Makki ibn Abi TalibAl‑A'raf · 7:44–64

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:44–64

7:44–45Page 156

وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدۡ وَجَدۡنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّٗا فَهَلۡ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمۡ حَقّٗاۖ قَالُواْ نَعَمۡۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُۢ بَيۡنَهُمۡ أَن لَّعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٤

And the companions of Paradise will call out to the companions of the Fire, "We have already found what our Lord promised us to be true. Have you found what your Lord promised to be true?" They will say, "Yes." Then an announcer will announce among them, "The curse of Allāh shall be upon the wrongdoers

ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ كَٰفِرُونَ ٤٥

Who averted [people] from the way of Allāh and sought to make it [seem] deviant while they were, concerning the Hereafter, disbelievers."

قوله: ﴿وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ﴾، الآية.

المعنى: ونادى أهل الجنة أهل النار بعد الدخول: يا أهل النار، قد وجدنا ما وعدنا ربنا في الدنيا على ألسنة الرسل (حقاً، من الثواب والنعيم والكرامة، فهل وجدتم ما وعدكم في الدنيا على ألسنة الرسل) من العقاب والثواب حقاً؟ فأجاب أهل النار: نعم، قد وجدنا ذلك حقاً، ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ [ٱللَّهِ] عَلَى ٱلظَّالِمِينَ﴾.

تَمَّ الإخبار عما يكون يوم القيامة.

ثم ابتدأ بصفة من استحق هذه اللعنة، فأخبر بصفتهم في الدنيا، فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، إلى: ﴿كَافِرُونَ﴾، فهما قصتان، إحداهما في الآخرة والأخرى في الدنيا، اتصلتا.

* *

﴿ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾.

أي: حاولوا أن يغيروها، ويبدلوها عما جعلها الله (عليه) من استقامتها.

﴿وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ﴾. أي: بالبعث. ﴿كَافِرُونَ﴾. أي: جاحدون.

والعرب تقول للميل في الطريق والدين "عِوَجٌ" بالكسر، وفي ميل الرجل على الشيء وهو العطف عليه: "عَاجَ إليه يَعُوج عِيَاجاً وَعَوَجاً وعِوَجاً"، بكسر العين وفتحه. وما كان خلقه في الإنسان، فإنه يقال فيه: "الَعَوج" بالفتح، يقال: "ما أبين عَوَجَ سَاقِهِ"، بفتح العين.

7:46Page 156

وَبَيۡنَهُمَا حِجَابٞۚ وَعَلَى ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٞ يَعۡرِفُونَ كُلَّۢا بِسِيمَىٰهُمۡۚ وَنَادَوۡاْ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَن سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۚ لَمۡ يَدۡخُلُوهَا وَهُمۡ يَطۡمَعُونَ ٤٦

And between them will be a partition [i.e., wall], and on [its] elevations are men1 who recognize all2 by their mark. And they call out to the companions of Paradise, "Peace be upon you." They have not [yet] entered it, but they long intensely.

قوله: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ [وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ]﴾ (الآية).

والمعنى: وبين الجنة والنار ﴿حِجَابٌ﴾، أي: حاجز، وهو السور الذي ذكره الله [عز وجل] فقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣]، وهو: الأعراف.

قال مجاهد: "الأَعْرَافُ"، حجاب بين الجنة والنار.

قال السدي: الحجاب، وهو السور، وهو: الأعراف.

و "الأَعْرَافُ": جمع، واحدها: عُرْف، وكل مرتفع من الأرض فهو: عُرْفٌ.

وقيل لعرف الديك: عرف لارتفاعه.

وقال السدي: إنما سمي "الأَعْرَافُ" أعرافاً؛ لأن أصحابه يعرفون الناس.

وقال ابن عباس: هو جسر بين الجنة والنار، عليه ناس من أهل الذنوب بين الجنة والنار.

وذكر الشعبي عن حذيفة: أن "أصحاب الأعراف" قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار، [و] قصرت سيئاتهم عن الجنة، ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ﴾، فبيناهم كذلك إذ اطلع عليهم ربك فقال (لهم): اذهبوا فادخلوا الجنة فإني قد غفرت لكم.

وروي عنه أنه قال: يوقفون هنالك على السور حتى يقضي الله بينهم.

وعن ابن عباس: "الأَعْرَاف"، السور الذي بين الجنة والنار، و "الرجال": قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فوقفوا على ﴿ٱلأَعْرَافِ﴾، يعرفون أهل الجنة بسيماهم، وأهل النار بسيماهم.

وعنه أنه قال أيضاً: "الأعراف" الشيء المشرف.

وعنه أنه قال: [هو] كعرف الديك.

وعنه أنه قال: هم رجال كانت لهم ذنوب عظام وكان حسم أمرهم لله، فوقفوا على السور.

وقال ابن مسعود: من كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار. ومن استوت حسناته وسيئاته كان من "أصحاب الأعراف" فوقفوا على الصراط، ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾، وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم (رأوا) أصحاب النار، ﴿قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ﴾، [الأعراف: ٤٧]، فيتعوذون بالله من منازلهم، فأما أصحاب الحسنات، فإنهم يعطون نوراً فيمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطي كل عبد يومئذ نوراً وكرامة. فإذا أتوا على الصراط سلب الله عز وجل، نور كل منافق ومنافقة. فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافِقون، قالوا: ﴿رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨]. وأما "أصحاب الأعراف"، فإن النور كان في أيديهم فلم ينزع منهم، فلذلك قال: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾.

وقال مجاهد، عن عبد الله بن الحارث: ﴿أَصْحَابُ ٱلأَعْرَافِ﴾، يؤمر بهم إلى نهر يقال له: "الحياة" ترابه: الوَرْس والزعفران، وحافتاه: قصب الذهب مكلل باللؤلؤ، وقال: فيغتسلون [فيه اغتسالة، وتبدو في نحورهم شامة بيضاء، ثم يعودون فيغتسلون]، فيزدادون. فكلما اغتسلوا ازدادوا بياضاً، فيقال لهم [تمنوا] ما شئتم، [فيتمنون ما شاؤا، فيقال لهم: لكم ما تمنيتم]، وسبعون ضعفاً، [قال:] فهم مساكين أهل الجنة.

ومثل هذا روي عن ابن عباس أيضاً.

وقيل: ﴿ٰ أَصْحَابُ ٱلأَعْرَافِ﴾، قوم قتلوا في سبيل الله (عز وجل) عصاة لآبائهم في الدنيا. قاله: شرحبيل بن سعد، قال: هم قوم خرجوا إلى الغور بغير إذن آبائهم، فيقتلون.

روي عن النبي، ﷺ، أنه سئل عن "أصحاب الأعراف"، فقال لهم: قوم قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم فمنعهم قتلهم في سبيل الله (عز وجل) من النار، ومنعهم معصيتهم آبائهم أن يدخلوا الجنة

وعن مجاهد، أنه قال: هم قوم صالحون فقهاء علماء.

وقال أبو مجلز: هم ملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار.

وقال ابن عباس: هم رجال أنزلهم الله (عز وجل) تلك المنزلة، يعرفون أهل الجنة ببياض وجوههم، ويعرفون أهل النار بسواد وجوههم، ويتعوذون بالله (سبحانه) أن يجعلهم مع الظالمين. وهم يحيون أهل الجنة بالسلام، لم يدخلوها، وهم يطمعون [بالدخول إن شاء الله].

هذا خبر من الله عن أهل الأعراف: أنهم قالوا لأهل الجنة ما قالوا قبل دخول أصحاب الأعراف الجنة، غير أنهم قالوه وهم يطمعون في دخولها.

وقال الحسن: والله ما جعل الله ذلك الطمع في قلوبهم، إلا لكرامة يريدها بهم.

وقال ابن مسعود: أما "أصحاب الأعراف"، فإن النور كان في أيديهم، لم ينزع من أيديهم، فهنالك يقول الله (عز وجل) ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾.

قال ابن عباس: ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾، أي: في دخولها.

وقيل: "طَمِعَ" هنا بمعنى "عَلِمَ"، أي: لم يدخلها أصحاب الأعراف، وهم يعلمون أنهم يدخلون.

وقيل المعنى: إن "أصحاب الأعراف" يقولون لأهل الجنة: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾، وأهل الجنة يطمعون أن يدخلوها، ولم يدخلوا بعد.

وعلى هذا تأويل قول من جعل أصحاب الأعراف ملائكة، يكون الطمع للمؤمنين الذين يمرون على أصحاب الأعراف.

وقيل المعنى: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾، وإنما دخلوها) وهم غير طامعين. فيكون الوقف على هذا على ﴿يَطْمَعُونَ﴾.

﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ تمام، على قول من جعل ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ للمارين من المؤمنين.

ومن جعل "الطمع" لأصحاب الأعراف لم يقف على ﴿يَدْخُلُوهَا﴾.

7:47Page 156

۞ وَإِذَا صُرِفَتۡ أَبۡصَٰرُهُمۡ تِلۡقَآءَ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٧

And when their eyes are turned toward the companions of the Fire, they say, "Our Lord, do not place us with the wrongdoing people."

قوله: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ﴾، الآية.

المعنى: وإذا صرفت أبصار أصحاب الأعراف نحو أصحاب النار، فنظروا إلى حالهم ﴿قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ﴾.

وقال السدي: إذا مرت زمرة من أهل النار بأصحاب الأعراف، دعوا ألا يجعلوا معهم.

وقال ابن عباس: [إن "أصحاب الأعراف"] إذا نظروا إلى أهل النار عرفوهم، واستعاذوا أن يُجْعلوا معهم.

7:48Page 156

وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٗا يَعۡرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمۡ قَالُواْ مَآ أَغۡنَىٰ عَنكُمۡ جَمۡعُكُمۡ وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٨

And the companions of the Elevations will call to men [within Hell] whom they recognize by their mark, saying, "Of no avail to you was your gathering1 and [the fact] that you were arrogant."

قوله: ﴿وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلأَعْرَافِ﴾، الآية.

المعنى: إن "أصحاب الأعراف" نادوا رجالاً يعرفونهم، من أهل النار ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾، أي: بسواد وجوههم، وزرقة أعينهم، قالوا لهم: أي شيء أغنى عنكم جمعكم في الدنيا، واستكباركم فيها، عن عبادة الله، عز وجل، والإيمان برسوله، ﷺ.

قال السدي: مر بأهل "الأعراف" رجال من الجبارين يعرفونهم، فقالوا لهم ذلك.

7:49Page 156

أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمۡتُمۡ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحۡمَةٍۚ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ٤٩

[Allāh will say], "Are these1 the ones whom you [inhabitants of Hell] swore that Allāh would never offer them mercy? Enter Paradise, [O people of the Elevations]. No fear will there be concerning you, nor will you grieve."

قوله: ﴿أَهَـۤؤُلاۤءِ [ٱلَّذِينَ] أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾.

هذا قول الله (عز وجل) [لأهل النار] توبيخاً لهم على ما كان من قِيِلِهِمْ لأهل الأعراف في الدنيا، وذلك حين دخل [أهل] الأعراف الجنة، فهو قول اتصل بقول أصحاب الأعراف، فهو من قول الله، جل ذكره، إلى قوله: ﴿تَحْزَنُونَ﴾، ففيه رجوع من مخاطبة كفار إلى مخاطبة مؤمنين متصل بعضه ببعض.

وقد قيل: إنه من قول الملائكة لأهل النار، [ويكون] ﴿[ٱدْخُلُواْ] ٱلْجَنَّةَ﴾ من قول الله (عز وجل)، فتكون الآية [فيها] ثلاثة أقوال:

- قول أهل الأعراف إلى ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: ٤٨].

- وقول الملائكة إلى ﴿بِرَحْمَةٍ﴾.

- وقول الله إلى ﴿تَحْزَنُونَ﴾، متصل (كله) بعضه ببعض.

قال ابن عباس: "أصحاب الأعراف"، رجال كانت لهم ذنوب عظام، وكان حسم أمرهم [لله]، يقومون على الأعراف، فإذا نظروا إلى [أهل] الجنة طمعوا فيها، وإذا نظروا [إلى] أهل النار تعوذوا بالله منها، فأدخلوا الجنة، فقال الله، تبارك الله، ﴿أَهَـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾، يا أهل النار، ﴿لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.

وقال حذيفة: ﴿أَصْحَابُ ٱلأَعْرَافِ﴾، قوم قَصَّرت بهم حسناتهم عن الجنة، وقصرت بهم سيئاتهم عن النار، فجعلوا على الأعراف، يعرفون الناس بسيماهم. فلما قضي بين العباد، أذن لهم في طلب الشفاعة [فيأتون الأنبياء كلهم من الشفاعة]، ويدل على الآخر حتى يأتوا محمداً (ﷺ)، فيشفع لهم، فيذهب بهم إلى "نهر الحيوان" حافتاه قصب من ذهب مكلل باللؤلؤ، ترابه المسك، وحصباؤه الياقوت، فيغتسلون فيه، فتعود إليهم ألوان أهل الجنة وريح أهل الجنة، ويصيرون كأنهم الكواكب الدرِّية، وتبقى في صدورهم شامات بيض يعرفون بها، يقال لهم: "مساكين أهل الجنة".

وقال أبو مِجْلَز: [بل] هذا القول خبر من الله (عز وجل) [عن] قول الملائكة لأهل النار، تعييراً منهم لهم على ما كانوا يقولون في الدنيا للمؤمنين الذين قد دخلوا الجنة.

* *

قوله: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ﴾، وما بعده من كلام الله (سبحانه)، فالوقف على هذا: ﴿بِرَحْمَةٍ﴾.

ومن قال إنها خبر من الله (عز وجل) عن نفسه (جلت عظمته) وقف على: ﴿تَحْزَنُونَ﴾.

وقرأ يحيى بن يَعْمَر: "أُدْخِلُوا الجَنَّةَ"، على ما لم يسلم فاعله بكسر الخاء.

وقرأ الحسن، وابن هرمز: "أَدْخِلُواْ"، بفتح الهمزة وكسر الخاء، على الأمر من الله (تعالى) للملائكة أن يدخلوهم الجنة، والمفعول محذوف.

7:50Page 156

وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَنۡ أَفِيضُواْ عَلَيۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٠

And the companions of the Fire will call to the companions of Paradise, "Pour upon us some water or from whatever Allāh has provided you." They will say, "Indeed, Allāh has forbidden them both to the disbelievers

قوله: ﴿وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ﴾، الآية.

ومعنى الآية: أنها خبر من الله (عز وجل) عن استغاثة أهل النار بأهل الجنة، عند نزول شدة العطش والجوع بهم.

ومعنى: ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ﴾، أي من الطعام، فأجابهم أهل الجنة: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾.

قال ابن عباس: ينادي الرجل أخاه وأباه فيقول: "(قد احترقت)، أفض علي من الماء"، فيقال لهم: أجيبوهم فيقولون: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾.

7:51Page 156

ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَهۡوٗا وَلَعِبٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ فَٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوۡمِهِمۡ هَٰذَا وَمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ٥١

Who took their religion as distraction and amusement and whom the worldly life deluded." So today We will forget them just as they forgot the meeting of this Day of theirs and for having rejected Our verses.

﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً﴾.

أي: سخرية ولعباً؛ لأنهم كانوا إذا دعوا إلى الإيمان سخروا ممن دعاهم إليه وهزأوا به.

* *

وقوله: ﴿وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا﴾.

أي: خدعتهم بعاجل ما فيها من العيش والدعة، عن الأخذ بنصيبهم من الآخرة.

* *

﴿فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ﴾.

أي: نتركهم في العذاب جياعاً عطاشاً.

* *

﴿كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا﴾.

أي: كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا، وكما كانوا بآياتنا يجحدون، أي: بحجتنا وعلاماتنا.

ولا يوقف على ﴿يَوْمِهِمْ هَـٰذَا﴾؛ لأن ﴿وَمَا﴾ معطوف على ﴿مَا﴾ الأولى.

7:52–53Page 157

وَلَقَدۡ جِئۡنَٰهُم بِكِتَٰبٖ فَصَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ عِلۡمٍ هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥٢

And We had certainly brought them a Book which We detailed by knowledge - as guidance and mercy to a people who believe.

هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأۡوِيلَهُۥۚ يَوۡمَ يَأۡتِي تَأۡوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشۡفَعُواْ لَنَآ أَوۡ نُرَدُّ فَنَعۡمَلَ غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُۚ قَدۡ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٥٣

Do they await except its result?1 The Day its result comes, those who had ignored it before will say, "The messengers of our Lord had come with the truth, so are there [now] any intercessors to intercede for us or could we be sent back to do other than what we used to do?" They will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.

قوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ﴾، إلى ﴿يَفْتَرُونَ﴾.

لام: "لقد" حيث وقعت لام توكيد، متعلق بمعنى القسم، والمعنى: والله أقسم لقد كان هكذا.

و: "الكتاب" [هو]: القرآن.

و: ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾: بيناه.

* *

﴿عَلَىٰ عِلْمٍ﴾.

أي: على علم منا بالميز بين الحق والباطل والضلال والهدى.

* *

﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾.

أي: ليُهْتَدَى [وَيُرْحَم] به قوم يصدقون به.

وهذه الآية مردودة على قوله: ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٢].

* *

قوله: ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾، معطوف على [قوله]: ﴿مِن شُفَعَآءَ﴾، أي: أو هل نرد.

وقرأ ابن أبي إسحاق: "أو نُردَّ"، بالنصب، على معنى: إلا أن نرد، كما قال:

؎ .... أَوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرَا

وقوله: ﴿فَنَعْمَلَ﴾، جواب لقوله: ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾، أو عطف عليه، على قراءة من نصب ("نرد").

وقرأ الحسن: "أو نرد فَنَعْمَلُ"، بالرفع فيهما، على (لفظ) العطف على "نُرَدُّ". ورفع "نرد" على الاستفهام كما ذكرنا.

وقوله، ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾.

أي: إلا ما وعدوا به في القرآن من العذاب.

و ﴿يَنظُرُونَ﴾، بمعنى: ينتظرون.

قال قتادة: ﴿تَأْوِيلَهُ﴾، عاقبته.

وقال مجاهد: جزاءه.

* *

﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾، أي: جزاؤه، ﴿يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾، أي: تركوه في الدنيا، ﴿قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ﴾.

وقال ابن زيد: ﴿تَأْوِيلُهُ﴾، حقيقته، أي: حقيقة القرآن فيما أوعدهم من العقاب.

قال السدي: ﴿ٱلَّذِينَ نَسُوهُ﴾، تركوه في الدنيا، لما رأوا ما أوعدهم أنبياؤهم، استيقنوا بالهلاك، وطلبوا الشفعاء والرجعة إلى الدنيا.

* *

﴿قَدْ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ﴾.

أي: غَبَنوا أنفسهم حظوظها ببيعهم ما ذكر لهم من نعيم الآخرة الدائم بالخسيس من عرض الدنيا الزائل.

* *

﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾.

أي: أولياؤهم في الدنيا.

وقال بعض أهل اللغة معناه: هل ينظرون إلى ما يؤول إليه أمرهم من البعث، وعلى هذا تأولوا قول الله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] أي: لا يعلم وقت البعث إلا الله، ثم قال تعالى: ﴿وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾.

و "النسيان" في هذا الموضع على معنيين:

- يجوز أن يكون معناه: فلما أعرضوا عنه صاروا بمنزلة من نسي الشيء.

- والثاني: أن يكون بمعنى الترك.

7:54Page 157

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٥٤

Indeed, your Lord is Allāh, who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne.1 He covers the night with the day, [another night] chasing it rapidly; and [He created] the sun, the moon, and the stars, subjected by His command. Unquestionably, His is the creation and the command; blessed is Allāh, Lord of the worlds.

قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ [وَٱلأَرْضَ]﴾، الآية.

احتج من خفف ﴿يُغْشِي﴾، بقوله: ﴿فَأغْشَيْنَاهُمْ﴾ [يس: ٩].

واحتج من شدد بقوله: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ﴾ [النجم: ٥٤]، وبأن التشديد يوجب التكرير، وكذلك هو فعل يتكرر ويتردد، وذلك أن كل يوم دخل ليله غير ليل اليوم الآخر، فالتغشية مكررة لمجيئها يوماً بعد يوم، وليلة بعد ليلة.

* *

وقوله: ﴿حَثِيثاً﴾. أي: طلباً حثيثاً.

والمعنى: إن سيدكم ومصلح أموركم، هو ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، وذلك يوم الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة.

قال مجاهد: بدأ بخلق العرش والماء والهواء، وخلقت الأرض من الماء، وكان جمع الخلق يوم الجمعة، فلذلك سميت الجمعة.

* *

وقوله: ﴿يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ﴾.

أي: يورد الليل على النهار فيلبسه إياه، حتى يذهب بضوئه، يطلبه طلباً ﴿حَثِيثاً﴾، أي: سريعاً حتى يدركه.

* *

﴿أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ﴾.

﴿ٱلْخَلْقُ﴾: المخلوق.

﴿وَٱلأَمْرُ﴾ هو: كلامه الذي به تكون المخلوقات، فهو غير مخلوق، وصفة من صفاته، كعلمه وقدرته، لا يشبه كلام المخلوقين، ولا يقدر فيه صوت ولا حروف؛ إنما هو كلام له صفة ذاته، فكما أنه تعالى لا شيء يشبهه، كذلك صفاته لا تشبهها صفة.

وقال ابن عباس: الدنيا جمعة من جمع الآخرة، سبعة آلاف سنة.

وقال كعب: الدنيا ستة آلاف سنة.

[وكذلك] قال وهب.

[و] قال النبي، ﷺ،: "أجلكم في أجل من كان قبلكم من صلاة العصر إلى مغرب الشمس

وقال صلى الله عليه (وسلم) يوماً عند غروب الشمس: "(إن) مثل ما بقي من دنياكم في ما مضى، كهيئة يومكم هذا في مضى منه

وقال: "بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بأصبعيه: السبابة والوسطى

قال ابن عباس: سألت اليهود النبي (عليه السلام) عن خلق السموات والأرض فقال: "خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء ومنافعها، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب، فهذه أربعة أيام، وهو قوله: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾، ثم قال: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾. قال: وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر إلى ثلاثة ساعات منه. وخلق في أول ساعة من هذه الثلاث ساعات من حَيِي ومن يموت، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة منه خلق آدم (عليه السلام). وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها آخر ساعة"، ثم قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: "ثم استوى على العرش" قالوا: قد أصبت لو أتممت، قالوا: ثم استراح، فغضب النبي، ﷺ، غضباً شديداً، فنزل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾

واللغوب: الإعياء.

واليهود، عليهم اللعنة، تتأول في السبت، أنه يوم الراحة، فلذلك جعلوه لأنفسهم راحة لا يتصرفون فيه، تعالى الله عن ذلك.

قال قتادة: أوحى الله في كل سماء أمرها: خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وصلاحها. فَخَلْقُ الشمس والقمر كان بعد [خَلْقِ) السموات والأرض.

قال النبي (ﷺ): "أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن

قال ابن عباس: ثم رفع بخار الماء فَفَتَقَ منها السموات والأرض.

وقيل: أول شيء خلق الله النور والظلمة، ثم ميز بينهما، فجعل الظلمة ليلاً أسود مظلماً، وجعل النور نهاراً مبصراً.

فالسموات والأرض تحيط بهما البحار ويحيط بذلك كله الهيكل، ويحيط بالهيكل الكرسي.

قال وهب: الهيكل شيء من أطراف السموات يحدق بالأرضين والبحار كأطناب الفسطاط.

وكان بين خلقه تعالى، القلم وخلقه سائر خلقه ألف عام. ولما أراد تعالى أن يخلق السموات خلق أياماً ستة، فخلق واحداً فسماه الأحد، وثانياً فسماه: الاثنين، وثالثاً فسماه: الثلاثاء، ورابعاً فسماه: الأربعاء، وخامسا فسماه: الخميس.

وكان ابتداء الخلق يوم السبت خلق فيه التربة.

وقيل: يوم الأحد.

وقد روي أن الله تعالى خلق البيت العتيق على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحته. قاله ابن عباس.

وكذلك روى مجاهد عن عبد الله بن عمرو.

أي: نزرا قليلاً لا فائدة فيه مع قلته، كذلك الكافر لا يقبل الهدى فإن قبل شيئاً فهو قليل لا فائدة فيه؛ لأنه على شك وقلة يقين. قال ذلك ابن عباس وقتادة.

وقال السدي: هو مثل ضربه الله، تعالى، للقلوب لما نزل عليها القرآن، كنزول المطر على الأرض، فقلب المؤمن كالأرض الطيبة القابلة للماء الذي تنتفع به فيما تخرج [و] قلب الكافر كالأرض السبخة التي لا تنتفع بما تقبل من الماء.

هذا معنى قوله: ﴿كَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٨]، أي: كما فعلنا فيما تقدم ذكره، مثله نصرف الآيات في هذا.

* *

قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٥٩-٦١]، الآيات الثلاث.

لام ﴿لَقَدْ﴾ لام توكيد بمعنى القسم.

وقال ابن عباس: الليل خلق قبل النهار.

وقيل: [كان] النهار قبل الليل. ودليل ذلك أن الله، تعالى ذكره، [كان] ولا ليل، ولا نهار، ولا شيء غيره؛ وأن نوره كان يضيء به كل شيء خلقه بعدما خلقه، حتى خلق الليل. فالضياء قبل الظلمة.

7:55–56Page 157

ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةًۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٥٥

Call upon your Lord in humility and privately; indeed, He does not like transgressors.1

وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٦

And cause not corruption upon the earth after its reformation. And invoke Him in fear and aspiration. Indeed, the mercy of Allāh is near to the doers of good.

قوله: ﴿ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾، إلى: ﴿ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.

المعنى: ادعوا، أيها الناس، ربكم مستكينين له، مخلصين متخشعين سراً في أنفسكم، ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾.

* *

ثم قال: ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. أي: لا تشركوا. والفساد هنا: الشرك.

﴿بَعْدَ إِصْلاَحِهَا﴾. أي: بعد إصلاح الله (تعالى) إياها لأهل طاعته، بأن بعثت إليهم نبياً، ينذرهم ويبشرهم.

﴿وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾. أي: خوفاً من عقابه، وطمعاً في رحمته.

﴿إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ [مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ]﴾. أي: ثواب الله قريب من المحسنين وإنما وصفه (بالقرب)؛ لأنه ليس بينهم وبينه إلا أن يفارقوا الدنيا.

وفي حرف: "الهاء" في ﴿قَرِيبٌ﴾ ستة أقوال:

أحسنها أن "الرحمة" و"الرحم" بمعنى.

وقال الفراء: (إنما أتى ﴿قَرِيبٌ﴾) بغير "هاء" ليفرق بينه وبين قريب من النسب.

ويلزمه ألا يجوز فيه إدخال "الهاء"، وإدخالها جائز عند جميع النحويين لو كان في كلام.

وقال الزجاج: حذفت "الهاء"؛ لأنه ثأنيث غير حقيقي.

ومذهب أبي عبيدة: أن تذكير ﴿قَرِيبٌ﴾، على تذكير المكان.

ويلزمه على هذا نصب ﴿قَرِيبٌ﴾.

وقيل: "الرحمة" هنا: المطر، فَذُكِّر حملاً على المعنى.

وقيل: هو مذكر على النسب كما يقال: امرأة طالِقٌ وحائِضٌ.

7:57Page 157

وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٥٧

And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy [i.e., rainfall] until, when they have carried heavy rainclouds, We drive them to a dead land and We send down rain therein and bring forth thereby [some] of all the fruits. Thus will We bring forth the dead; perhaps you may be reminded.

قوله: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً [بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ]﴾، الآية.

من قرأ ﴿بُشْراً﴾ فهو جمع "نشور"، كقولك: "صبور" و "صبر".

والريح النَّشُور: التي تأتي من هنا ومن هنا.

وقيل: ﴿بُشْراً﴾ مصدر. ومن أسكن الشين فعلى هذا المعنى يكون، إلا أنه [أسكن] [الشين] استخفافاً.

ومن قرأ ﴿بُشْراً﴾ [بفتح النون]، فهو مصدر نشرت [الريح] السحاب وانتشرته نشراً، كما قال: ﴿وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾ [المرسلات: ٣]، فتقديره: وهو الذي يرسل الرياح ناشرة السحاب، فهو مصدر في موضع الحال.

وقيل: "النشر": الريح الطيبة اللينة [التي] تنشىء السحاب.

ومن قرأ (بشرْاً) بالباء، فهو جمع بشير، مخفف، كرغيف ورغف.

وقيل هو: مصدر، أي: تبشر بالمطر.

* *

﴿سُقْنَاهُ﴾.

"الهاء" تعود على السحاب، وهو يؤنث ويذكر، وكذلك كل شيء بينه وبين واحده "الهاء".

ومعنى الآية: وربكم الذي خلق السموات والأرض وما ذكر، ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً﴾.

"والنَّشْرُ" من الرياح: الريح الطيبة اللينة التي تنشر السحاب.

ومن قرأ ﴿بُشْراً﴾، بضمتين، أي: يرسلها تهب من كل ناحية.

ومعنى الكلام: والله الذي يرسل الرياح من كل ناحية ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾.

والرحمة: المطر.

* *

﴿حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً﴾.

أي: أقلت الرياح سحاباً، يقال: أقل البعير حمله إذا حمله واستقل به.

﴿سُقْنَاهُ﴾، أي: سقنا السحاب إلى بلد ميت، قد أجدب أهله، وعفَّت مزارعه، ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾، بالمطر من الأرض من كل الثمرات.

* *

وقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ﴾. "الهاء" للبلد.

﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾. أي: بالماء [أو بالبلد].

﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. أي: لتكونوا على رجاء من التذكر.

* *

وقوله: ﴿كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ﴾. أي: كما نحيي هذا البلد الميت بالماء]، كذلك نحيي الموتى بعد موتهم.

قال أبو هريرة: إن الناس إذا ماتوا في النفخة الأولى، مطر عليهم من ماء تحت العرش يدعى "الحيوان" أربعين سنة، فينبتون كما ينبت الزرع [بالماء). فإذا استكملت أجسادهم نفخ فيهم الروح.

قال ابن مسعود: يرسل الله ماء من تحت العرش كمني الرجال، وليس من بني آدم خلق في الأرض إلا منه شيء (قد بقي في الأرض) فتنبت جسماً له ولحماً لهم من ذلك الماء، كما تنبت الأرض من المطر. ثم قرأ إلى قوله: ﴿كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.

وروى أبو سعيد الخدري: أن النبي، ﷺ، قال: يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه"، فقيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: "مثل حبة خردل منه تنشئون"

7:58–61Page 158

وَٱلۡبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخۡرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَٱلَّذِي خَبُثَ لَا يَخۡرُجُ إِلَّا نَكِدٗاۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَشۡكُرُونَ ٥٨

And the good land - its vegetation emerges by permission of its Lord; but that which is bad - nothing emerges except sparsely, with difficulty. Thus do We diversify the signs for a people who are grateful.

لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ٥٩

We had certainly sent Noah to his people, and he said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. Indeed, I fear for you the punishment of a tremendous Day."

قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٦٠

Said the eminent among his people, "Indeed, we see you in clear error."

قَالَ يَٰقَوۡمِ لَيۡسَ بِي ضَلَٰلَةٞ وَلَٰكِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦١

[Noah] said, "O my people, there is not error in me, but I am a messenger from the Lord of the worlds.

قوله: ﴿وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ﴾، الآية.

هذا مثل ضربه الله لروح المؤمن، وروح الكافر، فالمؤمن يرجع روحه الطيب إلى جسده سهلاً طيباً كما خرج إذا مات، والكافر لا يرجع روحه إلى جسده إلا بالنكد كما خرج.

وقيل: هو مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فشبه المؤمن بالبلد الطيب إذا أصابه المطر أخرج نباته بإذن ربه، كذلك المؤمن إذا سمع الهدى قَبِلَهُ بإذن ربه، وشبه الكافر بالأرض السَّبِخَةِ المالحة وهي التي خبثت لا تخرج النبات إلا نكداً.

والمعنى: أنه خبر من الله (عز وجل) أنه أرسل نوحاً إلى قومه: منذراً بأسه ومخوفاً من عقاب، فقال لمن كفر منهم: ﴿ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾، تعبدونه إلا الله، فاعبدوه ولا تشركوا به، ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.

قال عكرمة: إنما سمي نوح نوحاً لأنه كان ينوح على نفسه، أي: يكثر ذلك.

قال ابن عباس: أرسل نوح إلى قومه بعد أربعين سنة.

قال الكلبي عنه: بعد آدم بثمان مائة سنة، أرسله الله (عز وجل) بالشريعة، بتحريم البنات والأمهات والأخوات والعمات والخالات، وسائر الفرائض.

قال وهب: نوح أول نبي بعث بعد إدريس (عليه السلام)، فلبث في قومه أربع مائة سنة، قبل أن يبعثه الله (عز وجل) إلى قومه.

وعنه أيضاً أنه قال: بعثه (عز وجل) إلى قومه وهو ابن خمسين سنة، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، ثلاثة قرون من قومه لا يجيبه أحد إلا قليلاً منهم، فأوحى الله (عز وجل) إليه: "أن اصنع الفلك"، وليكن طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين (ذراعاً)، وارتفاعها ثلاثين ذراعاً، وليكن بابها في عرضها. وادخل الفلك أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك، ومن آمن بك، ومن كل شيء اثنين اثنين ذكوراً وإناثاً، فإني منزل المطر على الأرض أربعين يوماً وأربعين ليلة، فأُتلف كل شيء خلقته على الأرض، وأن تعمل تابوتاً فيه جسد آدم (عليه السلام)، وتجعل التابوت من خشب الشمشار، وتجعل معه زاد سنِة ففعل نوح، وأرسل الله (عز وجل) ماء الطوفان على الأرض في سنة ألف وستمائة من عمر نوح، فأقام نوح في الماء خمسين ومائة يوم، [ثم] استقرت على الجودي، وهو جبل بأرض الجزيرة، وكان وقت استقلال السفينة في عشر خلون من رجب، وخرج إلى الأرض في عشر خلون من المحرم، وكان معه في السفينة ولده الثلاثة: سام، وحام، ويافث، ونساؤهم، وأربعون رجلاً، وأربعون امرأة ممن آمن (به).

وعاش نوح (عليه السلام) بعد الطوفان ثلاث مائة وخمسين سنة، فلما خوفهم نوح، قال له الأشراف من قومه، وهم الملأ، وهم الجماعة منهم: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، فيكف نتبعك، أي في حيدة عِن الحق. فأجابهم بأن قال لهم: ﴿لَيْسَ بِي ضَلَـٰلَةٌ﴾، أي: ليس ما دعوتكم إليه ضلالة، وإنما أنا ﴿وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، إليكم.

7:62–64Page 158

أُبَلِّغُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمۡ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦٢

I convey to you the messages of my Lord and advise you; and I know from Allāh what you do not know.

أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَآءَكُمۡ ذِكۡرٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنكُمۡ لِيُنذِرَكُمۡ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٦٣

Then do you wonder that there has come to you a reminder from your Lord through a man from among you, that he may warn you and that you may fear Allāh so you might receive mercy?"

فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيۡنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَأَغۡرَقۡنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمًا عَمِينَ ٦٤

But they denied him, so We saved him and those who were with him in the ship. And We drowned those who denied Our signs. Indeed, they were a blind people.1

قوله: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ﴾، إلى ﴿عَمِينَ﴾.

والمعنى: إن الله (عز وجل) أخبرنا أن نوحاً (عليه السلام) قال لقومه: إني ﴿رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، أرسلني إليكم، لأبلغكم رسالاته، ﴿وَأَنصَحُ لَكُمْ﴾ في تحذيري إياكم عقابه، ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾، أي: أعلم أن عقابه لا يرّد عن القوم المجرمين.

وقيل المعنى: أعلم من الله أنه مهلككم ومعذبكم إن لم تؤمنوا.

ثم قال لهم موَبِّخاً: ﴿أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنْكُمْ﴾، وذلك إذ قالوا (له): ﴿مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا﴾ [هود: ٢٧].

ومعنى: ﴿عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنْكُمْ﴾.

أي: مع رجل.

وقيل: على لسان رجل.

﴿لِيُنذِرَكُمْ﴾ بأسه، والعمل بما لا يرضيه، فيرحمكم إن آمنتم وأطعتموني.

قال الله (تعالى) مخبراً: ﴿(فَكَذَّبُوهُ) فَأَنجَيْنَاهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ﴾.

أي: من المؤمنين، من أهله، وغيرهم.

* *

﴿وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ﴾.

أي: جحدوا بها.

* *

﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ﴾.

أي: عمين عن الحق.

وهو من عمى القلب.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском