Makki ibn Abi TalibAl‑Anfal · 8:29–47

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:29–47

8:29–30Page 180

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢٩

O you who have believed, if you fear Allāh, He will grant you a criterion1 and will remove from you your misdeeds and forgive you. And Allāh is the possessor of great bounty.

وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٣٠

And [remember, O Muḥammad], when those who disbelieved plotted against you to restrain you or kill you or evict you [from Makkah]. But they plan, and Allāh plans. And Allāh is the best of planners.

قوله: ﴿يِٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾، إلى قوله: ﴿خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ﴾.

والمعنى: إن تتقوا الله في أداء فرائضه، واجتناب معاصيه، وترك خيانته وخيانة رسول الله ﷺ: ﴿يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾، أي: فَصْلاً. وفرْقاً بين حقكم وباطل مَنْ يبغيكم السوء، ﴿وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، أي: يمحها، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾. أي: يستتر لكم على ذنوبكم، ﴿وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾، عليكم وعلى غيركم.

وقيل: ﴿فُرْقَاناً﴾: مخرجاً.

وقيل: نجاةً.

وقيل: نصراً.

وقال ابن زيد معناه: يفرق في قلوبكم بين الحق والباطل حتى تعرفوه.

وقال مجاهد: مخرجاً من الضيق إلى السعة، ومن الباطل إلى الحق.

* *

قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، الآية.

المعنى: واذكر، يا محمد، إذ يمكر.

وهذه الآية تذكير للنبي ﷺ، بنعم الله عز وجل عليه، و ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: هم مشركو قريش.

قال [ابن عباس] معنى ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾، أي: ليُوثِقُوك وليثقفوك.

وكذلك قال مجاهد: وقتادة. وذلك بمكة.

وقال السدي: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾: ليحبسوك ويوثقوك.

وقال ابن زيد، وابن جريج: ليحبسوك.

وقال ابن عباس: اجتمع نَفَرٌ من قريش من أشرافهم، في دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأَوْهُ قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نَجْد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم، ولَنْ يَعْدَمَكم منِّي رأيٌ ونُصْحٌ. قالوا: أجَل، ادخل، فدخل معهم، فقال: انظروا في أمر هذا الرجل، والله ليوشكن أن يواثبكم في أمركم بأمره. فقال قائل منهم: احبسوه في وثَاق. ثم تربصوا به ريب المنون، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء. فصرخ عدو الله الشيخ النَّجدي وقال: والله، ما هذا لكم بِرأْي، والله ليخرجنه رأيه من محبسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم، فما آمنُ أنْ يخرجوكم من بلادكم، فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا منه. فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا برأي، ألمْ تروا حلاوةَ قوله ولطافةَ لسانه، وأخْذَ القلوب لما يُسْمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم ليستعرضن وليجمعن عليكم، ثم ليأتينَّ إليكم حتى يخرجكم من بلادكم، قالوا: صدق، قال أبو جهل: والله لأشيرنَّ عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه، قالوا: وما هو؟ قال: تأخذون من كل قبيلة غلاماً وسيطاً شاباً، ثم نعطي كل غلام منهم سيفاً صارماً، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل، فلا أظُنّ هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش، وإنَّهم إذا رأوا ذلك قَبِلوا العقل واسترحنا. فقال الشيخ النجدي: هذا والله هو الرأيُ، القول ما قال الفتى، فتفرقوا على ذلك، وأتى جبريل (النبيَّ) ﷺ، فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأخبره بمكر القوم، ثم أمره بالخروج، فأنزل الله عليه بالمدينة: "الأنفال" يذكره نِعَمه عليه في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ﴾، الآية. فأنزل في قولهم "نتربص به حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء": ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠].

وكان يسمى ذلك اليوم الذي اجتمعوا فيه "يوم الزحمة".

ولما أجمعوا على ذلك باتوا يحرسونه ليوقعوا به بالغداة. فخرج النبي ﷺ، وأبو بكر إلى الغار، وأمر النبي ﷺ، عليّاً أنْ يبيت في موضعه، فتوهم المشركون أنه [النبي] ﷺ، فباتوا يحرسونه، فلما أصبح وجَدوا عليًّا، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري، فركبوا وراءه كل صعب وذلول يطلبونه، ومَرُّوا بالغار قد نسج على فمه العنكبوت، فمكث النبي ﷺ، فيه ثلاثاً.

ويُرْوَى أن النبي ﷺ، قال لعليّ: نَمْ على فراشي وتَسَجَّ بِبُرْدي هذا الحَضْرَمي؛ فإنه لن يخلص إليك شيءٌ تكرهه، ثم خرج النبي ﷺ، وأبو جهل وأصحابه على الباب، وأخذ النبي ﷺ، حَفْنَة من تُراب، وأخذ الله بأبصارهم فلا يرونه، فجعل يثير التراب على رؤوسهم، وهو يقرأ: ﴿يسۤ﴾، إلى قوله: ﴿فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ فلم يبق منهم رجلٌ إلا وضع النبي ﷺ، على رأسه تراباً، وانصرف إلى حيث أراد، فآتاهم آتٍ فأعلمهم بحالهم، فوضع كُلُّ رجل منهم يده على رأسه فوجد تُراباً، فانصرفوا بِخِزْي وَذُلٍّ

8:31–32Page 180

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا قَالُواْ قَدۡ سَمِعۡنَا لَوۡ نَشَآءُ لَقُلۡنَا مِثۡلَ هَٰذَآ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣١

And when Our verses are recited to them, they say, "We have heard. If we willed, we could say [something] like this. This is not but legends of the former peoples."

وَإِذۡ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلۡحَقَّ مِنۡ عِندِكَ فَأَمۡطِرۡ عَلَيۡنَا حِجَارَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٢

And [remember] when they said, "O Allāh, if this should be the truth from You, then rain down upon us stones from the sky or bring us a painful punishment."

قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ [قَدْ] سَمِعْنَا﴾ إلى قوله: ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.

المعنى: أنَّ الله عز وجل، حكى عنهم: أنهم يقولون إذا يُتلى عليهم القرآن: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا﴾ مثله: ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: سطَّره الأولون وكتبوه من أخبار الأُمم.

قال ابن جريج: كان النضرُ بنُ الحارث يختلف تاجراً إلى فارس، فيَمرُّ بالعبادِ وهم يقرأون الإنجيل ويركعون ويسجدون. فجاء مكة، فوجد محمداً ﷺ، قد أُنْزِلَ عليه وهو يركع ويسجد، فقال: ﴿قَدْ سَمِعْنَا﴾، مثل هذا ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا﴾، يعني: ما سمع من العِبَادِ.

وقال السدي: كان النَّضْر يختلف إلى الحيرة. فيسمع سجْع أهْلها وكلامهم، فلما سمع بمكة كلام النبي ﷺ، والقرآن، قال: قد سمِعْتُ مثله: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، يقول: أسَاجيع أهل الحيرة. و ﴿أَسَاطِيرُ﴾: جمع الجمع، فهو جمع "أسطر"، و "أسطر" جمع سطر.

وقيل: إنه جمع، وواحده: "أسطورة".

وقُتِل النَّضر هذا وهو أسير يوم بدر صَبْراً. أسره المقداد. فقال النبي ﷺ، اقتله؛ فإنَّه يقول في كتاب الله ما يقول، فراجعه المقداد ثلاث مرات، كل ذلك يأمره بقتله، فقتل.

* *

وقوله: ﴿وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ﴾، الآية.

معناه: واذكر، يا محمد، إذْ قالوا ذلك.

والذي قاله عند ابن جُبير: هو النَّضْر بن الحارث.

وقال مجاهد: هو النَّضْر بن كَلَدَة، وأنَّه قتل بمكة بدليل قوله: ﴿وَمَا كَانَ (ٱللَّهُ) لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾.

ومعناه أنه قال: اللهم إنْ كان هذا الذي أتى به مُحمّدٌ هو الحق، ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.

قال عطاء: لقد نزل فيه بضع عشرة آية، منها: ما ذكرنا ومنها قوله:

﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦]، الآية، ومنها: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ﴾ [الأنعام: ٩٤]، الآية.

ومنها: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١] الآية.

قال أبو عبيدة: كلُّ شيء من العذاب فهو "أمطرت"، ومن الرحمة "مَطِرت".

8:33–34Page 180

وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ ٣٣

But Allāh would not punish them while you, [O Muḥammad], are among them, and Allāh would not punish them while they seek forgiveness.

وَمَا لَهُمۡ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمۡ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَمَا كَانُوٓاْ أَوۡلِيَآءَهُۥٓۚ إِنۡ أَوۡلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٤

But why should Allāh not punish them while they obstruct [people] from al-Masjid al-Ḥarām and they were not [fit to be] its guardians? Its [true] guardians are not but the righteous, but most of them do not know.

قوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾، إلى قوله: ﴿لاَ يَعْلَمُونَ﴾.

والمعنى: وما كان الله ليعذِّب هؤلاء الذين تمنوا العذاب وأْنت مقيم بين أظهرهم. وكان قد نزلت عليه وهو مقيم بمكة. ثم خرج النبي ﷺ، من مكة، فاستغفر من بها من المؤمنين، فنزلت عليه بعد خروجه: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.

ثم خرج أولئك البقية من المؤمنين، فأنزل الله، عز وجل: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، الآية، بالمدينة، فعذَّب الله، (عز وجل). الكفار، إذْ أذِنَ للنبي ﷺ، بفتح مكة، فهو العذاب الذي وُعِدوا به. قال ذلك ابن أبي أبزى.

وقال أبو مالك نزل الجميع بمكة، فقوله: ﴿وَمَا كَانَ [ٱللَّهُ] لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾، يعني: النبي ﷺ، ﴿وَمَا كَانَ [ٱللَّهُ] مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، يعني: من بِها من المسلمين ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، يعني: من بمكة من الكفار.

فمعنى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، أي: خاصة، فعذبهم الله (عز وجل). بالسيف، وفي ذلك نزلت: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]، الآية. وهو النَّضْر. سأل العذاب.

ورُوِيَ عن ابن عباس [أنَّ] المعنى: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾، يا محمد، أيْ: حتى نخرجك من بين أظهرهم، ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، قال: كان المشركون يطوفون بالبيت يقولون: "لبَّيْك لبَّيْك، لا شريك لك"، فيقول النبي ﷺ "قَدْ، [قَدْ]"، فيقولون: "إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك"، ويقولون: "غُفرانك، غُفرانك"، فهذا استغفارهم. قال: وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، يعني في الآخرة.

وقال قتادة المعنى: ﴿وَمَا كَانَ (ٱللَّهُ) مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، أي: لو استغفروا لم يعذّبهم، ولكنهم ليس يستغفرون، فلذلك قال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، وهم لا يستغفرون، ويصدون عن المسجد الحرام.

وهو اختيار الطبري. قال: كما نقول: "ما كنتُ لأُحسن إليك وأنت تسيء إليَّ"، يراد به: لا أحسن إليك إذا أسَأْتَ إليَّ، أي: لو أسَأْتَ إِلَيَّ لم أُحسن إليك.

وكما قال:

؎ بِأَيْدِي رِجالٍ لَمْ يَشِيمُوا سُُيُوفَهُمْ ∗∗∗ وَلَمْ تَكْثُرِ الْقَتْلَى بِهَا حِين سُلَّتِ

أي: إنما شاموها بعد أن كثرت القتلى.

وشمتُ السيف من الأضداد، شمتُه: سللته وأغمدته.

وقال بعض العلماء: هما أمانان أنزلهما الله عز وجل، فالواحد قد مضى وهو النبي ﷺ، والثاني باق وهو استغفار من الذنوب، فمن استغفر (أمِنَ) من نزول العذاب به في الدنيا.

وقال ابن زيد معنى: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، أي: لو استغفروا لم أعذبهم. وهم لا يستغفرون، فما لهم ألاَّ يُعَذَّبوا.

وهو قول قتادة الأول.

ومعنى ذلك قال السدي.

وقال عكرمة المعنى: لم يكن الله ليعذبهم وهم يُسلمون.

و "الاستغفار" هنا: الإسلام.

وقال مجاهد: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، أي: وهم مسلمون، ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، يعني: قريشاً، بصدهم ﴿عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾.

ورُوِيَ عن ابن عباس، أيضاً أنَّه قال: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، [أي:] فيهم من سبق له [من الله] الدخول في الإسلام، فاستغفار مقدر فيهم يكون قال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، يعني: يوم بدر بالسيف.

ورُوِيَ عنه أيضاً: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: وهم يصلون.

ورُوِيَ عنه أيضاً: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، وفيهم مؤمنون يستغفرون، فلما خرجوا مع النبي ﷺ، أنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، يعني: من بقي من الكفار بمكة.

وعن مجاهد أيضاً: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: يصلون.

وكذلك قال الضحاك.

ورُوِيَ عن عكرمة، والحسن أنهما قالا: قوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، يعني: المشركين، ثم نسخ ذلك قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ [ٱللَّهُ] وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾.

وقيل المعنى: وأولادهم يستغفرون، قد سبق في علم الله، عز وجل، أنهم يؤمن أولادهم ويستغفرون، فلم يكن ليعذب هؤلاء بالاستئصال. وقد سبق أنهم يلدون من يؤمن ويستغفر.

وقيل المعنى: وفيهم من يستغفرون. وهم من كان بمكة بين أظْهُرهم من المؤمنين لم يخرجوا بعد من المستضعفين وغيرهم، وقاله الضحاك. قال: وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، يعني: الكفار خاصة.

قال مجاهد: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: يصلون، يعني: من بمكة من المؤمنين.

* *

وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾.

"أنْ": في موضع نصب.

والمعنى: وأي شيء لهم في دفع العذاب عنهم. وهذه حالهم.

وقيل: هي زائدة.

وقيل المعنى: وما كان يمنعهم من أن يعذبوا. وهذه حالهم.

* *

قوله: ﴿وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ﴾.

يعني: مشركي قريش.

* *

﴿إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ﴾.

يعني: أصحاب النبي ﷺ.

وقال مجاهد ﴿إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ﴾، أي كانوا أو حيث كانوا.

* *

﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾.

أي: أكثر المشركين: ﴿لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أنّ أولياء الله هم المتقون، بل يحسبون أنهم هم أولياء الله.

ومن قال: إنّ قوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، يعني به المؤمنين، وقف على: ﴿وَأَنتَ فِيهِمْ﴾؛ لأن الأول للكافرين، والثاني للمؤمنين، وهو قول الضحاك، وعطية، وابن عباس في بعض الروايات عنه.

ومن قال: إنّ الكلام كله للكفار، وهو ما روي عن ابن عباس، وأبي زيد، والسدي، لم يقف على: ﴿وَأَنتَ فِيهِمْ﴾.

﴿وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ﴾، وقف.

والأحسن في هذه الآيات أن يكون المعنى: أن منهم من سيؤمنُ فيستغفر، وقد علم الله عز وجل، ذلك منهم، فهو قوله: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، أي: سيكون منهم ذلك، ومنهم من يموت على الكفر، علم الله ذلك منهم، فهم الذين قيل فيهم: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، والسورة مدنية كلها.

8:35–36Page 181

وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمۡ عِندَ ٱلۡبَيۡتِ إِلَّا مُكَآءٗ وَتَصۡدِيَةٗۚ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٥

And their prayer at the House [i.e., the Kaʿbah] was not except whistling and handclapping. So taste the punishment for what you disbelieved [i.e., practiced of deviations].

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحۡشَرُونَ ٣٦

Indeed, those who disbelieve spend their wealth to avert [people] from the way of Allāh. So they will spend it; then it will be for them a [source of] regret; then they will be overcome. And those who have disbelieved - unto Hell they will be gathered.

قوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً﴾، إلى قوله: ﴿يُحْشَرُونَ﴾.

رُوي عن أبي بكر عن عاصم:

﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ﴾، بالنصب، ﴿إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً﴾، بالرفع، مثل قول الشاعر:

؎ يكون مِزَاجَهَا عسل وماء.

ومعنى الآية: وما كان يا محمد، صلاة هؤلاء المشركين عند البيت الحرام ﴿إِلاَّ مُكَآءً﴾، أي: تصفيراً، ﴿وَتَصْدِيَةً﴾، أي: تصفيقاً.

يُقال: مَكا يَمْكُو مَكْواً ومُكاءً، إذا صَفَر.

وصدَّى يُصدِّي تصدية، إذا صفَّق.

وقال ابن زيد، وابن جبير: (التصدية): صدهم عن سبيل الله.

وهذا إنما يجوز على أن تقدر أنَّ "الياء" بدل من "دال"، مثل: تظَنَّيتُ في تَظَنَّنْتُ.

وحكى النحاس: أنه يجوز أن يكون معناه: الضجيج والصياح، من قولهم: "صدَّ يَصُدُّ" إذا ضجَّ.

وتبدل من إحدى "الدالين" "ياء" أيضاً كالأول، وأصله: "تَصْدِدَة" في القولين جميعاً، ثم أبدلت من "الدال الثانية" "ياء".

قال ابن عباس: كانت قريش تطوف حول البيت عراة يُصفرون ويصفقون، فأنزل الله عز وجل، ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، فأُمروا بلبس الثياب.

وقال مجاهد "المُكاء": إدخالهم أصابعهم في أفواههم ينفخون، و "التَّصْدِيَةُ": الصفير، يريدون أن يشغلوا بذلك محمداً ﷺ عن الصلاة.

وقال قتادة "المُكَّاءُ": الصَّفير بالأيدي، و "التَّصْدِيَةُ": صياح كانوا يعارضون به القرآن.

وقال السدي "المُكاء": صفير على لحن طير أبيض يقال له: "المُكَّاء"، يكون بأرض الحجاز.

* *

وقوله: ﴿فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ﴾.

هو العذاب بالسيف الذي نزل بهم يوم بدر.

وهذا ذوق بالحس يصل ألمه إلى القلب كما يصل الذوق في مرارته وطيبه إلى القلب فسمي ذوْقاً لذلك.

ثم أخبرنا، تعالى، أنّ الذين كفروا يعطون أموالهم للمشركين مثلهم ليتقوَّوا بها على قتال النبي ﷺ، فيصدون بذلك عن سبيل الله، وهو الإسلام، فيسنفقون أموالهم ﴿ثُمَّ تَكُونُ﴾ نفقتهم عليهم ﴿حَسْرَةً﴾؛ لأنَّ الأموال تذهب، ولا يصلون إلى ما أمَّلوا، فذهابها في الدنيا حسرة عليهم، وما اجترحوا من إثمها عليهم حسرة في الآخرة أيضاً، ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾، ولا تنفعهم نفقتهم، وهم إلى ربهم يحشرون في المعاد.

قال ابن أبزى: نزلت هذه الآية في أبي سفيان، استأجر يوم أُحد ألفين ليقاتل بهم النبي عليه السلام، سوى من استجاش من العرب.

قيل: إنَّه أنفق أربعين أوقية [من ذهب]، يوم أحد، والأوقية يومئذ: اثنان وأربعون مثقالاً.

وذلك أنه لما وصل بالعير إلى مكة دعا الناس إلى القتال، فغزا رسول الله ﷺ في العام المقبل إلى أحد. وكانت بدر في رمضان، يوم جمعة صبيحة عشرة من رمضان. وكانت أحد في شوال يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت منه في العام الثاني من بدر، وهو العام الرابع من الهجرة.

وروى جماعة من التابعين: أن أبا سفيان لما سلم بعيره [إلى مكة] كانت العير لجماعة، فتكلم قريش إلى أصحاب العير أن يعينوهم بمالها على حرب النبي عليه السلام، ليطلبوا أَثْأَرهُم ففعلوا، فأنزل الله، عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية.

8:37–38Page 181

لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجۡعَلَ ٱلۡخَبِيثَ بَعۡضَهُۥ عَلَىٰ بَعۡضٖ فَيَرۡكُمَهُۥ جَمِيعٗا فَيَجۡعَلَهُۥ فِي جَهَنَّمَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٣٧

[It is] so that Allāh may distinguish the wicked from the good and place the wicked some of them upon others and heap them all together and put them into Hell. It is those who are the losers.

قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَنتَهُواْ يُغۡفَرۡ لَهُم مَّا قَدۡ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدۡ مَضَتۡ سُنَّتُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٨

Say to those who have disbelieved [that] if they cease, what has previously occurred will be forgiven for them. But if they return [to hostility] - then the precedent of the former [rebellious] peoples has already taken place.1

قوله: ﴿لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ (مِنَ ٱلطَّيِّبِ)﴾، إلى قوله: ﴿سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾.

المعنى: إن الله عز وجل، يحشرهم ليميز الخبيث من الطيب، أي: أهل السعادة من أهل الشقاء.

وقيل: المؤمن من الكافر، فيجعل الخبيث بعضه على بعض. (أي: يجعل الكافر بعضهم على بعض، أي: فوق بعض).

* *

﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً﴾.

أي: يجمعه بعضه إلى بعض. و "الرُّكَامُ": المُجْتمع، ومنه قوله في السحاب: ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، أي: يجمع المفترق، ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً﴾ [النور: ٤٣]، أي: مجتمعاً كثيفاً.

* *

﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾.

أي: الخبيث فوحد اللفظ ليرده على الخبيث، ثم جمع آخراً رداً على المعنى.

وقيل معنى: ليميز الخبيث من الطيب، أي: ما أنفقه الكافرون في معصية الله، سبحانه، فيجمعه فيجعله في جهنم، فيعذبون به. و ﴿ٱلطَّيِّبِ﴾: ما أنفقه المسلمون في رضوان الله عز وجل.

* *

ثم قال تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ﴾.

أي: ﴿قُل﴾، يا محمد، ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ﴾، أي: عما نُهوا عنه، ﴿يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾، أي: ما سلف وتقدم من ذنوبهم، ﴿وَإِنْ يَعُودُواْ﴾، أي: إلى ما نهوا عنه من الصد عن سبيل الله عز وجل، والكفر بآيات الله سبحانه، وإلى مثل قتالك يوم بدر، ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾، أي: سنة من قتل يوم بدر، ومن هو مثلهم في إهلاك الله عز وجل، إياهم يوم بدر وغيرها.

8:39–40Page 181

وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٣٩

And fight against them until there is no fitnah1 and [until] the religion [i.e., worship], all of it, is for Allāh.2 And if they cease - then indeed, Allāh is Seeing of what they do.

وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَىٰكُمۡۚ نِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ ٤٠

But if they turn away - then know that Allāh is your protector. Excellent is the protector, and excellent is the helper.

قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، إلى قوله: ﴿نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾.

المعنى: إن الله (عز وجل)، أمر المؤمنين بقتالهم لئلا تكون ﴿فِتْنَةٌ﴾، أي: شرك. فـ "الفتنة" هنا: الشرك، ولا يعبد إلا الله سبحانه.

وقال قتادة: المعنى: حتى يقال: لا إله إلا الله.

وقال الحسن: ﴿فِتْنَةٌ﴾: بلاء.

وقال ابن إسحاق معناه: حتى لا يفتن مؤمن عن دينه، ويكون التوحيد لله خالصاً.

* *

﴿إِنِ انْتَهَوْاْ﴾.

أي: عن الفتنة، وهي: الشرك، فإن الله لا يخفى عليه عملهم.

* *

﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ﴾.

عن الإيمان، وأبو إلا الفتنة، فقاتلوهم، واعلموا أن الله معينكم وناصركم، ﴿نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ﴾ هو لكم، أي: المعين، ﴿وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾، أي: الناصر.

8:41Page 182

۞ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٤١

And know that anything you obtain of war booty - then indeed, for Allāh is one fifth of it and for the Messenger1 and for [his] near relatives2 and the orphans, the needy, and the [stranded] traveler,3 if you have believed in Allāh and in that which We sent down to Our Servant4 on the day of criterion [i.e., decisive encounter] - the day when the two armies met [at Badr]. And Allāh, over all things, is competent.

قوله: ﴿وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ الآية.

هذه الآية تعليم من الله عز وجل، للمؤمنين، أن كل ما غنموه من غنيمة، وهو: "الفيء".

وقيل: "الغّنِيمَةُ": ما أُخذ عنوة، و "الفَيْءُ": ما أُخذ صلحا.

فـ: "الغَنِيمَةُ": أربعة أخماسها لمن شهد القتال، للراجل: سهم، وللفارس: سهمان.

والصلح على ما صُولحوا عليه، وليس فيه خمس، إنما هو لمن سمى الله عز وجل، في قوله: ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ﴾ [الحشر: ٧].

وقيل: "الغنيمة"، و "الفيء" واحد، فيه الخمس في "الحشر" قاله قتادة.

* *

وقوله: ﴿لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾.

مفتاح كلام، والدنيا والآخرة لله، عز وجل وكان النبي ﷺ، يقسم "الخمس" على خمسة: فخمس لله وخمس لرسوله هو [خمس] واحد.

وقيل: إنَّ خمس لخمس لله وللرسول، كان النبي ﷺ، يقبض في "الخمس" قبضة فيجعله للكعبة، ثم يقسم باقي الخمس إلى خمسة.

وقال ابن عباس: لم يكن النبي ﷺ، يأخذ من "الخمس" شيئاً، إنما كان يعطي ذلك لقرابته مع نصيبهم.

وقد أجْمَعُوا على أنَّ "الخمس" لا يقسم على ستة.

ومذهب الشافعي أن يقسم الآن على: خمسة، فيجعل جزء فيما كان النبي ﷺ، يجعله، وذلك أن يجعل تقوية للمسلمين، وكذا رُوي أنه كان يفعل، ويعطي الأربعة الأخماس: الخمس ﴿لِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ سهماً سهماً.

وقال أبو حنيفة: يقسم الخمس على ثلاثة: للفقراء: ثلث، وللمساكين ثلث، ولابن السبيل ثلث؛ لأنَّ النبي ﷺ قال: "لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ"، فسقط خمس رسول الله ﷺ وخمس ذوي القربى.

ومذهب مالك رضي الله عنه: أنَّ الإمام يعطي من رأى من هؤلاء المذكورين من هو أحوج، فإذا جعلت في بعض دون بعض جاز.

ومعنى: ﴿وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾.

هم قرابة رسول الله ﷺ، من بني هاشم.

وقال أبو سعيد الخدري عن ابن عباس: إنهم قريش كلهم.

* *

﴿وَٱلْيَتَامَىٰ﴾.

أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم.

* *

﴿وَٱلْمَسَاكِينِ﴾.

أهل الفاقة.

* *

﴿وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾.

المجتاز مسافراً قد انقطع به.

* *

﴿إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ﴾.

أي: صدقتم بتوحيده، وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا.

* *

﴿يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ﴾.

وهو يوم بدر، فرق فيه بين الحق والباطل.

* *

﴿يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ﴾.

يعني: جمع المسلمين وجمعْ المشركين، وهو أول مشهد شهده رسول الله ﷺ، كان المشركون ما بين الألف والتسعمئة والمسلمون ثلاثمئة وبضعة عشر رجلاً، فقتل من المشركين أزيد من سبعين، وأسر مثل ذلك.

وقال بعض نحويي البصرة قوله: ﴿إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ﴾، متعلق بقوله: ﴿نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾.

وقيل: هو متعلق بما قيل من ذكر الغنيمة وقسمتها، وجواب الشرط محذوف، والمعنى: إن كنتم [آمنتم] بالله فاقبلوا ما أمرتم به.

* *

﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

أي: على إهلاك أهل الكفر، وغير ذلك مما يشاء قدير.

8:42Page 182

إِذۡ أَنتُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلۡقُصۡوَىٰ وَٱلرَّكۡبُ أَسۡفَلَ مِنكُمۡۚ وَلَوۡ تَوَاعَدتُّمۡ لَٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡمِيعَٰدِ وَلَٰكِن لِّيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗا لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ٤٢

[Remember] when you were on the near side of the valley, and they were on the farther side, and the caravan was lower [in position] than you. If you had made an appointment [to meet], you would have missed the appointment. But [it was] so that Allāh might accomplish a matter already destined - that those who perished [through disbelief] would perish upon evidence and those who lived [in faith] would live upon evidence; and indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

قوله: ﴿إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.

العامل في ﴿إِذْ﴾ قوله: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] ﴿إِذْ أَنتُمْ﴾.

والمعنى: إذ أنتم نزُولُ شفير الوادي الأدنى إلى المدينة، وعدوكم بشفير الوادي الأقصى إلى مكة.

* *

﴿وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾.

أي: والعير التي فيها أبو سفيان وأصحابه أسفل منكم إلى ساحر البحر.

ولا يقال: ركب إلا للذين على الإبل.

وكان أبو سفيان قد أتى هو وأصحابه تجاراً من الشام، لم يشعروا بأصحاب بدر، ولم يشعر أصحاب محمد ﷺ. بكفار قريش، ولا كفار قريش بأصحاب محمد عليه السلام، حتى التقوا على ماء بدر.

* *

﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَادِ﴾.

أي: لو كان اجتماعكم في الموضع الذي اجتمعتم فيه عن ميعاد، لاختلفتم، لكثرة عدد عدوكم، وقلة عددكم.

* *

﴿وَلَـٰكِن لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾.

أي: جمعكم الله عز وجل، وإياهم ﴿لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ﴾ عز وجل، ﴿أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾، وذلك القضاء هو نصره للمؤمنين، وتعذيبه للمشركين بالسيف والأسر.

وقيل المعنى: لو كان [ذلك] [عن] ميعاد منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة عددهم مع قلة عددكم، ما لقيتموهم.

قال كعب بن مالك: إنما خرج النبي ﷺ، إلى بدر يريد عِيرَ قريش، حتى جمع الله عز وجل، بينهم وبين عدوهم؛ لأن أبا جهل خرج ليمنع النبي ﷺ، من العير، فالتقوا ببدر، ولا يشعر كل واحد بصاحبه.

* *

ثم قال تعالى: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ﴾.

أي: ليموت من مات عن حجة، أي: جمعهم على غير ميعاد، ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ﴾، أي: عن حجة قطعت عذره، ويعيش من عاش عن حجة قد ظهرت له.

وقيل المعنى: ليكفر من كفر عن أمر بيّن، ويؤمن من آمن عن أمر بَيّن.

* *

﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.

أي: لقولكم: ﴿عَلِيمٌ﴾ بما تضمره نفوسكم في كل حال.

* *

قوله: ﴿مَنْ حَيَّ﴾.

من قرأ بـ "الإِدْغَامِ"، فإنه أدْغم لاجتماع المثلين؛ ولأنه في السواد بـ: "يَاءٍ" واحدة.

ومن أظهر أجراه مجرى المستقبل، فلما لم يجز الإدغام في المستقبل (أجري الماضي على ذلك، فأظهر، وقد أجاز الفراء الإدغام في المستقبل)، ومنعه جميع البصريين؛ لأنه يجتمع في المستقبل حرفان متحركان، فـ: "الياء" الثانية حق أصلها أن تكون ساكنة، ولا يقاس هذا على ما صح لم يخف؛ لأنَّ "يحيى" يحذف ياؤه للجزم، ولا يحذف في "يخف" شيء للجزم.

8:43–44Page 182

إِذۡ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلٗاۖ وَلَوۡ أَرَىٰكَهُمۡ كَثِيرٗا لَّفَشِلۡتُمۡ وَلَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٤٣

[Remember, O Muḥammad], when Allāh showed them to you in your dream as few; and if He had shown them to you as many, you [believers] would have lost courage and would have disputed in the matter [of whether to fight], but Allāh saved [you from that]. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

وَإِذۡ يُرِيكُمُوهُمۡ إِذِ ٱلۡتَقَيۡتُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِكُمۡ قَلِيلٗا وَيُقَلِّلُكُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِهِمۡ لِيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗاۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٤٤

And [remember] when He showed them to you, when you met, as few in your eyes, and He made you [appear] as few in their eyes so that Allāh might accomplish a matter already destined. And to Allāh are [all] matters returned.

قوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً﴾، إلى قوله: ﴿تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ﴾.

والمعنى: إنّ الله عز وجل، يا محمد، ﴿لَسَمِيعٌ﴾ لما يقول أصحابك ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يضمرون، إذ يريك عدوك وعدوهم ﴿فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً﴾، فتخبر أصحابك بذلك، فتقوى نفوسهم، ويجترئون على حرب عدوهم، ولو أراك ربك عدوك وعدوهم كثيراً، لفشل أصحابك فجبنوا على قتالهم، وتنازعوا في ذلك، ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ﴾، من ذلك بما أراك في منامك من قلتهم ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾، بما تُجِنُّه الصدور.

قال مجاهد: أراهم الله عز جل، نبيّه عليه السلام، في منامه قليلاً، فأخبر أصحابه، فكان تثبيتاً لهم.

وقال الحسن: كان ذلك رؤية حق غير منام.

والمعنى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ [ٱللَّهُ]﴾ بعينك التي تنام بها ﴿قَلِيلاً﴾، فالمعنى على هذا: في موضع منامك.

وهو عند جميع أهل التفسير رؤيا في النوم كانت، إلا الحسن. فأمّا قوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ﴾، فهي رؤية حق لا منام، وهذا خطاب للنبي ﷺ، وأصحابه.

ومعنى: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ﴾.

أي: سلم للمؤمنين أمرهم حتى أظفرهم.

وقيل المعنى: سلم أمره فيهم.

وقيل: سلم القوم من الفشل بما أرى نبيهم ﷺ. من قلتهم. قاله ابن عباس.

يقال: فَشِل الرجل، أي: جَبُن.

* *

ثم قال: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً﴾.

أي: أراكم، أيها المؤمنون، عدوكم، قليلاً، وهم كثير ليهون عليكم أمرهم، فلا تجزعوا ولا تجبنوا، ويقلل المؤمنين في أعينهم، ليتركوا الاستعداد لهم، فتهون على المؤمنين شوكتهم.

قال عبد الله بن مسعود: قُلِّلوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جانبي: أراهم سبعين؟ قال: أراه مائة، قال: فأسرنا رجلاً منهم فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفاً.

وكان من قول أبي جهل لأصحابه لما قلّل الله عز وجل، المسلمين في عَيْنَيْه: يا قوم، لا تقتلوهم بالسلاح، ولكن خُذُوهم أَخْذاً، فاربطوهم بالحبال.

* *

ثم قال: ﴿لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾.

أي: فعل ذلك، فيظفركم بعدوكم، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى.

* *

﴿وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ﴾.

أي: تصير في الآخرة إليه، فيجازي كل نفس بما كسبت.

8:45–46Page 182

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٤٥

O you who have believed, when you encounter a company [from the enemy forces], stand firm and remember Allāh much that you may be successful.

وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٤٦

And obey Allāh and His Messenger, and do not dispute and [thus] lose courage and [then] your strength would depart; and be patient. Indeed, Allāh is with the patient.

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ﴾، إلى قوله: ﴿مَعَ ٱلصَّابِرِينَ﴾.

هذه الآية تحريض من الله، عز وجل، للمؤمنين في الثبات عند لقاء العدو، وأمرهم بذكر الله، سبحانه ﴿كَثِيراً﴾، أي: يذكرونه في الدعاء إليه في النصر على عدوهم، ﴿لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾.

﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ﴾ عز وجل، ﴿وَرَسُولَهُ﴾ عليه السلام، أي: فيما أمركم به، ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ﴾، أي: تختلفوا فتفترق قلوبكم، ﴿فَتَفْشَلُواْ﴾، أي: تضعفوا وتجبنوا، ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، أي: قوتكم وبأسكم ودولتكم، فتضعفوا، ﴿وَٱصْبِرُوۤاْ﴾، أي: اصبروا مع نبي الله عز وجل، عند لقاء عدوكم، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ﴾، أي: معكم.

قال مجاهد، وابن جريج: ذهب ريح أصحاب رسول الله ﷺ، حين نازعوه يوم أحد، أي: تركوا أمره، يعني: الرُّماة.

قال ابن زيد، ومجاهد، وغيرهم: (الرِّيحُ) ريح النّصر.

قال ابن زيد: لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله عز وجل، يضرب بها وجوه العدو، فإذا كان ذلك لم يكن لهم قِوَامٌ.

فمعنى: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.

(أي): الريح التي هي النصر، وعلى ذلك قال قتادة ومجاهد: ﴿رِيحُكُمْ﴾: نصركم.

8:47Page 183

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرٗا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ٤٧

And do not be like those who came forth from their homes insolently and to be seen by people and avert [them] from the way of Allāh. And Allāh is encompassing1 of what they do.

قوله: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ﴾، الآية.

هذه الآية تنبيه للمؤمنين ألاّ يعملوا عملاً إلا لله عز وجل، وطلب ما عنده تبارك وتعالى، ولا يفعلوا كفعل المشركين في مسيرهم إلى بدر طلب رئاء الناس. وذلك أنهم أُخبروا أن العير قد فاتت النبي ﷺ، [وأصحابه]، وقيل لهم: ارجعوا فقد سلمت العير التي جئتم لنصرتها، فأبوا الرجوع، وقالوا: نأتي بدراً فنشرب بها الخمر، وتعزف علينا بها القيان، وتتحدث بنا العرب، فسُقُوا مكان الخمر المنايا.

وفيهم نزل: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ﴾ الآية.

قال ابن عباس: لما رأى أبو سفيان أنه أحرز عيره، أرسل إلى قريش: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عِيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجت، فارجعوا، فقال أبو جهل بن هشام: والله لا نرجع حتى نَرِد بدراً، وكان "بدر" موسماً من مواسم العرب، تجتمع لهم بها سوق كل عام، فنقيم عليهم ثلاثاً، وننحر الجُزُر، ونطعم الطعام، فمضوا حتّى أتوا بدراً، فاجتمع السقاة على الماء من هؤلاء ومن هؤلاء، فجاز المشركون الماء.

ومعنى "البَطَرُ": التقوية بنعم الله، تعالى على المعاصي، فأمر الله عز وجل المؤمنين بإخلاص العمل له، ولا يكونوا كهؤلاء، الذين أتوا بدراً للرياء والسمعة بَطَراً منهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском