Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic
الأعراف
Al-A'raf
The Heights · Meccan · 206 ayahs
قوله: ﴿الۤمۤصۤ﴾.
قال الكسائي المعنى: هذا كتاب أنزل إليك.
وقال الفراء المعنى: الألف واللام والميم والصاد، كتاب.
ويلزم الفراء أن يكون بعد هذه الحروف - أبداً - كتاب وليس الأمر كذلك، ويلزمه ألاّ تكرر.
وقال ابن عباس معناه: أنا الله الملك الصادق.
وعنه معناه: أنا الله أفصِلُ.
وَرُوِيَ عنه: أنه اسم من أسماء الله، أقسم ربنا به.
وعن قتادة: هو اسم من أسماء القرآن.
7:2Page 151
كِتَٰبٌ أُنزِلَ إِلَيۡكَ فَلَا يَكُن فِي صَدۡرِكَ حَرَجٞ مِّنۡهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٢
[This is] a Book revealed to you, [O Muḥammad] - so let there not be in your breast distress therefrom - that you may warn thereby and as a reminder to the believers.
قوله: ﴿وَذِكْرَىٰ﴾.
في موضع رفع على العطف على: ﴿كِتَابٌ﴾ عند الكسائي.
و ﴿كِتَابٌ﴾ مرفوع بإضمار مبتدأ، أي: هذا كتاب.
وقيل: ﴿ذِكْرَىٰ﴾ مرفوعة على إضمار مبتدأ، وهو قول البصريين.
وقيل: هو في موضع نصب على العطف على المعنى؛ لأن المعنى: كتاب أنزلناه إليك، فعطف على "الهاء" المقدرة، وهو قول الكسائي أيضاً.
وقيل: نصبه على المصدر، وهو قول البصريين أيضاً.
وقيل: هو في موضع خفض على العطف، على معنى ﴿لِتُنذِرَ﴾؛ لأن معناه للإنذار وللذكرى.
و "الهاء" في: ﴿مِّنْهُ﴾، تعود على الكتاب.
وقيل: على الإنذار.
وقيل: على التكذيب الذي دلَّ عليه المعنى.
و ﴿لِتُنذِرَ بِهِ﴾، يراد به التقديم؛ أن "اللام" متعلقة بـ: ﴿أُنزِلَ﴾.
ومعنى الآية: هذا يا محمد، كتاب أنزلناه إليك، ﴿لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: يذكرون به الآخرة، فلا يكن في صدرك ضيق منه.
قال قتادة، ومجاهد الحرج هنا: الشك، المراد به المرسل إليهم لا النبي، وهو قول ابن عباس، وغيره.
وذكر الزجاج، وغيره: أن النبي، ﷺ، قال: "إني أخاف أن يثلغوا رأسي فيجعلوه كالخبزة
فالله أعلم نبيه، ﷺ، أنه في أمان منهم، فقال: ﴿وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
وكان منه هذا الخوف بمكة.
ومن رفع "الكتاب" بإضمار مبتدأ، أجاز الوقف على ﴿الۤمۤصۤ﴾.
ومن رفعه بـ: ﴿الۤمۤصۤ﴾، لم يقف عليها.
ومن رفع الكتاب بإضمار مبتدأ، أضمر للهجاء ما يرفعه، كأنه قال: هذه الحروف، هذا ﴿كِتَابٌ﴾.
7:3Page 151
ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۗ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٣
Follow, [O mankind], what has been revealed to you from your Lord and do not follow other than Him any allies. Little do you remember.
قوله: ﴿ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ الآية.
فمعنى الآية: قل، يا محمد، [لهم]: ﴿ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ﴾، وهو القرآن.
﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾، أي: أمر أولياء يأمرونكم بالكفر.
و "الهاء" في ﴿دُونِهِ﴾ للرب.
وقيل: لـ ﴿مَّا﴾.
ونصب قوله: ﴿قَلِيلاً﴾، على معنى يذكركم تذكيراً قليلاً، أو وقتاً قليلاً تذكركم.
وفي هذه الآية، دليل على ترك اتباع الآراء مع النص.
7:4Page 151
وَكَم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا فَجَآءَهَا بَأۡسُنَا بَيَٰتًا أَوۡ هُمۡ قَآئِلُونَ ٤
And how many cities have We destroyed, and Our punishment came to them at night or while they were sleeping at noon.
قوله: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ الآية.
﴿كَم﴾ في موضع رفع بالابتداء. ويجوز أن تكون في موضع نصب، بإضمار فعل يفسره: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾، ولا يقدر إلا بعدها، وهو بمنزلة: أيّهم ضربته.
ومعنى الآية: أنها تحذير للكافرين، أن ينزل بهم من البأس، ما نزل بمن كان قبلهم بتكذيبهم.
ومعنى الكلام: أنه إخبار عن إهلاك القرى، والمراد أهلها؛ لأن القرى إنّما هي بأهلها، فإذا هلكت هلك أهلها، ودل على ذلك قوله: ﴿أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾، فرجع إلى الإخبار عن الأهل.
وقيل المعنى: وكم من أهل قرية.
* *
وقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾، ثم قال: ﴿جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ﴾ [الأعراف: ٥]، إنما معناه أردنا إهلاكها، فجاءها البأس.
وقيل المعنى: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ بمنعنا إياها التوفيق إلى الطاعة، فجاءها البأس.
وقيل: إن الهلاك هو البأس بعينه، ففي كل واحد معنى الآخر، وسواء بدأ بالبأس أو بالهلاك، وهو كقولك: "زرتني فأكرمتني"، إذا كانت "الزيارة" هي "الكرامة"، فسواء عليك ما قدمت أو أخرت.
وقيل: الفاء هنا بمعنى الواو فلا يلزم الترتيب.
و ﴿أَوْ﴾ هنا للإباحة.
وكان يجب أن يقول: أَوْ وهم قائلون، إلا أنه إذا كان في الجملة عائد لم يُحْتَج إلى الواو.
وقد قال الفراء: "الواو" محذوفة.
وقال غيره: حذفت "الواو" لئلا تجمع بين حرفي العطف، وهي: "واو الوقت" عند بعض النحويين.
ولو جعل مكان ﴿أَوْ﴾ "الواو" لفسد المعنى؛ لأنه يصير المعنى: أن البأس جاءهم في الليل، وهم قائلون، وهذا لا يمكن؛ لأن القائلة إنما هي نصف النهار، والبيات فعل في الليل.
7:5Page 151
فَمَا كَانَ دَعۡوَىٰهُمۡ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٥
And their declaration when Our punishment came to them was only that they said, "Indeed, we were wrongdoers!"
قوله: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ [إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ]﴾، الآية.
المعنى: فما كان دعوى أهل القرية التي جاءها البأس إلا اعترافهم على أنفسهم بأنهم كانوا ظالمين.
و "الدَّعْوَى" في كلام العرب، على وجهين:
تكون: "الدُّعَاء"، تقول:
"اللَّهُمَّ أَشْرِكْنَا فِي صَالِحِ دَعْوىَ مَنْ دعاك"، قال الله: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ﴾، أي: دعاؤهم. وقال: ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ [الأنبياء: ١٥]، أي: دعاؤهم.
والوجه الآخر: الإدعاء للحق.
و ﴿دَعْوَاهُمْ﴾ هنا، إنما قالوه حين عاينوا البأس، لا قبله ولا بعده. وذلك أن الرسل كانت تعدهم بالسطوة من الله وتخبرهم بأمارة ذلك وعلامته ليزدجروا، فلما عاينوا علامات ما أوعدوا به، أقروا بالظلم على أنفسهم.
7:6Page 151
فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٦
Then We will surely question those to whom [a message] was sent, and We will surely question the messengers.
قوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية.
المعنى: فلنسألن الأمم الذين أرسلت إليهم رسلي: ماذا عملت فيما بلغتها الرسل من أمري ونهيي؟ [﴿وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي]: ولنسألن الرسل: هل بلغت وأدت ما أرسلت به.
فسؤال الأمم سؤال توبيخ وتقرير، وهو عالم بما عملت، (وسؤال الرسل) سؤال تحقيق على الأمم؛ لأن الأمم قالت: ﴿مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] فأخبرت الرسل عند السؤال أنها قد بلغت، وأن الأمم التي أنكرت كاذبة في قولها.
فسؤال الرسل، إنما هو على وجه الاستشهاد على الأمم. وسؤال [الأُمَمِ] المرسل إليهم على وجه التقرير بما عملوا، لا أنه تعالى يسأل مسترشداً مستثبتاً؛ لأن هذا صفة من لا علم عنده، بل هو لا إله إلا الله، عالم بتبليغ الرسل، وبما أجابتهم به الأمم.
وهذا يدل على أن الكفار يحاسبون ويسألون.
7:7Page 151
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيۡهِم بِعِلۡمٖۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ ٧
Then We will surely relate [their deeds] to them with knowledge, and We were not [at all] absent.
قوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ﴾ الآية.
والمعنى: فلنخبرنَّ الرسل والمرسل إليهم بعلم يقين عما عملوا في الدنيا.
قال ابن عباس معنى ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ﴾: أنه ينطق عليهم كتاب عملهم.
* *
﴿وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ﴾.
أي: عن أعمالكم وأفعالكم.
7:8Page 151
وَٱلۡوَزۡنُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّۚ فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٨
And the weighing [of deeds] that Day will be the truth. So those whose scales are heavy - it is they who will be the successful.
قوله: ﴿وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ [فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ]﴾ الآية.
والمعنى: ووزن الأعمال يومئذ الحق.
* *
﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾.
أي: من كثرت حسناته. قاله مجاهد.
وقيل المعنى: فمن ثقلت موازين حسناته. وهو "ميزان" له لسان وكِفَّتَانِ، كالذي يعرفه الناس.
قال عبيد بن عمير: يجعل الرجل العظيم الطويل في الميزان، فلا يزن جناح بعوضة.
ووزن الأعمال في الميزان، هو نظير إثباتُ الله إياها في أُمِ الكتاب، واستنساخه ذلك في الكتب من غير حاجة إلى ذلك، وهو العالم بكل ذلك، وإنما فعل ذلك تعالى، ليكون حجة على خلقه، فيحتج عليهم بما عاينوا وفهموا وعرفوا من ذنوبهم.
قال تعالى: ﴿هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]، فكذلك وزن أعمال العباد حجة عليهم، ليعلموا التضييع الذي فعلوا، أو يفهموه عن قرب على ما عملوا.
فأما وزن الأعمال وهي أعراض، فإنما يحدث الله خفة في جانب السيئات، وثقلاً في جانب الحسنات، على ما يشاء لمن أراد، كل ذلك احتجاج منه على خلقه، وتقريع لهم بما عملوا، وهذا مثل استنطاق أيديهم وأرجلهم بما عملوا في الدنيا، حجة منه عليهم، وقد تظاهرت الأخبار بذلك عن النبي ﷺ.
7:9Page 151
وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ ٩
And those whose scales are light - they are the ones who will lose themselves for what injustice they were doing toward Our verses.
ومعنى: ﴿[وَ]مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾.
أي: من خفت موازين أعماله الصالحة، فلم تثقل بالتوحيد لله، والإيمان برسوله.
* *
﴿فَأُوْلَـۤئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُم﴾.
أي: غبنوا أنفسهم حظوظها من الثواب.
* *
﴿بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ﴾.
الظلم هنا: الجحود لآيات الله.
قال سلمان الفارسي: يوضع الميزان يوم القيامة، ولو وضع في كفَّته السماوات والأرض لوسعتها، فتقول الملائكة: ربنا ما هذا؟ فيقول تعالى: أَزِنُ به لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة: ربنا ما عبدناك حق عبادتك.
وقال مجاهد، "الميزان": هنا: الحسنات والسيئات نفسها.
وقيل: "الميزان": الكتاب الذي فيه أعمال الخلق.
والذي جاءت به الآثار أنه "الميزان" المعروف.
﴿يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ﴾، وقف حسن.
7:10Page 151
وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَۗ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ١٠
And We have certainly established you upon the earth and made for you therein ways of livelihood. Little are you grateful.
قوله: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾.
لام ﴿لَقَدْ﴾ لام توكيد.
روى خارجة عن نافع أنه قرأ: ﴿مَعَايِشَ﴾، بالمد والهمز، وكذلك روي عن عبد الرحمن الأعرج - ولا يجوز ذلك عند جماعة النحويين، لأن الياء أصلية، وإنما تهمز الزائدة. وروى الأصبهاني عن أصحابه عن ورش: ﴿مَعَايِشَ﴾ الياء ساكنة - وهو غلط؛ لأنها غير "مفاعل" والميم زائدة؛ لأنها من "العيش".
ومعنى الآية: ولقد جعلنا لكم في الأرض قراراً ومهاداً، وجعلنا لكم فيها ﴿مَعَايِشَ﴾ أي: ما تعيشون به.
وقيل المعنى: وجعلنا (لكم) فيها ما تتوصلون به إلى المعيشة. شكراً قليلاً تشكرون على هذه النعم.
و ﴿مَعَايِشَ﴾ وقف.
7:11Page 151
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَٰكُمۡ ثُمَّ صَوَّرۡنَٰكُمۡ ثُمَّ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ لَمۡ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ ١١
And We have certainly created you, [O mankind], and given you [human] form. Then We said to the angels, "Prostrate to Adam"; so they prostrated, except for Iblees.1 He was not of those who prostrated.
قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ الآية.
* *
قوله: ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾.
قال الأخفش، وقطرب: ﴿ثُمَّ﴾ هنا بمعنى "الواو".
ومنع ذلك سائر البصريين. والمعنى عندهم فيه: ولقد ابتدأنا خلق آدم، ثم صورناه، ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ﴾ له بعد تمام خلقه. ودليله قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن [فَيَكُونُ]﴾ [آل عمران: ٥٩].
وقيل المعنى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ أيها الناس في ظهر آدم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾، يعني ذريته، في أرحام النساء في صورة آدم.
قاله ابن عباس وغيره.
وقال السدي المعنى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾، أي: خلقنا آدم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ يعني: ذريته في الأرحام.
وأخبر عن خلق آدم بلفظ الجماعة؛ لأنه الأصل للجميع، فكأن (خلقه) خلق الجميع.
والعرب تجعل مخاطبة الرجل لأبائه المعدومين، ومنه قول الله تعالى عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ﴾ [البقرة: ٦٣]، فالخطاب لمن كان على عهد النبي ﷺ، والمراد به من تقدم من آبائهم. فكذلك هذا الخطاب للمؤمنين، والمراد به الخبر عن أبيهم آدم، صلوات الله عليه. وكذلك قال قتادة.
وقال عكرمة المعنى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ أيها الناس نطفاً في أصلاب آبائكم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ في الأرحام.
وكذلك روى سفيان عن الأعمش أنه فسره كذلك.
وقال مجاهد المعنى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ يعني: آدم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ في ظهر آدم.
وقيل المعنى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ في بطون أمهاتكم، يعنى: النطفة والعلقة، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ بعد ذلك في البطون.
واختار الطبري، قول من قال: (معناه): ولقد خلقنا أباكم آدم ثم صورناه.
قال: لأن بعده: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ﴾، ومعلوم أن الله (تعالى) قد أمر الملائكة بالسجود لآدم (عليه السلام)، قبل أن يصور أحداً من ذريته في بطون أمهاتهم.
و ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي فيما بين ما بعدها وما قبلها.
وقال بعض أهل النظر: إن في الكلام تقديماً وتأخيراً؛ وإن ترتيبه: ولقد خلقناكم، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، ثم صورناكم.
وهذا بعيد عن النحويين؛ لأن "ثم" لا يجوز أن يراد بها التقديم على ما قبلها من الخبر. فقد أنكر هذا القول النحاس، وغيره.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ﴾.
فعل تعالى ذلك بعد خلق آدم (عليه السلام) ابتلاء منه لهم، واختباراً لِتَتِمَّ مشيئته التي تقدمت في إبليس، فيعلم ذلك طاهراً وظهوراً يجب عليه العقاب (لهم) والثواب، فسجد جميعهم إلا إبليس.
وقال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة، وكان خازناً على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وسلطان الأرض، فعصى، فمسخه الله (سبحانه) شيطاناً رجيماً.
قال ابن جريح: ومن يقل من الملائكة إني إله من دونه، لم يقله إلا إبليس دعا إلى عبادة نفسه، فنزلت هذه الآية.
قال قتادة: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ [مِّن دُونِهِ]﴾ [الأنبياء: ٢٩]، هذه الآية خاصة لعدو الله إبليس (اللعين) لما قال ما قال، لعنه الله وجعله رجيماً.
قال ابن عباس: لما قتل إبليس الجن الذين عصوا الله (عز وجل) في الأرض، وشردهم، أعجبته نفسه، فلذلك [امتنع] من السجود واستكبر على ربه [سبحانه].
7:12Page 152
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ ١٢
[Allāh] said, "What prevented you from prostrating when I commanded you?" [Satan] said, "I am better than him. You created me from fire and created him from clay [i.e., earth]."
قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ الآية.
هذا السؤال من الله (تعالى) سؤال تقرير وتوبيخ؛ لأنه، تعالى، قد علم ذلك منه.
و "لا" زائدة مُؤكَّدة.
والمعنى: ما منعك أن تسجد.
وقيل: إن "لا" غير زائدة وإن في الكلام حذفاً. والمعنى: [ما منعك] من السجود وأحوجك ألا تسجد؟ فحذف "أحوجك" لدلالة الكلام عليه. وهو اختيار الطبري.
وقيل المعنى: (إن) المنع هنا بمعنى "القول" و "لا" غير زائدة، والتقدير: من قال لك ألا تسجد إذ أمرتك بالسجود: ودخلت "أن" كما تدخل في كلام هو بمعنى القول، ولفظه مخالف للفظ القول كقولهم "ناديت أن لا تقم"، و "حلفت ألا تجلس" فلما كان المنع بمعنى القول، وليس من لفظه دخلت "أن".
وقيل: إن المنع لما كان معناه الحول بين المرء وبين ما يريده، فالممنوع مضطر إلى خلاف ما منع منه، فلما كان معنى المنع هذا، كان تقدير الكلام: ما اضطرك إلى أن لا تسجد.
* *
وقوله: ﴿قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾.
هذا خبر من الله (عز وجل) عما قال إبليس، إذ قال له الله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾، فقال إبليس: أنا أفضل منه؛ لأني من نار، وهو من طين، ففضل عليه كفضل النار على الطين. فجهل عدو الله الحق، وأخطأ طريق النظر، إذ كان معلوماً أن من جوهر النار الخفة والطيش والاضطراب، والارتفاع والذي في جوهرها من ذلك هو الذي حمل الملعون بعد الشقاء الذي سبق له من الله (عز وجل) على الاستكبار. وكان معلوماً أن من جوهر الطين الرزانة والأناة، وذلك الذي حمل (آدم [عليه السلام]) بعدما سبق له عند ربه (عز وجل) على الندم على الذنب والتوبة منه. ولذلك كان الحسن وابن سيرين يقولان: "أول من قاس إبليس"، يعنيان أنه أخطأ في قياسه في تفضيل النار على الطين؛ وأنها أقوى من الطين.
وقول إبليس: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ ليس بجواب في الظاهر لمن قال: "ما منعك أن تفعل؟"؛ وإنما هذا جواب من قال: "أيكما خير؟"؛ ولكنه جواب محمول على المعنى لا على ظاهر السؤال؛ كأنه لما قيل له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾، قال: فضلي عليه أني من نار؛ وأنه من طين، فأخبر الملعون عن نفسه بخبر فيه معنى الجواب.
7:13Page 152
قَالَ فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخۡرُجۡ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ ١٣
[Allāh] said, "Descend from it [i.e., Paradise], for it is not for you to be arrogant therein. So get out; indeed, you are of the debased."
قوله: ﴿قَالَ فَٱهْبِطْ [مِنْهَا]﴾ الآية.
المعنى: قال الله (عز وجل) لإبليس عندما صنع: ﴿فَٱهْبِطْ مِنْهَا﴾، أي: من الجنة.
* *
﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾.
أي: ليس لك أن تستكبر في الجنة عن أمري وطاعتي. أي: لا يسكن في الجنة من يتكبر عن أمري. فأما غير الجنة فالمستكبر يسكنها، وغيره.
* *
﴿فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ﴾.
أي: أخرج من الجنة؛ إنك ممن نالهم الصغار، وهو: الذلة والمهانة.
7:14–15Page 152
قَالَ أَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٤
[Satan] said, "Reprieve me until the Day they are resurrected."
قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ١٥
[Allāh] said, "Indeed, you are of those reprieved."
قوله: ﴿قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، الآيتان.
المعنى: إن إبليس علم ألا موت بعد قيام الساعة، فسأل النظرة إلى ذلك الوقت؛ ليصح له الخلود، وذلك لا سبيل لأحد إليه، فقال له [الله]: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٧-٣٨]، وذلك اليوم هو اليوم الذي كتب الله فيه الفناء على جميع الخلائق، فلا يبقى إلا الحي الذي لا يموت.
ولم يجبه الله إلى ما سأل؛ لأنه لم يقل له: ﴿إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ﴾ إلى ما سألت، أو إلى يوم البعث.
قال السدي: سأل إبليس الإنظار إلى يوم يبعثون، فلم ينظر إلى يوم البعث. وأنظر إلى يوم الوقت المعلوم، [وهو] يوم ينفخ في الصور النفخة الأولى، فيصعق من في السموات ومن في الأرض فيموت.
7:16Page 152
قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ١٦
[Satan] said, "Because You have put me in error, I will surely sit in wait for them [i.e., mankind] on Your straight path.
قوله: ﴿قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي [لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ]﴾، الآية.
المعنى: إن اللعين أقسم ليقعدن لهم، فجعل الإغواء قسماً له، كأنه قال: فبإغوائك إياي، لأقعدن لهم، ثم لأفعلن كذا.
وقيل المعنى: إنه سأل ربه بأي شيء أغواه، قاله ابن عباس. كأنه قال: فبأي شيء أضللتني.
وقيل المعنى: فبما دعوتني إلى شيء ضللت [به] من أجله.
وقيل المعنى: فبما أهلكتني، من قولهم: "غَوِيَ الفَصيلُ" إذا هلك من فقد اللبن.
وقيل المعنى: إنه على معنى المجازاة، أي: كما أغويتني أفعل كذا وكذا، وأضلهم كما أضللتني. قال النبي، ﷺ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابنِ آدَمَ بِطَرِيقِ الإِسْلاَمِ، فقال له: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دينك ودين آبائك؟ فعصاه وأسلم. ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال له: أتهاجر أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول؟ فعصاه وهاجر. ثم قعد له بطريق الجهاد، وهو جهاد النفس والمال، فقال: تقاتل فتقتل، فتنكح المرأة، ويقسم المال؟ فعصاه وجاهد
وقيل: ﴿صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾. (أي): طريقك (القويم)، وهو دين الله الحق، وهو الإسلام وشرائعه. وسمي الدين "صراطاً"؛ لأنه الطريق إلى النجاة.
7:17Page 152
ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ ١٧
Then I will come to them from before them and from behind them and on their right and on their left, and You will not find most of them grateful [to You]."
قوله: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، الآية.
المعنى: ﴿مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، من قبل الآخرة فأخبرهم أنه لا بعث، ولا جنة، ولا نار.
﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: من قبل الدنيا، فأزينها في أعينهم وأخبرهم أنه لا حساب عليهم فيما يعملون.
﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: من قبل الحق.
﴿وَعَن شَمَآئِلِهِمْ﴾: من قبل الباطل.
قال ابن عباس: ﴿مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، أشككهم في الآخرة، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: أُرغِّبهم في الدنيا، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: أشبه عليهم في أمر دينهم، ﴿وَعَن شَمَآئِلِهِمْ﴾: أُشَهِّي لهم المعاصي.
وقال السدي وغيره: ﴿مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، أدعوهم إلى الدنيا وأرغبهم فيها، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: أشككهم في الآخرة، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: أشككهم في الحق، ﴿وَعَن شَمَآئِلِهِمْ﴾: أخفف البال عندهم.
وقيل: ﴿مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: من قبل دنياهم، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: من قبل آخرتهم، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: من قبل حسناتهم، ﴿وَعَن شَمَآئِلِهِمْ﴾: من قبل سيئاتهم، قاله: ابن جريج، وغيره.
وقال مجاهد المعنى: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ من حيث يبصرون، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾، ﴿وَعَن شَمَآئِلِهِمْ﴾ من حيث لا يبصرون.
وقيل: ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾، يخوفهم في تركاتهم، ومن يخلفون بعدهم.
وقيل: ﴿لآتِيَنَّهُمْ﴾، من كل جهة يعملون فيها.
* *
﴿وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾.
كان ذلك ظناً منه، فكان الأمر على ما ظن، وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠].
وقيل المعنى: ﴿مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، من قبل الدِّين فألبسه عليهم، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: من قبل الشهوات، فأحببها إليهم في الدنيا، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾، من قبل الحق، فأرده باطلاً، ﴿وَعَن شَمَآئِلِهِمْ﴾، من قبل الباطل، فأرده في أعينهم حقاً.
7:18Page 152
قَالَ ٱخۡرُجۡ مِنۡهَا مَذۡءُومٗا مَّدۡحُورٗاۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٨
[Allāh] said, "Depart from it [i.e., Paradise], reproached and expelled. Whoever follows you among them - I will surely fill Hell with you, all together."
قوله: ﴿قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً﴾، الآية.
* *
﴿مَّدْحُوراً﴾: حال، مثل: ﴿مَذْءُوماً﴾، ويجوز أن يكون نعتاً لـ: ﴿مَذْءُوماً﴾.
وروي عن عاصم أنه قرأ "لِمَنْ تَبِعَك" بكسر اللام، والمعنى على هذا: فعل بك ذلك من أجل من تبعك.
ومعنى الآية: أنها خبر من الله، بما قال لإبليس اللعين.
و ﴿مِنْهَا﴾: من الجنة.
ومعنى: ﴿مَذْءُوماً مَّدْحُوراً﴾: معيباً.
و "الذَّأمُ": العيب. يقال: "ذَأَمَهُ": إذا عابه، فهو مذءوم.
و "الذَّأْمُ" أبلغ في العيب من الذم، يقال: ذَمَمتُهُ وذِمْتُهُ بمعنى واحد.
قال أبو عبيدة: "ذَأَمْتُ الرجل" أشد مبالغة من: "ذَمَمْتهُ" و "المدحور": المقصى المبعد.
وعن ابن عباس ﴿مَذْءُوماً﴾: ممقوتا.
و ﴿مَّدْحُوراً﴾: مطروداً.
وقاله السدي.
* *
وقوله: ﴿لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾.
هذا قسم، أقسم الله أن من اتبع إبليس، أن يملأ جهنم منهم، يعني من كفر فاتبعه وصدق ظنه.
7:19Page 152
وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩
And "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat from wherever you will but do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."
قوله: ﴿وَيَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ [ٱلْجَنَّةَ]﴾، الآية.
هذه الآية مذكور معناها في تفسير سورة البقرة، واختلاف الناس في الشجرة.
7:20–22Page 152
فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ ٢٠
But Satan whispered to them to make apparent to them that which was concealed from them of their private parts. He said, "Your Lord did not forbid you this tree except that you become angels or become of the immortal."
وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٢١
And he swore [by Allāh] to them, "Indeed, I am to you from among the sincere advisors."
فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٢٢
So he made them fall, through deception. And when they tasted of the tree, their private parts became apparent to them, and they began to fasten together over themselves from the leaves of Paradise. And their Lord called to them, "Did I not forbid you from that tree and tell you that Satan is to you a clear enemy?"
قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ﴾، الآية.
قرأ ابن عباس: ويحيى بن أبي كثير: "مَلِكَيْن" بكسر "اللام". أي: من الملوك الذين في الدنيا.
ومن فتح "اللام" فمعناه: من الملائكة.
والمعنى: فالقى إليهما قولاً حملهاً على ركوب النهي.
* *
ومعنى ﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا﴾،: ليظهر سوآتهما التي هي مستورة، وحلف لهما أني ناصح لكما في أن ربكما إنما نهاكما عن أكل الشجرة، كراهة أن تكونا مَلَكَيْن، أو كراهة أن تخلدا في الجنة.
* *
ومعنى ﴿[وَ]قَاسَمَهُمَآ﴾، حلف لهما، مثل طارقتُ النَّعْلَ وعاقَبْت اللص.
وقال قتادة: حلف لهما بالله، وقال: أنا خُلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما.
* *
﴿فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ﴾.
أي: غرهما باليمين التي حلف لهما، وكان آدم، (صلوات الله [عليه])، يظن أنه لا يحلف أحد بالله كاذباً، فغره ذلك.
قال ابن عباس: كانت الشجرة التي نهيا عن أكلها، السنبلة، فلما أكلا بدت سوآتهما، أي: تقلص النور الذي كان يسترهما، فصار أظفاراً في الأيدي والأرجل، وظهرت سوآتهما لهما، فعمدا يلزقان ورق التين بعضها إلى بعض، فانطلق آدم موليّا في الجنة، فأخذت برأسه شجرة من الجنة، فناداه الله: أي آدم أمني تفر؟ فقال: لا، ولكني استحييت منك يا رب! فقال: أما كان لك فيما منحتك من الجنة مندوحة عما حرمت عليك؟ قال: بلى يا رب، ولكن وعزتك ما حسبت أن أحداً يحلف بك كاذباً.
قال ابن جبير: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وقد يخدع المؤمن بالله.
ومعنى "وسوس": زين وألقى، وحسس المعصية حتى أكلا.
وقد تقدم ذكر دخول إبليس الجنة في فم الحية، وكانت إذ ذاك دابة لها أربع قوائم، كأنها البعير كاسية، فأعراها الله، وأزال قوائمها عقوبة لها.
و "اللام" في ﴿لِيُبْدِيَ﴾: لام العاقبة، بمنزلة: ﴿فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨].
ولما حملها على الأكل تقدمت حواء للأكل، وأبى آدم أن يأكل، فأكلت حواء، وقالت: يا آدم كل فإنه لم يضرني فأكل، فـ: ﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ﴾.
قال مجاهد: يعنى: يرقعانه كهيئة الثوب.
ومعنى (طَفِقَا): جعلا.
وأتت الأخبار عن النبي، عليه السلام، أن الله تعالى خلق آدم يوم الجمعة، ويوم الجمعة خرج من الجنة، وفيه تيب عليه، وفيه قبضه.
وكان مقدار مكث آدم في الجنة خمس ساعات.
وقيل: ثلاث ساعات.
وقال ابن عباس: كان مكث آدم نصف يوم من أيام الآخرة، وخرج بين الصلاتين: الظهر والعصر.
قال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه،: أطيب أرض بالأرض ريحاً الهند، هبط آدم بها، فعلق شجرها من ريح الجنة.
وقال ابن زيد: أهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، فجاء في طلبها حتى أتى "جمعاً" فازدلفت إليه حواء، فلذلك سميت "المزدلفة"، وتعارفا بعرفات، فلذلك سميت "عرفات"، واجتمعا بِجَمْع، فلذلك سميت "جمعاً".
وأهبطت الحية بأصبهان، وإبليس بميسان.
وقيل بساحل بحر الأُبُلَّة.
ولما أهبط آدم إلى الأرض، أهبط على جبل يسمى: "بوذ"، وكان أطول جبال الأرض، فكان آدم عليه السلام، رجلاه على الجبل ورأسه في السماء، فكان يسمع تسبيح الملائكة ودعاءهم، وكان (آدم) يأنس لذلك، فهابته الملائكة، فخفضه الله إلى الأرض الى ستين ذراعاً فاستوحش، فشكا إلى الله في دعائه، فوجه إلى مكة فأنزل الله ياقوتة من الجنة، فكانت في موضع البيت فلم يزل يطاف بها حتى نزل الطوفان، فرفعت حتى بعث الله إبراهيم، فبناه.
وكان أصل الطيب عند جماعة من أهل التفسير: الورق الذي طفق آدم وحواء يخصفانه على أنفسهما نزلا به إلى الدنيا.
وقيل: إنه خرج ومعه صرة من حنطة.
وقيل: إن جبريل أتاه بها حين استطعم، أتاه بسبع حبات فوضعها في يد آدم، فقال آدم: وما هذا؟، فقال له جبريل: هذا الذي أخرجك من الجنة، فعلمه ما يصنع به.
قال سعيد بن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر، (فكان) يحرث عليه، ويمسح العرق، وهو قوله: ﴿فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ﴾ [طه: ١١٧].
* *
ومعنى ﴿فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ﴾، (أي): خدعهما.
واللام في (قوله): ﴿لِيُبْدِيَ﴾ هي مثل اللام في: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨]؛ لأن إبليس لم يعلم أنهما إن أَكلا من الشجرة ﴿[بَدَتْ لَهُمَا] سَوْءَاتُهُمَا﴾ إنما حملهما على ركوب المعصية لا غير. فكان عاقبة أمرهما لما أكلا ظهور سوءاتهما، فجاز أن يقول: فوسوس لهما ليبدي لهما لما أل أمرهما إلى ظهور سوءاتهما، كان كأنه فعل ذلك بهما لتظهر سوءاتهما.
7:23Page 153
قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٢٣
They said, "Our Lord, we have wronged ourselves, and if You do not forgive us and have mercy upon us, we will surely be among the losers."
قوله: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ الآية.
المعنى: قال آدم وحواء: ربنا قد ظلمنا أنفسنا، أي: تعدينا أمرك فأكلنا ما نهيتنا عنه ﴿وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا﴾ خطيئتنا وتسترها علينا، ﴿وَتَرْحَمْنَا﴾ أي: تعطف علينا ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ﴾.
7:24Page 153
قَالَ ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ٢٤
[Allāh] said, "Descend, being to one another enemies. And for you on the earth is a place of settlement and enjoyment [i.e., provision] for a time."
قوله: ﴿قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ الآية.
هذا أمر لآدم، وحواء، وإبليس، والحية.
وقيل: هو لآدم وذريته وإبليس وذريته، قاله مجاهد.
* *
﴿وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾.
أي: قرار تستقرون به.
قال ابن عباس: هو القبور.
(ومعنى): ﴿وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾، أي: متاع تستمتعون به إلى انقطاع آجالكم.
وقيل: "الحين" هنا، قيام الساعة.
7:25Page 153
قَالَ فِيهَا تَحۡيَوۡنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنۡهَا تُخۡرَجُونَ ٢٥
He said, "Therein you will live, and therein you will die, and from it you will be brought forth."
المعنى: إنه تعالى أعلم من أهبط، أن في الأرض يحيون ما بقي من أعمارهم، ﴿وَفِيهَا تَمُوتُونَ﴾، ومنها يخرجون في البعث.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences