Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic
الطور
At-Tur
The Mount · Meccan · 49 ayahs
52:1–8Page 523
وَٱلطُّورِ ١
By the mount
وَكِتَٰبٖ مَّسۡطُورٖ ٢
And [by] a Book inscribed1
فِي رَقّٖ مَّنشُورٖ ٣
In parchment spread open
وَٱلۡبَيۡتِ ٱلۡمَعۡمُورِ ٤
And [by] the frequented House1
وَٱلسَّقۡفِ ٱلۡمَرۡفُوعِ ٥
And [by] the ceiling [i.e., heaven] raised high
وَٱلۡبَحۡرِ ٱلۡمَسۡجُورِ ٦
And [by] the sea set on fire,1
إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٞ ٧
Indeed, the punishment of your Lord will occur.
مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٖ ٨
Of it there is no preventer.
قوله: ﴿وَٱلطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾ إلى قوله: ﴿مِن دَافِعٍ﴾ الآيات.
هذه الأقسام أقسم الله عز وجل بها أن عذابه لحال واقع لا بد منه. والتقدير: ورب الطور، ورب كتاب مسطور.
فالطور جبل، قال نوف: أوحى الله إلى الجبال إني نازل على جبل منكم فارتفعت وشمخت، إلا الطور فإنه تواضع وقال: أرضى بما قسم الله [لي]، فكان الأمر عليه.
وقيل هو بمدين وهو طور سيناء.
قال مجاهد: الطور الجبل بالسريانية.
* *
وقوله: ﴿وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾ رواه أحمد بن صالح عن نافع بالصاد، وأكثر الرواة عنه بالسين كالجماعة على خط المصحف، والسين هو الأصل، وإنما جاز فيها الصاد لأجل الطاء التي بعدها ليكون النطق (بمطبق مستقر قبل مطبق مجهور) والسين مهموسة وليست بمطبقة، فاللفظ بها قيل: حرف مجهور فيه تكلف واختلاف في عمل اللسان، وإذا قرأت بالصاد لم يكن فيه تكلف، إذ عمل اللسان في الحرفين عمل واحد في تصعد، وإذا قرأت بالسين كان عمل اللسان في تسفل ثم يتصعد بعد ذلك، ففيه بعض المشقة ولهذا نظائر كثيرة قد مضت.
ومعنى المسطور: المكتوب.
﴿فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ﴾ وهو الصحيفة، قيل يعني به ما تكتب الحفظة وتستنسخ من أعمال بني آدم التي سبقت في علم الله عز وجل قبل خلقه لهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ﴾ أي: يعمر بكثرة الدعاء والغشيان، روى أنه بيت في السماء بحيال الكعبة من الأرض يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة ثم لا يعودون فيه أبداً.
وروي أنه كذلك في كل سماء بيت يقابل الذي تحته، وكلها تقابل الكعبة.
وعن ابن عباس أنه كان يقول: إن لله عز وجل في السماوات والأرضين خمسة عشر بيتاً، سبعة في الأرضين وسبعة في السماوات والكعبة محادية كلها.
روي أن النبي ﷺ قال: "رفع لي البيت المعمور فقلت: يا جبريل ما هذا؟ قال: البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: البيت المعمور بيت في السماء يقال له الضراح وهو بحيال الكعبة من فوقها حرمته في السماء كحرمة الكعبة في الأرض يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة لا يعودون فيه أبداً.
وعنه قال: هو في السماء السادسة.
وعن ابن عباس أنه قال: هو بيت حذاء العرش.
* *
وقوله: ﴿وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ﴾ يعني به السماء. كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ [الأنبياء: ٣٢] وقوله: ﴿وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ﴾.
قال مجاهد: المسجور الموقد، ومثله ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] أي: أوقدت من شجرة التنور إذا أوقدت، وهو قول ابن زيد.
وسأل علي بن أبي طالب رجلاً من اليهود فقال له: أين جهنم، فقال اليهودي: في البحر، فقال علي: ما أراه إلا صادقاً.
وقال قتادة: المسجور: المملوء بالماء. وقيل معناه: المملوء بالنار.
وقال ابن عباس: المسجور: الذي ذهب ماؤه، وسجره: ذهب مائه حين يفجر.
وعن ابن عباس أيضاً المسجور: المحبوس.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هو بحر تحت العرش.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ﴾ أي: هو كائن ليس له راد يرده عن الكفار يوم القيامة، "وَإِنَّ" هي جواب القسم.
52:9–23Page 523
يَوۡمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوۡرٗا ٩
On the Day the heaven will sway with circular motion
وَتَسِيرُ ٱلۡجِبَالُ سَيۡرٗا ١٠
And the mountains will pass on, departing1 -
فَوَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ١١
Then woe, that Day, to the deniers,
ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي خَوۡضٖ يَلۡعَبُونَ ١٢
Who are in [empty] discourse amusing themselves.
يَوۡمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ١٣
The Day they are thrust toward the fire of Hell with a [violent] thrust, [its angels will say],
هَٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٤
"This is the Fire which you used to deny.
أَفَسِحۡرٌ هَٰذَآ أَمۡ أَنتُمۡ لَا تُبۡصِرُونَ ١٥
Then is this magic, or do you not see?
ٱصۡلَوۡهَا فَٱصۡبِرُوٓاْ أَوۡ لَا تَصۡبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٦
[Enter to] burn therein; then be patient or impatient - it is all the same for you. You are only being recompensed [for] what you used to do."
إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَعِيمٖ ١٧
Indeed, the righteous will be in gardens and pleasure,
فَٰكِهِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ وَوَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ ١٨
Enjoying what their Lord has given them, and their Lord protected them from the punishment of Hellfire.
كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٩
[They will be told], "Eat and drink in satisfaction for what you used to do."
مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ سُرُرٖ مَّصۡفُوفَةٖۖ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ ٢٠
They will be reclining on thrones lined up, and We will marry them to fair women with large, [beautiful] eyes.
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ كُلُّ ٱمۡرِيِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ ٢١
And those who believed and whose descendants followed them in faith - We will join with them their descendants, and We will not deprive them of anything of their deeds.1 Every person, for what he earned, is retained.2
وَأَمۡدَدۡنَٰهُم بِفَٰكِهَةٖ وَلَحۡمٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ ٢٢
And We will provide them with fruit and meat from whatever they desire.
يَتَنَٰزَعُونَ فِيهَا كَأۡسٗا لَّا لَغۡوٞ فِيهَا وَلَا تَأۡثِيمٞ ٢٣
They will exchange with one another a cup [of wine] wherein [results] no ill speech or commission of sin.
قوله: ﴿يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ تَأْثِيمٌ﴾ الآيات.
معناه أن عذاب ربك يا محمد لحال بالكافرين في يوم تمور السماء موراً: أي: تدور وتتحرك.
قال مجاهد: تمور مَوْراً: تدور دوراً.
قال قتادة: مورها: تحركها.
وقال الضحاك: مورها: استدارتها وتحركها لأمر الله عز وجل موج بعضها في بعض.
وقال ابن عباس: مورها: تشققها.
وقيل: معنى تمور: تَتَكَّفأ كما تَتَكفَّأ السفينة حتى تذهب فلا تكون شيئاً، وتسير الجبال عن أماكنها كما تسير السحاب.
وقيل: ﴿وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً﴾، أي: تسير عن أماكنها من الأرض، فتصير هباءً منبثاً.
* *
ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: فالواد السائل من قيح وصديد في جهنم لهم، ودخلت الفاء في "فويل" لجواب الجملة التي قبلها؛ لأن الجملة فيها إبهام، فشابهت الشرط فجوبت بالفاء كما يجاب الشرط.
* *
ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ أي: في فتنة واختلاط في الدنيا غافلين لاهين عما هم صائرون إليه.
* *
ثم قال: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ أي: يدفعون ويرهقون إليها دفعاً.
* *
وقوله: ﴿هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ يقال هذه النار التي كنتم تكذبون وتجحدون، أي: ترِدونها وتصلونها.
* *
ثم قال: ﴿أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ﴾ أي: يقال لهم يوم القيامة حين يعاينون العذاب، [أفسحر هذا الذي وردتموه أم أنتم لا تعاينونه وهذا الكلام معناه التوبيخ والتقريع]، وتحقيق العطف أن معناه: "بل أنتم" فهو خروج من أمر إلى أمر، أي: لا تبصرون الحق، وقد كانوا يبصرون، لكنه توبيخ لهم وتقريع وتوقيف على صحة ما كانوا يكذبوا به من النار، فهو من بصر القلب لا من بصر العين.
* *
ثم قال: ﴿ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ﴾ أي: ذوقوا حر هذه النار فاصبروا على ألمها وشدتها أو لا تصبروا على ذلك، سواء عليكم أصبرتم أم جزعتم، لا بد لكم من الخلود فيها مجازاة لكم بأعمالكم في الدنيا وكفركم بالله سبحانه فلفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر عنهم دليله قوله بعد ذلك: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ﴾، أي: سواء عليكم الجزع والصبر.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ أي: إن الذين اتقوا الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه في بساتين ونعيم في الآخرة.
وقال الحسن: ﴿ٱلْمُتَّقِينَ﴾ هم الذين اتقوا ما حرم الله عليهم وأدوا ما أفترض عليهم.
وقال ابن عباس: إنما سمي المتقون المتقين لأنهم ذكروا الله عند طاعته فأخذوا بها تقية له، وذكروه عند معصيته فتركوها تقية له.
قال ميمون بن مهران: [لا يكون العبد تقياً حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه].
وقال الحسن: من اتقى الشرك فهو متق، ولو زاد الحسن في قوله "والكبائر" لكان قولاً مختاراً.
وقال أبو الدرداء: تمام التقوى أن يتقي العبد الله حتى يتقيه في مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خيفة أن يكون حراماً فيكون حجاباً بينه وبين الحرام، فأن الله قد بين للعباد ما هم صائرون إليه. وقال: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧-٨]، فلا تحقرن شيئاً من الشر أن تتقيه، ولا شيئاً من الخير أن تفعله.
وقوله ﴿فَاكِهِينَ بِمَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾.
أي: عندهم فاكهة كثيرة. تقول العرب: هو رجل تامر ولابن: إذا كان عنده تمر كثير ولبن.
وقيل معنى فاكهين: طيبي الأنفس، ضاحكين بما أعطاهم ربهم في الآخرة من النعيم وبما دفع عنهم من عذاب النار.
* *
ثم قال: ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ أي: يقال لهم كلوا واشربوا في الجنة هنيئاً، لا تخافون انتقالاً ولا موتاً ولا هرماً ولا مرضاً جزاء لهم بعملكم في الدنيا.
﴿مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [أي]: على نمارق وعلى سرر جعلت صفوفاً. وترك ذكر "النمارق" لدلالة الكلام عليها .
* *
ثم قال: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أي: جعلنا للذكور من هؤلاء، المتقين أزواجاً بحور عين قربناهم بهم.
والحور: جمع حوراء، وهي الشديدة بياض مقلة العين في شدة سواد الحدقة.
والعين: جمع عيناء، وهي العظيمة العين في حسن سعة.
قال الضحاك: ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾، بيض حسان العيون . والحَوَرُ في اللغة: البياض، ومنه قيل الحواري، وقيل: للقصار حوار، ولصفوة الأنبياء حواريون.
﴿مَّصْفُوفَةٍ﴾: تمام عند نافع.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾.
قال ابن عباس: هو المؤمن (يرفع الله ذريته) لتقر بذلك عينه وإن كانوا دونه في العمل.
وعن ابن عباس أنه قال: المؤمن تتبعه ذريته بإيمان يلحق الله به ذريته الصغار التي لم تبلغ الإيمان.
وروى عبادة بن الصامت عن كعب الأحبار أنه قال: والذي نفسي بيده إن أطفال المسلمين ليقدسون حول العرش، ويسبحون، ويحمدون الله، وما من أحد أكرم على الله عز وجل منهم، فإذا كان يوم القيامة يقول الله تبارك وتعالى: ادخلوا الجنة فيقولون: ربَّنا وآباؤنا، فيقال لهم ويقولون ثلاث مرات: وآباؤنا فيقول الله عز وجل في الثالثة: ادخلوا الجنة وآباؤكم معكم.
* *
قوله: ﴿وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ أي: ولم ينقص الآباء من عملهم شيئا.
وقال الضحاك معناها: من أدرك ذريته الإيمان فعمل بطاعتي ألْحقتهم بآبائهم في الجنة، وأولادهم الصغار أيضاً على ذلك.
وقال ابن زيد بمثل هذا القول إلا أنه جعل الهاء، والميم في ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ﴾ من ذكر الذرية، فالمعنى عنده: والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بالإيمان [ألحقنا بالذرية] أبناءهم الصغار الذين لم يلحقوا الإيمان ولم يبلغوا العمل.
وقيل المعنى: إن الله عز وجل ذكره ليضل (الذرية الجنة) بعمل الآباء إذا كانوا مؤمنين من غير أن ينقص الآباء من أجرهم شيئاً، قاله عامر وابن جبير.
وقال النخعي: يعطي الله ذرية الرجل إذا اتبعوه على الإيمان من الأجر مثل ما أعطاه الآباء من غير أن ينقص الآباء شيئاً من أجرهم. وقاله الربيع.
وقال قتادة: عملت الذرية بطاعة الله، فألحقهم الله بآبائهم وما نقص الآباء من أجورهم شيئاً.
* *
ثم قال: ﴿كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ أي: كل إنسان مرتهن بما عمل من خير وشر، لا يؤاخذ أحد بذنب غيره.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أي: أمددنا هؤلاء الذين اتبعتهم ذريتهم بإيمان مع ذرياتهم بفاكهة وبلحم مما يشتهون من اللُّحمان.
* *
ثم قال: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً﴾ أي: يتعاطون في الجنة كأس الشراب، ويتناولونه بينهم. لا لغو في الكأس: أي: لا يلغو من شربها كما تفعل خمر الدنيا.
﴿وَلاَ تَأْثِيمٌ﴾ أي: ولا يأثم من شربها كما يأثم من شرب خمر الدنيا.
وقيل: التأثيم هنا: الكذب، واللغو: الباطل.
52:24–49Page 524
۞ وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ غِلۡمَانٞ لَّهُمۡ كَأَنَّهُمۡ لُؤۡلُؤٞ مَّكۡنُونٞ ٢٤
There will circulate among them [servant] boys [especially] for them, as if they were pearls well-protected.
وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٢٥
And they will approach one another, inquiring of each other.
قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا قَبۡلُ فِيٓ أَهۡلِنَا مُشۡفِقِينَ ٢٦
They will say, "Indeed, we were previously among our people fearful [of displeasing Allāh].
فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ ٢٧
So Allāh conferred favor upon us and protected us from the punishment of the Scorching Fire.
إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلُ نَدۡعُوهُۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡبَرُّ ٱلرَّحِيمُ ٢٨
Indeed, we used to supplicate1 Him before. Indeed, it is He who is the Beneficent, the Merciful."
فَذَكِّرۡ فَمَآ أَنتَ بِنِعۡمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٖ وَلَا مَجۡنُونٍ ٢٩
So remind, [O Muḥammad], for you are not, by the favor of your Lord, a soothsayer or a madman.
أَمۡ يَقُولُونَ شَاعِرٞ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيۡبَ ٱلۡمَنُونِ ٣٠
Or do they say [of you], "A poet for whom we await a misfortune of time"?1
قُلۡ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُتَرَبِّصِينَ ٣١
Say, "Wait, for indeed I am, with you, among the waiters."
أَمۡ تَأۡمُرُهُمۡ أَحۡلَٰمُهُم بِهَٰذَآۚ أَمۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ ٣٢
Or do their minds1 command them to [say] this, or are they a transgressing people?
أَمۡ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُۥۚ بَل لَّا يُؤۡمِنُونَ ٣٣
Or do they say, "He has made it up"? Rather, they do not believe.
فَلۡيَأۡتُواْ بِحَدِيثٖ مِّثۡلِهِۦٓ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ ٣٤
Then let them produce a statement like it, if they should be truthful.
أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٣٥
Or were they created by nothing, or were they the creators [of themselves]?
أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ ٣٦
Or did they create the heavens and the earth? Rather, they are not certain.
أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمۡ هُمُ ٱلۡمُصَۜيۡطِرُونَ ٣٧
Or have they the depositories [containing the provision] of your Lord? Or are they the controllers [of them]?
أَمۡ لَهُمۡ سُلَّمٞ يَسۡتَمِعُونَ فِيهِۖ فَلۡيَأۡتِ مُسۡتَمِعُهُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٣٨
Or have they a stairway [into the heaven] upon which they listen? Then let their listener produce a clear authority [i.e., proof].
أَمۡ لَهُ ٱلۡبَنَٰتُ وَلَكُمُ ٱلۡبَنُونَ ٣٩
Or has He daughters while you have sons?
أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرٗا فَهُم مِّن مَّغۡرَمٖ مُّثۡقَلُونَ ٤٠
Or do you, [O Muḥammad], ask of them a payment, so they are by debt burdened down?
أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَيۡبُ فَهُمۡ يَكۡتُبُونَ ٤١
Or have they [knowledge of] the unseen, so they write [it] down?
أَمۡ يُرِيدُونَ كَيۡدٗاۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلۡمَكِيدُونَ ٤٢
Or do they intend a plan? But those who disbelieve - they are the object of a plan.
أَمۡ لَهُمۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٤٣
Or have they a deity other than Allāh? Exalted is Allāh above whatever they associate with Him.
وَإِن يَرَوۡاْ كِسۡفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطٗا يَقُولُواْ سَحَابٞ مَّرۡكُومٞ ٤٤
And if they were to see a fragment from the sky falling,1 they would say, "[It is merely] clouds heaped up."
فَذَرۡهُمۡ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصۡعَقُونَ ٤٥
So leave them until they meet their Day in which they will be struck insensible -
يَوۡمَ لَا يُغۡنِي عَنۡهُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤٦
The Day their plan will not avail them at all, nor will they be helped.
وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَابٗا دُونَ ذَٰلِكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٧
And indeed, for those who have wronged is a punishment1 before that, but most of them do not know.
وَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعۡيُنِنَاۖ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ٤٨
And be patient, [O Muḥammad], for the decision of your Lord, for indeed, you are in Our eyes [i.e., sight]. And exalt [Allāh] with praise of your Lord when you arise
وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَإِدۡبَٰرَ ٱلنُّجُومِ ٤٩
And in a part of the night exalt Him and after [the setting of] the stars.
قوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي: يطوف على هؤلاء الذين تقدمت صفتهم غلمان لهم كأنهم اللؤلؤ المكنون في بياضه وصفائه. والمكنون: المصون، أي: يطوفون عليهم في الجنة بكؤوس الشراب الذي تقدمت صفته.
قال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: والذي نفسي بيده إن فضل الخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب
ثم قال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: أقبل بعض المؤمنين يسأل عن حال بعض.
قال ابن عباس: يتساءلون حين بعثوا في النفخة الثانية. قيل: إنهم يقول بعضهم لبعض ما صيرك إلى هذه المنزلة الرفيعة.
* *
ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أي: قال بعضهم لبعض: إنا كنا من قبل في الدنيا مشفقين خائفين من عذاب الله عز وجل فمنَّ الله علينا بفضله، فغفر الصغائر وترك المحاسبة على النعم المستغرقة للأعمال.
قال النبي ﷺ: "لا يدخل أحد الجنة بعمله" قيل: ولا أنت يا رسول الله، قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته"
ثم قال: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ أي: (عذاب النار) وأدخلنا الجنة. وقيل معناه إذا أمر الكفار بالانطلاق إلى ظل ذي ثلاث شعب من دخان النار أمر بالمؤمنين إلى ظل من ظل الله، فتقف كل طائفة في الظل الذي أمرت به إليه حتى يفرغ من الحساب، فعند ذلك يقول المؤمنون: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ وهو الظل ذو ثلاث شعب.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ هذا كله قول المؤمنين، أي: كنا في الدنيا نعبده، ونخلص العمل له ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ﴾ أي: اللطيف بعباده، الرحيم بخلقه أن يعذبهم بعد توبتهم.
* *
ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ أي: فذكر يا محمد من أرسلناك إليهم من قومك وعظهم فلست بفضل ربك عليك بكاهن كما يقول المشركون ولا بمجنون، ولكن رسول الله.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ أي: بل يقول المشركون في محمد ﷺ هو شاعر نتربص به حوادث الدهر تكفيناه بموت أو بحادثة متلفة.
قال ابن عباس: إن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي ﷺ، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به الموت حتى يهلك كما هلك قبله من الشعراء، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ والمنون: الموت، وهو واحد لا جمع له، قاله الأصمعي.
وقال الأخفش: المنون: جمع لا واحد له.
وقال الفراء: هو الواحد والجمع. والدهر يسمى بالمنون لأنه يذهب بمنة الحيوان، أي: بقوتها.
وقال أبو عبيدة: قيل للدهر "منون" لأنه مضعف من قولهم "حبل منين" إذا كان بالياً ضعيفاً.
* *
ثم قال: ﴿قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ﴾ أي: قل لهم يا محمد انتظروا وتمهلوا في ريب المنون، فإني متربص معكم حتى يأتي أمر الله تعالى فيكم وفيّ.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ﴾ أي: أم تأمرهم عقولهم وألبابهم بأن يقولوا لمن جاءهم بالحق شاعر ومجنون، بل هم قوم طاغون.
وقيل: المعنى: أم تأمرهم عقولهم بأن يعبدوا الأصنام ويتركوا عبادة خالقهم ورازقهم بل هم قوم قد طغوا وبغوا فتجاوزوا أمر ربهم و "أَمْ" في هذا كله بمعنى "بل".
* *
ثم قال: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ أي: فليأت قائلو ذلك من المشركين بقرآن مثله فيكونوا صادقين في قولهم أن محمداً تقَوَّلَهُ.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ "أم" في موضع الألف، والتقدير: أخلق هؤلاء المشركون من غير آباء وأمهات، فهم كالجماد لا يعقلون ولا يفقهون لله حجة، ولا يتَّعظون بموعظة.
وقيل المعنى: أخلقوا من غير صانع صنعهم ودبرهم، فهم لا يقبلون من أحد، أم هم الخالقون للأشياء، فلذلك لا يأتمرون لأمر الله سبحانه. وقيل المعنى: أم هم الخالقون لأنفسهم.
وقيل معنى الآية: أم خلقوا لغير شيء؛ أي: أَخلقوا عبثاً لا يؤمرون ولا ينهون.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ﴾ أي: أفعلوا ذلك فيكونوا هم الخالقون.
ومعناه لم يخلقوا ذلك [بل] لا يوقنون؛ أي: لا يعلمون ما يلزمهم.
وقيل المعنى: لم يتركوا قبول أمر ربهم لأنهم خلقوا السماوات والأرض ولكنهم تركوه لأنهم لا يوقنون بوعيد الله سبحانه، وما أعد من العذاب لمن عصى أمره، فهم يكفرون ويعصون؛ لأنهم لا يوقنون بالعقاب والمجازات.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي: أعندهم عطاء ربك فيستغنوا عنه، فيعرضوا عن أمره ونهيه أم هم المصيطرون.
قال ابن عباس: المصيطرون: المسلطون، وعنه: المتولون.
وقال أبو عبيدة: أم هم الأرباب، يقال: تسيطرت علي، أي: أتَّخذتني خولاً لَكَ. وقيل المعنى: أم هم الجبارون.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: ألهم سلم (يرتقون) فيه إلى السماء يستمعون الوحي فيكونوا قد سمعوا صواب ما هم عليه من الكفر فيستمسكوا به، فإن كانوا يدعون ذلك، فليأتِ من يزعم أنه استمع بحجة تبين أنها حق.
ثم قال: ﴿أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ﴾ أي: ألِربكم أيها المشركون البنات ولكم البنون كما تزعمون، هذه قسمة ضيزى.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ أي: أتسألهم يا محمد جعلاً على دعائك إياهم فتثقل عليهم إجابتك لذلك.
قال قتادة: معناه هل سألت يا محمد هؤلاء القوم أجراً فجهدتهم فلا يستطيعون الإسلام.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي: هم لا يعلمون الغيب فكيف يقولون لا نؤمن برسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويقولون شاعر نتربص به ريب المنون، فهم يكتبون؛ أي: يكتبون للناس ما أرادوا ويخبرونهم به.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً﴾ أي: أراد هؤلاء المشركون بدين الله وبرسوله كيداً، أي: مكراً وخديعة.
﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ﴾ أي: هم الممكور بهم المهلكون دون محمد ودينه ومن آمن به.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: ألهم معبود يرزقهم ويخلقهم وينفعهم ويضرهم غير الله، سبحان الله عما يشركون.
* *
ثم قال: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ أي: وإن ير هؤلاء المشركون قطعاً من السماء ساقطاً يقولوا هذا سحاب بعضه فوق بعض وهذا إنما عني به قول المشركين للنبي ﷺ: لن نؤمن لك حتى تفعل كذا وكذا وتسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً، فقال جل ذكره لنبيه عليه السلام وإن ير هؤلاء المشركون (ما سألوا من الآيات) لم ينتقلوا عمّا هم عليه من التكذيب، ولقالوا: إنما هو سحاب مركوم؛ أي: سحاب بعضه فوق بعض.
* *
ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أي: فدع يا محمد هؤلاء الكفار حتى يلاقوا يوم موتهم، والصعق: الموت وذلك عند النفخة الأولى.
﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: لا يغني عنهم مكرهم شيئاً، ولا ناصر لهم من عذاب الله عز وجل.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ﴾ قال ابن عباس وغيره: هو عذاب القبر.
وقال مجاهد: هو الجوع.
وقال ابن زيد: هو مصائب الدنيا للمؤمن أجرٌ وللكافر تعجيل عذاب. فالمعنى: لهؤلاء المشركين عذاب آخر (قبل يوم القيامة) وهو ما ذكرنا فلا يستعجلون به.
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ذلك أي: لا يؤمنون به فيعلمون أنه حال بهم.
قال ابن الماجشون: سمعت محمد بن المنكدر يقول: بلغني أن الله تبارك وتعالى يسلط على الكافر في قبره دابة عمياء في يدها سوط من حديد في رأسه جمرة مثل غرب الجمل يضربه إلى يوم القيامة لا تراه ولا تسمع صوته فترحمه. ومعنى غرب الجمل: هو الدلو الذي يسقى به الجمل.
* *
ثم قال: ﴿وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: امض يا محمد لأمر ربك وتبليغ ما أرسلت به فإنك بمرأى منا [ونحن نحوطك] ونحفظك.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي: حين تقوم من نومك قال: سبحان الله وبحمده، قاله سفيان.
وقيل المعنى: (إذا قمت إلى الصلاة) المفروضة فقل سبحان الله وبحمده. وقيل: تقول سبحانك اللهم وبحمدك.
وقيل التسبيح هنا تكبيرة الإحرام.
* *
ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾ يريد به صلاة العشاء الآخرة، وركعتا الفجر.
وعن ابن عباس أنه التسبيح في أدبار الصلوات، وأكثرهم على أن ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: وركعتا الفجر.
وعن النبي ﷺ أنه قال: "هما خير من الدنيا جميعاً
وقال الضحاك وابن زيد ﴿وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ﴾: صلاة الصبح بعينها وهو اختيار الطبري.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences