Makki ibn Abi TalibAz‑Zukhruf · 43:55–73

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

Az-Zukhruf 43:55–73

43:55–61Page 493

فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٥٥

And when they angered Us, We took retribution from them and drowned them all.

فَجَعَلۡنَٰهُمۡ سَلَفٗا وَمَثَلٗا لِّلۡأٓخِرِينَ ٥٦

And We made them a precedent and an example for the later peoples.

۞ وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوۡمُكَ مِنۡهُ يَصِدُّونَ ٥٧

And when the son of Mary was presented as an example,1 immediately your people laughed aloud.

وَقَالُوٓاْ ءَأَٰلِهَتُنَا خَيۡرٌ أَمۡ هُوَۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَۢاۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ ٥٨

And they said, "Are our gods better, or is he?"1 They did not present it [i.e., the comparison] except for [mere] argument. But, [in fact], they are a people prone to dispute.

إِنۡ هُوَ إِلَّا عَبۡدٌ أَنۡعَمۡنَا عَلَيۡهِ وَجَعَلۡنَٰهُ مَثَلٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٥٩

He [i.e., Jesus] was not but a servant upon whom We bestowed favor, and We made him an example for the Children of Israel.

وَلَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَا مِنكُم مَّلَٰٓئِكَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَخۡلُفُونَ ٦٠

And if We willed, We could have made [instead] of you angels succeeding [one another]1 on the earth.

وَإِنَّهُۥ لَعِلۡمٞ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمۡتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦١

And indeed, he [i.e., Jesus] will be [a sign for] knowledge of the Hour, so be not in doubt of it, and follow Me.1 This is a straight path.

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ - إلى قوله -: ﴿صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ أي: فلما أغضبونا حلت بهم العقوبة فأغرقوا في البحر أجمعين.

قال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: آسفونا: أغضبونا.

وعن ابن عباس: "آسفونا: أسخطونا". وعنه: أغضبونا.

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ﴾. السَّلَف، جمع سَالِف، كخَادِم وَخَدَم، وتَابع وَتَبَع، وَغَائِب وغيب. والعرب تقول: هؤلاء سلفنا.

وقرأ الكسائي وحمزة: "سُلُفًا" بضمتين وهو جمع سليف حكاه الفراء.

وقرأ حميد الأعرج: "سُلَفاً" بضم السين وفتح اللام، وجمع سلفة، والسلفة: الفرقة المتقدمة.

والمعنى: فجعلنا هؤلاء الذين أغرقنا مقدمة يتقدمون إلى النار كما سنفعل بكفار قومك يا محمد.

وقيل: المعنى: فجعلنا قوم فرعون سلفا لكفار قومك يا محمد يتقدمونهم إلى النار: قاله مجاهد.

* *

وقوله: ﴿وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ﴾، أي: عبرة وعظة لمن يأتي بعدهم.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾، أي: ولما شبه الله عز وجل عيسى في إحداثه إياه من غير فحل بآدم إذا قومك يا محمد منه يضحكون ويقولون: ما يريد محمد منا إلا أن نتخذه إلها كما اتخذت النصارى المسيح، قاله مجاهد.

وقال ابن عباس لما قال الله عز وجل لقريش: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، قالت قريش للنبي ﷺ فما ابن مريم؟ فقال: ذلك عبد الله ورسوله: فقالوا: والله ما يريد هذا إلا أن نتخذه رباً كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم رباً. فقال الله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾

وقيل: إن الآية نزلت في ابن الزبعرى، وذلك أنه لما أنزل الله جل ذكره ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. قال فالنصارى تعبد المسيح. فقال الله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً﴾ أي: قد علموا أنه لا يراد بالآية عيسى، وإنما يراد بها الأصنام.

قال الكسائي والفراء: "يصدون" (بالضم والكسر) لغتان، بمعنى يعرضون. وقال قطرب هما لغتان بمعنى يضحكون.

وقال أبو عبيد: "يَصِدُّون" بالكسر: يضجون، وبالضم يعرضون، وهو قول يونس وعيسى الثقفي.

والاختيار في القراءة عند أبي عبيد بالكسر على معنى يضجون لأنها لو كانت بالضم على معنى يعرضون لكان اللفظ: إذا قومك عنه يَصُدُّون.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُوۤاْ ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾، أي: وقال مشركو قومك يا محمد: أآلهتنا خير أم محمد، فنعبد محمداً ونترك آلهتنا.

وفي حرف أُبي: "ءالهتنا خير أم هذا"، يعني: محمداً ﷺ.

وقال السدي معناه: أآلهتنا خير أم عيسى قال: وذلك أنهم خاصموه فقالوا: أتزعم أن كل من عبد من دون الله في النار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى ابن مريم وعزير والملائكة، هؤلاء قد عُبدوا من دون الله. قال: فأنزل الله براءة عيسى وشِبْهِهِ في قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ﴾ [الأنبياء: ١٠١] الآية.

* *

وقوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً﴾، أي: ما مثلوا لك هذا المثل يا محمد إلا للجدل والخصومة. أي: لم يقولوا هذا على طريق المناظرة ولا على (وجه التثبت)، إنما قالوه طلباً للخصومة في الباطل.

وهذا فرق بين الجدال والمناظرة، لأن المتناظرين كل واحد منهما يطلب الصواب. والمتجادلين إنما يطلبان تثبيت ما لم يتيقنا صحته، أو ما قد علما باطله. فالمجادل يحاول إثبات الباطل عند نفسه، والمناظر يحاول إظهار الصواب عند نفسه.

وعن النبي ﷺ (أنه قال): "مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدىً كَانُوا عَلَيْهِ إِلاَّ أُوتُوا الجَدَلَ

قال سفيان: "بل هم قوم خصمون"، حُدِّثْتُ أنها نزلت في ابن الزبعرى. ثم قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾، أي: ما عيسى إلا عبد أنعم الله عليه بالتوفيق والإيمان، وجعله الله آية لبني إسرائيل، وحجة عليهم، وهو قوله، ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾. وقيل معنى مثلاً، أي بشراً مثلهم، فضل عليهم.

* *

ثم قال: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾، أي: ولو نشاء يا معشر بنى آدم أهلكناكم وجعلنا منكم بدلاً في الأرض من الملائكة يعبدون الله، وهو نحو قوله: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣]، و ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ﴾ [الأنعام: ١٣٣].

وقال ابن عباس: "يخلفون، أي: يخلف بعضهم بعضاً"، وقاله قتادة. وقال غيرهما: "يخلفون" معناه: يكونون خلفاً من بنى آدم.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾، أي: وإن ظهور عيسى علم يعلم به قرب قيام الساعة أي: هو من أشراطها، ونزوله إلى الأرض دليل على فناء الدنيا وإقبال الآخرة هذا معنى قول ابن عباس والحسن ومجاهد، وهو قول قتادة والضحاك وابن زيد.

فالهاء في: "وإنه" تعود على عيسى على قولهم.

وقد قرأ مجاهد: "وإنه لَعَلَمٌ" بفتحتين على معنى: وإن نزول عيسى لعلامة لقرب الساعة.

ورُوي عن الحسن أنه قال معناه: وإن هذا القرآن لعلم للساعة، وحكي مثله عن قتادة.

روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَدْلاً فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ وَلَيَقْتُلَنَّ الخِنْزِيرَ

وروى مالك عن ابن شهاب عن حنظلة بن علي الأسلمي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لَيهلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ (الرَّوْحَاءِ حَاجّاً وَمُعْتَمِراً) أَوْ لَيُثَنِّيهِمَا جَميعاً

وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبي هريرة قال: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَدْلاً وَإِمَاماً مُقْسِطاً، فَيَكْسرُ الصَّليبَ، وَيَقْتُلُ الخِنزيرَ، وَيضعُ الجِزْيةَ، وَتَضَعُ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وتَكُونُ السَّجْدَةُ وَاحِدَةً لله ربِّ العَالَمينَ

وقال النبي ﷺ: "يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجَالَ (بِبابِ لُدٍّ)

قال ابن القاسم عن مالك: بينما الناس (بباب لد) إذ يسمعون الإقامة، فتغاشهم غمامة، فإذا عيسى ابن مريم قد نزل.

وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "يَنْزِلُ عِيسَى عِنْدَ المَنَارَةِ البَيْضَاءِ شَرْقيّ دِمَشْقَ

وروي (عن ابن عمر) أنه قال: "يخرج الدجال، ويبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيطلبه ويهلكه.

وروي عنه ﷺ أنه قال: "لاَ تَهْلَكُ أُمَّةً أَنَا أَوَّلُها والمَسِيحُ آخِرُهَا

وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: "يموت عيسى (في المدينة) فيدفن مع النبي ﷺ ومع أبي بكر وعمر، وقد ترك موضع قبره بينهم.

قال عبد الله بن سلام: نجد في التوراة أن عيسى يدفن مع محمد ﷺ.

وكان بعض الصحابة يتوقع قرب نزوله.

وروي عن أبي هريرة أنه كان يلقى الغلام الشاب فيقول له: إن لقيت عيسى بن مريم فأَقْرِه عني السلام، وقاله أبو ذر لبعض جلسائه.

وقيل: المعنى: وإن محمداً ﷺ لعلم للساعة لأنه خاتم النبيين. فيكون معناه: يُعْلِمُ بَعْثُهُ قُرْبَ قيام الساعة. وهي في قراءة أبي: "وإِنَّهُ لَذِكْرٌ للسَّاعَةِ".

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾، أي: لا تشكن في قيام الساعة أيها الناس.

* *

ثم قال: ﴿وَٱتَّبِعُونِ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، أي: وأطيعون أيها الناس، هذا الذي جئتكم به طريق لا عوج فيه.

43:62–73Page 494

وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٢

And never let Satan avert you. Indeed, he is to you a clear enemy.

وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالَ قَدۡ جِئۡتُكُم بِٱلۡحِكۡمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي تَخۡتَلِفُونَ فِيهِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٦٣

And when Jesus brought clear proofs, he said, "I have come to you with wisdom [i.e., prophethood] and to make clear to you some of that over which you differ, so fear Allāh and obey me.

إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦٤

Indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. This is a straight path."

فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمٍ أَلِيمٍ ٦٥

But the denominations from among them differed [and separated], so woe to those who have wronged from the punishment of a painful Day.

هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٦٦

Are they waiting except for the Hour to come upon them suddenly while they perceive not?

ٱلۡأَخِلَّآءُ يَوۡمَئِذِۭ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلۡمُتَّقِينَ ٦٧

Close friends, that Day, will be enemies to each other, except for the righteous

يَٰعِبَادِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ٦٨

[To whom Allāh will say], "O My servants, no fear will there be concerning you this Day, nor will you grieve,

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ مُسۡلِمِينَ ٦٩

[You] who believed in Our verses and were Muslims.

ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ أَنتُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ تُحۡبَرُونَ ٧٠

Enter Paradise, you and your kinds,1 delighted."

يُطَافُ عَلَيۡهِم بِصِحَافٖ مِّن ذَهَبٖ وَأَكۡوَابٖۖ وَفِيهَا مَا تَشۡتَهِيهِ ٱلۡأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡيُنُۖ وَأَنتُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٧١

Circulated among them will be plates and vessels of gold. And therein is whatever the souls desire and [what] delights the eyes, and you will abide therein eternally.

وَتِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِيٓ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٧٢

And that is Paradise which you are made to inherit for what you used to do.

لَكُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ كَثِيرَةٞ مِّنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٧٣

For you therein is much fruit1 from which you will eat.

قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ﴾ - إلى قوله -: ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: ولا يمنعكم الشيطان من اتباع الحق.

﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي: ظاهر العداوة.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ﴾، أي: ولما جاء عيسى) بني إسرائيل بالآيات الواضحات. يعني: المعجزات.

وقيل: بالبينات: بالإنجيل: قاله قتادة، قال لهم قد جئتكم بالحكمة.

قال السدي: الحكمة ها هنا النبوءة.

وقيل: الحكمة: الإنجيل.

* *

ثم قال: ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾.

قال أبو عبيدة: "بعض" بمعنى: "كل" وَرَدَّ ذلك أكثر العلماء لأن فيه التباسَ المعاني وفسادَ الأصول ونقضَ العربية.

والمعنى عند الزجاج: ولأبين لكم في الإنجيل بعض الذي تختلفون فيه. (فبين لهم) من غير الإنجيل ما احتاجوا إليه.

وقيل معناه: إنه يبين لهم بعض الذي اختلفوا فيه من أحكام التوراة على مقدار ما سألوه عنه، ويجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك لم يسألوه عن بيانها.

قال مجاهد معناه: ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه من تبديل التوراة.

وقيل المعنى: إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موسى في أشياء من أمر دينهم، وأشياء من أمر دنياهم، فبين لهم عيسى بعض ما اختلفوا فيه وهو أمر دينهم خاصة، فلذلك قال: ﴿بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾.

* *

ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: فاتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، وأطيعون فيما أقول لكم.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ﴾، أي: إن الذي يستوجب الإفراد بالعبادة هو الله.

﴿هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، أي: هذا الذي أمرتكم به هو الطريق المقوم الذي لا يوصل إلى رضى الله إلا باتباعه.

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾.

قال قتادة: الأحزاب هنا، هم الأربعة الذين أخرجهم بنو إسرائيل يقولون في عيسى.

ذكر ابن حبيب أن النصارى افترقت في عيسى بعد رفعه على ثلاث فرق:

فرقة قالت: هو الله، هم اليعقوبية قال الله عنهم:

﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧].

وفرقة ثانية قالت: هو ابن الله، وهم النسطورية. وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].

وفرقة ثالثة قالت: هم ثلاثة: الله إله، وعيسى إله، وأمه إله وهم الملكانية. وهم الذي قال الله فيهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣].

فالنصارى فيه إلى اليوم على هذه الثلاث فرق. وكانوا فيه - إذ كان بين أظهرهم - على فرقتين: فرقة آمنت به، وفرقة كفرت به - وهم الأكثر - ثم لما رفع اختلفوا فيه على هذه الأقوال الثلاثة.

وقال السدي: "الأحزاب: اليهود والنصارى".

ومعنى من بينهم، أي: من بين من دعاهم عيسى إلى ما دعاهم إليه من اتقاء الله والعمل بطاعته.

* *

ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، أي: فالوادي السائل من القيح والصديد في جهنم للذين كفروا بالله من عذاب يوم أليم، وهو يوم القيامة.

* *

ثم قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾، أي: هل ينظر هؤلاء الأحزاب المختلفون في عيسى إلا الساعة (بغتة، أي: فجأة).

"وأن" في موضع نصب بدل من "الساعة" بدل الاشتمال.

﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾، أي: لا يعلمون بمجيئها.

* *

ثم قال تعالى: ﴿ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ أي: المتخالون على معاصي الله في الدنيا يوم تقوم الساعة يتبرأ بعضهم من بعض إلا الذين تخالوا فيها على تقوى الله.

قال ابن عباس: "كل خلة في الدنيا هي عداوة يوم القيامة، إلا خلة المتقين".

وقال مجاهد، معناه: الأخلاء في الدنيا على معصية الله متعادون يوم القيامة.

* *

ثم قال تعالى: ﴿يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ وفي الكلام حذف، أي: إلا المتقين، فإنه يقال لهم يا عبادي لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون على فراق الدنيا، لأنكم قَدِمْتُمْ على ما هو أفضل منها.

وروي (أن الناس) ينادون بهذا النداء يوم القيامة فيطمع فيها من ليس من أهلها، حتى إذ سمع قوله: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ (فييئس منها عند ذلك كل أحد إلا المسلمين ومعنى "وكانوا مسلمين"، أي: وكانوا أهل خضوع لله عز وجل بقلوبهم.

وقيل: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ﴾ الرسل واستسلام له.

وروي عن بعض التابعين أنه قال يخرجون من القبور وكلهم مدعين فيناديهم منادٍ: ﴿يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فيطمع فيها الخلق كلهم، فيتبعها: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾. فيئس منها الخلق إلا أهل الإسلام.

قال (ابن عباس): يخرجون فينظرون إلى الأرض غير الأرض التي عهدوا، (وإلى الناس غير الناس الذين عهدوا).

وكان ابن عباس يتمثل بعد هذا القول بقول الشاعر:

؎ فَمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ الذِينَ عَهِدتَّهُمْ ∗∗∗ ولا الدَّارُ بِالدَّارِ الَّتِي كُنْتَ تَعْرِفُ

ثم قال تعالى: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾، أي: تكرمون، قاله ابن عباس.

وروي أن النبي ﷺ سئل عن تحبرون فقال: "اللَّذَّةُ والسَّماعُ بِمَا شَاءَ اللهُ (مِن ذِكْرِهِ)

"فالذين" يحتمل أن يكون مبتدأ "وادخلوا" الخبر على حذف القول، أي: يقال لهم: ادخلوا الجنة.

ويجوز أن يكون نعتاً "للعباد" في موضع نصب، يدل على ذلك قوله: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ﴾ وما بعده. فأتى بلفظ الخطاب.

ويدل على الوجه الأول قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ وما بعده، فأتى بلفظ الغيبة. فالعباد مخاطبون لأن المنادى مخاطب.

"والذين" لفظهم لفظ غيبة. فكلا (الوجهين له) دليل.

* *

ثم قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ﴾، أي: يطاف على هؤلاء الذين آمنوا في الجنة بقصاع من ذهب وأكواب من ذهب، أي: يطوف عليهم بذلك الغلمان.

"والأكواب: التي ليست لها آذان"، قاله السدي.

وقال قتادة: هي دون الأباريق. وقيل: الكوب الإبريق المستدير الذي لا أذن له ولا خرطوم.

والمعنى: يطاف عليهم في الجنة بصحاف الطعام وأكواب الشراب من ذهب. فاستغنى بذكر الصحاف والأكواب عن ذكر الطعام والشراب لمعرفة السامعين بمعناه.

قال ابن جبير: إن أدنى أهل الجنة منزلة مَنْ له قصر فيه سبعون ألف خادم، في يد كل خادم صحفة سوى ما في يد صاحبتها. لو فَتَحَ بابه فضافَه أهل الدنيا لوسعهم، لا يستعين عليهم بشيء من غيره، وذلك قوله: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ [ق: ٣٥] ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ﴾.

قال عبد الله بن عمر: (وما أحد) من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، (كل غلام على) عمل خلاف ما عليه صاحبه.

* *

وقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ﴾، أي: وفي الجنة ما تشتهي نفوسكم أيها المؤمنون وتلذ أعينكم. ﴿وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أي: ماكثون أبداً.

وروى سفيان أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال يا رسول الله، إني أحب الخيل، فهل في الجنة خيل؟ فقال له: "إنْ يُدْخِلكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَلاَ تَشَاءُ أََنْ تَرْكَبَ فَرَساً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطيرُ بِكَ في أَيِّ الجَنَّةِ شِئْتَ إِلاَّ فَعَلْتَ. فقال الأعرابي: يا رسول الله، إنى أحب الإبل، فهل في الجنة إبل؟ فقال: يَا أَعْرَابِيُّ، إِنْ يُدْخِلَكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَفِيها مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ لَكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ"

وقال أبو أمامه: إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الطائر وهو يطير فيقع في كفه نضيجاً فيأكل منه (حيث تشتهي) نفسه ثم يطير، ويشتهي الشراب، فيقع الإبريق في يده فيشرب منه ما يريد، ثم يرجع إلى مكانه.

وقال أبو طيبة السلمي: إن الشَّرْبَ من أهل الجنة لَتُظِلُّهُم السحاب، فقال فتقول: ما أمطركم؟ قال: فما يدعو داع شيئاً إلا أمطرتهم، حتى إن القائل منهم ليقول: أمطرينا كواعب أتراباً.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، (أي: وتلك الجنة أورثكموها الله عن أهل النار، بما كنتم تعملون) في الدنيا من الخير.

﴿لَكُمْ فِيهَا﴾، أي: في الجنة. ﴿فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾، أي: من كل نوع.

﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: من الفاكهة تأكلون ما اشتهيتم.

وقد قال ابن خالويه: إنما أشار إلى الجنة بإشارة البعيد فقال: "وتلك" وأشار إلى جهنم في (قوله: هذه) جهنم بإشارة القريب لتأكيد التخويف من جهنم لأن الله عز وجل قد يتفضل على عباده فيدخلهم الجنة بغير عمل كالأطفال والمجانين، ولا يعذب أحداً منهم إلا على ذنب اكتسبه، فحذرهم الله عز وجل في النار وقَرَّب الإشارة إليها، (أكثر مما شوقهم) إلى الجنة، فجعل جهنم كأنه يُنظر إليها كالحاضرة، تخويفاً منها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском