Makki ibn Abi TalibAl‑A'raf · 7:156–171

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:156–171

7:156–157Page 170

۞ وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ ١٥٦

And decree for us in this world [that which is] good and [also] in the Hereafter; indeed, we have turned back to You." [Allāh] said, "My punishment - I afflict with it whom I will, but My mercy encompasses all things." So I will decree it [especially] for those who fear Me and give zakāh and those who believe in Our verses-

ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٥٧

Those who follow the Messenger, the unlettered prophet, whom they find written [i.e., described] in what they have of the Torah and the Gospel, who enjoins upon them what is right and prohibits them from what is wrong and makes lawful for them what is good and forbids them from what is evil and relieves them of their burden1 and the shackles which were upon them.2 So they who have believed in him, honored him, supported him and followed the light which was sent down with him - it is those who will be the successful.

قوله: ﴿وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ﴾، [الآية].

[والمعنى: إن الله أعلمنا أن موسى دعاه فقال: ﴿وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً﴾، وهي الصالحات من الأعمال، ﴿وَفِي ٱلآخِرَةِ﴾، أي: المغفرة.

قال ابن جريج: ﴿حَسَنَةً﴾، مغفرة.

* *

﴿إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ﴾.

أي: تبنا.

وقال علي: إنما سميت اليهود يهوداً؛ لأنهم قالوا: ﴿هُدْنَـآ إِلَيْكَ﴾.

قال الله، (عز وجل): ﴿عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ﴾.

أي: كما أصبت هؤلاء أصيب من أشاء من خلقي بعذابي.

* *

﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾.

أي: عمت خلقي كلهم.

وقيل المعنى: إنَّه خُصُوصٌ، والمعنى: ورحمتي وسعت المؤمنين من أمة محمد ﷺ، ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾.

قال ابن عباس: جعل الله، (عز وجل)، الرحمة لهذه الأمة.

وروى سفيان: أن إبليس لما سمع: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، قال: أنا من "الشيء" فنزعها الله (عز وجل) من إبليس، فقال: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾، فقالت اليهود: نحن نتقي ونؤتي الزكاة، وتؤمن بآيات ربنا أفنزعها الله من اليهود، فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ﴾، الآيات كلها. فجعلها في هذه الأمة.

قال الحسن: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، (وسعت) البَرَّ والفاجر في الدنيا، وهي للمتقين في الآخرة، وكذلك قال قتادة.

وروى أبو هريرة، أن النبي ﷺ، قال: "إن لله، (عز وجل)، مائة رحمة، أنزل منها رحمةً واحدةً بَيْنَ الخَلْقِ، الجِنَِّ، والإِنْسِ والبَهَائِمِ والهَوَامَ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَراحَمُونَ، وَبِهَا تَتَعَاطَفُ الوُحُوشَ عَلَى أَوْلاَدِهَا، وَأَخَّرَ تِسْعاً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ

وقال عطاء: خلق الله (عز وجل)، مائة رحمة، فجعل رحمة واحدة بين خلقه، بما يتراحم الناس والبهائم والطير على أولادها، حتى إن الطير ليؤخذ على فراخه، وأخر تسعاً وتسعين رحمة لنفسه، فإذا كان يوم القيامة جمع هذه الرحمة إلى التسع والتسعين فوسعت رحمته كل شيء.

وعن كعب أنه قال: ينظر الله، (عز وجل)، إلى عبده يوم القيامة، فيقول: خذوه، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟ فيقولون: وكيف نرحمك؟ ولم يرحمك أرحم الراحمين. روى جميعه نُعَيْم بن حماد.

قال ابن زيد: معنى: اكْتُبْ"، أي: أكتب في اللوح الذي كتب فيه التوراة.

قال ابن عباس: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، أي: يتقون الشرك.

وقيل المعنى: يتقون المعاصي.

قال ابن عباس: ﴿وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ﴾، أي: يعملون بما يُزَكُّونَ به أنفسهم من صالحات الأعمال.

وروى زيد بن أسلم: أن عيسى، عليه السلام، قال: يا رب، نبئني عن هذه الأمة المرحومة، التي جعلت فيها من الخير ما جعلت، قال: هم يا عيسى علماء حكماء، كأنهم أنبياء.

وذكر زيد أيضاً: أن موسى، عليه السلام، قال: يا رب، نبئني عن هذه الأمة المرحومة، قال: أمة محمد، (عليه السلام)، قال: نعم، قال: (هم) يا موسى يرضون منّي بالقليل من العطاء إذا أعطيتهم، وأرضى منهم بالقليل من العمل، أدخل أحدهم الجنة، أن يقول: لا إله إلا الله.

قال النحاس في معنى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، أي: من دخل فيها، لَمْ تعْجِز عنه.

وقال ابن عباس: ومجاهد، وغيرهما: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، يعني أمة محمد، عليه السلام.

قال ابن جبير: لما قال الله، (عز وجل)، لموسى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، قال موسى: يا رب، أتيتك بِوَفْدِ بني إسرائيل فجعلت وفادتنا لغيرنا! فأنزل الله (عز وجل)، ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.

قال قتادة: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ﴾، أي: يجدون نَعْتَهُ وَصِفَتَهُ.

* *

﴿يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ﴾.

أي: يأمر أتباعه بالمعروف.

* *

﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾.

وهو ما حرمته العرب من: البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.

* *

﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ﴾.

"الخبائث" عند مالك في هذه الآية: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله، والزنا، والخمر، وشبه ذلك.

* *

﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾.

أي: عهدهم الذي كان أخذ على بني إسرائيل أن يعلموا بما في التوراة، قاله ابن عباس: والحسن، وغيرهما.

وقيل: هو ما أُلْزِمُوه مِن قَطْع ما أصابه البول.

* *

وقوله: ﴿وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾.

هو قول الله، (عز وجل): ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤]، من آمن بمحمد (ﷺ)، لم تُغَلَّ يده.

وقيل: الأغلال إنما هو تمثيل، وهي أشياء كُلِّفوها فصارت إلى أعناقهم لازمة بمنزلة الأغلال.

* *

﴿وَعَزَّرُوهُ﴾.

أي: وقَّروه، وحَمَوْه من النَّاس.

* *

﴿وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ﴾.

أي: القرآن سمي نوراً؛ لأنه في البيان والاهتداء به، بمنزلة النُّور الذي يُهْتَدَى به.

وقرأ الجَحْدَري وعيسى: "وَعَزَرُوهُ"، مخففاً.

وروي عن أبي بكر عن عاصم: "وَيَضَعُ عَنْهُمُ أَصْرَهُم"، بفتح الهمزة، لغة.

7:158–160Page 170

قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥٨

Say, [O Muḥammad], "O mankind, indeed I am the Messenger of Allāh to you all, [from Him] to whom belongs the dominion of the heavens and the earth. There is no deity except Him; He gives life and causes death." So believe in Allāh and His Messenger, the unlettered prophet, who believes in Allāh and His words, and follow him that you may be guided.

وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ ١٥٩

And among the people of Moses is a community1 which guides by truth and by it establishes justice.

وَقَطَّعۡنَٰهُمُ ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا أُمَمٗاۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰهُ قَوۡمُهُۥٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنۢبَجَسَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۚ وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡغَمَٰمَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١٦٠

And We divided them into twelve descendant tribes1 [as distinct] nations. And We inspired to Moses when his people implored him for water, "Strike with your staff the stone," and there gushed forth from it twelve springs. Every people [i.e., tribe] knew its watering place. And We shaded them with clouds and sent down upon them manna and quails, [saying], "Eat from the good things with which We have provided you." And they wronged Us not, but they were [only] wronging themselves.

قوله: ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾، إلى قوله: ﴿يَظْلِمُونَ﴾.

والمعنى: ﴿قُلْ﴾، يا محمد: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾، أي: لست كمن قبلي من الأنبياء الذين يبعثون إلى بعض الناس دون بعض.

* *

﴿ٱلَّذِي يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾.

أي: وآياته.

وقيل: ﴿وَكَلِمَاتِهِ﴾: عيسى ابن مريم، (عليه الصلاة والسلام). قاله مجاهد والسدي.

* *

ثم قال: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ﴾.

أي: يدعون الناس إلى الهداية بالحق.

* *

﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.

أي: في الحكم.

وقيل: وبه يؤمنون.

و "الأُمَّةُ" هنا: الجماعة.

قال ابن جريج: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم، وكفروا، وكانوا اثني عشر سِبْطاً، تبرأ سبط منهم مما عملوا، واعتذروا، وسألوا الله (عز وجل)، أن يُفَرِّق بينهم وبينهم، ففتح الله لهم نفقاً في الأرض، فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين، فهم هنالك حُنفاء مسلمين، يستقبلون قبلتنا. قال ابن جريج: قال ابن عباس: فذلك قوله: ﴿وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ [الإسراء: ١٠٤].

و ﴿وَعْدُ ٱلآخِرَةِ﴾: عيسى بن مريم يخرجون معه. قال ابن جريج: قال ابن عباس: ساروا في السَّرَب سنة ونصفاً.

وقيل: هم قوم في منقطع من الأرض، لا يوصل إليهم، آمنوا بمحمد (ﷺ)، وأقاموا الحنيفية كأنهم بنو أب وأم، ليس لأحد منهم مالٌ دون صاحبه، يُمطرون في كل ليلة، ويصحون في النهار، يزرعون ويحرثون، ليس يدخر أحد منهم دون أخيه شيئاً، مقيمين على عبادة الله (عز وجل)، لا يبكون على ميت.

وقيل في معنى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ﴾: أنه يكون هدى لمن آمن منهم بمحمد (ﷺ)، ويكون لقوم قد هلكو.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً﴾.

فـ "أسباط" بدل من: ﴿ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾. و ﴿أُمَماً﴾ نعت لـ "الأسباط".

و "الأسباط": الفرق.

وقيل: هم القَرْنُ [الذي] يجيء بعد قَرْنٍ.

و "الأسباط" في ولد إسحاق، (عليه السلام)، بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل.

و "الأَسْبَاطُ": مأخوذ من: السَّبط"، وهو شيء تَعْتَلِفُهُ الإبل، فكأن إسحاق (عليه السلام)، بمنزلة شجرة، والأولاد بمنزلة أغصانها، فشُبّهَ ذلك بـ "السَّبَط".

وإنما أنث في ﴿ٱثْنَتَيْ﴾؛ لأن "الأسباط" في موضع الفرقة؛ فكأنه: اثْنَتَيْ عشرة فرقة.

وقيل المعنى: وقطعناهم فرقاً اثنتي عشرة أسباطاً.

وقال بعض الكوفيين: إنما أُنِّثَ؛ لأن الكلام ذهب (به) إلى "الأمم"، فغلَّبَ التأنيث، كما قال:

؎ وَإِنَّ كِلاَباً هَذِهِ عَشْرُ أَبْطُنٍ ∗∗∗ وَأَنْتَ بِرِيءٌ مِنْ قَبَائِلِها العَشْرِ

فأنَّث ذهب بـ "البطن" إلى القبيلة.

وقال بعضهم: "إنما أنث لذكر "الأُمَمِ" بعد ذلك.

وقيل المعنى: وقطعناهم قطعاً اثْنَتَي عَشْرَةَ، فأنث لتأنيث "القطعة"، ودل على ذلك: "قَطَعْنا".

و "أسباط" ليس بِتَفْسير للعدد؛ لأن حق هذا أن يفسر بواحد؛ وإنما هو بَدَل.

* *

ثم قال: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ﴾.

أي: لما فرقناهم اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسباطاً، أوحينا إليه إذا عطشوا، ﴿أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ﴾، وقد تقدم ذكر ذلك في البقرة.

* *

﴿فَٱنبَجَسَتْ﴾.

أي: انفجرت.

* *

﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾.

أي: لا يدخل سبط على سبط في شربه.

* *

﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَامَ﴾.

يعني: من حر الشمس، وذلك في التِّيهِ، وقد تقدم ذكر هذا في البقرة.

7:161–162Page 171

وَإِذۡ قِيلَ لَهُمُ ٱسۡكُنُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ وَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ وَقُولُواْ حِطَّةٞ وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطِيٓـَٰٔتِكُمۡۚ سَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٦١

And [mention, O Muḥammad], when it was said to them, "Dwell in this city [i.e., Jerusalem] and eat from it wherever you will and say, 'Relieve us of our burdens [i.e., sins],' and enter the gate bowing humbly; We will [then] forgive you your sins. We will increase the doers of good [in goodness and reward]."

فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظۡلِمُونَ ١٦٢

But those who wronged among them changed [the words] to a statement other than that which had been said to them. So We sent upon them a punishment from the sky for the wrong that they were doing.

قوله: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ﴾، إلى قوله: ﴿يَظْلِمُونَ﴾.

قال الفراء، والكسائي: "خَطَايَا" جمع خَطِيَّة، على ترك الهمز، كـ: "مَطِيَّة"، و "وَصِيَّة".

وقال المازني: هي "فَعائِل"، أصلها همزتان فأبدل من الثانية ياء، فأشبهت مضيف "الخطايا" إلى نفسه، فأبدل من الكسرة فتحة، ومن الياء ألفا فصارت: "خطاءا"، والهمزة أخت الألف، فكأنه اجتمع ثلاث ألفات، فأبدل من الهمزة ياء، فصارت: "خطايا".

ولسيبويه والخليل قول مشهور قد ذكر في غير هذا الموضع.

والأصل عند الفراء في "مَطِيَّة" و "وَصِيَّة" أن يجمع على: "فَعَائِل"، إلا أنه لو جمع على ذلك للزم حذف الياء، فيصير كـ: "غَوَاشٍ" فتختل، فنُقل جَمعُهُ إلى "فَعَال"، فردت اللام قبل الياء الزائدة وفتح، كـ: "أسير" و "أسارى"، ثم أجرى هذه العلة في "خطية".

ومعنى الآية: إن الله، جلّ ذكره، يقول لنبيه، (عليه السلام): واذكر، يا محمد، خطأ فعل هؤلاء وخلافَهُم لأمر ربهم، حين قال لهم [الله]: ﴿ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ﴾، وهي قرية بيت المقدس، ﴿وَكُلُواْ مِنْهَا﴾، أي: من ثمارها وحبوبها ونباتها، ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾، أي: أين شئتم منها.

* *

وقوله: ﴿حِطَّةٌ﴾.

أي: حط عنا ذنوبنا، ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيۤئَاتِكُمْ﴾، أي: يستر ذنوبكم، ﴿سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾، أي: نزيدهم على ما وعدتهم من الغفران.

(قوله): ﴿فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾.

أي: غَيَّروا ما أُمروا أن يقولوا. قيل لهم: قولوا: ﴿حِطَّةٌ﴾، قالوا: "حنطة في شعير"، ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾، أي عذاباً، فأهلكناهم بفعلهم وتغييرهم وفسقهم.

وقيل: هو طاعون أخذهم، فهلك خَلقٌ مِنْهُمْ. وقد ذكر في البقرة.

7:163–164Page 171

وَسۡـَٔلۡهُمۡ عَنِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَتۡ حَاضِرَةَ ٱلۡبَحۡرِ إِذۡ يَعۡدُونَ فِي ٱلسَّبۡتِ إِذۡ تَأۡتِيهِمۡ حِيتَانُهُمۡ يَوۡمَ سَبۡتِهِمۡ شُرَّعٗا وَيَوۡمَ لَا يَسۡبِتُونَ لَا تَأۡتِيهِمۡۚ كَذَٰلِكَ نَبۡلُوهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ١٦٣

And ask them about the town that was by the sea - when they transgressed in [the matter of] the sabbath - when their fish came to them openly on their sabbath day, and the day they had no sabbath they did not come to them. Thus did We give them trial because they were defiantly disobedient.

وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٦٤

And when a community among them said, "Why do you advise [or warn] a people whom Allāh is [about] to destroy or to punish with a severe punishment?" they [the advisors] said, "To be absolved before your Lord and perhaps they may fear Him."

قوله: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ (ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ)﴾، إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.

* *

قوله: ﴿إِذْ يَعْدُونَ﴾.

﴿إِذْ﴾: في موضع نصب بالسؤال، أي: واسألهم عن وقت عدوانهم.

* *

﴿وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ﴾.

أضيف الظرف عند سيبويه لكثرة الاستعمال.

وهو عند المبرد مضاف إلى المصدر محمول على المعنى.

وهو عند الزجاج على الحكاية.

والعامل في الظرف الفعل الذي بعده.

ومعنى الآية: واسأل، يا محمد، هؤلاء اليهود الذين يجاورونك، عن أَمْرِ ﴿ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ﴾.

أي: بقربه وشاطئه.

قال الكلبي: ذكر لنا أنهم كانوا في زمن داود، (عليه السلام)، وهي: أَيْلَةَ، وهو مكان كان تجتمع فيه الحيتان في شهر من السنة كهيئة العيد، يأتيهم منها حتى لا يرى الماء، وتأتيهم في غير ذلك من الشهور في كل سبت كما تأتيهم في ذلك الشهر، فلا يمسوا منها شيئاً. فعمد رجالٌ من سفهاء تلك القرية، فأخذوا الحيتان ليلة السبت ويوم السبت، فملحوا وباعوا، ولم ينزل بهم عقوبة، فاستبشروا، وقالوا: إنا نرى السبت قد حُلَّ، وذهبت حرمته، إنما كان يعاقب به آباؤنا، فعملوا ذلك سنين، حتى أثرَوْا وتزوجوا النساء، واتخذوا الأموال. فمشى إليهم طوائف صالحون فوعظوهم، وقالوا: يا قوم، انتهكتم حرمة سبتكم، ووعظوهم فلم يتعظوا.

وسؤاله، (ﷺ)، إياهم إنما كان على جهة التقرير لهم والتبكيت، ويذكرهم بقديم كفرهم وفسقهم، وقد كان الله (عز وجل)، أعلمه بأمر القرية.

قال ابن عباس، وعكرمة هي: "أيلة"، وكان ذلك في زمن داود (عليه السلام)، وكذلك قال السدي، وغيره.

وقال قتادة: هي ساحل مَدْيَنَ.

[قال ابن زيد: هي قرية] يقال لها "مَقْنا"، بين مدين وعَيْنُوناً.

وقال ابن شهاب: هي: طَبَرِيةَّ.

وعن ابن عباس أيضاً: أنها مَدْيَنَ.

وأما قوله: ﴿وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣]، فأكثرهم على أنها أنطاكية.

ومعنى: ﴿إِذْ يَعْدُونَ [فِي ٱلسَّبْتِ]﴾.

أي: [إذ] يعتدون إلى ما حرم الله، (عز وجل).

[و "العُدْوَانُ": التجاوز إلى ما حرم الله].

وكان الله، تعالى ذكره، قد حرم عليهم السبت، فكانت الحيتان تقل في سائر الأيام، وتكثر في يوم السبت. ابتلاهم الله، (تعالى)، بذلك فاصطادوا فيه وتركوا ما حرم الله عليهم، فتجاوزوا الحق، فكانت تأتيهم يوم سبتهم، ﴿شُرَّعاً﴾، أي: ظاهرة على الماء.

وقال ابن عباس ﴿شُرَّعاً﴾: من كل مكانٍ.

يقال: سَبَتَ يَسْبِتُ: إذا استراح.

وقرأ الحسن: "ويَوْمَ لاَ يُسْبِتُونَ"، بضم الياء، من: "أَسْبَتَ القَوْمُ"، إذا دخلوا في السبت.

ورُوِي ذلك عن أبي بكر عن عاصم، كما يقال: "أهلَلْنَا"، دخلنا في الهلال، و "أَجْمَعْنا" مرت بنا جمعة.

* *

﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم﴾.

أي: نختبرهم.

قال قتادة: ذُكِرَ لنا أنه دُخِلَ على ابن عباس، وبين يديه المصحف، وهو يبكي، وقد أتى على هذه الآية: ﴿فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ [الأعراف: ١٦٥]، الآية. فقال: قد عَلِمْتُ أن الله تعالى، أهْلَكَ الذين أخذوا الحيتان، ونَجَّى الذين نَهَوْهُمْ، ولا أدري ما الذي صنع بالذين لَمْ يَنْهَوْا، ولم يُواقِعُوا المعصية.

قال الحسن: وأي نهي يكون أبين من أنهم أثبتوا لهم الوعيد، وخوّفوهم العذاب، فقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾.

﴿لاَ تَأْتِيهِمْ﴾، وقف، عند نافع، والأخفش.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ﴾.

أي: واذكر، يا محمد، إذ قالت طائفة من أهل [هذه] القرية، إذ ظهر من أكثرهم ما يُنْكَرُ عليهم، فأنكر ذلك طائفة، فقالت هذه الطائفة التي حكى الله عنها، للطائفة التي أنكرت ما يجب أن ينكر: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً﴾ سيلحقهم أحد هذين: العَذَابُ، أو الهَلاَكُ، قالت الطائفة التي أنكرت: ﴿مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.

فمن رفع: ﴿مَعْذِرَةً﴾ فتقديره: قالوا: مَوْعِظَتُنَا مَعْذِرَةٌ، أي: إنما يجب علينا أن نأمر بالمعروف، [وننهى عن المنكر]، و ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، وَعَظْنَاهُمْ.

ومن نصب: فعلى المصدر، كأنهم قالوا: اعتذاراً.

وقيل: النصب على تقدير: فَعَلْنَا ذَلِك مَعْذِرَةً.

وَرُوِيَ وجها النصب عن الكسائي.

وفرَّق سيبويه بين الرفع والنصب، واختار الرفع، قال: لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا من أمر لِيُموا عليه، ولكنّهم قيل لهم: لم وعظتم؟ فقالوا: مَوْعِظَتُنَا مَعْذِرةٌ. ولو قال رجل لرجل: مَعْذِرَةً إِلَى اللهِ، ثُمَّ إِلَيْكَ مِنْ كَذَا، يريد: اعْتِذَاراً، لَنصَبَ؛ لأنه إنما اعتذر من أمر ليمَ عليه.

والمعنى: واذكر، يا محمد، ﴿وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ﴾، أي: جماعة لجماعة، كانوا ينهون أهل المعصية عن معصيتهم، ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً﴾، قال الذين كانوا يعظون: عظتنا معذرةٌ إلى ربكم، نؤدي بذلك فرضه عليها، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وَعَظْنَاهُم.

قال ابن عباس: كلا الطائفتين كانت تنهى الباقين عن المنكر، فلما طال ذلك، قالت إحدى الطائفتين للأخرى: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾، فلما نزل العذاب نجت الطائفتان: التي قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً﴾ والتي قالت: ﴿مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ﴾، وأهلك الله، (عز وجل)، أهل المعصية، فجعلهم قردة وخنازير.

قال السدي: قال الواعظون بعضهم لبعض: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾.

وروي عن ابن عباس، وغيره، أنه قال: كانوا أثلاثاً، ثلث نَهَوْا، وثلث قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾، وثلث أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نَهَوْا. قال الله (عز وجل): ﴿أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ﴾ [الأعراف: ١٦٥].

ورُوِيَ عنه أنه قال: نجا الناهون، وهلك الفاعلون، وما أدري ما فعل بالساكتين.

وقال الكَلْبِي هم فرقتان: فرقة وعظت، وفرقة قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾، وهي المَوْعُوظَةُ.

وذلك أن الخاطئة لما كثر عليها الوعظ، قالت للواعظين: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾ على قولكم. وقد مضى من ذكر هذا في البقرة جملة.

وقال الكلبي: كانوا فرقتين: قالت الصالحة للطالحة: يا قوم، انتهكتم حرمة سبتكم، وعصيتم ربكم، وخالفتم سنة نبيكم، فانتهوا عن هذا العمل قبل أن ينزل بكم العذاب. قالت الطالحة: فلم تعظوننا إذا كنتم علمتم أن الله، (عز وجل)، مهلكنا، وإن أطعتمونا لتفعلن كالذين فعلنا، فقد فعلناه منذ سنين، فما زادنا الله بذلك إلا خَيْراً. قالت الصالحة: ويلكم، لا تَغْتروا، [ولا] تأمنوا بأس الله، (سبحانه)، فكأنه نزل بكم، قالت لهم الطالحة: فـ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾، الآية.

فهم فرقتان على قول الكلبي. وثلاث فرق على قول أكثر المفسرين.

7:165–167Page 172

فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِۭ بَـِٔيسِۭ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ١٦٥

And when they [i.e., those advised] forgot that by which they had been reminded, We saved those who had forbidden evil and seized those who wronged, with a wretched punishment, because they were defiantly disobeying.

فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ١٦٦

So when they were insolent about that which they had been forbidden, We said to them, "Be apes, despised."

وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبۡعَثَنَّ عَلَيۡهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٦٧

And [mention] when your Lord declared that He would surely [continue to] send upon them until the Day of Resurrection those who would afflict them with the worst torment. Indeed, your Lord is swift in penalty; but indeed, He is Forgiving and Merciful.

قوله: ﴿فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ﴾، إلى قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.

والمعنى: فلما تركت الطائفة التي نهيت عن السوء، ما أمرها الله (عز وجل) به من ترك الاعتداء.

وقيل: نسوا موعظة من وعظهم من المؤمنين، ﴿أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾، أي: وجيع أليم. قاله ابن عباس.

وقيل: ﴿بَئِيسٍ﴾: رديء.

وقال مجاهد ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾: أليم شديد.

وقال قتادة ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾: موجع.

وقال ابن زيد ﴿بَئِيسٍ﴾: شديد.

* *

قوله: ﴿فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ﴾.

أي: تجاوزوا وتمردوا. و "العاتي": المتمرد المتجاوز في الحق. ﴿عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ﴾، [أي]: عن اعتدائهم في السبت، ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً﴾، فصاروا قردة، ﴿خَاسِئِينَ﴾، [أي]: مبعدين. وذلك في زمن داود، (عليه السلام)، وهو قوله: ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ﴾ [المائدة: ٧٨]، صاروا قردة كلهم، ومسخوا في زمن عيسى (عليه السلام)، خنازير، فذلك قوله: ﴿عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨].

قال ابن عباس: صار شباب القوم قردة، وشيوخهم خنازير.

يقال: خَسَأْتُ الكلب: أبعدته وطردته.

* *

وقوله: ﴿قُلْنَا لَهُمْ (كُونُواْ)﴾.

جائز أن يكون أُمِرُوْا بذلك، فيكون أبلغ في الآية والقُدرة. وجائز أن يكون من قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠].

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾.

روى الأصبهاني عن أصحابه عن ورشٍ: (تأذَّنَ)، بتسهيل الهمزة.

والمعنى: واذكر، يا محمد، إذ أعْلَمَ رَبُّك.

فمعنى ﴿تَأَذَّنَ﴾: أَعْلَمَ والعرب تقول: "تعلم" بمعنى "أعلم".

وقال مجاهد ﴿تَأَذَّنَ﴾: قال.

وقال قتادة ﴿تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾: أمر ربك.

ومعنى: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾.

أي: ليبعثن على اليهود ﴿مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ﴾، وهو قتلهم إن لم يؤدوا الجزية، وذلتهم إن ودوها.

قال ابن عباس: هي الجزية، والذين يسومونهم: محمد، ﷺ، وأمته، إلى يوم القيامة.

قال ابن المُسَيَّب: يستحب أن يبعث الأنباط في الجزية.

* *

﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ﴾.

أي: لمن استوجب منهم العقوبة.

* *

﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.

أي: لساتر ذنوب من تاب، متعطف عليه.

7:168–170Page 172

وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ١٦٨

And We divided them throughout the earth into nations. Of them some were righteous, and of them some were otherwise. And We tested them with good [times] and bad that perhaps they would return [to obedience].

فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٦٩

And there followed them successors who inherited the Scripture [while] taking the commodities1 of this lower life and saying, "It will be forgiven for us." And if an offer like it2 comes to them, they will [again] take it. Was not the covenant of the Scripture [i.e., the Torah] taken from them that they would not say about Allāh except the truth, and they studied what was in it? And the home of the Hereafter is better for those who fear Allāh, so will you not use reason?

وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ ١٧٠

But those who hold fast to the Book [i.e., the Qur’ān] and establish prayer - indeed, We will not allow to be lost the reward of the reformers.

قوله: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً مِّنْهُمُ ٱلصَّالِحُونَ﴾، إلى قوله: ﴿ٱلْمُصْلِحِينَ﴾.

روى أبو بكر عن عاصم: "وَقَطَعْنَهَمْ"، بالتخفيف.

والمعنى: وفرقنا بني إسرائيل في الأرض ﴿أُمَماً﴾، أي: جماعات شتى. ففي كل أرض قوم من اليهود، ﴿مِّنْهُمُ ٱلصَّالِحُونَ﴾، أي: منهم من يؤمن بالله ورسله، ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ﴾، وصفهم بهذا قَبْلَ كُفْرِهِمْ وارتدادهم عن دينهم، وقَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ عِيسَى (عليه السلام).

* *

﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ﴾.

أي: بالرخاء، والسعة في الرزق، ﴿وَٱلسَّيِّئَاتِ﴾، بالجدب والمصائب، أي: اختبرناهم بذلك، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، إلى طاعة الله (عز وجل).

* *

قوله: ﴿أُمَماً﴾، وقف.

و ﴿دُونَ ذٰلِكَ﴾، وقف.

و ﴿وَٱلسَّيِّئَاتِ﴾، وقف.

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾.

أي: حدث من بعدهم خَلْفُ سُوْءٍ، يعني: أبناءهم.

و "الخَلْف": الرديء من القول، ومن الأبناء، يقال للواحد والاثنين والجميع، بلفظ واحد.

ويقال في المدح: "هذا خَلَف صِدْقٍ"، بتحريك اللام، ولَزِمَ تسكن اللام فيه، هذا الأشهر.

وقد تحرك في الذم وتسكن في المدح، قال حسان:

؎ ......، وخَلْفُنَا ∗∗∗ لأوَّلِنَا فِي طَاعَةِ اللهِ تابعُ

والخَلَفُ السُّوْءِ، مأخوذ من قولهم: "خَلَفَ اللّبَن"، إذ حمض حتى فسد، ومن قولهم: "خَلَفُ فَمِ الصَّائِمِ"، إذا تغير ريحه.

وقال مجاهد: "الخَلْف" في الآية يراد به النصارى بعد اليهود.

* *

﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ﴾.

يعني: الرشوة على الحكم في قول الجميع.

* *

﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾.

يحتمل وجهين:

أحدهما: أنه مغفور، لا نؤاخَذُ به.

والثاني: أنه ذنب، لكن الله قد يغفره لنا، تأميلاً منهم لرحمته.

وهو ما عَنَّ لهم من عرض الدنيا حلالاً كان أو حراماً، يأخذونه ويتمنون المغفرة، ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾، وإن وجدوا بعده مثله، أخذوه، فهم مُصِرُّونَ على أخذه، وإنما يتمنى المغفرة من أَقْلَعَ عن الذنب، فلم يعد إليه، ولاَ نَوَى الرجوع إلى مثله.

قال ابن جبير: يعملون بالذنب ثم يستغفرون منه، فإن عرض لهم ذنب رَكِبُوه.

و "العَرَضُ" عنده: الذنوب.

قال السدي: كان بنو إسرائيل لا يَسْتَقْضُونَ قَاضِياً إِلاَّ ارْتَشَىِ في الحُكْمِ، فيقال له في ذلك، فيقول: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾، فيطعن عليه بقية بني إسرائيل. فإذا مات جعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه، فيرتشي، أيضاً، ثم لاَ يَثُوبُونَ.

قال ابن زيد: يأتيهم المحق برشوة، فيخرجون له كتاب الله، ثم يحكمون له بالرشوة فإذا جاءهم الظالم بالرِّشوة، أخرجوا له الكتاب الذي كتبوا بأيديهم، وقالوا: ﴿هَـٰذَا [مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ] لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [البقرة: ٧٩]، وهو عَرَضُ الدنيا، هو الرُّشَى في الحكم، فيحكمون له بما في الكتاب، فهو [في كتابهم]، محق، وهو في التوراة ظالم، فقال الله (عز وجل): ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ﴾.

المعنى: ألم يؤخذ عليهم الميثاق، ألا يعملوا إلا بما في التوراة، و ﴿أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ﴾.

[قال ابن عباس: ﴿أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ﴾]، يعني [فيما] يوجبون به من غفران ذنوبهم التي هم عليها مصرون.

* *

وقوله: ﴿وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ﴾.

معناه: ورثوا الكتاب، ودرسوا ما فيه، فَنَبَذُوهُ، وعملوا بخلاف ما فيه.

وقال ابن زيد: علَّموه، فَعَلِمُوا ما فيه.

* *

ثم قال: ﴿وَٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾.

أي: ما فيها من النعيم.

* *

قوله: ﴿يَأْخُذُوهُ﴾، وقف.

وكذا: ﴿إِلاَّ ٱلْحَقَّ﴾.

وكذا: ﴿وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ﴾.

* *

ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ﴾.

أي: يعملون بما في التوراة، ﴿وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ﴾، [ي: أجر المُصلِحِ منهم].

7:171Page 173

۞ وَإِذۡ نَتَقۡنَا ٱلۡجَبَلَ فَوۡقَهُمۡ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٞ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُۥ وَاقِعُۢ بِهِمۡ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧١

And [mention] when We raised the mountain above them as if it was a dark cloud and they were certain that it would fall upon them,1 [and Allāh said], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that you might fear Allāh."

قوله: ﴿وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ الآية.

والمعنى: واذكر يا محمد، ﴿وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ﴾، أي: اقْتَلَعْنَاهُ فرفعناه [فوق] بني إسرائيل.

وقيل: نَتْقَنَاهُ": زعزعناه.

* *

﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾.

أي: غَمَامَةٌ.

و "الكاف" من ﴿كَأَنَّهُ﴾، في موضع نصب على الحال، أي: نتقناه مُشْبِهاً الظلة، أي: في هذه الحال.

ويجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء، والخبر محمول على المعنى.

أو يكون خبر ابتداء محذوف، [أي]: هو ﴿كَأَنَّهُ [ظُلَّةٌ]﴾.

* *

﴿وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾.

أي: أيقنوا بذلك، إذ هو فوق رؤوسهم.

* *

﴿خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ﴾.

أي: وقيل لهم: خذوا ما في الكتاب من الفرائض بجدٍّ وَعَزْمٍ، ولا تقصروا في أداء فرائض الله (عز وجل)، التي فيه، وإلاَّ خَرَّ عليكم الجبل فأهلككم فقالوا: بل، نأخذه بقوة، أي: بجد وعزم، ثم نَكَثُوا بعد ذلك. هذا قول ابن عباس.

قال ابن عباس: إني لأعلم لأي شيء سجدت اليهود على حَرْفِ وُجوههم: لما رفع الجبل فوقهم سجدوا، وجعلوا ينظرون إلى الجبل بِشقِّ وجوههم، خوفاً ان يقع عليهم. قال: وكانت سجدةً رضيها الله (عز وجل)، فاتخذوها سُنَّة.

قال قتادة: نزع الله (عز وجل)، الجبل من أصله، ثم جعله فوق رؤوسهم، وقال: لتأخُذَنَّ أمري، أو لأرمينّكم به.

وقال ابن جريج: كانوا قد أبَوْا أن يقبلوا التوراة.

وروى حجاج عن أبي بكر بن عبد الله أنه قال: لما قيل لهم: اقبلوا ما في التوراة، قالوا: انشر علينا ما فيها، فإن كانت فرائضها يسيرة وحدودها خفيفة، قبلناها. قال: اقبلوها بما فيها، قالوا: حتى نعلم ما فيها، فراجعوا موسى (عليه السلام)، مراراً فأوحى الله، (عز وجل)، إلى الجبل فانقلع وارتفع في السماء، حتى إذا ان بين رؤوسهم وبين السماء، قال لهم موسى (عليه السلام): ألا ترون ما يقول ربّي عز جل؟ لئن لم تقبلوا التوراة بما فيها رميتكم بهذا الجبل.

قال الحسن البصري: لما نظروا إلى الجبل خرّ كل رجل منهم ساجداً على حاجبه الأيسر، ونظر بعينه اليمنى إلى الجبل، فَرَقاً أن يسقط عليه، فلذلك ليس اليوم في الأرض يهودي يسجد إلا على حاجبه الأيسر، يقولون: هذه السجدة التي رُفعت عنَّا بها العقوبة. قال أبو بكر بن عبد الله: لما نشر موسى (عليه السلام)، الألواح فيها كتاب الله عز وجل، كتبه بيده، ويده صفة له، لا يد جارحة، تعالى الله أن يوصف بجارحة، إذْ ليس كمثله شيء، لم يبق على وجه الأرض جبل ولا شجر، (ولا شيء) إلا اهتز، فليس اليوم يهودي على الأرض من صغير ولا كبير تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونفض لها رأسه.

وقيل: كان نَتْقُ الجبل أنه قُطِع منه شيء على قدر عَسْكَر موسى (عليه [السلام])، فظلل عليهم، وقال لهم موسى (عليه السلام)، إمَّا أن تقبلوا وإمَّا أن يسقط عليكم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском