Makki ibn Abi TalibAt‑Tawbah · 9:107–121

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:107–121

9:107Page 204

وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٠٧

And [there are] those [hypocrites] who took for themselves a mosque for causing harm and disbelief and division among the believers and as a station for whoever had warred against Allāh and His Messenger before. And they will surely swear, "We intended only the best." And Allāh testifies that indeed they are liars.

قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً﴾، الآية.

من قرأ: ﴿ٱلَّذِينَ﴾ بالواو، فهو في موضع رفع، والخبر محذوف، والمعنى: ومنهم الذين، مردود على: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾ [التوبة: ١٠١].

وقيل: هو مردود على ﴿وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ﴾، (والَّذِينَ اتَّخّذُوا مَسْجِداً).

ومن قرأ ﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ﴾ بغير واو، فهو في موضع بالابتداء، وفي الخبر تقديران:

قال الكسائي الخبر: ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ﴾، أي: لا تقم في مسجدهم.

وقيل الخبر: ﴿لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ﴾، وهذا أحسن.

﴿ضِرَاراً﴾ مصدر، وإن شئت مفعولاً من أجله.

ومعنى الآية: إنّ اثني عشر رجلاً من المنافقين كلهم ينتمون إلى الأنصار، ويعتدون إلى بني عوف، يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، بنوا مسجداً ضراراً بمسجد "قُباء"، وأتوا النبي ﷺ، قبل خروجه إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله قد بنينا مسجداً لذِي العلة والحاجة والليلة المطيرة، وإنا نحب أن تأْتينا فتصلي لنا فيه، فقال النبي ﷺ: إني على جَنَاحِ سَفَرٍ وشُغْل، ولو قد قدمنا، إن شاء الله، أتيناكم فصلينا لكم فيه. فلما نزل النبي ﷺ، راجعاً [من سفره]، بقرب المدينة، بلغه الخبر، فأرسل قوماً لهدمه، فَهُدم وأُحْرِق.

* *

ومعنى ﴿ضِرَاراً﴾ أي: ضِرِاراً لمسجد رسول الله ﷺ، وكفراً بالله، لمخادعتهم النبي عليه السلام.

* *

﴿وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.

يريدون أن يتفرق جماعة المسلمين في صلواتهم.

* *

﴿وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن [قَبْلُ]﴾.

أي: إعداداً له، وهو أبو عامر الذي كان حَزَّبَ الأحزاب لقتال رسول الله ﷺ، فلما خذله الله عز وجل، لحق بالروم، يطلب النصر من ملكهم على رسول الله ﷺ، وكتب إلى أهل مسجد الضِّرار، وأمرهم ببناء المسجد الذي بنوه ليصلي لهم فيه، إذا رجع.

* *

﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ﴾.

أي: يحلف من بناه ما أردنا بذلك إلا الخير، والرفق بالمسلمين في المطر، والتوسعة على الضعفاء، ﴿وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، في قولهم ذلك، بل بنوه لتفريق المؤمنين.

قال ابن عباس: وجه أبو عامر إلى ناس من الأنصار أن يبنوا مسجداً، ويستعدوا ما يستطيعون من قوة ومن سلاح، وقال لهم: إني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتى بجند من الروم، فأخرج محمداً وأصحابه.

وكان أبو عامر من الروم أصله، وكان يقول: إنه راهب، فبنوا المسجد له، ليأتي ويصلي فيه، وليكون اجتماعهم للطعن على رسول الله ﷺ، وأصحابه فيه. فلما فرغوا من مسجدهم، أتوا النبي ﷺ، فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحب أن تصلي فيه، وتدعو لنا بالبركة.

فأنزل الله عز وجل: ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾.

قال قتادة: لما دعوا رسول الله ﷺ ليصلي في مسجدهم دعا بقميصه ليأتي إليهم، فأطلعه الله على أمرهم.

قال الضحاك: بنوا مسجد الضرار بقُباء، وكذلك قال قتادة.

قال ابن عباس: لما بنى النبي عليه [السلام] مسجد قُباء، بنى [قوم] من الأنصار مسجداً للضِّرار، ليضاهوا به النبي عليه السلام والمؤمنين في مسجدهم.

* *

قوله: ﴿مِن قَبْلُ﴾، وقف في قراءة من قرأ: ﴿ٱلَّذِينَ﴾ بغير واو إن قدرت أنَّ الخبر: ومنهم الذين.

وإن قدرت أن يكون ﴿لاَ يَزَالُ﴾ الخبر، أو ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾، لم يجز الوقف على: ﴿مِن قَبْلُ﴾.

و ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ وقف، وكذلك يقدر جميع هذه الآية.

9:108Page 204

لَا تَقُمۡ فِيهِ أَبَدٗاۚ لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ ١٠٨

Do not stand [for prayer] within it - ever. A mosque founded on righteousness from the first day1 is more worthy for you to stand in. Within it are men who love to purify themselves; and Allāh loves those who purify themselves.

قوله: ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ﴾، الآية.

والمعنى: لا تقم، يا محمد، في المسجد الذي بناه المنافقون، ضِراراً وتفريقاً بين المؤمنين، أبداً.

ثم أقسم، فقال: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ﴾، أي: ابتدئ أساسه وبناؤه على طاعة الله عز وجل، ورضوانه ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾، ابتدئ بنيانه، ﴿أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾، أي: أولى أن تقوم فيه، مصلياً لله، عز وجل.

و ﴿مِنْ﴾ هاهنا، بمعنى: منذ.

وقيل: [المعنى]، من تأسيس أول يوم.

* *

ومعنى ﴿أَوَّلِ يَوْمٍ﴾: أول الأيام: كما تقول: أتيت على كل رجل، أي: على كل الرجال.

قال ابن عمر، وعمر، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري وابن المسيب، وخارجة بن ثابت، وابن جريج: هو مسجد رسول الله ﷺ، الذي فيه اليوم قبره.

وقال ابن عباس، وابن زيد، وعروة بن الزبير، وأبو زيد: هو مسجد قُباء. وقاله ابن جبير، وقتادة.

وروي عن النبي ﷺ، أنه قال: "هو مسجدي هذا

وقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾.

"الهاء" لمسجد النبي ﷺ وقال الشعبي: هي لمسجد قُباء. وكذلك قال شَهْرَ بْنُ حَوْشَب.

فعلى هذا يجوز أن يكون الضميران مختلفين، وأن يكونا متفقين.

* *

وقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ﴾.

مدحوا، لأنهم كانوا يستنجون بالماء من الغائط والبول، لا خلاف في هذا التفسير بين أهل التفسير.

قال قتادة: لما نزلت هذه الآية، قال النبي ﷺ، لأهل قُباء: إنّ الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور، فما تصنعون؟ قالوا: إنا نغسل عنّا أَثر الغائط والبول

قوله: ﴿أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ وقف، إن جعلت الضمير مخالفاً للضمير الأول: فإن جعلته مثله وقفت على: ﴿يَتَطَهَّرُواْ﴾.

9:109Page 204

أَفَمَنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقۡوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٍ خَيۡرٌ أَم مَّنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٖ فَٱنۡهَارَ بِهِۦ فِي نَارِ جَهَنَّمَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٩

Then is one who laid the foundation of his building on righteousness [with fear] from Allāh and [seeking] His approval better or one who laid the foundation of his building on the edge of a bank about to collapse, so it collapsed with him into the fire of Hell? And Allāh does not guide the wrongdoing people.

قوله: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ﴾، الآية.

قرأ نصر بن علي: "أَسَسُ بُنْينِه"، بتخفيف السين ورفعه، وخفض البنيان.

وحكى أبو حاتم عن بعض القراء: "أفمن أساس بُنْيَنِهِ"، برفع أساس، وخفض البنيان.

و "أسَسُ" و "أُسُّ" سواء كـ: عَرَبٍ وعُرْب. و "أساسٌ" واحد، وجمعه: أُسُس.

وحكى أبو حاتم، أيضاً، قراءة أخرى: "أفمن أسس بنيانه" برفع "آساس" ومده، وخفض البنيان، وهو جمع "أُسّ" كـ: "خُفٍ" و "أَخْفَافٍ" والكثير "إسَاسٌ" كـ "خِفَاف".

و ﴿جُرُفٍ﴾، و ﴿جُرُفٍ﴾ لغتان، وهو شفير ما ينفى من جُرُف الوادي إذا أخذه السيل.

قال أبو حاتم: أصل ﴿هَارٍ﴾: هاورُ، ثم قلب، كـ: شاكي السلاح وشائك السلاح.

وحكى الكسائي: "تَهَوّر" و "تَهَيَّر". والهائر المتقدم. وحكى: هَارَ يَهُورُ ويَهيرُ ويهار.

ومعنى الآية: أنها مثل. والمعنى: أيُّ هذين الفريقين خير؟ وأي هذين البناءين خير وأثبت؟ من ابتدأ أساس بنيانه على طاعة الله، أم من ابتدأه على ضلال وخطأ من دينه؟

* *

قوله: ﴿فَٱنْهَارَ [بِهِ]﴾.

يحسن أن تكون الألف من "واو" أو "ياء" على ما تقدم.

قال ابن عباس: [﴿بِهِ فَٱنْهَارَ﴾]، يعني قواعده ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾.

وذُكر أنه حفرت بقعة منها، فرئي الدخان.

قال ابن جريج: (فلما فرغوا من بناء المسجد، صلوا فيه ثلاثة أيام، وأنهار اليوم الرابع ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾. قال ابن جريج: ذكر لنا أنَّ رجلاً حفر فيه، فأبصر الدخان يخرج منه.

وقال جابر: رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله ﷺ.

9:110Page 204

لَا يَزَالُ بُنۡيَٰنُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوۡاْ رِيبَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١١٠

Their building which they built will not cease to be a [cause of] skepticism in their hearts until their hearts are cut [i.e., stopped]. And Allāh is Knowing and Wise.

قوله: ﴿لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾.

والمعنى: ولا يزال مسجدهم الذي بنوه، شكًّا في قلوبهم ونفاقاً، ﴿إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾، أي: إلا أن تصدع قلوبهم فيموتوا.

قال ابن عباس ومجاهد: ﴿إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾، إلا أن يموتوا.

وقال السدي ﴿رِيبَةً﴾: كفراً.

وفي حرف عبد الله: (ولو قطعت قلوبهم).

وقيل المعنى: إلا أن يتوبوا عما فعلوا، فيكونون بمنزلة من قطع قلبه.

9:111–112Page 204

۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١١١

Indeed, Allāh has purchased from the believers their lives and their properties [in exchange] for that they will have Paradise. They fight in the cause of Allāh, so they kill and are killed. [It is] a true promise [binding] upon Him in the Torah and the Gospel and the Qur’ān. And who is truer to his covenant than Allāh? So rejoice in your transaction which you have contracted. And it is that which is the great attainment.

ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٢

[Such believers are] the repentant, the worshippers, the praisers [of Allāh], the travelers [for His cause], those who bow and prostrate [in prayer], those who enjoin what is right and forbid what is wrong, and those who observe the limits [set by] Allāh. And give good tidings to the believers.

قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.

* *

قوله: ﴿أَنفُسَهُمْ﴾: استغنى بأقل الجمع عن الكثير، والمراد الكثير، ولفظه لفظ القليل، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] فهذا لفظه ومعناه سواء لأكثر العدد.

ومن قرأ: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾، فبدأ بالمفعول.

قيل: الفاعل بمعناه فيُقْتل بعضهم، ويقتل بعضهم الباقي المشركين. والعرب تقول: نحن قتلناكم يوم كذا، أي: قتلنا منكم.

* *

قوله: ﴿وَعْداً﴾، مصدر مؤكد، و ﴿حَقّاً﴾ نعت له.

والمعنى: وعدهم الله الجنة وعداً حقاً عليه.

قال ابن عباس: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ [وَأَمْوَالَهُمْ] بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ﴾، قال: ثامنهم والله، وأعلى لهم.

ورُوي أن عبد الله بن رواحة قال للنبي ﷺ: اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال النبي عليه السلام: اشترط لربي: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي: أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. فقالوا: فإذا فعلنا ذلك فماذا لنا؟ قال: الجنة. قالوا: ربح البيع، لا نُقيل ولا نستقيل

فنزلت: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ﴾، الآية.

ثم مدحهم الله، عز وجل، فقال: ﴿ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ﴾، أي: هم التائبون.

وقال الزجاج: هو بدل. والمعنى: يقاتل التائبون.

وقال: والأحسن أن يرتفعوا بالابتداء، والخبر محذوف، أي: لهم الجنة.

وفي قراءة عبد الله: ﴿ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ﴾، على النعت للمؤمنين، في موضع خفض، أو في موضع نصب على المدح.

وقيل: ﴿ٱلتَّائِبُونَ﴾ مبتدأ، وما بعدها إلى "الساجدين" عطف عليه، و ﴿ٱلآمِرُونَ﴾ خبر الابتداء، أي: مرهم بهذه الصفة، فهم ﴿ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ﴾.

* *

ومعنى ﴿ٱلتَّائِبُونَ﴾: الراجعون مما يكرهه الله عز وجل، إلى ما يحبه.

وقال الحسن: ﴿ٱلتَّائِبُونَ﴾، أي: عن الشرك، ﴿ٱلْعَابِدُونَ﴾، الله وحده في أحايينهم كلها، أي: في أعمارهم.

* *

ومعنى ﴿ٱلْحَامِدُونَ﴾، الذين يحمدون الله على ما ابتلاهم به من خير وشر.

وقيل المعنى: الذين حمدوا الله على الإسلام.

* *

ومعنى ﴿ٱلسَّائِحُونَ﴾: الصائمون روي ذلك عن النبي ﷺ.

وكذلك قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، والضحاك.

وأصل السياحة: الذهاب في الأرض.

﴿ٱلرَّاكِعُونَ ٱلسَّاجِدونَ﴾، يعني: في الصلاة المفروضة.

﴿ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾، أي: بالإيمان بالله، عز وجل، وبرسوله عليه السلام.

﴿وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾، عن الشرك ﴿وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ﴾، أي: العاملون بأمر الله عز وجل، ونهيه، سبحانه.

* *

﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.

أي: بشر من آمن، وفعل هذه الصفات من التوبة والعبادة وغيرهما، وإن لم يغزوا.

وقال الحسن في هذه الآية: ﴿ٱلْعَابِدُونَ﴾: الذين عبدوا الله عز وجل، في أحايينهم كلها، أما والله ما هو بشهر ولا شهرين ولا سنة ولا سنتين، ولكن كما قال العبد الصالح: ﴿وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ [مريم: ٣١].

قال: و ﴿ٱلسَّائِحُونَ﴾ الصائمون. وقال: ﴿ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾، أما والله، ما أمروا بالمعروف، حتى أمروا به أنفسهم، ولا نهوا عن المنكر، حتى نهوا عنه أنفسهم، ﴿وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ﴾، قال: هم القائمون على فرائض الله.

9:113–114Page 205

مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسۡتَغۡفِرُواْ لِلۡمُشۡرِكِينَ وَلَوۡ كَانُوٓاْ أُوْلِي قُرۡبَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١١٣

It is not for the Prophet and those who have believed to ask forgiveness for the polytheists, even if they were relatives, after it has become clear to them that they are companions of Hellfire.

وَمَا كَانَ ٱسۡتِغۡفَارُ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوۡعِدَةٖ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوّٞ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنۡهُۚ إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٞ ١١٤

And the request of forgiveness of Abraham for his father was only because of a promise he had made to him. But when it became apparent to him [i.e., Abraham] that he [i.e., the father] was an enemy to Allāh, he disassociated himself from him. Indeed was Abraham compassionate and patient.

قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾، إلى قوله: ﴿حَلِيمٌ﴾.

والمعنى: ما ينبغي للنبي ﷺ، والمؤمنين: ﴿أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ﴾ منهم، ﴿مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: من بعد ما ماتوا على شركهم بالله سبحانه، وقد قضى القرآن (أنّ) من مات على الشرك، أنَّه من أهل النار.

وهذه الآية نزلت في شأن أبي طالب، أراد النبي عليه السلام، أن يستغفر له بعد موته، فنهاه الله، عز وجل، عن ذلك.

وروى الزهري عن ابن المسيب عن أبيه، أنه قال: لما حضرت أبا طالبٍ الوفاة، دخل عليه النبي ﷺ، وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أمية: يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أُحاجُّ لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه، حتى قال آخر شيءٍ تكلم به: أنا على ملة عبد المطلب، فقال النبي ﷺ: لأستغفرنَّ لك ما لم أُنه عنك. فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾، الآية، ونزلت ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، الآية

الزهري عن ابن المسَيَّب قال: لما أحتضر أبو طالب أتاه النبي عليه السلام، وعنده عبد الله بن أبي أمية، وأبو جهل بن هشام، فقال له رسول الله ﷺ، أي عم إنك أعظم الناس عليّ حقاً، وأحسنهم يداً، لأنت أعظم من والدي، فقل كلمة تجب لي يوم القيامة بها الشفاعة لك، قل: لا إله إلا الله، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فسكت، فأعادها عليه رسول الله، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ ومات.

فقال النبي ﷺ: والله لأستغفرنَّ له ما لم أُنه عن ذلك، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾، الآية.

وقال مجاهد قال المؤمنون: ألا نستغفر لآبائنا، وقد استغفر إبراهيم لأبيه كافراً؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ﴾، الآية.

وقال عمرو بن دينار: قال النبي عليه السلام، استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى ينهاني الله عنه.

فقال أصحابه: فلنستغفرن لآبائنا كما استغفر النبي عليه السلام، لعَمِّه، فأنزل الله، عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ﴾، إلى: ﴿حَلِيمٌ﴾.

وقيل: نزلت في أُمِّ رسول الله عليه السلام أراد أن يستغفر لها، فمنع من ذلك.

رُوي أن النبي ﷺ، لما قدم مكة، وقف على قبر أُمه حتى سَخِنَت عليه الشمس، رجاء أن يُؤْذن له فيستغفر لها ، حتى نزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾، الآية قال ذلك ابن عباس، وغيره.

ولم يختلف أهل العلم في الدعاء للأبوين ما داما حيين، على أيّ دين كانا، يدعى لهما بالتوفيق والهداية، فإذا ماتا على كفرهما لم يستغفر لهما.

رُوي أن الآية نزلت في أبوي النبي عليه السلام، وذلك أنه ﷺ، سأل جبريل، عليه السلام، عن قبر أبويه، فأرشده إليهما، فذهب إليهما، فكان يدعو لهما، وعلي رضي الله عنه، يُؤَمِّنُ، فنهي عن ذلك، وأُعلم أنّ إبراهيم، صلوات الله عليه، إنما أستغفر لأبيه؛ لأن أباه وعده أن يُسْلِمَ، ويترك عبادة الأصنام، فكان إبراهيم يستغفر له طمعاً أن يُؤْمن، فلما مات على كفره، تبرأ منه.

و "المَوْعِدَةُ" التي وعد إبراهيم أبوه هو أنه وعده أن يؤمن.

وقيل: بل هي كانت من إبراهيم لأبيه وعده أن يستغفر له، حكى الله عنه أنه قال: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ﴾ [مريم: ٤٧]، فلزمه إتمام وعده.

* *

وقوله: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾.

فنهى الله، عز وجل، عن الاستغفار له تبرؤاً منه.

وقيل: لما مات على كفره تبرأ منه.

[فدل قوله: ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾] على هذا المعنى، أنه (إنما) استغفر له وهو حي لوعد وعده، أنه يؤمن، فلما رآه لا يؤمن، وأنه متماد على الكفر تبرأ منه.

وقيل: لما مات على كفره، (ولم يؤمن)، تبرأ منه، وترك الاستغفار له، قال ذلك ابن عباس، وغيره.

وقال ابن جبير: إنما تبرأ منه في الآخرة، وذلك أنَّ إبراهيم عليه السلام يسأل في والده يوم القيامة ثلاث مرات، فإذا كانت الثالثة، أخذ بيده، فيلتفت إليه، فيتبرأ منه.

و "الأَوَّاهُ" الدَّعَّاء.

وقيل: الرحيم. قال ذلك قتادة، والحسن، وروي ذلك عن ابن مسعود.

وعن ابن عباس: أنَّه: الموفق، بلسان الحبشة، (وكذلك قال مجاهد وعطاء.

وعن ابن عباس أيضاً: "الأوّاه" بلسان الحبشة)، المؤمن التواب.

وقال كعب: "الأوَّاهُ" الذي إذا ذكر النار تأوّه.

وعن ابن جبير: أنه المُسبِّحُ، الكثير الذكر لله عز وجل.

وروي ذلك عن النبي عليه السلام.

وروي عن النبي ﷺ، أنه قال لرجل: "يرحمك الله إن كنت لأواهاً"يعني تلاءً للقرآن.

وقال كعب "الأوَّاه" الكثير التَّأوُّهِ.

وعن مجاهد أيضاً: أنه الفقيه..

وروى شَدَّاد بن الهادي، قال رجل لرسول الله ﷺ،: ما الأواه فقال: المتضرع

وفي حديث آخر: الخاشع المتضرع

ومعنى ﴿حَلِيمٌ﴾، أي: حليم عمن ظلمه.

وعن النبي ﷺ، أيضاً "الأوّاه"، الدَّعّاء.

وقاله ابن مسعود.

وأصل "التأوه": الترجُّع والتوجع بحزنه.

9:115–116Page 205

وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوۡمَۢا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰهُمۡ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ١١٥

And Allāh would not let a people stray after He has guided them until He makes clear to them what they should avoid. Indeed, Allāh is Knowing of all things.

إِنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۚ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ١١٦

Indeed, to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth; He gives life and causes death. And you have not besides Allāh any protector or any helper.

قوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾، إلى قوله: ﴿مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾.

المعنى: ما كان الله ليضلكم بالاستغفار للمشركين، بعد إذ هداكم للإيمان، حتى يتقدم إليكم بالنهي عن ذلك، ويبيِّنه لكم فتتقوه ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: ذو علم بجميع الأشياء.

* *

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾.

أي: له سلطان ذلك، لا رادّ لأمره، يحيي من يشاء، ويميت من يشاء، كل عبيده، وفي قبضته، فلا تجزعوا من قتال أعدائكم.

وهذا حض من الله على ما تقدم من ذكر القتال.

* *

﴿وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾.

أي: ليس لكم من ينصركم من عذاب الله إن خالفتم أمره فأراد بكم سوءاً.

9:117–118Page 205

لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ مِنۢ بَعۡدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٖ مِّنۡهُمۡ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّهُۥ بِهِمۡ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١١٧

Allāh has already forgiven the Prophet and the Muhājireen and the Anṣār who followed him in the hour of difficulty after the hearts of a party of them had almost inclined [to doubt], and then He forgave them. Indeed, He was to them Kind and Merciful.

وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١١٨

And [He also forgave] the three who were left alone [i.e., boycotted, regretting their error] to the point that the earth closed in on them in spite of its vastness1 and their souls confined [i.e., anguished] them and they were certain that there is no refuge from Allāh except in Him. Then He turned to them so they could repent. Indeed, Allāh is the Accepting of Repentance,2 the Merciful.

قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ﴾، إلى قوله: ﴿هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾.

* *

قوله: ﴿مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾، رفع القلوب عند سيبويه بـ: ﴿يَزِيغُ﴾، و ﴿كَادَ﴾، فيها إضمار الحديث.

ويجوز أن ترفع القلوب بـ: ﴿كَادَ﴾، ويكون التقدير: من بعد ما كاد قلوب فريق منهم تزيغ.

وقال أبو حاتم: من قرأ: ﴿يَزِيغُ﴾ بالياء، لا يجوز أن يرفع القلوب بـ: ﴿كَادَ﴾، وهو جائز عند غيره على تذكير الجمع.

والمعنى: لقد رزق الله رسوله الإنابة إلى أمره، ورزق المهاجرين وذراريهم وعشيرتهم الإنابة إلى أمره، ورزق الأنصار ذلك، ﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ﴾ وهي غزوة تبوك، خرجوا في حر شديد، فاشتد عليهم العطش، فكانوا ينحرون إبلهم، ويعصرون كروشها، ويشربون ماءها، فهي العسرة التي لحقتهم، قال ذلك عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، فسأل أبو بكر النبي عليه السلام، أن يدعو، فدعا، فأمطروا فشربوا وملأوا ما معهم. قال عمر: ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر.

وكانوا أيضاً في قلة من الظَّهر وقلة من مال.

قال مجاهد: أصابهم جَهْد شديد، حتى إنَّ الرجلين يشقان التمرة بينهما.

* *

وقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ﴾.

أي: ليثبتوا على التوبة، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، أي: اثبتوا على الإيمان.

وقيل: المعنى: ثم فسح عليهم، ولم يعجل عقابهم ليتوبوا.

وقيل المعنى: ثم وفقهم الله للتوبة.

يقال: "تاب الله عليه"، أي: دعاه إلى التوبة، و "تاب عليه"، أي: وفقه للتوبة، و "تاب عليه" قَبِل توبته.

* *

وقوله: ﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦].

أي: وإما يوفقهم للتوبة.

وأصل التوبة في اللغة، الرجوع عما كان عليه.

وهي تكون بثلاث شرائط: الندم على ما كان منه، والإقلاع عن المعصية، وترك الإصرار.

﴿وَٱلأَنصَارِ﴾ وقف.

* *

ثم قال: ﴿وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾.

أي: وتاب على الثلاثة الذين خُلِّفُوا، فلم يفعلوا فعل أبي لُبابة وأصحابه، إذ ربطوا أنفسهم في السواري، وقالوا: لا نَطْعم ولا نَحُل حتى يكون رسول الله ﷺ، هو الذي يحلنا بتوبة من الله والثلاثة هم الآخرون الذين أرجأ أمرهم المؤمنون، فقال قوم: هلكوا، وقال قوم: عسى الله أن يتوب عليهم.

قال عكرمة وقتادة: خُلِّفُوا عن التوبة.

وقرأ عكرمة: "خَلَفُوا" أي: أقاموا بِعَقِبِ رسول الله ﷺ.

قال محمد بن عرفة نفطوية: خلفوا عن أن يكونوا منافقين، ويعتذروا فيعذروا؛ لأنهم صدقوا، ولم يأتوا بعذر كذب.

وقرأ جعفر بن محمد: "خَالَفُوا".

* *

قوله: ﴿حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾.

أي: بسعتها، غمًّا منهم وندماً على تخلفهم عن رسول الله ﷺ ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾.

أي: بما نالهم من الكرب ﴿وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ﴾، أي: أيقنوا أنه لا ملجأ من الله، أي: لا مهرب، ولا مستغاث منه، ﴿إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ﴾، أي: لينيبوا إليه، ويرجعوا إلى طاعته، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ أي: هو الوهّاب لعباده الإنابة إليه، ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، بهم، أن يعاقبهم بعد التوبة على ما سلف منهم قبل التوبة.

والثلاثة هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومُرارة بن ربيعة، كلهم من الأنصار.

وفي رواية: مُرارة بن الربيع.

وفي أخرى: مُرارة بن ربْعي.

وقال ابن جبير: ربيعة بن مرارة، وهلال بن أمية، وكعب بن مالك.

وكان قد تخلف عن رسول الله عليه السلام، في غزوة تبوك بضع وثمانون رجلاً، فلما رجع أتاه قوم، منهم الثلاثة الذين ذكروا في الآية، فصدقوه حديثهم واعترفوا بذنوبهم، وأتاه الباقون، فكذبوا وحلفوا واعتذروا، فوكل أمرهم إلى الله عز وجل، وقال لأولئك الذين صدقوا: قُوما حتى يقضي الله فيكم، فنزل القرآن بتوبتهم، فقال: ﴿وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾، الآية [التوبة: ١٠٢]، وقال: ﴿وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾، الآية.

قال كعب بن مالك: أتى، المخلفون فاعتذروا، فقبل منهم النبي ﷺ، ووكل سرائرهم إلى الله، عز وجل، وجئت إليه فرأيته يبتسم تبسم المُغْضَب، ثم قال تعالى، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، وكنت لما سمعت بقدوم رسول الله ﷺ، حضرني بَثِّي على التخلف، فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بما أخرج من سخطه غداً؟ فلما قدم النبي عليه السلام، زال عني الباطل حين عرفت أني لم أنج منه بشيء أبداً، فلما جلست بين يديه، قال لي: ما خَلَّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ قال: فقلت: يا رسول الله والله إنِّي لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سَخَطِه بعذر، لقد أُعطيت جدلاً.

ولكني والله لقد علمت أني لئن حدثتك اليوم بحديثٍ كذبٍ ترضى به عني، ليوشكنّ الله أن يسخط علي، ولئن حدثتك حديث صدق، وتجد علي فيه، إني لأرجو عفو الله، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قَطُّ أقوى ولا أيْسَر مني حين تخلفت عنك. فقال رسول الله ﷺ: أمَّا هذا فقد صدق، قم حتى يقضي الله فيك. فقمت، وفعل رجلان مثل ما فعلت، وكانا قد شهدا بدراً، فكان لي فيهم أُسوة. وأخذ الناس يقولون: ألا اعتذرت كما اعتذر غيرك، ثم تستغفر لك رسول الله ﷺ، فلم يزالوا بي (حتى) كدت أرجع إلى النبي ﷺ، فأُكذِّب نفسي. ثم نهى رسول الله ﷺ، عن كلامنا الثلاثة من بين من تخلف عنه. فاجتنبنا الناس وتغيّروا لنا، حتى تنكرت إلى نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأمَّا صاحباي فاستكَنَّا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشَبَّ القوم وأجلَدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة، وأطوفُ الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ، وهو في مجلسه، فأسلم عليه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام؟ ثم أفكر في غيره، ثم أبكي قريباً منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عنِّي، ثم أمرني رسول الله ﷺ، باعتزال أهلي عند تمام أربعين ليلة في حديث طويل.

فلم يزل حتى نزلت توبته بعد خمسين ليلة مع توبة صاحبيه.

9:119Page 206

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩

O you who have believed, fear Allāh and be with those who are true.

قوله: ﴿يَـٰأيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ﴾.

والمعنى: يا أيها الذين صدَّقوا بالله ورسوله، ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أن تخالفوه، ﴿وَكُونُواْ﴾، في الآخرة ﴿مَعَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ ، أي: مع النبي عليه السلام، وأصحابه. كذلك، قال زيد بن أسلم، والضحاك، وابن جبير.

قال الضحاك: ﴿مَعَ ٱلصَّادِقِينَ﴾، مع أبي بكر وعمر وأصحابهما.

وقال ابن جريج: مع المهاجرين الصادقين.

وتأويل ذلك عند ابن مسعود: أن يَصْدُقوا في قولهم، وأنَّه نهي عن الكذب.

وكان يقرأ: "وكونوا مع الصادقين".

9:120Page 206

مَا كَانَ لِأَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرۡغَبُواْ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِۦۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ لَا يُصِيبُهُمۡ ظَمَأٞ وَلَا نَصَبٞ وَلَا مَخۡمَصَةٞ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوۡطِئٗا يَغِيظُ ٱلۡكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنۡ عَدُوّٖ نَّيۡلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٢٠

It was not [proper] for the people of Madīnah and those surrounding them of the bedouins that they remain behind after [the departure of] the Messenger of Allāh or that they prefer themselves over his self.1 That is because they are not afflicted by thirst or fatigue or hunger in the cause of Allāh, nor do they tread on any ground that enrages the disbelievers, nor do they inflict upon an enemy any infliction but that it is registered for them as a righteous deed. Indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of the doers of good.

قوله: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ﴾.

يعني: في غزوة تبوك. أي لا ينبغي لهم ذلك، ولا ينبغي لهم [أن ﴿يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ] عَن نَّفْسِهِ﴾ في الجهاد.

وإنما لم يكن لهم ذلك؛ لأنهم ﴿لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾، في سفرهم، أي: عطش، ﴿وَلاَ نَصَبٌ﴾، أي: تعب: ﴿وَلاَ مَخْمَصَةٌ﴾، أي مجاعة ﴿فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، عز وجل: أي: في إقامة دين الله سبحانه ﴿وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ﴾، أي: لا يطئون أرضاً ﴿يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ﴾، وطؤهم [إياها] ﴿وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً﴾، أي: في أنفسهم وأموالهم وأولادهم، ﴿إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ﴾، بذلك كله ثواب عمل صالح، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾، أي: يجازيهم على أعمالهم.

وهذه الآية مخصوصة للنبي عليه السلام، لم يكن لأحد أن يتخلف عنه إلا من عذر. فأما الآن فبعض الناس يحمل عن بعض. قاله قتادة.

وقال ابن زيد: كانت إذا كان المسلمون قِلة فرضاً، فلما كثروا نسخها: ﴿وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾، فأباح التخلف لمن شاء.

وقال الطبري معنى الآية: ما كان لأهل المدينة الذين تخلفوا، ولا لمن حولهم من الأعراب الذين تخلفوا، أن يفعلوا ذلك، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه.

و "النَّيل" مصدر: "نالني [ينالني] نَيْلاً"، فأنا "مَنِيلٌ".

وليس هو من "التَّنَاولِ"، لأن "التناول" من "النَّوَالِ" يقال منه: "نُلْتُ، أَنُولُ"، من العطية.

9:121Page 206

وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةٗ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةٗ وَلَا يَقۡطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمۡ لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢١

Nor do they spend an expenditure, small or large, or cross a valley but that it is registered for them that Allāh may reward them for the best of what they were doing.

قال تعالى: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً﴾.

أي: في سبيل الله وإظهار دينه ﴿وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ﴾، أي: كتب لهم أجر عملهم ﴿لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ﴾، أي: فعل ذلك ليجزيهم أحسن عملهم، أي: يجزيهم جزاء كأحسن ما يجزيهم على أحسن أعمالهم التي كانوا يعملونها وهم مقيمون في منازلهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском