Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:65–93
7:65–69Page 158
۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٦٥
And to the ʿAad [We sent] their brother Hūd. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. Then will you not fear Him?"
قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي سَفَاهَةٖ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٦٦
Said the eminent ones who disbelieved among his people, "Indeed, we see you in foolishness, and indeed, we think you are of the liars."
قَالَ يَٰقَوۡمِ لَيۡسَ بِي سَفَاهَةٞ وَلَٰكِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٧
[Hūd] said, "O my people, there is not foolishness in me, but I am a messenger from the Lord of the worlds.
أُبَلِّغُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَأَنَا۠ لَكُمۡ نَاصِحٌ أَمِينٌ ٦٨
I convey to you the messages of my Lord, and I am to you a trustworthy adviser.
أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَآءَكُمۡ ذِكۡرٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنكُمۡ لِيُنذِرَكُمۡۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ قَوۡمِ نُوحٖ وَزَادَكُمۡ فِي ٱلۡخَلۡقِ بَصۜۡطَةٗۖ فَٱذۡكُرُوٓاْ ءَالَآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٦٩
Then do you wonder that there has come to you a reminder from your Lord through a man from among you, that he may warn you? And remember when He made you successors after the people of Noah and increased you in stature extensively. So remember the favors of Allāh that you might succeed."
قوله: ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً﴾ إلى: ﴿تُفْلِحُونَ﴾.
المعنى: وأرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً، وهود من ولد نوح (عليه السلام)، بينه وبينه سبعة آباء. وكان أشبه خلق الله (تعالى) بآدم (عليه السلام)، خلا يوسف (عليه السلام)، وكانت عاد ثلاث عشرة قبيلة، ينزلون الرمل. بلادهم أخصب بلاد، فلما سخط الله (عز وجل) عليهم جعلها مفاوز، وكانوا بنواحي عمان إلى حضرموت إلى اليمن، ولما أهلك الله (عز وجل) قومه لحق هود (عليه السلام) ومن آمن معه بمكة فلم يزالوا بها حتى ماتوا، وكان هود (عليه السلام) رجلاً تاجراً. فقال لهم: ﴿ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ﴾، ليس لكم إله يجب أن تعبدوه غيره، ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾.
[﴿قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾.
أي]: قال الأشراف والجماعة من قومه، وهم الملأ من كفار قومه، ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾، أي: في ضلالة. وقيل: في جهل عن الحق والصواب.
* *
﴿وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ﴾، أي: في قوله: إني ﴿رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾، كان ذلك ظناً منهم ليس على يقين، فكفروا على الشك منهم. قال (لهم): ﴿يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ﴾، أي: ضلالة، أي: جهل، ﴿وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾.
وأصل السفة: رقة الحلم، والطيش. وَذُكِّرَ في قوله: ﴿لَيْسَ﴾؛ لأنه مصدر، وهو بمعنى السفه، وقد فرق، أيضاً، بينه وبين الفعل.
ثم قال لهم: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلٰتِ رَبِّي﴾. أي: أؤدي إليكم أمر ربي ونهيه.
* *
﴿وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾.
أي: ناصح في ما آمركم به وأنهاكم عنه، أمين على وحي ربي ورسالاته.
ثم قال موبخاً لهم: ﴿أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ﴾.
أي: على لسان رجل منكم.
* *
﴿لِيُنذِرَكُمْ﴾، أمر الله. ثم قال: ﴿وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾.
أي: اذكروا نعمة الله عليكم إذ استخلفكم في الأرض، بعد قوم نوح. فاتقوا أن يصيبكم (مثل) ما أصابهم، واذكروا نعمته إذ ﴿زَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً﴾، أي: زاد في أجسامكم طولاً وعظماً على أجسام قوم نوح.
وقيل: على أجسام آبائكم الذين ولدوكم.
قال زيد بن أسلم: لقد بلغني أن ضباعاً رُئِيت رابضة وأولادها في حجاج عين رجل منهم. قال: ولقد بلغني أنه كان في الزمن الأول تمضي أربع مائة سنة، وما يسمع فيه بجنازة. ثم قال: ﴿فَٱذْكُرُوۤاْ ءَالآءَ ٱللَّهِ﴾.
أي: نعمه عليكم.
* *
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
أي: لتكونوا على رجاء من الفلاح.
قال السدي: كانت عاد باليمن، بالأْحقَاف. فكانوا قد قهروا أهل الأرض بفضل قوتهم. وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها، وهي "صُدَاء"، و "صَمُود" و "اللهنا"، أسماء أصنامهم، فبعث الله (عز وجل) إليهم هوداً، وهو من أوسطهم نسباً، فأمرهم أن يوحدوا الله (تعالى)، ولا يجعلوا مع الله إلهاً غيره، وأن يكفوا عن ظلم الناس، لم يأمرهم بغير ذلك فأبوا (تصديقه) وكذبوه وقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، واتبعه منهم ناس يسير مستترون بإيمانهم.
قال السدي: فبعث الله (عز وجل) عليهم الريح العقيم، فلما نظروا إليها: قالوا: ﴿هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]، فلما دنت منهم، نظروا إلى الإبل والرجال تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فلما رأوها، تبادروا البيوت، فلما دخلوا البيوت، دخلت عليهم فأهلكتهم فيها، ثم أخرجتهم من البيوت، فأصابتهم في يوم نحس مستمر عليهم العذاب ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ [الحاقة: ٧]، أي: حسمت كل شيء مرت به. فكانوا: كأعجاز نخل منقعر، أي: انقعر من أصوله، وكأعجاز نخل خاوية، أي: خوت فسقطت، فلما أهلكهم الله (عز وجل) أرسل عليهم طيراً سوداً، فنقلتهم إلى البحر وألقتهم [فيه، فذلك قوله:] ﴿فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، ولم يخرج ريح قط إلا بمكيال، إلا يومئذ، فإنها عتت على الخزنة فغلبتهم، فلم يعلموا كم كان مكيالها، فذلك قِوله: ﴿فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، أي: عتت على الخزنة.
و "الصرصر": التي لها صوت شديد.
7:70–71Page 159
قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِنَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَحۡدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٧٠
They said, "Have you come to us that we should worship Allāh alone and leave what our fathers have worshipped? Then bring us what you promise us,1 if you should be of the truthful."
قَالَ قَدۡ وَقَعَ عَلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ رِجۡسٞ وَغَضَبٌۖ أَتُجَٰدِلُونَنِي فِيٓ أَسۡمَآءٖ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٖۚ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ ٧١
[Hūd] said, "Already have defilement and anger fallen upon you from your Lord. Do you dispute with me concerning [mere] names you have named them,1 you and your fathers, for which Allāh has not sent down any authority? Then wait; indeed, I am with you among those who wait."
قوله: ﴿قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ﴾، إلى: ﴿ٱلْمُنْتَظِرِينَ﴾.
والمعنى: قال قوم هود له: أجئتنا متوعداً بالعقاب [لنعبد الله وحده، ونذر ما كان آباؤنا يعبدون فائتنا بالعقاب] الذي توعدنا إن كنت صادقاً.
قال لهم: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ﴾. أي: عقاب، من أجل ما تقولون.
و "الرجس" و "الرجز": العذاب، وقد يكون الرجس: الشيء القذر.
قال ابن عباس: الرجس: السخط.
ثم قال لهم: ﴿أَتُجَٰدِلُونَنِي فِيۤ أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنْتُمْ وَآبَآؤكُمُ﴾.
أي: أتخاصمونني في الأصنام التي أحدثتموها أنتم وآباءكم لا تضر ولا تنفع.
* *
﴿مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾.
أي: من حجة تحتجون بها، في عبادتكم إياها، ﴿فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ﴾.
أي: انتظروا حكم الله فينا وفيكم، إني منتظر ذلك معكم.
7:72Page 159
فَأَنجَيۡنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَقَطَعۡنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۖ وَمَا كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ ٧٢
So We saved him and those with him by mercy from Us. And We eliminated those who denied Our signs, and they were not [at all] believers.
قوله: ﴿[فَأَ]نجَيْنَاهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ﴾، الآية.
معناها: فأنجينا هوداً والذين معه ﴿بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ﴾، أي: استأصلناكم بالهلاك.
فما بقي منهم أحد، ﴿وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾، أي: مصدقين.
7:73Page 159
وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمۡ ءَايَةٗۖ فَذَرُوهَا تَأۡكُلۡ فِيٓ أَرۡضِ ٱللَّهِۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٧٣
And to the Thamūd [We sent] their brother Ṣāliḥ. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. There has come to you clear evidence from your Lord. This is the she-camel of Allāh [sent] to you as a sign. So leave her to eat within Allāh's land and do not touch her with harm, lest there seize you a painful punishment.
قوله: ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً﴾، الآية.
المعنى: وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً، وسمي أخاهم؛ لأنه بشر مثلهم.
وقيل: سمي أخاهم؛ لأنه من عشيرتهم.
وثمود: قبيلة. أبوهم ثمود بن غاثر بن إرم بن سام بن نوح، وكانت مساكنهم: الحجر، بين الحجاز والشام، إلى وادي القرى [وما حوله].
قال لهم: ﴿يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ (ٱللَّهَ)﴾، ما لكم من يجب أن تعبدوه إلا الله، ﴿قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾، أي: حجة وبرهان على صدق ما أقول لكم، ﴿هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾، أي: دليل على صدق ما جئتكم به.
وإضافة الناقة إلى الله، جل ذكره، على طريق إضافة الخلق إلى الخالق، وهو مثل قوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ [الحجر: ٢٩، ص: ٧٢]؛ لأن الروح خلق الله (عز وجل)، لكن في إضافة الناقة إلى الله (سبحانه) معنى التشريف والتخصيص، والتحذير من أن يصيبوها بسوء. وهو في التخصيص كقولهم: "بيت الله"، و "عباد الرحمن"، فكله فيه معنى التشريف والتفضيل (والتخصيص)، إضافة خلق إلى خالق، كقولهم،: "خلق الله"، و "أرض الله"، و "سماء الله" وهو كثير.
وذلك أنهم سألوه آية، [أي:] حجة على صدق ما جاءهم به، حكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤].
رُوِيَ أنهم سألوا صالحاً ءاية، فقالوا: اخرج لنا من الجبل ناقة عُشَرَاءَ، وهي الحامل، فتضع فصيلاً، ثم تغدو إلى هذا الماء فتشربه، ثم تغدو علينا بمثله لبناً سائغاً عذباً طيباً، فأجاب الله (تعالى) صالحاً (عليه السلام) فيما سألوه. فقال لهم صالح: اخرجوا إلى الهضبة من الأرض، فخرجوا، فإذا هي تتمخض كما تتمخض الحامل، ثم إنها انفرجت فخرجت من وسطها الناقة، فقال لهم: ﴿هَـٰذِهِ نَاقَةُ [ٱللَّهِ] لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ﴾، ﴿لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] فلما مَلُّوها عقروها، فقال لهم: ﴿تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]، وآية العذاب أن تصبحوا غداً حُمْراً، واليوم الثاني، صُفْراً، والثالث سُوداً. فلما رأوا علامة ذلك تَحَنَّطُواْ واستعدوا.
قال السدي: كانت تأتيهم يوم شُرْبهَا فتقف لهم حتى يَحْلُبُواْ اللبن فترويهم، إنما تصب صباً وكان معها فصيل لها، فقال لهم صالح (عليه السلام): إنه يولد في شهركم هذا غلام يكون هلاككم على يديه، فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر، فذبحوا أبناءهم، ثم ولد للعاشر، وكان لم يولد له قط فتركه، وكان أزرق أحمر فنبت نباتاً سريعاً، فإذا مر بالتسعة قالوا: لو كان أبناؤنا أحياء كانوا مثل هذا! فغضبوا على صالح؛ لأنه أمرهم بذبح أبنائهم فـ: ﴿تَقَاسَمُواْ﴾، أي: تحالفوا، ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ [النمل: ٤٩]، وذلك أنهم قالوا: نخرج فيرى الناس أنا قد خرجنا إلى سفر، فنأتي الغار فنكون فيه، حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى المسجد، أتيناه فقتلناه، ثم رجعنا إلى الغار فكنا فيه ثم رجعنا فقلنا: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾، فيصدقوننا، فخرجوا فدخلوا الغار، فلما أرادوا أن يخرجوا في الليل سقط عليهم الغار فقتلهم، وهو قوله: ﴿وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨]، وقوله: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً (وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) * فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ [النمل: ٥٠-٥١]، أي: أهلكناهم، فكبر الغلام ابن العاشر، فجلس مع أناس يصيبون من الشراب، فأرادوا ماء يمزجون شرابهم به، وكان ذلك اليوم يوم شرب الناقة، فوجدوا الماء قد شربته الناقة، فاشتد [ذلك] عليهم، وتكلموا في شأن الناقة، وقالوا: لو كنا نأخذ هذا الماء الذي تشربه الناقة فنسقيه أنعامنا وحروثنا، كان خيراً لنا!، فقال الغلام. ابن العاشر: هل لكم في أن أَعْقِرَهَا لكم؟ قالوا: نعم فأتاها الغلام فشدَّ عليها فلما بَصُرَت به شدت عليه، فهرب منها، فلما رأى ذلك دخل خلف صخرة على طريقها، فاستتر بها، وقال: أَحِيشُوهَا عَلَيَّ! فلما جازت به، نادوه: عليك! فتناولها فعقرها، فسقطت، فذلك قوله: ﴿فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] فأظهروا أمرهم، وقالوا: ﴿يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ﴾ [الأعراف: ٧٧]، وفزع ناس إلى صالح، فأعلموه أن الناقة قد عُقِرَت، فقال: علي بالفصيل! فطلبوه فوجدوه على رابية من الأرض، فطلبوه، فارتفعت به حتى حلقت به في السماء، فلم يقدروا عليه. ثم رغا الفصيل إلى الله (عز وجل) فأوحى الله (عز وجل) إلى صالح (عليه السلام): أن مُرْهُم أن يتمتعوا في دارهم ثلاثة أيام.
قال قتادة: قال عاقر الناقة لهم: لا أقتلها حتى ترضوا أجمعين فجعلوا يدخلون على المرأة في خدرها فيقولون: ترضين؟ فتقول: نعم! وكذلك الصبي حتى رضوا أجمعين فعقروها.
وصالح النبي [عليه السلام]، هو: صالح بن عبيد بن عابر بن إِرَم بن سام بن نوح.
قال وهب: بعثه الله إلى قومه حين رَاهَقَ الحلم، وارتحل صالح بمن كان معه إلى مكة محرمين فأقاموا بها حتى ماتوا، فقبورهم بين دار الندوة والحِجْر.
روي أنه كان بين موت هود وصالح، صلوات الله عليهما، أكثر من خمس مائة سنة.
7:74–78Page 160
وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ عَادٖ وَبَوَّأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورٗا وَتَنۡحِتُونَ ٱلۡجِبَالَ بُيُوتٗاۖ فَٱذۡكُرُوٓاْ ءَالَآءَ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٧٤
And remember when He made you successors after the ʿAad and settled you in the land, [and] you take for yourselves palaces from its plains and carve from the mountains, homes. Then remember the favors of Allāh and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."
قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِمَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُمۡ أَتَعۡلَمُونَ أَنَّ صَٰلِحٗا مُّرۡسَلٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قَالُوٓاْ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلَ بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ٧٥
Said the eminent ones who were arrogant among his people to those who were oppressed - to those who believed among them, "Do you [actually] know that Ṣāliḥ is sent from his Lord?" They said, "Indeed we, in that with which he was sent, are believers."
قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا بِٱلَّذِيٓ ءَامَنتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٧٦
Said those who were arrogant, "Indeed we, in that which you have believed, are disbelievers."
فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوۡاْ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِمۡ وَقَالُواْ يَٰصَٰلِحُ ٱئۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٧٧
So they hamstrung the she-camel and were insolent toward the command of their Lord and said, "O Ṣāliḥ, bring us what you promise us, if you should be of the messengers."
فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٧٨
So the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.
قوله: ﴿وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ﴾، إلى: ﴿جَاثِمِينَ﴾.
قرأ الحسن: "تَنحَتُونَ"، بالفتح، للمبالغة.
وقرأ الأعمش "تَعِثُوا"، بكسر الثاء، وهي لغة.
والمعنى: إن صالحاً، عليه السلام، ذكرهم نعم الله (عز وجل) عليهم، وأنه استخلفهم في الأرض بعد عاد.
﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. أي: جعل لكم فيها مساكن وأزواجاً.
﴿تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً﴾. أي: تبنون في السهل من الأرض قصوراً.
﴿وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتاً﴾. قال السدي: كانوا ينقبون في الجبال البيوت، وذلك لطول أعمارهم.
* *
﴿فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ﴾.
أي: نعمة الله عليكم.
﴿وَلاَ تَعْثَوْا فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. أي: تفسدوا أشد الفساد. والعثو: أشد الفساد.
فـ: ﴿قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾، أي: الأشراف الذين استكبروا عن الإيمان، ﴿لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ﴾، وهم: أهل المسكنة من تُبَّاع صالح (عليه السلام)، المؤمنين منهم، ﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً﴾، رسول الله، ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا﴾ بالذي أرسله الله به ﴿مُؤْمِنُونَ﴾، أي: مقرون أنه من عند الله (عز وجل)، ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ﴾، عن أمر الله (سبحانه)، ﴿إِنَّا بِٱلَّذِيۤ آمَنتُمْ بِهِ﴾ مما جاء به صالح، ﴿كَافِرُونَ﴾، أي: جاحدون.
فعقرت ثمود ناقة الله (عز وجل)، ﴿وَعَتَوْاْ﴾، أي: تجبروا وتكبروا عن أمر ربهم.
وقال مجاهد: ﴿عَتَوْاْ﴾: علوا في الباطل.
وسألوه أن يأتيهم العذاب الذي أوعدهم به، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ﴾، أي: الصيحة.
قال مجاهد والسدي: ﴿ٱلرَّجْفَةُ﴾: هي الصيحة.
يقال: رجف بفلان: إذا حرك وارتجج.
و "الرجفة" في اللغة: الزلزلة الشديدة.
* *
﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.
أي: ساقطين على رُكَبِهِمْ. وأصل الجُثُومِ، للأرنب، والطير، وشبهه، وهو البروك على الركب.
* *
ومعنى ﴿دَارِهِمْ﴾: عند مسكنهم، وموضعهم اجتماعهم وهي القرية.
* *
ومعنى ﴿دِيَارِهِمْ﴾ [هود: ٦٧]: منازلهم.
7:79Page 160
فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٧٩
And he [i.e., Ṣāliḥ] turned away from them and said, "O my people, I had certainly conveyed to you the message of my Lord and advised you, but you do not like advisors."
قوله: ﴿فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي [وَنَصَحْتُ] [لَكُمْ]﴾، الآية.
والمعنى: فأدبر عنهم (صالح، عليه السلام،) وخرج من بين أظهرهم حين عقروا الناقة واستعجلوه في العذاب، وأوحى الله (عز وجل، إليه) أنه مهلكهم بعد ثلاثة أيام. ولم يهلك الله (عز وجل) أمة ونبيها بين أظهرها.
وقال لهم عند خروجه: ﴿يَٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن﴾ لستم ﴿تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ﴾، فهلكوا بأجمعهم في ديارهم، إلا رجلاً كان بحرم الله (عز جل)، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه.
7:80–84Page 160
وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٠
And [We had sent] Lot when he said to his people, "Do you commit such immorality as no one has preceded you with from among the worlds [i.e., peoples]?
إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ ٨١
Indeed, you approach men with desire, instead of women. Rather, you are a transgressing people."
وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوهُم مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ ٨٢
But the answer of his people was only that they said, "Evict them from your city! Indeed, they are men who keep themselves pure."
فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٨٣
So We saved him and his family, except for his wife; she was of those who remained [with the evildoers].
وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٨٤
And We rained upon them a rain [of stones]. Then see how was the end of the criminals.
قوله: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ [أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ]﴾، إلى: ﴿ٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
نصب ﴿لُوطاً﴾ على "وأرسلنا لوطاً"، أو على معنى: واذكروا لوطاً.
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ﴾. أي: أتاتون الذكران.
* *
﴿مَا سَبَقَكُمْ﴾، لفعل هذا أحد ﴿مِّن ٱلْعَالَمِينَ﴾.
﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً﴾ هذا توبيخ لهم وتقريع.
* *
وقوله: ﴿شَهْوَةً﴾: مصدر، أي: تشتهون ذلك شهوة.
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾. في فعلكم ذلك.
واللوطي يرجم عند مالك، أحصن أو لم يحصن. وكذلك قال أكثر العلماء.
وروي عنه أنه قال: يرجم إن كان مُحْصَناً، ويُحْبَس ويؤَدَّب إن كان غير محصن، وهو قول عطاء، والنخعي، والحسن، وابن المسيب، وقتادة.
قال الأوزاعي، وأبو يوسف، وأبو ثور: إذا أتى الرجل المرأة في دبرها حُدَّ حد الزاني، وهو مروي عن الشافعي.
وقال النعمان والحكم: يُعَزَّرُ عقوبة.
وهذا إنما هو في المرأة التي ليست منه بزوجة ولا ملك يمين.
ثم أخبر، تعالى، عن جواب قوم لوط له إذ وبخهم، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ﴾ قولهم: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾، أي: قال بعضهم لبعض ذلك، أخرجوا آل لوط وابنتيه، ولذلك جمع في ﴿أَخْرِجُوهُمْ﴾.
وقيل المعنى: أخرجوا "لوطاً" ومن كان على دينه.
ومعنى: ﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾، أي: يتنزهون عن فعلنا.
وقال السدي معناه: يتحرجون.
وقال مجاهد معناه: يتطهرون من أدبار الرجال [وأدبار] النساء.
وقيل: معنى ﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾، أي: يتنزهون عن أعمالكم.
قال الله (عز وجل): ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾، يريد ابنتيه، ﴿إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ﴾، لم تنج؛ لأنها كانت خائنة للوط كافرة، ﴿كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ﴾، أي: من الباقين في الهالكين.
وقيل المعنى: ﴿مِنَ ٱلْغَابِرِينَ﴾، [أي: من الغائبين] عن النجاة.
قال حذيفة: إنما حق القول على قوم لوط حين استغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء.
وقال [أبو] عبيدة: المعنى: ﴿كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ﴾، أي: من المُعَمَّرِينَ أي: قد هَرِمَت.
قال حذيفة: رفع جبريل (عليه السلام) مدينتهم ثم قلبها، فسمعت الوَجْبَةَ امرأَتُهُ، فالتفتت، فأهلكت معهم.
ورُويَ أن جبريل، عليه السلام، اقتلع مدائنهم وهي ست فأهوى بها حتى بلغ بها السماء بجناح واحد، حتى سمع أهل السماء نُهَاق الحمير، ونُبَاح الكلاب، وصُرَاخ الديوك، ثم قلبها فجعل عاليها سافلها، وتبعت الحجارة من كان خارج المدائن منهم.
والغابر في اللغة: من الأضداد هو الباقي، والذاهب.
وذَكَّرَ هذا الجمع؛ لأنه غَلَّبَ فيه المذكر [على المؤنث].
* *
وقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾.
أي: أمطرت عليهم حجارة من سَجَّيلِ بعد قلب مدائنهم عاليها سافلها فأهلكت من كان خارجاً من المدينة، من مسافر وغيره، ﴿فَٱنْظُرْ﴾، يا محمد، ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
7:85–87Page 161
وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨٥
And to [the people of] Madyan [We sent] their brother Shuʿayb. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. There has come to you clear evidence from your Lord. So fulfill the measure and weight and do not deprive people of their due and cause not corruption upon the earth after its reformation. That is better for you, if you should be believers.
وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗاۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ وَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٨٦
And do not sit on every path, threatening and averting from the way of Allāh those who believe in Him, seeking to make it [seem] deviant. And remember when you were few and He increased you. And see how was the end of the corrupters.
وَإِن كَانَ طَآئِفَةٞ مِّنكُمۡ ءَامَنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦ وَطَآئِفَةٞ لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ فَٱصۡبِرُواْ حَتَّىٰ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ بَيۡنَنَاۚ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨٧
And if there should be a group among you who has believed in that with which I have been sent and a group that has not believed, then be patient until Allāh judges between us. And He is the best of judges."
قوله: ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾، إلى: ﴿ٱلْحَاكِمِينَ﴾.
المعنى: وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيباً.
وكان شعيب زوج بنت لوط.
ومدين: قبيلة.
وقيل: هو اسم أرض.
وقال مقاتل: هو اسم رجل جعل اسماً للأمة.
وقيل هم أمة بعث إليهم، فقال لهم: ﴿ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ﴾، ليس لكم (من يحب) أن تعبدوه إلا هو.
* *
﴿قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ﴾.
أي: أوفوا الناس حقوقهم.
* *
﴿وَلاَ (تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ)﴾.
أي: لا تنقصوهم حقوقهم) ولا تظلموهم.
* *
﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: لا تعملوا بالمعاصي في أرض الله، بعد أن أصلح الله (سبحانه) الأرض، بأن بعث فيها نبياً، يدل على الطريق المستقيم.
* *
﴿ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾.
أي: مصدقين، أي: هذا الذي أمرتكم به من إخلاص العبادة لله (عز وجل) وأداء الحقوق، وترك الفساد في الأرض، خير لكم من غيره.
* *
﴿وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾.
أي: في كل صراط، أي: طريق.
* *
﴿تُوعِدُونَ﴾.
أي: تتهددون الناس ألا يؤمنوا، وتصدونهم عن سبيل الله، [أي: عن الإيمان].
* *
﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾.
أي: تبغون لها عوجاً، أي: لا تقعدوا بكل طريق، توعدون المؤمنين بالقتل.
وكانوا يقعدون على طريق من يأتي إلى شعيب ليؤمن، يتوعدونه بالقتل ويخوفونه، ويقولون: هو كذاب، وهو قوله: ﴿وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾، أي: تردون عن الإيمان من يريده، ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾، أي: تبغون للسبيل العِوَج، أي: تزيغون من أتى إليها عن الحق.
وقال السدي: هم العاشرون.
* *
قوله: ﴿وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ﴾. أي: كان عددكم قليلاً فكثركم.
وقيل المعنى: (كنتم) فقراء فأغناكم.
* *
﴿وَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾.
الذين أُهْلِكُوا من قبلكم، بعضهم أُهْلِكَ: بالصيحة، وبعضهم: بالحجارة، وبعضهم: بالغرق.
ثم قال لهم: ﴿وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ﴾، أي: جماعة وفرقة، ﴿وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَٱصْبِرُواْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا﴾، أي: يقضي، ﴿وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ﴾.
7:88–89Page 162
۞ قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَنُخۡرِجَنَّكَ يَٰشُعَيۡبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرۡيَتِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۚ قَالَ أَوَلَوۡ كُنَّا كَٰرِهِينَ ٨٨
Said the eminent ones who were arrogant among his people, "We will surely evict you, O Shuʿayb, and those who have believed with you from our city, or you must return to our religion." He said, "Even if we were unwilling?
قَدِ ٱفۡتَرَيۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِي مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ ٨٩
We would have invented against Allāh a lie if we returned to your religion after Allāh had saved us from it. And it is not for us to return to it except that Allāh, our Lord, should will. Our Lord has encompassed all things in knowledge. Upon Allāh we have relied. Our Lord, decide between us and our people in truth, and You are the best of those who give decision."
قوله: ﴿قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ﴾، إلى: ﴿ٱلْفَاتِحِينَ﴾.
المعنى: قال الملأ الذين استكبروا [عن الإيمان] من قومه: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ﴾، ومن آمن معك، ﴿مِن قَرْيَتِنَآ﴾، أو لترجعن إلى ديننا. قال شعيب لهم: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾، أي: تخرجوننا، ونحن كارهون لذلك.
* *
وقوله: ﴿قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾.
أي: قال شعيب لقومه إذْ دعوه إلى ملتهم، وَتَوَعَّدوه بالطرد: ﴿قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾، أي: اختلقنا على الله كذباً، وتَخَرَّصْنَا ذلك عليه، إن نحن ﴿عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾، أي: دينكم، بعد أن أنقذنا الله منها. وهذا من قول من آمن به وقد كان كافراً. فأما شعيب فلم يكن على ملتهم قط.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ﴾،: في ملتكم فندين الله بها ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا﴾، أي: إلا بمشيئة الله (سبحانه)، أي إلا أن يشاء ربنا أن يَتَعَبَّدَنَا بشيء مما أنتم عليه.
وقيل المعنى: إلا أن يشاء الله أن نعود، وهو لا يشاء ذلك أبداً بمنزلة قوله: ﴿حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. وقيل: هو استثناء من الأول.
﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. أي: أحاط به، فلا يخفى عليه شيء [كان، ولا شيء هو كائن]، فإن سبق في علمه أنا نعود في شيء منها؛ فلا بد أن يكون.
والله لا يشاء الكفر، أي: لا يُحِبُّه ولا يرضاه، وهو يشاؤه بمعنى: يُقَدِّره ويقضيه على من علمه منه. وقيل المعنى: ملأ ربنا كل شيء علماً.
* *
ثم قال: ﴿عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾. أي: عليه نعتمد في أمورنا.
﴿رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ﴾. أي: احكم بيننا وبينهم.
﴿وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ﴾. أي: الحاكمين.
7:90–93Page 162
وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعۡتُمۡ شُعَيۡبًا إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ٩٠
Said the eminent ones who disbelieved among his people, "If you should follow Shuʿayb, indeed, you would then be losers."
فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٩١
So the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.
ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَاۚ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَانُواْ هُمُ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٩٢
Those who denied Shuʿayb - it was as though they had never resided there. Those who denied Shuʿayb - it was they who were the losers.
فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡۖ فَكَيۡفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ ٩٣
And he [i.e., Shuʿayb] turned away from them and said, "O my people, I had certainly conveyed to you the messages of my Lord and advised you, so how could I grieve for a disbelieving people?"
قوله: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً﴾، إلى قوله: ﴿كَٰفِرِينَ﴾.
المعنى: قال بعض من كفر بشعيب لبعض: ﴿لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾، أي: لمغبونون في فعلكم.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ﴾. أي: فأخذت الكفار منهم الزلزلة.
﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾. أي: باركين على ركبهم. وقيل: خامدون.
وكان قوم شعيب أصحاب "لَيكَة"، وهي: الغَيْضَة من الشجر. وكانوا مع كفرهم يبخسون الناس في الوزن والكيل، فدعاهم إلى الله (عز وجل)، فكذبوه، وسألوه العذاب، ففتح (الله) عليهم باباً من أبواب جهنم، فأهلكهم الحَرُّ منه، ولم ينفعهم ظل ولا ماء. ثم بعث الله سحابة فيها ريح طيبة، فوجدوا (فيها) بَرْدَ الريح، فتنادوا: "الظُّلَّة، عَلَيْكُم بها"،! فلما اجتمعوا تحت السحابة، انطبقت عليهم فأهلكتهم، فهو ﴿عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩].
ونجى الله شعيباً والذين آمنا معه، فسكنوا مكة حتى ماتوا (بها).
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا﴾.
أي: لم ينزلوا فيها، ولم يقيموا. و "المَغَانِي": المنازل؛ لأنها يقام بها. وقال المفسرون: كأن لم يعيشوا بها.
﴿ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ ٱلْخَاسِرِينَ﴾. أي: الهالكين.
* *
﴿فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ﴾.
أي: أدبر وخرج عنهم، وقال: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّي﴾، فلم تؤمنوا بها، ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾، فلم تقبلوا، ﴿فَكَيْفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَٰفِرِينَ﴾، أي: كيف أَحْزَنُ عليهم وقد كفروا بآيات الله.
وقرأ طلحة بن مُصَرِّف، ويحيى بن وَثَّاب، والأعمش: (إِيسى"، بكسر الهمزة، (وهي لغة تميم).
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences