يريد بعمله الدنيا ولها يسعى، نؤته منها ما قسمنا له وما كتب له منها.
﴿وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾، أي: ماله من عمله ذلك في الآخرة حظ.
وقال قتادة: معناه: من آثر آخرته على دنياه نزد له في أجره، ومن آثر دنياه على آخرته لم نجعل له نصيباً في الآخرة إلا النار، ولم نزده في الدنيا شيئاً إلا رزقاً قد فرغ منه.
وروى الضحاك عن ابن عباس أن قوله: ﴿وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾: منسوخ في سورة "سبحان" بقوله: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] وفيه بُعْدٌ لأن الأخبار لا تُنسخ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ﴾، أي: بل لهم شركاء اخترعوا لهم ديناً لم يأمر به الله سبحانه فعملوا به وقبلوه.
وأضيف "الشركاء" إليهم لأنهم هم أحدثوا عبادتهم من دون الله سبحانه، فأشركوا بينهم وبين الله سبحانه في العبادة، تعالى الله على ذلك عُلُواً كبيراً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾، أي: ولولا السابق من حكم الله عز وجل أنه لا يعجل لهم العذاب في الدنيا، وأنه مؤخر عذابهم إلى يوم القيامة لجاءهم العذاب، فَيَهْلَكُ الكافرون وينجو المؤمنون.
(ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: مؤلم والظالمون): الكافرون بالله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿تَرَى ٱلظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾، أي: ترى يا محمد الكافرين يوم القيامة خائفين من عقاب ما كسبوا في الدنيا من الأعمال الخبيثة أن يَحُلَّ بهم، وعقابه واقع بهم وَحَالٌّ عليهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ﴾.
والروضة: المكان المونق الحسن، ولا تكون الروضة - عند بعض اللغويين - إلا في المكان المرتفع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾، أي: لهم عند ربهم - في الآخرة - ما تشتهيه أنفسهم وتلذ أعينهم.
﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ﴾، أي: ذلك الذي أعطاهم الله من النعيم والكرامة هو الفضل الكبير عليهم من الله عز وجل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾، أي: ذلك الذي أخبرتكم به من الكرامة هو الذي يبشر الله به عباده الذين آمنوا في الدنيا، وعملوا الأعمال الصالحات.
ثم قال تعالى جل ذكره: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾، أي: قل لهم يا محمد لا أسال منكم جُعْلاً على ما جئتكم به من الهدى والقرآن والدعاء إلى الإيمان والنصيحة إلا أن (تُوَدُّونِي) لقرابتي منكم، وتصلوا رحمي بيني وبينكم.
قال ابن عباس: لم يكن بطن من بطون قريش إلا وبينهم وبين رسول الله ﷺ قرابة.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: لما أبو (أن يتابعوه، قال: يا قوم، إن أبيتم أن تتابعوني) فاحفظوا قرابتي فيكم لا يكن غيركم من العرب أولى بحفظي ونصري منكم، وبهذا القول قال في الآية: عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي.
قال قتادة: أمر رسول الله ﷺ ألا يسأل الناس على هذا القرآن أجراً إلا أن يَصِلُوا ما بينه وبينهم من القرابة - وكل بطون قريش بينهم وبينه قرابة -.
فيكون المعنى: إلا أن تودوني لقرابتي منكم، (إني لا أسألكم من أموالكم شيئاً على ما جئتكم به، إنما أسألكم أن تودوني لقرابتي منكم إن أبيتم) أن تؤمنوا بي.
وعن ابن عباس أنه قال: قالت الأنصار: "فعلنا وفعلنا... فكأنهم فَخُرُوا. فقال بعض قرابة النبي ﷺ: لنا الفضل عليكم فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاهم في مجالسهم، فقال: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَمْ تَكُونُوا أَذِلَّةً فَأَعَزَّكُمْ اللهُ بِي؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله. قَالَ: أَلَمْ تَكُونُوا ضُلاَّلاً فَهَدَاكُمْ اللهُ بِي؟ قَالُوا: بَلَي يَا رَسُولَ الله قَالَ: أَفَلاَ تُجِيِبُونِي؟ قَالُوا: مَا نَقُولُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: أَلاَ تَقُولُونَ: أَلَمْ يُخْرِجْكَ قَوْمُكَ فَآوَيْنَاكَ؟ أَلَمْ يُكَذِّبُوكَ فَصَدَّقْنَاكَ؟ أَلَمْ يَخْذِلُوكَ فَنَصْرنَاكَ. فَمَا زَالَ يَقُولُ حَتَّى جَثَوْا عَلَى الْرُّكَبِ. وَقَالُوا: أَمْوالُنَا وَمَا فِي أَيْدِينَا لله وَرَسُولِهِ قَالَ: "فَنَزَلَتْ: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ "الآية". وبهذا القول قال عمرو بن شعيب.
وهذا يدل على أن الآية مدنية.
وعن ابن عباس أيضاً أن معنى الآية: قل يا محمد لقريش: لا أسألكم على ما جئتكم به أجراً إلا أن تتوددوا إلى الله وتتقربوا إليه بالعمل الصالح.
وقال الحسن: معناه: إلا التقرب إلى الله عز وجل والتودد إليه بالعمل الصالح.
وقال الضحاك: الآية منسوخة نسخها قوله: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾.
واختار الطبري قول من قال: معناه: إلا أن تودوني في قرابتي منكم.
و ﴿إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ﴾ في هذا استثناء منقطع. فالمعنى: لا أسألكم عليه أجراً لكن أسألكم أن تودوني لقرابتي منكم.
* *
ثم قال: ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً﴾، أي: ومن يعمل حسنة نضاعفها إلى عشر حسنات فأكثر.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ﴾، أي: غفور لذنوب عباده المؤمنين ﴿شَكُورٌ﴾ لحسناتهم يضاعفها لهم.
42:24–29Page 486
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗاۖ فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخۡتِمۡ عَلَىٰ قَلۡبِكَۗ وَيَمۡحُ ٱللَّهُ ٱلۡبَٰطِلَ وَيُحِقُّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٢٤
Or do they say, "He has invented about Allāh a lie"? But if Allāh willed, He could seal over your heart.1 And Allāh eliminates falsehood and establishes the truth by His words. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.
وَهُوَ ٱلَّذِي يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَعۡفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَيَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ ٢٥
And it is He who accepts repentance from His servants and pardons misdeeds, and He knows what you do.
وَيَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۚ وَٱلۡكَٰفِرُونَ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞ ٢٦
And He answers [the supplication of] those who have believed and done righteous deeds and increases [for] them from His bounty. But the disbelievers will have a severe punishment.
۞ وَلَوۡ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزۡقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٖ مَّا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرُۢ بَصِيرٞ ٢٧
And if Allāh had extended [excessively] provision for His servants, they would have committed tyranny throughout the earth. But He sends [it] down in an amount which He wills. Indeed He is, of His servants, Aware and Seeing.
وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ مِنۢ بَعۡدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحۡمَتَهُۥۚ وَهُوَ ٱلۡوَلِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٢٨
And it is He who sends down the rain after they had despaired and spreads His mercy. And He is the Protector, the Praiseworthy.
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٖۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمۡعِهِمۡ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٞ ٢٩
And of His signs is the creation of the heavens and earth and what He has dispersed throughout them of creatures. And He, for gathering them when He wills, is competent.
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله ﴿إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ﴾ أي: أيقولون افترى على الله الكذب، أي: اختلقه من عند نفسه.
﴿فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾، أي: يطبع على قلبك فتنسى هذا القرآن يا محمد، قاله قتادة والسدي.
وقال الزجاج: معناه: فإن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم.
وقيل: المعنى: (إن يشاء الله - يا محمد - ختم على قلبك بالصدق واليقين والخير كله. وقد فعل بك ذلك وَمَحَا ضُرَّهُ من قلبك.
وقيل: المعنى) فإن يشاء الله يمنعك من التمييز.
* *
ثم قال: ﴿وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ﴾، أي: ويزيل الله الباطل على كل حال - وهو الشرك - ولذلك رفعه، ولو عطفه على "ما يشاء" لم يجز لأنه يصير المعنى (ولو يشاء) الله يمح الباطل، وذلك لا يجوز لأنه تعالى يمحوه على كل حال. ويدل على رفعه أن بعده "ويحق الله الحق" بالرفع) وهذا احتجاج عليهم لنبوءة محمد ﷺ وصحة ما جاء به لا المعنى: إن الله يزيل الباطل ولا يثبته.
فلو كان ما جاء به محمد ﷺ باطلاً لمحاه الله عز وجل وأنزل كتاباً آخر على غيره.
وهكذا جرت العادة [في جميع المفترين أن الله سبحانه يمحو أباطلهم ويثبت الحق.
* *
ومعنى ﴿وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾، أي: ويثبت ما أنزل من كتابه على لسان] نبيه عليه السلام.
وقيل: المعنى ويبين الحق.
وقيل: معناه: يثبت الحق في قلبك بكلماته، أي: بالقضاء الذي قضاه لك قبل خلقك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾، أي: إنه ذو علم بما في صدور خلقه وما تنطوي عليه ضمائرهم.
وقيل: إن معناه: لو حدثت نفسك يا محمد بأن تفتري علي كذباً لطبعت على قلبك، وأذهبت الذي أتيتك من وحيي، لأني أحق الحق وأمحو الباطل، فأخبر الله عز وجل الزاعمين أن محمداً ﷺ اختلق القرآن من عند نفسه - أنه لو فعل ذلك أو حدث به نفسه - ما أخبر في هذه الآية.
وكان أبو عمرو بن العلاء يختار أن يقف القارئ على: "فإن يشاء الله يختم على قلبك"، لأن ما بعده مستأنف غير معطوف عليه على ما ذكرنا، وهو اختيار الفراء.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ﴾ أي: والله الذي يقبل مراجعة عباده إلى الإيمان بعد كفرهم ويعفو عن ما تقدم لهم من السيئات، ويعلم ما يفعل خلقه من خير وشر، لا يخفى عليه شيء من ذلك، فيجازيهم على كل ذلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾ أي: ويجيب الذين آمنوا ربهم فيما دعاهم إليه، كما قال: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي﴾ [البقرة: ١٨٦].
قال المبرد: معناه: فليستدعوا الإجابة. فيكون "الذين" في موضع رفع على هذا التأويل.
وقيل: المعنى: ويستجيب الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم، بمعنى: يستجيب الذين آمنوا إذا سألوه ودعوا إليه، ويزيدهم من فضله، هي زيادة (لم يسألوها)، إحساناً منه.
وتكون اللام محذوفة من الذين، كما قال: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ﴾.
أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم.
يقال: استجبت بمعنى: أجبته.
فيكون "الذين" في موضع نصب بـ "يستجيب" أنشد أهل اللغة.
فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ.
أي: لم يجبه. واستجاب، بمعنى: أجاب، مشهور في كلام العرب.
وقيل: معنى الزيادة (أنه يزيدهم ما دعوه.
وقيل: الزيادة التي ضمن) الله تعالى هنا هي أن يشفعهم في إخوانهم إذا شفعوا فيهم.
وروى قتادة عن النخعي أنه قال في قوله: "ويستجيب الذين آمنوا"، قال: يشفعون في إخوانهم. (وقال في قوله: ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾: يشفعون في إخوان إخوانهم).
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾، يعني عذاب جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. هذه الآية، روي أنها نزلت في قوم من أهل الصُّفَّةِ تمنوا سعة الدنيا والغناء، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ﴾، أي: ولو وسع عليهم لجازوا الحد الذي حده الله عز وجل لهم.
﴿وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ﴾، أي: يسهل لهم رزقاً مقدراً يصلحهم وتصلح عليه أحوالهم.
﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾، أي: ذو خبر بهم، وذو علم يعلم من يصلحه التضييق وتفسده السَّعَةُ (في الرزق، ومن يفسده التضييق وتصلحه السَّعَةُ) فيعطي كُلاًّ على قدر ما يصلحه.
قال قتادة: "كان يقال: خير الرزق ما لا يُطغيك ولا يلهيك.
ورُوي عن النبي ﷺ أنه كان يقول: أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي زَهْرَة الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَثْرتهَا فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: أَيَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ الخَيْرُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ بالخَيْرِ.." في حديث طويل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾، أي: يُنَزَّلُ المطر من السماء ليُحيي به الأرض من بعد ما يئس الخلق من نزوله.
﴿وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ﴾، اي: يَبُثُّهَا في عباده، يعني بالرحمة: الغيث الذي أنزله من السماء. ومع القنط يرجى الفرج.
وقيل: لعمر رضي الله عنه: "جدبت الارض وقنط الناس فقال: مطروا إذا".
وقد قيل في قوله: ﴿وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ﴾، أي: ظهور الشمس بعد المطر. وهو قول شاذ لم أره عن ثقة.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْوَلِيُّ ٱلْحَمِيدُ﴾، أي: وهو الذي يليكم بإحسانه وفضله، الحميد بأياديه عندكم ونعمه عليكم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ﴾ أي: ومِنْ حُجَجِهِ (وعلامات أدلته) على وحدانيته وقدرته على إحيائكم بعد موتكم، خلقه واختراعه السماوات السبع والأرضين السبع وخلقه ما نشر فيها من حيوان.
﴿وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ﴾، أي: وهو يقدر أن يحييهم يوم القيامة فيجمعهم إذا شاء.
وقال الفراء: قوله: ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا﴾، يريد به: ما بث في الأرض دون السماء؛ وزعم أن مثله ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرجان من الملح دون الحلو. وهو قول ضعيف عند البصريين، لا يجوز أن يرجع ضمير اثنين إلى واحد، بل نقول: إن الله قد بث في السماوات والأرض دواب وقد قال: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] وقال مجاهد: ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ﴾، يعني: الناس والملائكة والعرب تقول لكل ما تحرك: دب فهو داب والهاء دخلت للمبالغة، وقيل (لتأنيث) الصنعة.
42:30–37Page 486
وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ ٣٠
And whatever strikes you of disaster - it is for what your hands have earned; but He pardons much.
وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٣١
And you will not cause failure [to Allāh]1 upon the earth. And you have not besides Allāh any protector or helper.
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلۡجَوَارِ فِي ٱلۡبَحۡرِ كَٱلۡأَعۡلَٰمِ ٣٢
And of His signs are the ships in the sea, like mountains.
إِن يَشَأۡ يُسۡكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظۡلَلۡنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٍ ٣٣
If He willed, He could still the wind, and they would remain motionless on its surface. Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.
أَوۡ يُوبِقۡهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ وَيَعۡفُ عَن كَثِيرٖ ٣٤
Or He could destroy them1 for what they earned; but He pardons much.
وَيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٖ ٣٥
And [that is so] those who dispute concerning Our signs may know that for them there is no place of escape.
فَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيۡءٖ فَمَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٣٦
So whatever thing you have been given - it is but [for] enjoyment of the worldly life. But what is with Allāh is better and more lasting for those who have believed and upon their Lord rely
وَٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمۡ يَغۡفِرُونَ ٣٧
And those who avoid the major sins and immoralities, and when they are angry, they forgive,
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿هُمْ يَغْفِرُونَ﴾.
أي: والذي أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم.
وقيل: "ما" للشرط، والفاء مرادة، وحسن حذفها؛ لأن الفعل الأول لم يعمل فيه الشرط، إذ هو ماض. وفي كون "ما" بمعنى "الذي بعد"، لأنه يصير مخصوصاً للماضي.
فكأن ما أصابنا فيما مضى من مصيبة هو بما كسبت أيدينا وما يصيبنا فيما نستقبل يحتمل أن يكون مثل ذلك، وأن يكون على خلافه، لغير ما كسبت أيدينا.
وهذا (لا يجوز، بل هو عام فيما مضى وما يستقبل، لا يصيبنا من مصيبة ماضية أو مستقبلة إلا بما كسبت أيدينا. وهذا المعنى لا يتضمنه) إلا الشرط لأنه للعموم.
فمعنى الآية: إن الله جل ذكره أعلمنا أن ما يصيبنا من مصيبة في الدنيا في الأموال والأنفس والأهل فهو عقوبة منه لنا بما اكتسبنا من الآثام.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾، أي: مما اكتسبنا فلا يعاقبنا عليه في الدنيا بالمصائب.
قال قتادة: ذكر لنا نبي الله عليه السلام قال: "لا يُصيبُ ابنَ آدمَ خَدشُ عودٍ، ولا عَثْر قَدَمٍ، ولا اختلاجُ عرقٍ إلاَّ بِذَنبٍ، وَمَا يَعْفُو عَنْهُ أَكْثَر
وقال ابن عباس: تعجل للمؤمنين عقوبتهم بذنوبهم في الدنيا ولا يؤاخذون بها في الآخرة.
وقال الحسن: معنى الآية في الحدود، أن الله تعالى جعل الحدود على ما يعمل الإنسان من المعاصي. وهذا يعطي أن "ما" بمعنى "الذي".
قال إبراهيم بن عرفة: الكثير الذي يعفو (الله عز وجل عنه) لا يحصى. وهذه من أرجى آية في القرآن.
وقال علي رضي الله عنه في هذه الآية: إذا كان يكفر عني بالمصائب ويعفو عن كثير فماذا يبقى من ذنوبي بين كفارته وعفوه.
وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ألا أخبركم بأرجى آية في كتاب الله؟ قالوا: بلى، فقرأ: "وما أصابكم من مصيبة" الآية.
ثم قال: فالمصائب في الدنيا بكسب الأيدي، وما عفا الله عز وجل عنه في الدنيا فلم يعاقب به في الدنيا فهو أجود وأمجد وأكرم أن (يعذب به) في القيامة.
وروي عنه رضي الله عنه أنه قال: ما أحب أن لي بها الدنيا وما فيها.
(وقال أبو وائل: ما من مسلم يشاك بشوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة).
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾، أي: وما أنتم أيها الناس بمُعتِبِين ربكم بأنفسكم هرباً في الأرض حتى لا يقدر عليكم إذا أراد عقوبتكم على ذنوبكم، ولكنكم في سلطانه حيث كنتم، وتحت قدرته أين حللتم، وفي مشيئته كيف تقلبتم.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾، أي: (ليس لكم) أيها الناس وَلِيٌّ يليكم فيدفع عنكم عقاب الله، ولا نصير ينصركم إذا أراد عذابكم.
قال المبرد: بمعجزين: بسابقين، يقال: أعجز إذا عدا فسبق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ﴾، أي: ومن علامات الله وأدلته، وحججه عليكم أيها الناس أنه قادر على تسيار السفن الجارية في البحر.
و ﴿ٱلْجَوَارِ﴾، جمع جارية وهي: السائرة في البحر.
﴿كَٱلأَعْلاَمِ﴾: كالجبال، واحدها علم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ﴾، أي: إن يشأ الله ألا تجري هذه السفن في البحر، يسكن الرياح التي (تجري بها).
﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ﴾، أي: فيصرن سواكن ثوابت على ظهر البحر لا يجرين.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾، أي: إن في جري هذه السفن في البحر وقدرة الله على إمساكها ألا تجري بإسكانه الرياح، لعظة وعبرة وحجة على أن الله قادر على ما يشاء لكل ذي صبر على طاعة الله شكورٍ نِعَمَ ربه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾، أي: يغرق هذه السفن في البحر فيهلكن أي يهلك من فيهن بذنوبهم.
* *
ثم قال: ﴿وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾، أي: ويصفح جل ثناؤه عن كثير من ذنوبكم لا يعاقب عليها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾، أي: ويعلم الذين يخاصمون محمداً ﷺ في آيات الله سبحانه [ما لهم من محيل عن عقاب الله إذا أتاهم على كفرهم، قال السدي] ما لهم من محيص: من ملجأ.
قال الزجاج: "ما لهم من معدل ولا ملجأ، يقال: حاص عنه إذا تنحى عنه".
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: فما أعطيتم أيها الناس من شيء من رياش الدنيا، ومن المال فهو متاع الحياة الدنيا تستمتعون به في حياتكم، وليس من دار الآخرة، ولا مما ينفعكم.
﴿وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، أي: وما عند الله لأهل طاعته، والإيمان به، والتوكل عليه في الآخرة، خير مما أوتيتم في الدنيا من متاعها.
"وأبقى"، أي: وأدوم، لأنه لا زوال عنه ولا انقطاع، ومتاع الدنيا (فان وزائل) عن قليل.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ﴾، أي: وهو للذين يجتنبون كبائر الإثم.
روي عن ابن مسعود أنه قال: قلت: يا رسول الله، أي: الذنب أعظم؟ قال: "أَنْ تَجْعَلَ لله نِدّاً وهو خَلَقَكَ، قلت: ثُمَّ أَيُّ؟ قال أن تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أن يَأْكُلَ مَعَكَ. قلت: ثم أَي: قَالَ: أن تَزْنِي بِحَلِيلَةِ جَارِكَ؛ ثُمَّ ذَكَرَ أَكْلَ مَالِ اليَتِيمِ، وَقَذْفَ المُحْصَنَةِ، والغلُولَ، والسِّحْرَ وَأَكْلَ الرِّبَا"
فهذا حديث مفسر في الكبائر.
وعن ابن مسعود أنه قال: الكبائر: من أول سورة "النساء" إلى رأس ثلاثين آية منها إلى قوله: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء: ٣١].
وقال ابن عباس - وقد سئل عن الكبائر - هي كل ما نهى الله تعالى عنه.
وروي عنه أنه قال: الكبائر: "(كل ما) ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب".
وقال الضحاك: هي كل موجبة أوجب الله عز وجل لأهلها العذاب (وكل ما) يقام عليه الحد فهو كبيرة.
وعن ابن عباس: "والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش"، قال: هو الشرك بالله عز وجل، واليأس من روح الله سبحانه، والأمن من مكر الله جلت عظمته، ومنها: عقوق الوالدين، وقتل النفس التي حرم الله سبحانه، وقذف المحصنات، وأكل (مال اليتيم)، والفرار من الزحف، وأكل الربا، والسحر، والزنا، واليمين الغموس واليمين الفاجرة، والغلول، ومنع الزكاة المفروضة، وشهادة الزور، وكتمان الشهادة، وشرب الخمر، وترك الصلاة عامداً، أو شيئاً مما افترض الله سبحانه، ونقض العهد، وقطيعة الرحم.
وقال السدي: الفواحش: الزنا.
* *
وقوله: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾، أي: إذا غضبوا على من أساء إليهم غفروا وصفحوا له.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences