Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic
الأحقاف
Al-Ahqaf
The Wind-Curved Sandhills · Meccan · 35 ayahs
46:1–4Page 502
حمٓ ١
Ḥā, Meem.1
تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ٢
The revelation of the Book is from Allāh, the Exalted in Might, the Wise.
مَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعۡرِضُونَ ٣
We did not create the heavens and earth and what is between them except in truth and [for] a specified term. But those who disbelieve, from that of which they are warned, are turning away.
قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ لَهُمۡ شِرۡكٞ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِۖ ٱئۡتُونِي بِكِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ هَٰذَآ أَوۡ أَثَٰرَةٖ مِّنۡ عِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤
Say, [O Muḥammad], "Have you considered that which you invoke besides Allāh? Show me what they have created of the earth; or did they have partnership in [creation of] the heavens? Bring me a scripture [revealed] before this or a [remaining] trace of knowledge, if you should be truthful."
قوله: ﴿حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ﴾ إلى قوله ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
قد تقدم ذكرهم، والتقدير: هذا تنزيل الكتاب من عند الله العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه.
* *
ثم قال: ﴿مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾.
أي: ما أحدثنا ذلك وأوجدناه (بعد أن لم يكن) إلا لإقامة الحق والعدل في الخلق، (وإلا لأجل مسمى)، فكل ذلك معلوم عنده تعالى متى - يفنيه فيصيره معدوماً عندكم - أمر بفناء ذلك.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ﴾.
أي: والذين جحدوا توحيد الله سبحانه ولم يؤمنوا بالبعث بعد الموت معرضون عن إنذار الله عز وجل، لا يتعظون ولا يتفكرون في آيات الله سبحانه فيعتبرون ويزدجرون.
* *
ثم قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ﴾.
أي: قل لهم يا محمد - لهؤلاء الكفار بالله سبحانه من قومك - أرأيتم أيها الناس الآلهة التي تعبدون من دون الله سبحانه:
أروني أي: شيء خلقوا من الأرض، فإن ربي خلق الأرض كلها.
وقيل "من" بمعنى "في"، والمعنى أروني ﴿مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ﴾ فإن ربي خلق الأرض كلها، فلأي شيء عبدتموها ولأي حجة آثرتم عبادتها على عبادة الله سبحانه الذي خلقها وابتدعها، وخلق كل ما في الأرض من غير أصل.
* *
﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾.
أي: أم لآلهتكم شرك في خلق السماوات السبع فيكون لكم بذلك حجة في عبادتكم إياها، فمن حجتي في إفراد الله بالعبادة أنه خلق السماوات والأرضين وابتدع ذلك من غير أصل.
* *
ثم قال: ﴿ٱئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ﴾.
[أي: جيئوني بكتاب من قبل هذا] القرآن فيه أن آلهتكم خلقت شيئاً من السماوات والأرضين، أو جيئوني بأثارة من علم بذلك.
"وأثارة" مصدر كالسماحة.
قال ابن عباس:
هو خط كانت تخطه العرب في الأرض، وروى أن نبياً كان يخط بإصبعيه في الأرض السبابة والوسطى، يخط بهما في الرمل ويزجره.
وقال قتادة معناه: أو خاصة من علم تخبر أن آلهتكم خلقت شيئاً أو لها شرك في شيء، وهو قول ابن جبير والحسن.
وقيل معناه: أو علم تثيرونه فتستخرجونه.
وقيل معناه: أو تأثرون بذلك علماً عن أحد ممن كان قبلكم، قاله مجاهد.
وعن ابن عباس: "أو أثارة من علم"، معناه: أو بيّنة من الأمر.
وقال أبو عبيدة وأبو بكر بن عياش معناه: أو بقية من علم.
* *
ثم قال: ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ .
أي: إن كنتم صادقين في دعواكم ما تدعون أن آلهتكم مستحقة أن تعبد.
وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، أو أَثَرَةٍ من علم، على فَعَلَةٍ وهما لغتان عند الفراء، وحكى الكسائي لغة ثالثة: أو أُثْرَِةٍ على فُعْلَةٍ.
والمعنى عنده: أو بقية من علم، ويجوز أن يكون معناه عنده: أو شيئاً مأثوراً من كتب الأولين.
وأثرة بمعنى أثر، كقترة وقتر، والمأثور هو المتحدث به مما صح سنده عن من يحدث به عنه.
46:5Page 502
وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّن يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسۡتَجِيبُ لَهُۥٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَهُمۡ عَن دُعَآئِهِمۡ غَٰفِلُونَ ٥
And who is more astray than he who invokes besides Allāh those who will not respond to him until the Day of Resurrection [i.e., never], and they, of their invocation, are unaware.
قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾.
[أي: لا أحد أضل ممن يعبد من دون الله] حجراً لا يستجيب له إذا دعاه أبداً، ولا ينفعهم، وتلك الحجارة التي يعبدونها غافلة عن دعاء هؤلاء الكفار، لا تعقل ولا تفهم، ووقعت "من" للأصنام والحجارة، وهي لا تعقل لأنهم جعلوها في عبادتهم إياها بمنزلة من يعقل ويميز، فخوطبوا على مذهبهم فيها.
وقد قرأ ابن مسعود (مَا لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ) كما قال: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢]، فأجراه على المعنى، وأتى بـ "ما" التي تكون لما لا يعقل، وقد كان يلزم أن يقرأ: "وهي عن دعائهم غافلة لكنه أتى به على لفظ من يعقل، فمرة رد الكلام على المعنى، ومرة رده على ما جرى في مخاطباتهم ومثل قراءة الجماعة هنا: قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [الزمر: ٣] وأتى بالهاء والميم وهما لمن يعقل، فجرى الإخبار عن الأصنام على ما يجري في مخاطباتهم، لأنهم أجروها مجرى من يعقل ومن يميز، ولو أتى الكلام على المعنى لقال: "ما نعبدها إلا لتقربنا". وهذا كله توبيخ من الله جلَّ ذكره للمشركين لسوء رأيهم وقبح اختيارهم في عبادتهم ما لا يعقل شيئاً ولا يفهم، وتركهم عبادة من أنعم عليهم بجميع ما هم فيه من النعم، وإليه يلجئون ويتفرعون عند حاجتهم وضروراتهم.
46:6Page 503
وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمۡ أَعۡدَآءٗ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمۡ كَٰفِرِينَ ٦
And when the people are gathered [that Day], they [who were invoked] will be enemies to them, and they will be deniers of their worship.
قال: ﴿وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً﴾.
أي: وإذا جمع الناس لموقف الحشر كانت آلهتهم لهم أعداء؛ لأنهم يتبرءون منهم، وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾.
لأن الآلهة تقول يوم القيامة: ما أمرناهم بعبادتنا ولا شعرنا بفعلهم، وهو قوله تعالى: ﴿تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣].
46:7Page 503
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٌ ٧
And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who disbelieve say of the truth when it has come to them, "This is obvious magic."
قال: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾.
أي: وإذا تقرأ عليهم آيات الكتاب واضحات البرهان أنها حق من عند الله، قالوا للحق لما جاءهم، وهو القرآن: هذا سحر مبين أي: ظاهر لمن تأمله وسمعه، قالوا: هذا القرآن يخدع من سمعه كفعل السحر.
46:8Page 503
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَلَا تَمۡلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِۚ كَفَىٰ بِهِۦ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٨
Or do they say, "He has invented it"? Say, "If I have invented it, you will not possess for me [the power of protection] from Allāh at all. He is most knowing of that in which you are involved.1 Sufficient is He as Witness between me and you, and He is the Forgiving, the Merciful."
قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾.
أي: يقول هؤلاء المشركون: اختلق محمد هذا القرآن. فقل لهم يا محمد: إن افتريته؛ أي: إن اختلقته من عند نفسي كذباً على الله سبحانه فلستم تغنون عني من عذاب الله عز وجل شيئاً إن عذبني على ذلك.
﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي: الله أعلم من كل شيء سواه بما تقولون وما تدعون علي من الكذب.
﴿كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: كفى الله شاهداً علي وعليكم فيما تقولون وما أقول.
﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ أي: والله ذو الستر على ذنوب من تاب إليه، الرحيم بهم أن يعذبهم عليها بعد توبتهم منها .
46:9Page 503
قُلۡ مَا كُنتُ بِدۡعٗا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدۡرِي مَا يُفۡعَلُ بِي وَلَا بِكُمۡۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٩
Say, "I am not something new among the messengers,1 nor do I know what will be done with me or with you. I only follow that which is revealed to me, and I am not but a clear warner."
قال: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ﴾.
أي: قل يا محمد: ما كنت أول الرسل فتنكرون رسالتي، بل قد كان قبلي رسل كثير وأنا واحد منهم.
قال المبرد: البدع البديع الأول، ومنه يقال: ابتدع فلان كذا، أي: أتى بما لم يتقدمه إليه أحد قبله، ومنه بديع السماوات: أي: مبتدعهما.
* *
وقوله: ﴿وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ﴾.
قيل أن النبي ﷺ أمر أن يقول ذلك للمؤمنين، أي: لست أدري ما نصير إليه يوم القيامة.
ثم بيّن الله عز وجل حاله فقال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١-٢] وبيّن للمؤمنين أمرهم فقال: ﴿لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الفتح: ٥] هذا قول ابن عباس.
وقال عكرمة والحسن: هذه الآية منسوخة نسختها سورة الفتح، قالا: فلما نزلت سورة الفتح خرج النبي ﷺ فبشرهم بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال له رجل من المسلمين هنيئاً لك يا نبي الله قد علمنا ما يفعل بك فما يفعل بنا، فأنزل الله، ﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً﴾ [الأحزاب: ٤٧] وأنزل: ﴿لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾ [الفتح: ٥] إلى قوله: ﴿حَكِيماً﴾ [الفتح: ٧] فبيّن للمؤمنين ما يفعل بهم أيضاً.
قال قتادة: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم، ثم درى ما يفعل به في أول الفتح، وعن الحسن: أنها نزلت في المشركين، وأنه ﷺ ما يدري ما يصير إليه أمره معهم في الدنيا، وما يصير أمرهم، أيؤمنون أم يكفرون، أيعجلون بالعذاب أم يؤخرون وقال: أما في الآخرة فمعاذ الله، إنه قد علم أنه في الجنة حين أخذ ميثاقه في الرسل.
وقيل معناه: ما أدري ما يفترض عليّ وعليكم في الدنيا من الفرائض.
وقيل المعنى: ما أدري ما يحل علي وعليكم من جدب أو رخاء في الدنيا.
وقيل إنها نزلت في رؤيا رآها النبي ﷺ، فسرت أصحابه فاستبطئوا تأويلها فأنزل الله عز وجل: ﴿وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ﴾.
واختار الطبري وغيره أن يكون هذا في أمر الدنيا دون حال الآخرة لأنه لو كان لا يدري ما يفعل به ولا بهم في الآخرة لكان ذلك حجة لهم لأنهم يقولون له: فعلى ما نتبعك إذا كنت لا تدري على أي حال نصير غداً في القيامة.
* *
وقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ أي: ما اتبع فيما أمركم به وفيما أفعله إلا وحي الله عز وجل إلي وأمره إياي.
﴿وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: أنذركم عقاب الله عز وجل على كفركم.
﴿مُّبِينٌ﴾ أي: قد بينت لكم إنذاري لكم ونصحي إياكم.
46:10Page 503
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كَانَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرۡتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثۡلِهِۦ فَـَٔامَنَ وَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠
Say, "Have you considered: if it [i.e., the Qur’ān] was from Allāh, and you disbelieved in it while a witness from the Children of Israel has testified to something similar1 and believed while you were arrogant...?"2 Indeed, Allāh does not guide the wrongdoing people.
قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء القائلين للقرآن لما جاءهم هذا سحر مبين، إن كان هذا القرآن من عند الله أنزله علي وكفرتم به.
﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ﴾ يعني موسى عليه السلام شهد على مثل القرآن، فالتصديق أنه من عند الله هو التوراة.
فشهد على التوراة أنها من عند الله سبحانه، والقرآن مثلها. قاله مسروق.
وقال الشعبي: زعم قوم أنه عبد الله بن سلام، وإنما أسلم عبد الله بالمدينة، والحواميم مكية، ولكنه موسى عليه السلام، وروى مالك عن أبي هريرة عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه قال: ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض [إنه] من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾
وقال ابن عباس: كان رجلاً من أهل الكتاب آمن بمحمد ﷺ [قال]: إنّا نجده في التوراة، وكان أفضل رجل فيهم وأعلمهم فخاصم اليهود النبي ﷺ، وتراضوا بحكم عبد الله بن سلام وقالوا: إن شهد لك آمنا بك، فقال له النبي ﷺ: أتشهد أني رسول الله مكتوباً في التوراة والإنجيل؟
فقال: نعم فاعترضت اليهود وأسلم عبد الله، وهو قوله: ﴿فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ﴾
قال مجاهد: هو عبد الله بن سلام، وهو قول قتادة وابن زيد والحسن.
وعن الشعبي أنه قال: هو رجل من أهل الكتاب غير عبد الله بن سلام.
وذهب ابن سيرين إلى أن هذه الآية مدنية جعلت في سورة مكية فيصح أنه عبد الله بن سلام لأن إسلامه (كان بالمدينة).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: جعل جزاءهم على كفرهم ترك توفيقهم للهدى.
وقيل: في الآية تقديم وتأخير، والتقدير:
* *
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ﴾.
فقوله: "وَاسْتَكْبَرْتُمْ" معطوف على وكفرتم. وقوله: "على مثله": معناه عليه، كما قال:
﴿فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧]: أي: فإن آمنوا بمثل القرآن وجواب "أرأيتم" محذوف.
دلّ عليه ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ والتقدير أضلكم الله بفعلكم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين.
وقيل التقدير فآمن واستكبرتم أليس قد ظلمتم، إن الله لا يهدي [القوم] الظالمين.
و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ لفظ موضوع للسؤال والاستفتاء، ويكون للتنبيه ولذلك لا يقتضي مفعولاً به.
46:11–16Page 503
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡ كَانَ خَيۡرٗا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيۡهِۚ وَإِذۡ لَمۡ يَهۡتَدُواْ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَآ إِفۡكٞ قَدِيمٞ ١١
And those who disbelieve say of those who believe, "If it had [truly] been good, they would not have preceded us to it." And when they are not guided by it, they will say, "This is an ancient falsehood."
وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةٗۚ وَهَٰذَا كِتَٰبٞ مُّصَدِّقٞ لِّسَانًا عَرَبِيّٗا لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُحۡسِنِينَ ١٢
And before it was the scripture of Moses to lead and as a mercy. And this is a confirming Book in an Arabic tongue to warn those who have wronged and as good tidings to the doers of good.
إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٣
Indeed, those who have said, "Our Lord is Allāh," and then remained on a right course - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤
Those are the companions of Paradise, abiding eternally therein as reward for what they used to do.
وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٥
And We have enjoined upon man, to his parents, good treatment. His mother carried him with hardship and gave birth to him with hardship, and his gestation and weaning [period] is thirty months. [He grows] until, when he reaches maturity and reaches [the age of] forty years, he says, "My Lord, enable me1 to be grateful for Your favor which You have bestowed upon me and upon my parents and to work righteousness of which You will approve and make righteous for me my offspring. Indeed, I have repented to You, and indeed, I am of the Muslims."
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمۡ فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَعۡدَ ٱلصِّدۡقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ١٦
Those are the ones from whom We will accept the best of what they did and overlook their misdeeds, [their being] among the companions of Paradise. [That is] the promise of truth which they had been promised.
قوله: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾.
من جعل الشاهد عبد الله بن سلام أو غيره من مؤمني بني إسرائيل، كان المعنى عنده: وقال الذين كفروا من بني إسرائيل للذين آمنوا بمحمد عليه السلام منهم: لو كان إيمان هؤلاء بمحمد ﷺ خيراً ما سبقونا إلى ذلك.
ومن جعل الشاهد في هذه الآية موسى ﷺ كان المعنى عنده: وقال مشركو قريش لمن آمن منهم بمحمد ﷺ: لو كان الإيمان بمحمد ﷺ خيراً ما سبقنا هؤلاء إليه، وهذا التأويل قول قتادة.
قال: ذلك ناس من المشركين، قالوا: نحن أعز به ونحن ونحن، فلو كان الإيمان بمحمد ﷺ خيراً ما سبقنا إليه فلان وفلان يعنون عماراً وبلالاً وصهيباً وأصنافهم، فأنزل الله جل ذكره: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ١٠٤].
قال الحسن: أسلم "أسلم" "وغفار" فقالت قريش: لو كان خيراً ما سبقونا إليه.
وقال الزجاج: أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار، فقال بنو عامر وغطفان وأشجع وأسد: لو كان ما دخل فيه هؤلاء من الدين خيراً ما سبقونا إليه، إذ نحن أعز منهم وإنما هؤلاء رعاة البهم.
وفي قوله: ﴿سَبَقُونَآ﴾ خروج من خطاب إلى غيبة، ولو جرى على صدر الكلام في الخطاب لقال: ما سبقتمونا، ولكنه كلام فصيح حسن كثير في كلام العرب والقرآن، ويجوز أن يكون قال: ﴿مَّا سَبَقُونَآ﴾ على أن يكون قاله الكفار لبعض المؤمنين، فيكون على بابه لم يخرج من شيء إلى شيء، فقيل: إنه قول وقع في أنفسهم ولم يقولوه ظاهراً بأفواههم.
* *
وقوله: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ﴾.
أي: بمحمد ﷺ وبما جاء به ﴿فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾.
أي: هذا القرآن أكاذيب من أخبار الأولين قديمة.
* *
ثم قال: ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً﴾.
أي: ومن قبل هذا القرآن كتاب موسى أنزلناه عليه، "فالهاء" تعود على القرآن المتقدم ذكره في قوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ [الأحقاف: ٩] وهو التوراة إماماً لبني إسرائيل يأتمون به، ورحمة لهم.
* *
ثم قال: ﴿وَهَـٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ﴾ يعني: القرآن مصدق للتوراة.
وقيل: مصدق لمحمد ﷺ وما جاء به.
* *
وقوله: ﴿لِّسَاناً عَرَبِيّاً﴾ نصبه على الحال من المضمر في ﴿مُّصَدِّقٌ﴾.
وقيل: هو حال من ﴿كِتَابٌ﴾ لأنه لما نعت قرب من المعرفة فحسنت الحال منه.
وقيل: هو منصوب "بمصدق"، وفيه بعد؛ لأنه يصير المعنى أن القرآن يصدق نفسه، فيصير التقدير: وهذا القرآن مصدق نفسه؛ لأن اللسان العربي هنا هو القرآن، وهذا المعنى ناقص إذا تأملته.
وقيل: "اللسان" هنا عني به محمد ﷺ، فعلى هذا المعنى يحسن نصب "لسان" "بمصدق"، كأنه قال: وهذا القرآن مصدق محمداً ﷺ.
ويجوز أن يكون في الكلام حذف مضاف. والتقدير: وهذا كتاب مصدق صاحب لسان عربي، وهو محمد ﷺ، وهذا قول حسن وتأويل صحيح.
* *
ثم قال: ﴿لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: لينذر [أهل] الكتاب الذين ظلموا.
وقيل معناه: لينذر محمد ﷺ بالقرآن الذين ظلموا، وهذا التأويل على قراءة من قرأ لينذر [بالياء، فأما على قراءة من قرأ بالتاء فلا يكون إلا لمحمد ﷺ، والمعنى: لتنذر يا] محمد الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله سبحانه.
* *
﴿وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ﴾.
أي: وهو بشرى للذين أطاعوا الله عز وجل فأحسنوا لأنفسهم في فعلهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ﴾.
أي قالوا: لا إله إلا الله، ثم استقاموا على ذلك فأطاعوا الله عز وجل فأحسنوا لأنفسهم في فعلهم حتى ماتوا فلا خوف عليهم من فزع يوم القيامة، ولا هم يحزنون على ما خلفوا بعدهم في الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾.
أي: هؤلاء الذين تقدمت صفتهم هم أصحاب الجنة ماكثين فيها جزاء لهم من الله عز وجل بأعمالهم الصالحة.
* *
ثم قال تعالى ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ [كُرْهاً]﴾.
أي: ووصينا ابن آدم بوالديه الحسنى في صحبته إياهما أيام الدنيا، والبر بهما حياتهما وبعد مماتهما لما لقيانه في حمله وتربيته، ثم بيّن ما لقيا منه من التعب فقال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً﴾ أي: بمشقة، ووضعته بمشقة.
قال أبو محمد (مؤلفه رضي الله عنه): فبر الوالدين أعظم ما يتقرب به إلى الله جل ذكره، وعقوقهما من أعظم الكبائر المهلكات، وقد تقدم القول في ذلكما في "سبحان" وبيّنه الله عز وجل بقوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣].
فنهى الله عز وجل الولد أن يقول أف إذا شم منهما رائحة يكرهها، فالنهي لما فوق ذلك أعظم، وهذا باب مختصر في الحض على بر الوالدين.
روى ابن مسعود أن النبي ﷺ سئل أي الأعمال أفضل قال: "الإيمان بالله، والصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل الله"
وروى مورق العجلي أن النبي ﷺ قال: "هل تعلمون نفقة أفضل من نفقة في سبيل الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: نفقة الولد على الوالدين
وروى أبو هريرة، أن النبي ﷺ قال: "ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن، دعوة الوالدين، ودعوة المسافر [ودعوة] المظلوم
وفي رواية أخرى: ودعوة الإمام العادل في موضع، ودعوة المظلوم
قال الحسن: دعاء الوالدين للولد نجاة، ودعاؤهما عليه استيصال.
قال: وعن المسيب "أن النبي ﷺ صعد يوماً المنبر فلما وضع رجله على الدرجة الأولى قال: آمين، ثم وضع رجله على الدرجة الثانية فقال: آمين، ثم وضع رجله على الدرجة الثالثة فقال: آمين، فلما فرغ من خطبته ذكروا له ذلك فقال: إن جبريل استقبلني حين وضعت رجلي على الدرجة الأولى، فقال: من أدرك أبويه أو أحدهما فلم يغفر له فأبعده الله، قل آمين، فقلت: آمين، فلما صعدت إلى الثانية قال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فأبعده الله، قل آمين، فقلت: آمين، فلما صعدت إلى الثالثة، قال: ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك فأبعده الله قل آمين، فقلت: آمين
وروى مجاهد يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "كل شيء بينه وبين الله حجاب إلا شهادة أن لا إله إلا الله، ودعوة الوالدين
وعن الحسن أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال له إني حججت، وإن والدتي قد آذنت لي في الحج، فقال [له]: "لقعدة معها تقعدها على مائدتها أحب إلي من حجتك"
وروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعده
وقال عمر رضي الله عنه "من أراد أن يصل أباه بعد موته فليصل إخوان أبيه بعده".
وعن النبي عليه السلام أنه قال: "ودك ود أبيك لا تقطع من كان يصل أباك فيطفأ بذلك نورك
وعن النبي ﷺ أنه قال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، واليمين الغموس
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: "إن من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه، قيل: وكيف يسب الرجل والديه، قال: يسب أبا الرجل، فيسب أباه ويسب أمه [فيسب أمه]
وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "أربعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، عَاقٌّ، وَمَنَّانٌ، وَمُدْمِنُ خَمْرٍ، وَمُكَذِّبٌ بِقَدَر
قال الحسن: انتهت القطيعة إلى أن يجافي الرجل أباه عند السلطان، يعني يخاصمه، ويروى أن النبي ﷺ قال: "الأم أعظم حق في البر والطاعة من الأب
وعن الحسن أنه قال: (ثلثا البر الطاعات للأم والثلث للأب).
وروى أبو هريرة: "أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق مني بحسن الصحبة، قال: أمك، قال ثم من، قال: أمك ثلاثاً، قال: ثم من؟ قال: أباك
وقد قرن الله جل ذكره شكره بشكر الوالدين فقال: ﴿أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤].
وقال كعب الأحبار: قال لقمان لابنه "يا بني من أرضى والديه فقد أرضى الرحمن ومن أسخطهما فقد أسخط الرحمن يا بني إنما الوالدان باب من أبواب الجنة، فإن رضيا مضيت إلى الجنان وإن سخطا حجبت".
وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوك فيعتقه
وقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ [بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَاناً]﴾.
يقال إن الإنسان ها هنا إنسان بعينه، وليس كل إنسان حمله وفصاله ثلاثون شهراً، بل يزيدون وينقصون، وليس كل من بلغ أشده يقول: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ﴾.
وقيل: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما. والذي عليه أكثر الناس أنها عامة على الأكثر من الناس في الحمل والفصال.
* *
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ﴾.
هذه صفة المؤمن وما يجب له أن يقول، فهو وإن لم يقل ذلك فذلك اعتقاده ومذهبه، وذلك ما يجب له أن يقول.
قال (قتادة والحسن ومجاهد): المعنى حملته مشقة ووضعته مشقة، و "حُسْناً" في مصاحف الحرمين والشام والبصرة بغير ألف قبل الحاء، وعلى ذلك أجمع القراء في سورة "العنكبوت"، وهو في مصاحف الكوفيين بألف، وعلى ذلك أجمع القراء في قوله: ﴿وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾، فالقراءتان متكافئتان، إذ في كتاب الله لكل واحدة مثال، فجمع عليه.
وقرأ عيسى بن عمر "حَسَناً" بفتح الحاء والسين على معنى فعلاً حسناً، ولا يجوز حُسْنَى بغير تنوين؛ لأن هذا لم تتكلم به العرب بألف التأنيث إلا بالألف واللام في أوله نحو الحُسْنَى والفُضْلى، وإِحْسَانٌ مصدر أَحْسَن، وَحَسَنَ بمعناه، وَكَرْهاً مصدر في موضع الحال.
وزعم أبو حاتم أن القراءة بفتح الكاف لا تحسن؛ لأن الكره بالفتح: الغصب والقهر، وبالضم المكروه، فبالضم يتم المعنى عنده، وذكر أن بعض العلماء سمع رجلاً يقرأ بفتح الكاف فقال له لو حَمَلته كرها (لَرَمَتْ بِهِ) لأن الكره عنده الغضب والقهر.
وهما عند أكثر العلماء غيره لغتان مشهورتان بمعنى واحد، ومعناه المشقة. والفتح عند المبرد وسيبويه أولى به لأنه المصدر بعينه.
وقد حكى سيبويه والخليل أن كل فعل ثلاثي فمصدره فَعْلٌ، واستدلا على ذلك أنك إذا رددته إلى المرة الواحدة جاء مفتوحاً، تقول: قَامَ قَوْمَةً، وَذَهَبَ ذَهْبَةً، والذهاب عندها اسم للمصدر، لا مصدر، فكذلك الكره بالضم إنما هو اسم للمصدر، والكره بالفتح هو المصدر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً﴾.
أي: ومدة حمل أمه له وفصالها إياه من الرضاع ثلاثون شهراً. وهذا مما استدل به العلماء على أن أقل الحمل ستة أشهر؛ لأنه قد قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فأخبر بمدة الرضاعة الكاملة، فالذي يبقى من الثلاثين شهراً التي ذكر الله هنا هو ستة أشهر فهي للحمل.
وقرأ الجحدري "وَحَمْلُهُ وَفَصْلُهُ". ورويت عن الحسن.
والفصال والفصل مصدران. يقال فَصَلَهُ فِصَالاً وَفَصْلاً، والفَصْلُ على مذهب سيبويه هو المصدر، والفِصَال اسم للمصدر على ما تقدم.
وهذا النص مخصوص غير عام، إنما هو في أكثر الناس لأن منهم من يقيم في الحمل أكثر من ثلاثين شهراً، والفصل بعد ذلك، وقد قيل إنه إنسان بعينه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ "أشُدَّهُ" عند سيبويه جمع شدة، وقد ذكر شرحه في "يُوسُف" بأبين من هذا.
قال ابن عباس: الأشد ثلاث وثلاثون سنة، والاستواء أربعون سنة، والعمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة.
وقال الشعبي: الأشد بلوغ الحُلُم، وذلك إذا كتبت لك الحسنات وعليك السيئات.
وقيل: الأشد ثماني عشرة سنة.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ (وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحاً)﴾.
أي: قال هذا الإنسان الذي هداه الله لرشده، وعرف حق الله في بره والديه، أَعِني على شكر نعمتك التي أنعمت علي، وتعريفي توحيدك وهدايتك إياي للعمل بطاعتك وعلى والدي من قبلي.
وَأَصْلُ أَوْزِعَنِي: مِن وَزَعْتُ الرَجُل على كذا: إِذَا دَفَعْتُه إِلَيْهِ.
وكان أبو بكر بن عياش يقول هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فلم يكفر له أب ولا أم بل أسلما. قال أوزعني: معناه ألهمني، روي "أنه لما بلغ أشده ثماني عشرة سنة صحب النبي ﷺ والنبي عليه السلام ابن عشرين سنة، وسافر معه إلى الشام في تجارة فنزلا منزلاً فيه سدرة، فقعد النبي ﷺ في ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب بجوار الموضع يقال له بحيرى فسأله أبو بكر رضي الله عنه عن الدين وتحدث معه، فقال له الراهب: من الرجل الذي في ظل السدرة؟ فقال له أبو بكر: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب فقال له الراهب: هذا والله نبي، والله ما استظل تحتها أحد بعد عيسى ابن مريم إلا محمد ﷺ، فلما بعث النبي عليه السلام وهو ابن أربعين سنة وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين سنة، آمن به وصدّقه وصحبه، ففيه نزلت الآيات.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحاً تَرْضَٰهُ﴾.
أي: وأوزعني أن أعمل عملاً صالحاً يرضيك عني. ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ﴾.
أي: وأصلح لي أموري في ذريتي الذين وهبتم لي بأن تجعلهم على الهدى واتباع مرضاتك.
﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ أي: تبت إليك من الذنوب التي سلفت مني.
* *
﴿وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ أي: من الخاضعين لك بالطاعة، المسلمين لأمرك ونهيك ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾.
أي: والذين هذه صفتهم يتقبل الله منهم أحسن أعمالهم فيجازيهم عليها ويصفح عن سيئاتهم... وقوله: ﴿فِيۤ أَصْحَابِ ٱلْجَنَّةِ﴾.
أي: يفعل بهم ذلك فعله في أصحاب الجنة.
* *
ثم قال: ﴿وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾.
أي: وعدهم وعد الحق لا شك فيه أنه موف لهم بذلك.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences