Makki ibn Abi TalibAd‑Dukhan · 44:1–42

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

الدخان

Ad-Dukhan

The Smoke · Meccan · 59 ayahs

44:1–15Page 496

حمٓ ١

Ḥā, Meem.1

وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ٢

By the clear Book,

إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةٖ مُّبَٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ٣

Indeed, We sent it down during a blessed night.1 Indeed, We were to warn [mankind].

فِيهَا يُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِيمٍ ٤

Therein [i.e., on that night] is made distinct1 every precise matter -

أَمۡرٗا مِّنۡ عِندِنَآۚ إِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ ٥

[Every] matter [proceeding] from Us. Indeed, We were to send [a messenger]

رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦

As mercy from your Lord. Indeed, He is the Hearing, the Knowing,

رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٧

Lord of the heavens and the earth and that between them, if you would be certain.

لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٨

There is no deity except Him; He gives life and causes death. [He is] your Lord and the Lord of your first forefathers.

بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ يَلۡعَبُونَ ٩

But they are in doubt, amusing themselves.

فَٱرۡتَقِبۡ يَوۡمَ تَأۡتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٖ مُّبِينٖ ١٠

Then watch for the Day when the sky will bring a visible smoke

يَغۡشَى ٱلنَّاسَۖ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٞ ١١

Covering the people; this is a painful torment.

رَّبَّنَا ٱكۡشِفۡ عَنَّا ٱلۡعَذَابَ إِنَّا مُؤۡمِنُونَ ١٢

[They will say], "Our Lord, remove from us the torment; indeed, we are believers."

أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكۡرَىٰ وَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مُّبِينٞ ١٣

How will there be for them a reminder [at that time]? And there had come to them a clear Messenger.

ثُمَّ تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٞ مَّجۡنُونٌ ١٤

Then they turned away from him and said, "[He was] taught [and is] a madman."

إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلۡعَذَابِ قَلِيلًاۚ إِنَّكُمۡ عَآئِدُونَ ١٥

Indeed, We will remove the torment for a little. Indeed, you [disbelievers] will return [to disbelief].

قال تعالى: ﴿حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ - إلى قوله -: ﴿إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾، قد تقدم ذكر حم.

* *

وقوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ معناه، وحق الكتاب الظاهر، يعني: القرآن.

وجواب القسم في قوله: ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾. وقيل: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾.

وقيل: لا يجوز أن يكون الجواب ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ لأنه صفة للمقسم به. ولا يكون صفة المقسم به جواباً للقسم.

* *

ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، يعني: القرآن أنزل إلى السماء الدنيا جملة ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، ثم نزل على النبي ﷺ في نيف وعشرين سنة نجوماً، نجم بعد نجم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: ١]، أي: والقرآن إذا نزل، وهو معنى قوله أيضاً: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، اي: أقسم بنزول القرآن و "لا" صلة.

قال قتادة: الليلة المباركة: ليلة القدر.

ونزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، (ونزلت التوراة لست ليالٍ مضين من رمضان، ونزل الزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان)، ونزل الإنجيل لثماني عشرة ليلة مضت من رمضان، ونزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان.

قال ابن عباس: أنزل الله عز وجل القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل به جبريل في عشرين سنة.

وقيل المعنى: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر.

* *

وقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان فيها يبرم أمر السنة.

وظاهر التلاوة يدل على أنها ليلة قدر تفرق فيها الأرزاق وتقضى الآجال إلى مثلها من قابل.

قال أبو العالية: ليلة القدر بركة كلها، لا يوافقها عبد مؤمن يعمل إحساناً إلا غفر له ما مضى من ذنوبه.

قال عكرمة: يكتب في ليلة النصف من شعبان الحاج حاج بيت الله الحرام فلا يغادر منهم أحدا ولا يزاد فيهم أحد.

والبركة في اللغة: الثبات والدوام والزيادة.

* *

وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، أي: منذرين خلقنا بهذا القرآن الذي أنزلناه في ليلة القدر أن يحل بهم العذاب بكفرهم.

* *

ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أي في تلك الليلة المباركة يقضى كل أمر محكم، وهو أمر السنة كلها، من يموت ومن يولد، ومن يُعَزُّ ومن يُذَلُّ، وغير ذلك. سئل الحسن: هل ليلة القدر في كل رمضان؟ فقال: أي، والله إنها لفي كل رمضان، وإنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل أجل وأمل ورزق إلى مثلها، وهو قول مجاهد وقتادة، وقاله ابن عباس وغيره.

وقيل معنى "يفرق": يفصل بين المؤمن والكافر والمنافق فيقال للملائكة هذا فيعرفونه.

وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "(تُقْطَعُ الآجَالُ) مِنْ شَعبَانَ إِلى شَعْبَانَ حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ وَلَقَدْ خَرَجَ اسْمُهُ فِي المَوْتَى"، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.

* *

ثم قال تعالى: ﴿أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ﴾، أي: قضاء قضيناه، أي: أمراً نأمر به تلك الليلة.

وانتصب أمراً على أنه مصدر في موضع الحال عند الأخفش، أي: إنا أنزلناه آمرين أمراً وراحمين رحمةً.

وقال المبرد: نصبه نصب المصدر على معنى: أنزلناه إنزالاً فالأمر يشتمل على الإخبار.

وقال الجرمي: هو حال من نكرة، وأجاز هذا رجلٌ مُقْبِلاً.

وقال الزجاج: هو مصدر: والتقدير: فيها يفرق فرقاً فأمر، بمعنى: فرق.

وقيل: إن "يفرق" يدل على "يؤمر" فانتصب "أمراً" على المصدر وعمل فيه المعنى.

* *

وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾.

انتصب الرحمة على الحال - عند الأخفش -، ونصبه الفراء على أنه مفعول لـ "مرسلين"، وجعل "الرحمة" هي النبي ﷺ وأجاز الزجاج أن تنصبه على أنه مفعول من أجله. وقيل: هي بدل من "أمراً".

وقيل: نصبها على المصدر. والمعنى: إنا كنا مرسلين رسولا وهو الرحمة. إن الله هو السميع لما يقول المشركون في رسوله، العليم بما ينطق (في علمه) ضمائرهم وغير ذلك من أمورهم. "وإنا أنزلناه جواب القسم.

* *

ثم قال تعالى: ﴿رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: الذي أنزل الكتاب على محمد ﷺ هو رب السماوات والأرض وما بينهما، أي: هو مالك ذلك كله ومبتدعه ومدبره.

﴿إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: إن كنتم توقنون بحقيقة ما أخبرتكم به من أن ربكم رب السماوات والأرض.

* *

وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: هو مالككم ومالك من مضى قبلكم من آبائكم الأولين.

* *

ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أي ما هم على يقين مما يقال لهم (لكنهم في شك منه، فهم يلعبون لشكهم.

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: فانتظر يا محمد) النقمة منهم وقت يحول بينهم وبين السماء دخان من شدة الجوع.

بلغ بهم الجوع إلى أن كانوا يأكلون الغلهز، والغلهز أن يفقأ القُراد في الصوف. ويشوى ذلك الصوف بدم القراد ويؤكل. والقُراد: الحلم. فرحمهم النبي ﷺ وبعث إليهم بصدقة ومال.

ومفعول: "فارتقب" محذوف، وهو النقمة وشبهها.

وقيل: التقدير هذا عذاب أليم فارتقبه يوم تأتي، وفيه بُعْدٌ لحذف الهاء من غير صلة ولا صفة، ولأنه رفع "العذاب" مع حذف الهاء، وذلك لا يحسن إلا في الشعر.

وقد حَلَّ (بقريش ذلك كله)، إذ دعا عليهم النبي ﷺ فقال: "اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِني يُوسُفَ"

فأُخِذُوا بالجوع. فكان الرجل يحول بينه وبين النظر إلى السماء دخان من شدة الجوع، فيصير كهيئة الدخان، هذا قول ابن مسعود وغيره من المفسرين.

وقيل: الدخان آية من آيات الله يرسله الله عز وجل على عباده قبل مجيء الساعة فيدخل في أسماع أهل الكفر ويعتري أهل الإيمان كهيئة الزكام، روي ذلك عن ابن عمر والحسن.

وروى حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلُ الآياتِ الدُّخَانُ، وَنُزُولُ عِيسَى، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنُ أبين تَسُوقُ النَّاس إِلَى المَحْشَرِ تَقِيلُ مَعَهُمْ إِذا قَالُوا. قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟: فتلا رسول الله ﷺ: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ - الآية، ثم قال: (يُمْلَكُ بِالدُّخَانِ) مَا بَيْنَ (المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)، يَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَلَيْلَةً. أَمَّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبَهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزَّكْمَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَكَهَيْئَةِ السَّكْرَانِ، يَخْرُجُ مِنْ مَنْخَرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُرِهِ

وقيل: إن الدخان هو ما ينتظر بهم يوم القيامة من العذاب، قاله زيد بن علي.

* *

ثم قال: ﴿يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: يغشى ذلك الدخان الناس يقولون هذا عذاب أليم.

* *

ثم قال: ﴿رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ﴾، أي: يقولون ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.

* *

ثم قال تعالى: ﴿أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: من أي وجه لهم التذكر بالإيمان عند حلول العذاب بهم، وقد تولوا عما جاءهم به رسولهم.

﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾، أي: علم هذا الذي جاءنا به ليس هو من عند الله.

* *

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً﴾، أي: إنا نكشف عنكم العذاب الذي نزل بكم بالخصب والرخاء وقتاً قليلاً، إنكم عائدون إلى كفركم إذا كشفناه عنكم، (وتنقضون ما عهدتم) به أنكم تؤمنون إذا كشف عنكم.

وقيل معناه: إنكم عائدون في عذاب الله (في الآخرة) إن لم تؤمنوا.

وقيل معناه: عائدون إلى الشرك.

44:16–29Page 496

يَوۡمَ نَبۡطِشُ ٱلۡبَطۡشَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ إِنَّا مُنتَقِمُونَ ١٦

The Day We will strike with the greatest assault, indeed, We will take retribution.

۞ وَلَقَدۡ فَتَنَّا قَبۡلَهُمۡ قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَ وَجَآءَهُمۡ رَسُولٞ كَرِيمٌ ١٧

And We had already tried before them the people of Pharaoh, and there came to them a noble messenger [i.e., Moses],

أَنۡ أَدُّوٓاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٨

[Saying], "Render to me the servants of Allāh.1 Indeed, I am to you a trustworthy messenger,"

وَأَن لَّا تَعۡلُواْ عَلَى ٱللَّهِۖ إِنِّيٓ ءَاتِيكُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ١٩

And [saying], "Be not haughty with Allāh. Indeed, I have come to you with clear evidence.

وَإِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمۡ أَن تَرۡجُمُونِ ٢٠

And indeed, I have sought refuge in my Lord and your Lord, lest you stone me.1

وَإِن لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ لِي فَٱعۡتَزِلُونِ ٢١

But if you do not believe me, then leave me alone."

فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٞ مُّجۡرِمُونَ ٢٢

And [finally] he called to his Lord that these were a criminal people.

فَأَسۡرِ بِعِبَادِي لَيۡلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٢٣

[Allāh said], "Then set out with My servants by night. Indeed, you are to be pursued.

وَٱتۡرُكِ ٱلۡبَحۡرَ رَهۡوًاۖ إِنَّهُمۡ جُندٞ مُّغۡرَقُونَ ٢٤

And leave the sea in stillness.1 Indeed, they are an army to be drowned."

كَمۡ تَرَكُواْ مِن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٢٥

How much they left behind of gardens and springs

وَزُرُوعٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ ٢٦

And crops and noble sites

وَنَعۡمَةٖ كَانُواْ فِيهَا فَٰكِهِينَ ٢٧

And comfort wherein they were amused.

كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ ٢٨

Thus. And We caused to inherit it another people.

فَمَا بَكَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ ٢٩

And the heaven and earth wept not for them, nor were they reprieved.

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ - إلى قوله - ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، أي: ننتقم منكم إن عدتم إلى كفركم عند كشفنا عنكم ما أنتم فيه من الجهد يوم نبطش البطشة الكبرى، وهو يوم بدر عند أكثر المفسرين، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد وأبو العالية، وهو قول وهو قول أُبي بن كعب، أمكن الله عز وجل منهم المؤمنين يوم بدر فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين.

والعامل في "يوم نبطش": "منتقمون".

وقيل: العامل فيه فعل مضمر، تقديره: اذكر يا محمد يوم نبطش. وهو الأحسن، لأن الظرف لا يعمل فيه ما بعد أن عند البصريين.

وقيل التقدير: ننتقم يوم نبطش، ودل عليه "منتقمون".

وفيه أيضاً بُعْدٌ لأن ما بعد "إنَّ" لا يفسر ما قبلها كما لا يفعل (ما بعدها) فيه.

فإضمار "اذكر" أحسن الوجوه، وذلك أن الله جل ذكره كشف عنهم ما كانوا فيه من الجهد فعادوا إلى كفرهم فأهلكهم قتلا بالسيف يوم بدر. فيكون العامل في "يوم نبطش" فعلاً مضمراً يفسره "إنا منتقمون".

ولا يحسن أن يعمل فيه "منتقمون"، لأن ما بعد "أن" لا يعمل فيما قبلها. ويجوز أن يكون العامل "اذكر" مضمرة.

وقال عكرمة: البطشة الكبرى هي بطشة الله عز وجل بأعدائه يوم القيامة.

وكذلك روى قتادة عن الحسن.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، أي اختبرناهم وابتليناهم قبل مشركي قومك يا محمد.

﴿وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ يعني موسى ﷺ أي "كريم عند ربه عز وجل. وقيل كريم من قومه. وقيل: الفتنة في هذا العذاب.

وفي الكلام تقدير وتأخير، والتقدير، ولقد جاء قوم فرعون رسول كريم.

وفتناهم، أي: عذبناهم بالغرق، لأن العذاب - وهو الغرق - كان بعد مجيء موسى إليهم وإنذاره إياهم وكفرهم

* *

ثم قال تعالى: ﴿أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.

قال ابن عباس معناه: (أن اتبعوني) إلى ما أدعوكم إليه يا عباد الله فيكون "عباد": نصب على النداء المضاف على هذا القول.

وقال مجاهد معناه: أن أرسلوا معي عباد الله وخلوا سبيلهم، يعني بني إسرائيل. فينتصب "عباد" على أنه مفعول به "بأدوا" على هذا القول.

قال قتادة: قال موسى لفرعون: (على من) تحبس هؤلاء القوم، قوما أحراراً (اتخدتهم عبيداً، خَلِّ) سبيلهم.

قال ابن زيد معناه: أرسل عباد الله معي، يعني بني إسرائيل، وهو مثل قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧].

وقيل التقدير: وجاءهم رسول أمين يقول لهم: أدوا إِليِّ عباد الله أي: خلوا سبيلهم إني لكم رسول من الله إليكم، أنذركم بأسه إن لم تؤمنوا، أمين على وحيه ورسالته إليكم.

* *

ثم قال: ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: وجاءكم رسول كريم بأن أدوا إلي عباد الله وبألا تعلوا على الله، أي: لا تطغوا على ربكم فتكفروا به.

﴿إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بحجة ظاهرة تدل على صحة ما جئتكم به.

* *

ثم قال: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ * وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: قال لهم موسى": وإني اعتصمت واستعذت بربي وربكم من أن تشتمون بألسنتكم، قاله ابن عباس والضحاك.

وقال أبو صالح: أن ترجمون معناه: أن تقولوا لي شاعر (أو كاهن) أو ساحر.

وقال قتادة معناه: "أن ترجمون بالحجارة".

وقال الفراء: "الرجم - هنا - القتل". استجار بالله عز وجل واعتصم به سبحانه من أن يقتلوه.

ثم قال لهم: ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾، أي: إذا أنتم لم تصدقون فيما أقول لكم فخلوا سبيلي (ولا تؤذون).

وقيل معناه: فدعوني كفافاً، لا عَلَيَّ ولا لي.

قال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾، أي: فدعا موسى ربه إذ كذبوه ولم يؤمنوا وهموا بقتله. وفي الكلام حذف تتصل الفاء به. والتقدير: فكفروا فدعا ربه ولو لم يكن هذا الإضمار لم تتصل الفاء بشيء ومثله الفاء في قوله: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾.

* *

قوله: ﴿أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ﴾، أي فدعا ربه فقال إن هؤلاء قوم مجرمون لا يؤمنون بما جئتهم به.

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾.

في هذا الكلام حذف. والتقدير: فأجابه ربه عز وجل بأن قال له: فأسر بعبادي ليلاً، يعني: بني إسرائيل، أي: فأسر بعبادي الذين صدقوك وآمنوا بك ليلاً إنهم متبعون، أي: إن فرعون وجنوده من القبط يتبعونكم إذا سريتم من عندهم.

* *

ثم قال: ﴿وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً﴾، أي: إذا قطعت البحر (أنت وأصحابك) فاتركه ساكناً على حاله حين دخلته. هذا لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر.

لم يكن في (وسع موسى) ترك ذلك، ولم يكن الله عز وجل ليأمره بما لا يقدر عليه، فهو وعد من الله عز وجل لموسى أن يفعله له، وكأنه قال: ويبقى البحر على حاله ساكنا حتى يدخله فرعون وجنوده فيغرقون.

قال ابن عباس، معناه: واتركه طريقاً. وقال الضحاك: سهلاً.

وقال مجاهد معناه: واتركه ساكناً لا يرجع إلى ما كان عليه حتى يحصل فيه آخرهم، وهو معنى قول ابن عباس: اتركه طريقاً، وروي عن مجاهد أيضاً "رهواً": يابساً، وحكى المبرد: عيش (راهٍ، أي): خفض وادع.

قال: فمعنى رهواً: ساكناً، حتى يحصلوا فيه وهو ساكن فلا (ينفروا منه).

وقيل الرهو: المتفرق ويقال: جاء القوم رهواً، أي: على نظام واحد.

وروي أن الله جل ذكره قال هذا لموسى بعد أن قطع البحر بنو إسرائيل.

فعلى هذا القول يكون في الكلام حذف. والتقدير: فسرى موسى بعبادي ليلاً وقطع بهم البحر فقلنا له بعدما قطعه وأراد رد البحر إلى هيئته التي كان عليها قبل انفلاقه: اتركه رهواً، أي: ساكناً على حاله لا ترده إلى (هيئته الأولى) حتى يدخلوا كلهم فيه ويطمئنوا. هذا القول هو قول قتادة.

قال قتادة: لما خرج آخر بني إسرائيل أراد نبي الله موسى عليه السلام أن يضرب بالبحر بعصاه حتى يعود كما كان مخافة أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له: اتركه ساكناً على حاله إنهم جند مغرقون، فغرقهم الله عز وجل في البحر.

* *

ثم قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ﴾، أي: كم ترك آل فرعون - يعني: القبط المغرقين - من بساتين وينابيع ماء تتفجر في بساتينهم وزروع قائمة.

﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، يعني: مقام الملوك والأمراء، كانوا يعظمونه ويشرفونه، يعني به المنابر، (قاله ابن عباس وقيل: هي المنازل الحسنة. ومعنى كريم: حسن).

* *

ثم قال: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾، أي: وأخرجوا من نعمة كانوا فيها متفكهين. قال قتادة: فاكهين: ناعمين. وعن ابن عباس: فاكهين: فرحين والنعمة - بالفتح - التنعم.

وقرأ أبو رجاء العطاردي والحسن "فَكِهينَ" بغير ألف، على معنى: كانوا فيها بطرين أشرين.

* *

ثم قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾، أي: هكذا فعلنا بهم أيها الناس، وأورثنا ما تركوا مما تقدم وصفه قوماً آخرين يعني: بني إسرائيل.

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾، أي: ما بكى عليهم حين هلكوا بالغرق أهل السماء، ولا أهل الأرض. ثم حذف.

وقيل: إن بكاء السماء حمرة أطرافها.

قال السدي: "لما قُتل الحسين بن علي عليه السلام بكت السماء عليه وبكاؤها حمرتها". وقال عطاء: "بكاؤها: حمرة أطرافها".

وقيل: معنى ذلك أن المؤمن إذا مات بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً، فأعلمنا الله عز وجل أنهم لم يكونوا مؤمنين فتبكي عليهم السماء والأرض.

وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "بَدَأَ الإسْلاَمُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً، أَلاَ لاَ غُرْبَةَ عَلَى المُؤْمِنِ [مَا] مَاتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ إِلاَّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾ ثم قال: إِنَّهُمَا لاَ يَبْكِيَانِ عَلَى الكَافِرِ

وممن قال أن السماء والأرض تبكيان على المؤمن ولا تبكيان على الكافر، علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وابن عباس والحسن والضحاك وقتادة.

قال ابن عباس: ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء (ينزل منه) رزقه وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء ففقده بكى عليه، وإذا أفقده مصلاه من الأرض والموضع الذي كان يذكر الله عز وجل فيه بكى عليه. وإن قوم فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا في السماء فلم يبك عليهم شيء حين هلكوا هذا معنى قوله.

* *

وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، معناه: لم يكونوا مؤخرين حين أتاهم العذاب وتم الأجل.

44:30–42Page 497

وَلَقَدۡ نَجَّيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ ٣٠

And We certainly saved the Children of Israel from the humiliating torment -

مِن فِرۡعَوۡنَۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَالِيٗا مِّنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٣١

From Pharaoh. Indeed, he was a haughty one among the transgressors.

وَلَقَدِ ٱخۡتَرۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ عِلۡمٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٢

And We certainly chose them by knowledge over [all] the worlds.

وَءَاتَيۡنَٰهُم مِّنَ ٱلۡأٓيَٰتِ مَا فِيهِ بَلَٰٓؤٞاْ مُّبِينٌ ٣٣

And We gave them of signs that in which there was a clear trial.

إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَيَقُولُونَ ٣٤

Indeed, these [disbelievers] are saying,

إِنۡ هِيَ إِلَّا مَوۡتَتُنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُنشَرِينَ ٣٥

"There is not but our first death, and we will not be resurrected.

فَأۡتُواْ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٦

Then bring [back] our forefathers, if you should be truthful."

أَهُمۡ خَيۡرٌ أَمۡ قَوۡمُ تُبَّعٖ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ٣٧

Are they better or the people of Tubbaʿ1 and those before them? We destroyed them, [for] indeed, they were criminals.

وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ ٣٨

And We did not create the heavens and earth and that between them in play.

مَا خَلَقۡنَٰهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٩

We did not create them except in truth, but most of them do not know.

إِنَّ يَوۡمَ ٱلۡفَصۡلِ مِيقَٰتُهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٤٠

Indeed, the Day of Judgement is the appointed time for them all -

يَوۡمَ لَا يُغۡنِي مَوۡلًى عَن مَّوۡلٗى شَيۡـٔٗا وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤١

The Day when no relation1 will avail a relation at all, nor will they be helped -

إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٤٢

Except those [believers] on whom Allāh has mercy. Indeed, He is the Exalted in Might, the Merciful.

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ - إلى قوله - ﴿هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ولقد نجى الله عز وجل بني إسرائيل من العذاب المذل والإهانة التي كان فرعون وقومه يعذبونهم بها. قال قتادة: عذابهم لبني إسرائيل هو قتلهم أبناؤهم واستحياء نساءهم.

* *

ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: إن فرعون كان جباراً مستكبراً على ربه سبحانه مسرفاً متجاوزاً إلى غير ما يحب له من الكفر والطغيان.

قال ابن عباس: من المسرفين: من المشركين. وقال الضحاك: من القتالين.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ولقد اخترنا بني إسرائيل على علم منا بهم على عالم زمانهم وقيل معناه: اخترناهم للرسالة والتشريف على علم منا بهم فذكر تعالى أنه أختارهم لكثرة الأنبياء منهم.

قال قتادة ومجاهد معناه: اخترناهم على أهل زمانهم ذلك ولكل زمان عالم.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ﴾، أي: وأعطيناهم من العبر والعظات ما فيه اختبار يبين لمن تأمله أنه اختبار اختبرهم الله عز وجل به.

وقيل المعنى: آتيناهم نعماً عظيمة وعبراً ظاهرةً.

روي أن الله عز وجل أنزل ببيت المقدس سلسلة معلقة من السماء فكانوا يتحاكمون في حقوقهم وخصوماتهم ودعاويهم إلى السلسلة. فمن كان محقاً أدرك بيده مس السلسلة، ومن كان مبطلاً لم يدرك بيده مسها، فلم يزالوا كذلك حتى مكروا فرفعت، وذلك فيما روي أن رجلاً منهم أودع رجلاً مالاً فجحده المودع عنده، فتحاكما إلى السلسلة فعمد الذي جحد الوديعة إلى كلخ فقأ داخله، ثم أدخل فيه الوديعة. فلما أتيا إلى السلسة قال الجاحد للوديعة لرب المال: أمسك لي هذه الكلخة (في يدك) حتى أمس السلسة، فأمسكها رب المال وهو لا يعلم بما فيها. ثم تقدم الجاحد بحضرة الناس، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني قد وضعت ماله في يده وقبضه مني فأسألك ألا تفضحني ومَدَّ يده فأدرك السلسة فأقبل صاحب المال يقول: والله يا بني إسرائيل (إن هذه السلسلة لباطل وزور، فرفع الله السلسلة من ذلك الوقت.

ويروى أنه كان لهم عمودان، فإذا أتهم أحد بزنى فَأَقَرَّ رُجِمَ، وإن جحد أدخل بين) العمودين فإن كان كاذباً انضما عليه فقتلاه، وإن (كان بريئاً) سلم.

وكان الرجل منهم يعمل الذنب لا يعلم به أحد فيصبح ويجده مكتوباً على بابه.

قال قتادة: البلاء هو أنه (تعالى نجاهم) من عدوهم، ثم أقطعهم البحر وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى. فيكون البلاء هنا على قول قتادة، النعمة.

وقال ابن زيد: ابتلاهم بالخير والشر، يختبرهم فيما آتاهم من الآيات، من يؤمن بها ومن يكفر.

* *

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾، أي: إن مشركي قريش يا محمد ليقولن ما هي إلا موتتنا التي نموتها، وما نحن بعد مماتنا بمبعوثين تكذيباً منهم للبعث والثواب والعقاب.

* *

ثم قال: ﴿فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: قالوا لمحمد عليه السلام ومن آمن به فأتوا بآبائنا، أي: فأحيهم لنا لنسألهم عن صدقكم إن كنتم صادقين.

* *

ثم قال تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: أهؤلاء المشركون يا محمد خير أم قوم تبع الحميري.

وقالت عائشة رضي الله عنها: كان "تبع" رجلاً صالحاً، فذم الله قومه ولم يذمه.

قال كعب: كان "تبع" ملكاً من الملوك، وكان قومه كُهَّاناً، وكان معه قوم من أهل الكتاب [فكان قومه يكذبون على أهل الكتاب عنده.

فقال لهم جميعاً: قربوا قرباناً فَقَرَّبُوا. فتقبل قربان أهل الكتاب] ولم يتقبل قربان قومه فأسلم، فلذلك ذكر الله عز وجل قومه ولم يذكره.

قال أبو عبيدة: "تبع" اسم ملك من ملوك اليمن، سمي بذلك لأنه يتبع صاحبه.

وروى سهل بن سعد الساعدي أن النبي ﷺ قال: "لاَ تَلْعَنُوا تُبَّعاً فَإِنَّهُ (قَدْ كَانَ) "أَسْلَمَ"

وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: من قبل قوم تُبَّع من الأمم الكافرة بربها. يقول الله جل ذكره: فليس هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بخير من أولئك الذين أهلكوا بكفرهم، فطمعوا أن (نصفح عنهم) ولا نعذبهم وننتقم منهم بكفرهم.

* *

وقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾، أي: أهلكنا قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم الكافرة إنهم كانوا قوماً مجرمين. فإذا انتقمنا من الأفضل لكفره فما ظنك بالأدون.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾، أي: لم نخلق ذلك لعبا، بل خلقناه لإقامة العمل والحق الذي لا يصلح التدبير إلا به.

ينبه جل ذكره خلقه على صحة كون البعث والثواب والعقاب، وأنه لم يخلق الخلق عبثا، بل خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأقبل للطاعة، فيجازي المحسن بالإحسان والمسيء بما أراد، وهو قوله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقّ﴾، أي للحق والعدل.

﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون أن الله خلق (ذلك لذلك) فهم لا يخافون عقاباً (ولا يرجعون لتكذيبهم) بالمعاد والثواب والعقاب.

وذهب أبو حاتم إلى جواز الوقف على "تبع". يقدر أن قوله: "والذين من قبلهم أهلكناهم" مبتدأ وخبره. كأنه يجعل المهلكين هم الذين كانوا من قبل قوم تبع (لا قوم تبع). والوقف عند غيره "أهلكناهم" على أن يكون الذين عطف على "قوم" وَأَتَمُّ منه "مجرمين".

(ثم قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أي: إن يوم فصل الله بين خلقه وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم).

* *

ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً﴾. "يوم" بدل من "يوم" الأول. ومعناه إن يوم لا يغني ولي عن ولي شيئاً وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم، أي: يوم لا يدفع ابن عم عن ابن عم، ولا صاحب عن صاحب شيئاً من العذاب.

﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾، أي: ولا ينصرهم أحد مما حَلَّ بهم من النقمة بكفرهم.

قال قتادة: "انقطعت الأسباب يومئذ يا ابن آدم، وصار الناس يومئذ إلى أعمالهم، فمن أصاب يومئذ خيراً سَعِدَ به، ومن أصاب يومئذ شراً شقي به".

والمولى والولي في اللغة: الناصر.

وقول النبي ﷺ: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ" في تفسيره ثلاثة أقوال:

- أحدها: إن معناه: من كنت أتولاه فعلي يتولاه.

- والثاني: من كان (يتولاني، يتولاه) علي.

- والثالث: إنه كان قوله ذلك في سبب، وذلك أن أسامة بن زيد قال لعلي: لست مولاي، إنما مولاي رسول الله فقال رسول الله ﷺ: "من كنت مولاه فعلي مولاه

ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ "من" عند الأخفش في موضع رفع على البدل على المعنى كأن التقدير: (ولا ينصر) أحد إلا من رحم الله.

وأجاز أن تكون في موضع رفع على الابتداء. كأنه في التقدير: إلا من رحم الله فيغني عن غيره، أي: يشفع لغيره ممن أراد الله عز وجل له الشفاعة كما قال: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ﴾ [الأنبياء: ٢٨].

وقيل: "من" رفع لفعلها، أي لا يغني إلا من رحم الله ("فمن" على هذا القول بدل من "مولى" أي: لا يشفع إلا من رحم الله).

وقد صح عن النبي ﷺ أن المؤمنين يشفعون. وقال الكسائي "من" في موضع نصب على الاستثناء المنقطع وهو قول الفراء. وتقف على "ينصرون" إن جعلت "من" (ابتداء، ويكون) التقدير: إلا من رحم الله فإنه تغني شفاعته.

فإن جعلت "من" بدلاً أو استثناء منقطعاً لم تقف على ينصرون.

وروى أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ الرَّجُلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُقَامُ في صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَرَى رَجُلاً مِنَ المُوَحِّدِينَ قَائِماً (فِي صَفِّ) أَهْلِ النَّارِ (قدْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ) في الدُّنْيَا فَيُذَكِّرُهُ ذَلِكَ فَيَذْكُرُ، فَيَشفَعُ فِيهِ فَيُحَوَّلُ إِلى صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ

وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه وأهل طاعته.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском