Makki ibn Abi TalibNuh · 71:1–28

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

نوح

Nuh

Noah · Meccan · 28 ayahs

71:1–4Page 570

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرۡ قَوۡمَكَ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١

Indeed, We sent Noah to his people, [saying], "Warn your people before there comes to them a painful punishment."

قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٢

He said, "O my people, indeed I am to you a clear warner -

أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ٣

To worship Allāh, fear Him and obey me.

يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرۡكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُۚ لَوۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤

He [i.e., Allāh] will forgive you of your sins and delay you for a specified term. Indeed, the time [set by] Allāh, when it comes, will not be delayed, if you only knew."

قوله تعالى ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً (إِلَىٰ قَوْمِهِ)﴾، إلى قوله: ﴿لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

أي: أرسلنا نوحاً منذراً قومه عذاب الله الأليم.

قيل: هو الطوفان.

وقيل: هو عذاب جهنم.

ويروى أن نوحاً عليه السلام أرسل إلى قومه وهو ابن مائتي سنة وخمسين سنة، فلبث فيهم يدعوهم إلى الله وإلى عبادته ألف سنة إلا خمسين سنة كما أعلمنا الله عنه، ثم دعا قومه فبلغه الله أمله (فيهم) فغرق بهم كما أعلمنا الله عنه. ثم عاش بعد الغرق مائتي سنة وخمسين سنة فكان عمره ألف سنة وأربع مائة سنة وخمسين سنة، فلما احتضر قال له ملك الموت: يا أطول الأنبياء عمراً وأكثرهم عملاً، كيف وجدت الدنيا؟ قال: كَبيْتٍ له بابان، دخلت من باب وخرجت من باب.

* *

- ثم قال تعالى ﴿[قَالَ] يٰقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾.

أي: "نَذِيرٌ" أنذركم عقاب الله فاحذروه أن ينزل بكم على كفركم، "مبِينٌ": أي قد بينت لكم إنذاري إياكم.

* *

- ثم قال: ﴿أَنِ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ﴾

(أي: مبين بأن اعبدوا الله، لا تعبدوا غيره،) واتقوه فيما أمركم به.

* *

- ﴿وَأَطِيعُونِ﴾.

أي: انتهوا إلى ما أمركم به، واقبلوا نصيحتي لكم.

قال قتادة: "أرسل الله عز وجل المرسلين بأن [يعبد] الله وحده وأن [تتقى] محارمه، وأن يطاع أمره".

* *

- ثم قال تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾.

أي: يسترها عليكم، فلا يعاقبكم بها إن أطعتموني.

و "مِنْ" بمعنى "عَنْ" أي: يغفر لكم (عن) ذنوبكم، كما تقول: وجع بطني من الطعام، أي: عن الطعام. وإذا كانت ["مِنْ"] بمعنى "عن" لم تدل [على] التبعيض، وقيل: "من" للتبعيض والمعنى: يغفر لكم منها ما وعدكم العقوبة عليه وهو معظمها، وهو الشرك به، ولا يحسن أن تكون "من" زائدة؛ لأنها لا تزاد في الإيجاب.

ولا يجوز أن تكون لبيان الجنس؛ لأنه لم يتقدم جنس فتبينه بما بعده.

* *

- ثم قال تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾

أي: ويؤخركم فلا يعذبكم في الدنيا إلى أن تبلغوا آجالكم المكتوبة لكم في أم الكتاب.

قال مجاهد: ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾. إلى ما قد خط من الأجل، فإذا جاء أجل الله لا يؤخر عن ميقاته، وهو قوله.

* *

- ﴿إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

(أي): لو كنتم تعلمون لأَنَبْتُم.

وقال الفراء: إلى أجل مسمى [عندكم] فلا يلحقكم فيه غرق ولا عذاب.

وقيل: إنهم كان لهم أجلان: أجل للعذاب إن تمادوا على كفرهم وأجل لقبض أرواحهم (إن آمنوا)، فقال لهم نوح: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ وهو الآخر من الأجلين إن آمنوا. ثم قال: ﴿إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ﴾ أي: إن الأجل الأول إذا جاء وأنتم كفار لا يؤخر، وهو الغرق، وإن حضر الثاني وأنتم مؤمنون لم يؤخر.

71:5–24Page 570

قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوۡتُ قَوۡمِي لَيۡلٗا وَنَهَارٗا ٥

He said, "My Lord, indeed I invited my people [to truth] night and day.

فَلَمۡ يَزِدۡهُمۡ دُعَآءِيٓ إِلَّا فِرَارٗا ٦

But my invitation increased them not except in flight [i.e., aversion].

وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوۡتُهُمۡ لِتَغۡفِرَ لَهُمۡ جَعَلُوٓاْ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَهُمۡ وَأَصَرُّواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ ٱسۡتِكۡبَارٗا ٧

And indeed, every time I invited them that You may forgive them, they put their fingers in their ears, covered themselves with their garments,1 persisted, and were arrogant with [great] arrogance.

ثُمَّ إِنِّي دَعَوۡتُهُمۡ جِهَارٗا ٨

Then I invited them publicly.

ثُمَّ إِنِّيٓ أَعۡلَنتُ لَهُمۡ وَأَسۡرَرۡتُ لَهُمۡ إِسۡرَارٗا ٩

Then I announced to them and [also] confided to them secretly

فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا ١٠

And said, 'Ask forgiveness of your Lord. Indeed, He is ever a Perpetual Forgiver.

يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا ١١

He will send [rain from] the sky upon you in [continuing] showers

وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا ١٢

And give you increase in wealth and children and provide for you gardens and provide for you rivers.

مَّا لَكُمۡ لَا تَرۡجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗا ١٣

What is [the matter] with you that you do not attribute to Allāh [due] grandeur

وَقَدۡ خَلَقَكُمۡ أَطۡوَارًا ١٤

While He has created you in stages?1

أَلَمۡ تَرَوۡاْ كَيۡفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗا ١٥

Do you not consider how Allāh has created seven heavens in layers1

وَجَعَلَ ٱلۡقَمَرَ فِيهِنَّ نُورٗا وَجَعَلَ ٱلشَّمۡسَ سِرَاجٗا ١٦

And made the moon therein a [reflected] light and made the sun a burning lamp?

وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ نَبَاتٗا ١٧

And Allāh has caused you to grow from the earth a [progressive] growth.

ثُمَّ يُعِيدُكُمۡ فِيهَا وَيُخۡرِجُكُمۡ إِخۡرَاجٗا ١٨

Then He will return you into it and extract you [another] extraction.

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ بِسَاطٗا ١٩

And Allāh has made for you the earth an expanse

لِّتَسۡلُكُواْ مِنۡهَا سُبُلٗا فِجَاجٗا ٢٠

That you may follow therein roads of passage.'"

قَالَ نُوحٞ رَّبِّ إِنَّهُمۡ عَصَوۡنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمۡ يَزِدۡهُ مَالُهُۥ وَوَلَدُهُۥٓ إِلَّا خَسَارٗا ٢١

Noah said, "My Lord, indeed they have disobeyed me and followed him whose wealth and children will not increase him except in loss.

وَمَكَرُواْ مَكۡرٗا كُبَّارٗا ٢٢

And they conspired an immense conspiracy

وَقَالُواْ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمۡ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّٗا وَلَا سُوَاعٗا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسۡرٗا ٢٣

And said, 'Never leave your gods and never leave Wadd or Suwāʿ or Yaghūth and Yaʿūq and Nasr.'1

وَقَدۡ أَضَلُّواْ كَثِيرٗاۖ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا ضَلَٰلٗا ٢٤

And already they have misled many. And, [my Lord], do not increase the wrongdoers except in error."

قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي (لَيْلاً وَنَهَاراً)...﴾، إلى قوله: ﴿إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.

أي: قال نوح لما بلغ رسالة ربه قومه فعصوه: يا رب إني دعوت قومي إلى توحيدك ليلاً ونهاراً وحذرتهم عقابك على كفرهم بك فلم يزدهم دعائي (لهم) إلا إدباراً عن قبول ما جئتهم به. قال قتادة: بلغنا أنهم كانوا يذهب الرجل منهم بابنه إلى نوح فيقول لابنه: احذر هذا [لا يغويك] فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك.

من رواية ابن شعبان عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ قال: يَجمَع اللهُ الأوَّلين، والآخِرين، ويَنزِل اللهُ في ظُلَلٍ منَ الغَمام فَيَكون أَوَّلَ من يَقْضي لَه نوحٌ وَقَومُه، يَقولُ اللهُ لِقومِ نوحٍ: ماذا أجبتم المُرْسَلين؟ قال: فَيقولُ نوحٌ: أيْ رَبِّ، بَلَّغتُهم رسالتَك ودَعَوتُهم لَيلاً ونَهاراً فكذَّبوني واتَّهَموني، فَيقولُ اللهُ لِقَوْم نوحٍ: ماذا تقولون؟ فيقولون: ربَّنا ما بَلَّغَنا الرّسالة، وقَد كان فينا حتى خَلَت قرونٌ (بعد قرون)، وَقَد كَتَمَ الرِّسالةَ فلم يَدْعُنا وَلَم يُنذِرْنا، فيقول الله لنوحٍ: ماذا تقول؟ فيقول: رَبِّ، لي بَيِّنَة، فيقول الله: إِيتِ بِبَيِّنَتِكَ. قال النبي ﷺ: فيأتي نوح فيقول: يا مُحمدُ، أَسأَلُكَ الشَّهادةَ، فإِنَّ قَومي قَدْ كذَّبوني عِندَ رَبّي وَجَحَدوا، قال النبي عليه السلام: فَأَبْعَثُ معه رهطاً مِن أمتي يَشْهَدون له. قال: فيَنطلِق الرَّهط حتى يَقِفوا على الرّب، فيقول الله لهم: بِمَ تَشْهَدون؟ فيقولون: نَشهَدُ أن نوحاً قد بَلَّغَ قَومَه وَدَعاهُم لَيْلاً وَنَهاراً وسِرّاً وعَلانِية فَكذَّبوه واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُم وأَصَرّوا وَاسْتَكْبَروا.

فيقول اللهُ لقوم نوح: ما تقولون؟ (فيقولون): رَبّنا، كيف يقبلون علينا وَنَحْن أولُ الأُمَمِ وهُمْ آخِر الأُمَمِ؟ فيقول الله للرَّهطِ: أجيبوهم، فيقول (الرهط): ربَّنا، بَعَثْتَ إِليْنا رسولاً من أَنفسِنا فآمَنّا به وصَدّقنا ما أَنْزَلتَ عَليْه مِنَ الكِتابِ، فَكان فيما أَنزَلتَ عَلَيْه أَنَّك أَرْسَلتَ نوحاً إِلى قَومهِ فَبلَّغهم الرسالةَ وَدَعاهم لَيلاً ونَهاراً وسِرّاً وعلانيةً فكذَّبوه، قال: فيقرأون سورة "نوح"، فيقول قوم نوح: خصمنا فقوموا. قال النبي ﷺ: فما من نبيٍّ يُكذِّبه قومُه إِلاَّ يَأْتينا، فَأَبْعَثُ مَعهُ رَهطاً مِن أُمَّتي يَشْهَدون لَه وَأنا عَلَيهم [شهيدٌ]

ثم قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ﴾

أي: وإني كلما دعوتهم إلى طاعتك والعمل بمرضاتك لتغفر لهم إذا فعلوا ذلك، أدخلوا أصابعهم في آذانهم لِئَلاَّ يسمعوا دعائي (إياهم إلى ذلك، واستغشوا، أي تغطَّوا بها لِئَلاَّ يُسْمَعَ دعائي).

* *

- ثم قال ﴿وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ (ٱسْتِكْبَاراً)﴾:

أي: أَصروا على كفرهم، أي: تمادوا عليه، واستكبروا عن قبول ما جئتهم به من الحق وقبول الإيمان.

* *

- ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾.

أي: ثم إني دعوتهم إلى ما أمرتني به من عبادتك دعاءً ظاهراً غيرَ خَفِيّ.

قال مجاهد: الجِهار: الكلام المعلن (به)".

﴿ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ﴾ أي صرخت وصِحْتُ بالذي أمرتني به من الإنذار.

قال مجاهد: أَعْلَنتُ: "صِحْتُ بهِم"، وَأَسْرَرْتُ لَهُمُ (أي): قلت لهم ذلك فيما بيني وبينهم.

* *

- ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾

أي: سلوا ربكم المغفرة عن ذنوبكم وتوبوا إليه من كفركم يغفر لكم ذنوبكم.

* *

- ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾.

أي: لم يزل غفارا لمن تاب إليه واستغفره.

* *

- ثم قال: ﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾.

أي: إن تبتم واستغفرتم من ذنوبكم أرسل السماء عليكم بالمطر متتابعاً.

وكان عمر رضي الله عنه إذا [استسقى] ما يزيد على الاستغفار، وسئل عن ذلك فقرأ هذه الآية، وقرأ الآية في هود في قصة هود: ﴿وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] الآية.

* *

- ثم قال: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾.

(أي: ما لكم لا ترون لله عظمة، ذكر ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته".

وقال قتادة: معناه: "﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ﴾ عاقبة".

وقال ابن زيد: معناه: ما لكم لا ترون لله طاعة.

وقال الحسن: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة. و "ترجون" هنا - في أكثر الأقوال - بمعنى: تخافون.

* *

- ثم قال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾.

أي: خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك، إلا أنهم اختلفوا في الترتيب، فمنهم من بدأ بالتراب ثم النطفة حتى بلغ (تمام الخلق. ومنهم من بدأ بالنطفة حتى بلغ) نبات الشعر وحتى بلغ اللحم.

وقيل: معناه: وقد خلقكم مختلفين المناظر والألوان والكلام والصور [والعمر] والهمم وغير ذلك.

وقيل: هو الصحة والسقم، من قولهم: جاز فلان طوره، أي: خالف ما يجب أن يستعمله.

والطور في اللغة: المرة.

فالمعنى: وقد خلقكم مراراً، أي خلقكم تراباً، ثم نقلكم إلى النطفة [ثم إلى العلقة] ثم إلى المضغة، ثم عظاماً، ثم يكسو العظام اللحم، ثم أنبت الشعر، ثم أخرجه طفلاً، ثم صبياً، ثم بالغاً، ثم حدثاً، ثم رجلاً، ثم كهلاً، ثم شيخاً.

* *

- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾.

أي: وقال نوح لقومه: ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طبقاً فوق طبق، فيدلكم ذلك من قدرته على وحدانيته وتعتبروا وتزدجروا عن كفركم.

والطباق مصدر من قولهم: [طابقه] (مطابقة) وطباقاً.

فالمعنى: ألم تروا كيف خلق الله سماء فوق سماء مطابقة؟!. ويجوز أن يكون "طباقاً" [نعتاً] لـ "سبع"، جمع طبق.

ومعنى ألم تروا كيف [خَلَقَ اللهُ]: [اعلموا] أن الله خلق ذلك. ولو كان على غير الأمر، معناه لقالوا ما نرى إلا واحدة، ولكن معناه الأمر كما تقول: غفر الله لك، اللهم اغفر له، لأنك لست تخبره عن أمر [علمته]، إنما هو دعاء يتمنى كونه له.

ومن هذا قول الرجل [للرجل] أَلَمْ تَرَ أَنِّي لقيت زيداً فقلت له كذا وقال لي كذا؟. معناه: اعلم أني لقيت زيداً فكان من أمره وأمري كذا وكذا.

ومثله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ﴾ [الفيل:١].

وقيل: معناه: ألم يبلغكم كيف خلق الله سبع (سماوات) طباقاً فتتعظوا وتزدجروا؟ وكذلك معنى الآية الأخرى: ألم يبلغك يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولم أُوحِ إليك كيف فعلت بهم؟

* *

- ثم قال ﴿وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾

أي: في السماوات، قال المفسرون: بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. فقال السائل: نحن نرى الغيم يكون دون القمر فلا نرى نوراً، فكيف تضيء السماوات كلها بالقمر على تفاوت ما بينها، وستر بعضها بعضاً؟، فقيل في ذلك: إن هذا الكلام [مجاز]، إنما قال: "فيهن"، [يريد]: في بعضهن، كما تقول العرب: أتيت بني تميم، وإنما أتى بعضهم، [وتقول]: في هذه الدور وليمة، وإنما هي في واحدة منهن.

وتقول: قدم فلان في شهر كذا، وإنما قدم في يوم منه. فلذلك أخبر بالقمر أنه في سبع سماوات وإنما هو في واحدة.

وقيل معناه: وجعل القمر معهن نوراً، أي: خلقه نوراً مع خلقه للسماوات فيكون مثل: ﴿ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨].

وقال ابن كيسان: إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أَعطِني من الثياب [المعلمة]، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وقد قال ابن عمر: إن الشمس والقمر وجوههما في السماء وأقفاؤهما في الأرض.

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن ضوء الشمس والقمر ونورهما في السماء، وقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ...﴾ الآية.

وقيل: التقدير: وجعل القمر نوراً، ثم قال: "فيهن" بعدما مضى الكلام. وسأل عبد الله بن عمر رجل فقال له: ما بال الشمس تَصْلاَنا أحياناً وتبرد أحياناً؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء. قال: لو كان ذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته.

* *

- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾.

أي: أنبتكم من تراب فخلقكم منه فنبتم نباتاً، يعني آدمَ أَبَا الخلقِ خَلَقَهُ من تراب الأرض.

* *

- ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾

أي: في الأرض فتصيرون تراباً.

* *

- ﴿[وَيُخْرِجُكُمْ]﴾

منها إلى البعث.

* *

- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً﴾.

[هذا] كله [إخبار] من الله جل ذكره لنا عن قول نوح لقومه ووعظه لهم وتنبيهه لهم على آيات الله ونعمه عندهم.

فالمعنى: جعل لكم الأرض بساطاً لتستقروا عليها، ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾.

أي: طرقاً واسعة.

وقال ابن عباس: ﴿سُبُلاً فِجَاجاً﴾، أي: "طرقاً مختلفة".

- ثم (قال تعالى): ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً﴾.

أي: قال نوح لمّا عصاه قومه: يا رب، إنهم عصوني فيما بَلَّغتُهم عنك فلم يقبلوه واتبعوا أمر من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، أي: اتبعوا في معصيتهم إياي من كثر ماله وولده فلم يزده ذلك إلا بعداً منك - يا رب - [وذهاباً] عن سبيلك.

ومن قرأ "وُلده" بالضم احتمل أن يكون جمع "وَلَد"، ك "وُثُن" جمع "وَثَن"، ويجوز أن يكون واحداً يراد به (غير) الولد: (وقد قال مجاهد: وُلده: زوجه وأهله)، وقال أبو عمرو: وُلده: عشيرته وقومه.

وقال أكثر (أهل) اللغة: الوَلد والوُلد بمعنى واحد.

* *

- ثم قال: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾.

أي: كبيراً، يقال كُبَارٌ وكُبَّارٌ بمعنى كبير، كما يقال: "أمر عجيب"، وعُجاب بمعنى واحد. ورجل حُسَانٌ وحُسَّان بمعنى. وجَمَال وجُمَّال بمعنى جميل.

قال مجاهد: ﴿كُبَّاراً﴾ "عظيماً".

* *

- ثم قال: ﴿وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ..﴾.

أي: وقال بعضهم لبعض: لا تذرن عبادة آلهتكم [لقول] نوح ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾.

["هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها: أما وُدّ، فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف (بالجرف) عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر، لآل ذي الكلاع"].

قال محمد بن قيس: [هذه الأسماء] أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح وكان لهم تباع يقتدون بهم، فماتوا، فقال تباعهم: لو صورناهم كان أشرف لنا نتذكرهم [فنفعل] مثل ما كانوا يفعلون، فصوروهم ثم ماتوا، وجاء آخرون فدب فيهم الشيطان، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، فكان قوم نوح يحض بعضهم بعضاً على عبادتهم وترك قبول [قول] نوح.

وقيل: بل [كانوا أصناماً] يعبدونها (من دون الله) قاله ابن عباس وغيره.

* *

- ثم قال ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً﴾

هذا إخبار عن قول نوح، أي وقد أضلت هذه الأصنام كثيراً من الخلق، أي ضل بعبادتها كثير.

* *

- ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.

أي: لا توفقهم حتى يموتوا على ضلالتهم فكلما عاشوا ازدادوا إثماً وضلالاً.

71:25Page 571

مِّمَّا خَطِيٓـَٰٔتِهِمۡ أُغۡرِقُواْ فَأُدۡخِلُواْ نَارٗا فَلَمۡ يَجِدُواْ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَارٗا ٢٥

Because of their sins they were drowned and put into the Fire, and they found not for themselves besides Allāh [any] helpers.

قوله: ﴿مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ﴾.

أي: من عقوبة خطيئاتهم أَغرقَهُم الله ثم أَدخَلهم النار، يعني قوم نوح.

* *

- ﴿فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَاراً﴾.

أي: فلم يجدوا لأنفسهم ناصرين ينصرونهم من عذاب الله إذ جاءهم. و "ما" زائدة للتوكيد.

وقال الفراء: ﴿مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ﴾ معناه: من أجل خطيئاتهم، فـ "ما" أفادت هذا المعنى، قال: و "ما" تدل على المجازاة، ومنه قوله: حيث ما تكن أكن. وقد قرأ أبو عمرو: "خطاياهم"، جعله جمعاً مكسراً، واختاره لأنه مبني للتكثير، والمسلم الذي بالتاء: الأغلب في كلام العرب أن يكون للقليل، وليس خطايا قوم كفروا ألفَ سنةٍ بقليلة.

وعلة من قرأ بالجمع المسلم بالتاء أنه يقع للكثير كمَا يقع للقليل، وتختص الكثرة إذا عُلم المعنى. وقد قال الله: ﴿وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧] وقال ﴿لِّكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩]، فهل هذا جمع قليل في قول أحد؟ بل هو كثير، إذ قد علم المعنى، فكذلك ذاك، وقد قيل: إن الخطيئات جمع [خطايا] أيضاً، فهو جمع الجمع، وجمع الجمع بابه الكثير.

71:26Page 571

وَقَالَ نُوحٞ رَّبِّ لَا تَذَرۡ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ دَيَّارًا ٢٦

And Noah said, "My Lord, do not leave upon the earth from among the disbelievers an inhabitant.

قال: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾: أي: لا تدع على الأرض من يدور فيها ويحيى منهم فيها، والمعنى: من الكافرين أحداً، يعني قومه وغيرهم، دعا عليهم لما أوحى الله إليه ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، قاله قتادة وغيره.

71:27Page 571

إِنَّكَ إِن تَذَرۡهُمۡ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓاْ إِلَّا فَاجِرٗا كَفَّارٗا ٢٧

Indeed, if You leave them, they will mislead Your servants and not beget except [every] wicked one and [confirmed] disbeliever.

قال: ﴿إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ﴾

أي: إنك يا رب إن تَدَع الكافرين على الأرض ولا تهلكهم بعذاب من عندك، يضلوا المؤمنين من عبادك فيصدونهم عن سبيلك.

* *

ثم قال: ﴿وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً﴾.

أي: وليس يلدون إلا فاجراً في دينك، كفاراً لنعمتك.

والفاجر في اللغة: المائل عن الحق.

71:28Page 571

رَّبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيۡتِيَ مُؤۡمِنٗا وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۖ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا تَبَارَۢا ٢٨

My Lord, forgive me and my parents and whoever enters my house a believer and the believing men and believing women. And do not increase the wrongdoers except in destruction."

قال: ﴿رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً..﴾.

أي: اعف عني واستر علي ذنوبي وعلى والدي وعلى من دخل بيتي.

- أي: مسجدي - ﴿مُؤْمِناً﴾: أي: مصدقاً بك.

قال الضحاك: ﴿بَيْتِيَ﴾ "مسجدي".

[وقرأ] ابن جبير: (والدي): يعني أباه.

وقرأ يحيى بن يعمر (ولوالدي) يعني ابنيه.

وقوله (وللمؤمنين والمؤمنات) أي: وللمصدقين بتوحيدك ورسلك وكتبك والمصدقات. روى عكرمة أن ابن عباس قال: إني لأرجو أن يكون من استجاب لنوح فأغرق بدعوته أهل الأرض جميعاً أن يستجيب له في كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، يعني بدعائه هذا الذي حكاه الله لنا عنه في هذه السورة.

* *

- ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً﴾.

أي: ولا تزد الظالمين أنفسهم بكفرهم بك إلا تباراً. قال مجاهد: تباراً: خساراً.

وقال الفراء: تباراً: ضلالاً.

وقيل: هلاكاً.

ويروي عن سفيان بن عيينة أنه قال لرجل: طب نفساً فقد دعت لك الملائكة نوح وإبراهيم ومحمد ﷺ [ثم قرأ] ﴿وَٱلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ (بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] يعني من المؤمنين.

قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]، وقد فسر الله هذا في آية أخرى، فأخبر عن الملائكة أنهم يقولون: ﴿فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧].

قال سفيان: وقال ابراهيم: ﴿رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١] وقال الله جل ذكره لمحمد ﷺ ﴿وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]. قال أبو محمد: ولا نشك أن النبي ﷺ فعل ما أمره الله به من الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات، فهذا دعاء لا نشك إن شاء الله - أن الله قد أجابه لنوح وإبراهيم ومحمد والملائكة، فمن مات على الإيمان فهو داخل تحت هذه الدعوات المذكورات (إن شاء الله)، أماتنا الله على الإيمان وختم لنا بخير.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском