An-NasafiAl‑Isra · 17:29–59

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:29–59

17:29Page 285

وَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا ٢٩

And do not make your hand [as] chained to your neck1 or extend it completely2 and [thereby] become blamed and insolvent.

﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ "كُلَّ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ لِإضافَتِهِ إلَيْهِ وهَذا تَمْثِيلٌ لِمَنعِ الشَحِيحِ وإعْطاءِ المُسْرِفِ وأمْرٌ بِالِاقْتِصادِ الَّذِي هو بَيْنَ الإسْرافِ والتَقْتِيرِ ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ فَتَصِيرَ مَلُومًا عِنْدَ اللهِ، لِأنَّ المُسْرِفَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَهُ وعِنْدَ الناسِ يَقُولُ الفَقِيرُ: أعْطى فُلانًا وحَرَمَنِي، ويَقُولُ الغَنِيُّ: ما يُحْسِنُ تَدْبِيرَ أمْرِ المَعِيشَةِ، وعِنْدَ نَفْسِكَ إذا احْتَجْتَ فَنَدِمْتَ عَلى ما فَعَلْتَ ﴿مَحْسُورًا﴾ مُنْقَطِعًا بِكَ لا شَيْءَ عِنْدَكَ، مِن: حَسَرَهُ السَفَرُ: إذا أثَّرَ فِيهِ أثَرًا بَلِيغًا، أوْ عارِيًا، مِن: حَسَرَ رَأْسَهُ، وقَدْ خاطَرَتْ مُسْلِمَةٌ ضَرَّتَها (p-٢٥٥)اليَهُودِيَّةَ في أنَّهُ - يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ أجْوَدُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ فَبَعَثَتِ ابْنَتَها تَسْألُهُ قَمِيصَهُ الَّذِي عَلَيْهِ فَدَفَعَهُ وقَعَدَ عُرْيانًا فَأُقِيمَتِ الصَلاةُ فَلَمْ يَخْرُجْ لِلصَّلاةِ فَنَزَلَتْ.

17:30Page 285

إِنَّ رَبَّكَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ٣٠

Indeed, your Lord extends provision for whom He wills and restricts [it]. Indeed He is ever, concerning His servants, Aware and Seeing.

ثُمَّ سَلّى رَسُولَ اللهِ ﷺ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِهَوانٍ مِنكَ عَلَيْهِ ولا لِبُخْلٍ بِهِ عَلَيْكَ ولَكِنْ، لِأنَّ بَسْطَ الأرْزاقِ وقَدْرَها مُفَوَّضٌ إلى اللهِ تَعالى فَقالَ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ فَلَيْسَ البَسْطُ إلَيْكَ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أيْ: هو يُضَيِّقُ فَلا لَوْمَ عَلَيْكَ ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا﴾ بِمَصالِحِهِمْ فَيُمْضِيها ﴿بَصِيرًا﴾ بِحَوائِجِهِمْ فَيَقْضِيها.

17:31Page 285

وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِيَّاكُمۡۚ إِنَّ قَتۡلَهُمۡ كَانَ خِطۡـٔٗا كَبِيرٗا ٣١

And do not kill your children for fear of poverty. We provide for them and for you. Indeed, their killing is ever a great sin.

﴿وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ﴾ قَتْلُهم أوْلادَهم وأْدُهم بَناتِهِمْ ﴿خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ فَقْرٍ ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكُمْ﴾ نَهاهم عَنْ ذَلِكَ وضَمِنَ أرْزاقَهم ﴿إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ إثْمًا عَظِيمًا يُقالُ خَطِئَ خِطْئًا كَأثِمَ إثْمًا "خَطَأً" شامِيٌّ، وهو ضِدُّ الصَوابِ اسْمٌ مِن أخْطَأ وقِيلَ هو والخِطْءُ كالحَذَرِ والحِذْرِ، "خِطاءً" بِالمَدِّ والكَسْرِ مَكِّيٌّ.

17:32Page 285

وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا ٣٢

And do not approach unlawful sexual intercourse.1 Indeed, it is ever an immorality and is evil as a way.

﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِنا﴾ القَصْرُ فِيهِ أكْثَرُ والمَدُّ لُغَةٌ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ وهو نَهْيٌ عَنْ دَواعِي الزِنا كالمَسِّ والقُبْلَةِ ونَحْوِهِما ولَوْ أُرِيدَ النَهْيَ عَنْ نَفْسِ الزِنا لَقالَ ولا تَزْنُوا ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ مَعْصِيَةً مُجاوِزَةً حَدَّ الشَرْعِ والعَقْلِ ﴿وَساءَ سَبِيلا﴾ وبِئْسَ طَرِيقًا طَرِيقُهُ.

17:33Page 285

وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومٗا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلۡطَٰنٗا فَلَا يُسۡرِف فِّي ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورٗا ٣٣

And do not kill the soul [i.e., person] which Allāh has forbidden, except by right.1 And whoever is killed unjustly - We have given his heir authority,2 but let him not exceed limits in [the matter of] taking life. Indeed, he has been supported [by the law].

﴿وَلا تَقْتُلُوا النَفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلا بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِارْتِكابِ ما يُبِيحُ الدَمَ ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ غَيْرَ مُرْتَكِبٍ ما يُبِيحُ الدَمَ ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ تَسَلُّطًا عَلى القاتِلِ في الِاقْتِصاصِ مِنهُ ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ الضَمِيرُ لِلْوَلِيِّ أيْ: فَلا (p-٢٥٦)يَقْتُلْ غَيْرَ القاتِلِ ولا اثْنَيْنِ والقاتِلُ واحِدٌ كَعادَةِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، أوِ الإسْرافُ: المُثْلَةُ والضَمِيرُ لِلْقاتِلِ الأوَّلِ "فَلا تُسْرِفْ " حَمْزَةُ وعَلِيٌّ عَلى خِطابِ الوَلِيِّ أوْ قاتِلِ المَظْلُومِ ﴿إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ الضَمِيرُ لِلْوَلِيِّ أيْ: حَسْبُهُ أنَّ اللهَ قَدْ نَصَرَهُ بِأنْ أوْجَبَ لَهُ القِصاصَ فَلا يَسْتَزِدْ عَلى ذَلِكَ أوْ لِلْمَظْلُومِ أيِ اللهُ ناصِرُهُ حَيْثُ أوْجَبَ القِصاصَ بِقَتْلِهِ ويَنْصُرُهُ في الآخِرَةِ بِالثَوابِ أوْ لِلَّذِي يَقْتُلُهُ الوَلِيُّ بِغَيْرِ حَقٍّ ويُسْرِفُ في قَتْلِهِ فَإنَّهُ كانَ مَنصُورًا بِإيجابِ القِصاصِ عَلى المُسْرِفِ وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ القِصاصَ يَجْرِي بَيْنَ الحُرِّ والعَبْدِ وبَيْنَ المُسْلِمِ والذِمِّيِّ، لِأنَّ أنْفُسَ أهْلِ الذِمَّةِ والعَبِيدِ داخِلَةٌ في الآيَةِ لِكَوْنِها مُحَرَّمَةً.

17:34Page 285

وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا ٣٤

And do not approach the property of an orphan, except in the way that is best,1 until he reaches maturity. And fulfill [every] commitment. Indeed, the commitment is ever [that about which one will be] questioned.

﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ بِالخَصْلَةِ والطَرِيقَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ وهي حِفْظُهُ وتَثْمِيرُهُ ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ أيْ: ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً ﴿وَأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ بِأوامِرِ اللهِ تَعالى ونَواهِيهِ ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ مَطْلُوبًا يُطْلَبُ مِنَ المُعاهَدِ أنْ لا يُضَيِّعَهُ ويَفِيَ بِهِ أوْ أنَّ صاحِبَ العُهَدِ كانَ مَسْؤُولًا.

17:35Page 285

وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ إِذَا كِلۡتُمۡ وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِيمِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلٗا ٣٥

And give full measure when you measure, and weigh with an even [i.e., honest] balance. That is the best [way] and best in result.

﴿وَأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ﴾ بِكَسْرِ القافِ: حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وحَفْصٌ، وهو كُلُّ مِيزانٍ صَغِيرٍ أوْ كَبِيرٍ مِن مَوازِينِ الدَراهِمِ وغَيْرِها وقِيلَ هو القُرُسْطُونَ أيِ القُبّانُ ﴿المُسْتَقِيمِ﴾ المُعْتَدِلِ ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ في الدُنْيا ﴿وَأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ عاقِبَةً وهو تَفْعِيلٌ مِن آلَ إذا رَجَعَ وهو ما يَؤُولُ إلَيْهِ.

17:36Page 285

وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا ٣٦

And do not pursue1 that of which you have no knowledge. Indeed, the hearing, the sight and the heart - about all those [one] will be questioned.

﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ولا تَتَّبِعْ ما لَمْ تَعْلَمْ أيْ: لا تَقُلْ رَأيْتُ وما رَأيْتَ وسَمِعْتُ وما سَمِعْتَ، وعَنِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ لا تَشْهَدْ بِالزُورِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لا تَرْمِ أحَدًا بِما لا تَعْلَمُ ولا يَصِحُّ التَثَبُّتُ بِهِ لِمُبْطِلِ (p-٢٥٧)الِاجْتِهادِ، لِأنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ العِلْمِ ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] وأقامَ الشارِعُ غالِبَ الظَنِّ مَقامَ العِلْمِ وأمَرَ بِالعَمَلِ بِهِ كَما في الشَهاداتِ ولَنا في العَمَلِ بِخَبَرِ الواحِدِ لِما ذَكَرْنا ﴿إنَّ السَمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا﴾ أُولَئِكَ إشارَةٌ إلى السَمْعِ والبَصَرِ والفُؤادِ، لِأنَّ أُولَئِكَ كَما يَكُونُ إشارَةً إلى العُقَلاءِ يَكُونُ إشارَةً إلى غَيْرِهِمْ كَقَوْلِ جَرِيرِ

ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنزِلَةِ اللِوى والعَيْشُ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ

، و"عَنْهُ" في مَوْضِعِ الرَفْعِ بِالفاعِلِيَّةِ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنها كانَ مَسْؤُولًا عَنْهُ، فَمَسْؤُولٌ مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ كالمَغْضُوبِ في ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] يُقالُ لِلْإنْسانِ: لِمَ سَمِعْتَ ما لَمْ يَحِلَّ لَكَ سَماعُهُ؟ ولِمَ نَظَرْتَ إلى ما لَمْ يَحِلَّ لَكَ النَظَرُ إلَيْهِ؟ ولِمَ عَزَمْتَ عَلى ما لَمْ يَحِلَّ لَكَ العَزْمُ عَلَيْهِ؟ كَذا في الكَشّافِ وفِيهِ نَظَرٌ لِبَعْضِهِمْ، لِأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ إنَّما يَقُومانِ مَقامَ الفاعِلِ إذا تَأخَّرا عَنِ الفِعْلِ فَأمّا إذا تَقَدَّما فَلا.

17:37Page 285

وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا ٣٧

And do not walk upon the earth exultantly. Indeed, you will never tear the earth [apart], and you will never reach the mountains in height.1

﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ هو حالٌ أيْ: ذا مَرَحٍ ﴿إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ﴾ لَنْ تَجْعَلَ فِيها خَرْقًا بِدَوْسِكَ لَها وشِدَّةِ وطْئَتِكَ ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولا﴾ بِتَطاوُلِكَ وهو تَهَكُّمٌ بِالمُخْتالِ أوْ لَنْ تُحاذِيَها قُوَّةً وهو حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ.

17:38Page 285

كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكۡرُوهٗا ٣٨

All that [i.e., the aforementioned] - its evil is ever, in the sight of your Lord, detested.

﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ﴾ كُوفِيٌّ وشامِيٌّ عَلى إضافَةٍ سَيِّئٍ إلى ضَمِيرِ "كُلُّ"، "سَيِّئَةً": غَيْرُهم ﴿عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ ذَكَّرَ مَكْرُوهًا، لِأنَّ السَيِّئَةَ في حُكْمِ الأسْماءِ بِمَنزِلَةِ الذَنْبِ والإثْمِ زالَ عَنْهُ حُكْمُ الصِفاتِ فَلا اعْتِبارَ بِتَأْنِيثِهِ ألا تَراكَ تَقُولُ الزِنا سَيِّئَةٌ كَما تَقُولُ السَرِقَةُ سَيِّئَةٌ؟ فَإنْ قُلْتَ الخِصالُ المَذْكُورَةُ بَعْضُها سَيِّئٌ وبَعْضُها حَسَنٌ ولِذَلِكَ قَرَأ مَن قَرَأ (p-٢٥٨)"سَيِّئُهُ" بِالإضافَةِ أيْ: ما كانَ مِنَ المَذْكُورِ سَيِّئًا كانَ عِنْدَ اللهِ مَكْرُوهًا فَما وجْهُ قِراءَةِ مَن قَرَأ "سَيِّئَةً" قُلْتُ: كُلُّ ذَلِكَ إحاطَةٌ بِما نَهى عَنْهُ خاصَّةً لا بِجَمِيعِ الخِصالِ المَعْدُودَةِ.

17:39Page 286

ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوۡحَىٰٓ إِلَيۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِۗ وَلَا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتُلۡقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومٗا مَّدۡحُورًا ٣٩

That is from what your Lord has revealed to you, [O Muḥammad], of wisdom. And, [O mankind], do not make [as equal] with Allāh another deity, lest you be thrown into Hell, blamed and banished.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ "لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ" إلى هَذِهِ الغايَةِ ﴿مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ﴾ مِمّا يَحْكُمُ العَقْلُ بِصِحَّتِهِ وتَصْلُحُ النَفْسُ بِأُسْوَتِهِ ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ مَطْرُودًا مِنَ الرَحْمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - هَذِهِ الثَمانِي عَشْرَةَ آيَةً كانَتْ في ألْواحِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلُها "لا تَجْعَلُ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ " وآخِرُها "مَدْحُورًا" ولَقَدْ جُعِلَتْ فاتِحَتُها وخاتِمَتُها النَهْيَ عَنِ الشِرْكِ، لِأنَّ التَوْحِيدَ رَأْسُ كُلِّ حِكْمَةٍ ومَلاكُها، ومَن عَدِمَهُ لَمْ تَنْفَعْهُ حِكْمَةٌ وإنْ بَذَّ فِيها الحُكَماءَ وحَكَّ بِيافُوخِهِ السَماءَ وما أغْنَتْ عَنِ الفَلاسِفَةِ أسْفارُ الحِكَمِ وهم عَنْ دِينِ اللهِ أضَلُّ مِنَ النَعَمِ؟!

17:40Page 286

أَفَأَصۡفَىٰكُمۡ رَبُّكُم بِٱلۡبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنَٰثًاۚ إِنَّكُمۡ لَتَقُولُونَ قَوۡلًا عَظِيمٗا ٤٠

Then, has your Lord chosen you for [having] sons and taken [i.e., adopted] from among the angels daughters? Indeed, you say a grave saying.

ثُمَّ خاطَبَ الَّذِينَ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ بِقَوْلِهِ ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ يَعْنِي: أفَخَصَّكم رَبُّكم عَلى وجْهِ الخُلُوصِ والصَفاءِ بِأفْضَلِ الأوْلادِ وهُمُ البَنُونَ ﴿واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا﴾ واتَّخَذَ أدْوَنَهم وهي البَناتُ وهَذا خِلافُ الحِكْمَةِ وما عَلَيْهِ مَعْقُولُكم فالعَبِيدُ لا يُؤْثَرُونَ بِأجْوَدِ الأشْياءِ وأصْفاها ويَكُونُ أرْدَؤُها وأدْوَنُها لِلسّاداتِ ﴿إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا﴾ حَيْثُ أضَفْتُمْ إلَيْهِ الأوْلادَ وهي مِن خَواصِّ الأجْسامِ ثُمَّ فَضَّلْتُمْ عَلَيْهِ أنْفُسَكم حَيْثُ تَجْعَلُونَ لَهُ ما تَكْرَهُونَ.

17:41Page 286

وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا نُفُورٗا ٤١

And We have certainly diversified [the contents] in this Qur’ān that they [i.e., mankind] may be reminded, but it does not increase them [i.e., the disbelievers] except in aversion.

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ﴾ أيِ التَنْزِيلِ والمُرادُ ولَقَدْ صَرَّفْناهُ أيْ: هَذا المَعْنى في مَواضِعَ مِنَ التَنْزِيلِ فَتُرِكَ الضَمِيرُ، لِأنَّهُ مَعْلُومٌ ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ وبِالتَخْفِيفِ: حَمْزَةُ وعَلِيٌّ أيْ: كَرَّرْناهُ لِيَتَّعِظُوا ﴿وَما يَزِيدُهم إلا نُفُورًا﴾ عَنِ الحَقِّ (p-٢٥٩)وَكانَ الثَوْرِيُّ إذا قَرَأها يَقُولُ زادَنِي لَكَ خُضُوعًا ما زادَ أعْداءَكَ نُفُورًا.

17:42Page 286

قُل لَّوۡ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٞ كَمَا يَقُولُونَ إِذٗا لَّٱبۡتَغَوۡاْ إِلَىٰ ذِي ٱلۡعَرۡشِ سَبِيلٗا ٤٢

Say, [O Muḥammad], "If there had been with Him [other] gods, as they say, then they [each] would have sought to the Owner of the Throne a way."1

﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ﴾ مَعَ اللهِ ﴿آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ﴾ وبِالياءِ مَكِّيٌّ وحَفْصٌ ﴿إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا﴾ يَعْنِي: لَطَلَبُوا إلى مَن لَهُ المُلْكُ والرُبُوبِيَّةُ سَبِيلًا بِالمُغالَبَةِ كَما يَفْعَلُ المُلُوكُ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ أوْ لَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ كَقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] وإذًا دالَّةٌ عَلى أنَّ ما بَعْدَها وهو لابْتَغَوْا جَوابٌ عَنْ مَقالَةِ المُشْرِكِينَ وجَزاءٌ لِلَوْ.

17:43Page 286

سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّٗا كَبِيرٗا ٤٣

Exalted is He and high above what they say by great sublimity.

﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ﴾ وبِالتاءِ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ ﴿عُلُوًّا﴾ أيْ: تَعالِيًا والمُرادُ البَراءَةُ مِن ذَلِكَ والنَزاهَةُ ﴿كَبِيرًا﴾ وصْفُ العُلُوِّ بِالكِبَرِ مُبالَغَةً في مَعْنى البَراءَةِ والبُعْدِ مِمّا وصَفُوهُ بِهِ.

17:44Page 286

تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا ٤٤

The seven heavens and the earth and whatever is in them exalt Him. And there is not a thing except that it exalts [Allāh] by His praise, but you do not understand their [way of] exalting. Indeed, He is ever Forbearing1 and Forgiving.

﴿تُسَبِّحُ﴾ وبِالتاءِ عِراقِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ ﴿لَهُ السَماواتُ السَبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أيْ: يَقُولُ سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ عَنِ السُدِّيِّ قالَ ﷺ «ما اصْطِيدَ حُوتٌ في البَحْرِ ولا طائِرٌ يَطِيرُ إلّا بِما يُضَيِّعُ مِن تَسْبِيحِ اللهِ تَعالى ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ » لِاخْتِلافِ اللُغاتِ أوْ لِتَعَسُّرِ الإدْراكِ أوْ سَبَبٌ لِتَسْبِيحِ الناظِرِ إلَيْهِ والدالُّ عَلى الخَيْرِ كَفاعِلِهِ والوَجْهُ: الأوَّلُ ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا﴾ عَنْ جَهْلِ العِبادِ ﴿غَفُورًا﴾ لِذُنُوبِ المُؤْمِنِينَ (p-٢٦٠)

17:45Page 286

وَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ جَعَلۡنَا بَيۡنَكَ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ حِجَابٗا مَّسۡتُورٗا ٤٥

And when you recite the Qur’ān, We put between you and those who do not believe in the Hereafter a concealed partition.1

﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ ذا سَتْرٍ أوْ حِجابًا لا يُرى فَهو مَسْتُورٌ.

17:46Page 286

وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِذَا ذَكَرۡتَ رَبَّكَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِ وَحۡدَهُۥ وَلَّوۡاْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِمۡ نُفُورٗا ٤٦

And We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And when you mention your Lord alone in the Qur’ān, they turn back in aversion.

﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ جَمْعُ كِنانٍ وهو الَّذِي يَسْتُرُ الشَيْءَ ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ ﴿وَفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ ثِقْلًا يَمْنَعُ عَنِ الِاسْتِماعِ ﴿وَإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ﴾ يُقالُ وحَدَ يَحِدُ وحْدًا وحِدَةً نَحْوُ وعَدَ يَعِدُ وعْدًا وعِدَةً فَهو مَصْدَرٌ سَدَّ مَسَدَّ الحالِ أصْلُهُ يَحِدُ وحْدَهُ بِمَعْنى وحْدًا ﴿وَلَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ﴾ رَجَعُوا عَلى أعْقابِهِمْ ﴿نُفُورًا﴾ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَوْلِيَةِ أوْ جَمْعُ نافِرٍ كَقاعِدٍ وقُعُودٍ أيْ: يُحِبُّونَ أنْ تُذْكَرَ مَعَهُ آلِهَتُهم، لِأنَّهم مُشْرِكُونَ فَإذا سَمِعُوا بِالتَوْحِيدِ نَفَرُوا.

17:47Page 286

نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَسۡتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذۡ يَسۡتَمِعُونَ إِلَيۡكَ وَإِذۡ هُمۡ نَجۡوَىٰٓ إِذۡ يَقُولُ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا ٤٧

We are most knowing of how they listen to it when they listen to you and [of] when they are in private conversation, when the wrongdoers say, "You follow not but a man affected by magic."

﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ أيْ: نَحْنُ أعْلَمُ بِالحالِ أوِ الطَرِيقَةِ الَّتِي يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ بِهِ فالقُرْآنُ هو المُسْتَمَعُ وهو مَحْذُوفٌ وبِهِ حالٌ وبَيانٌ لِما أيْ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ هازِئِينَ لا جادِّينَ والواجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَسْتَمِعُوهُ جادِّينَ ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ نُصِبَ بِأعْلَمُ أيْ: أعْلَمُ وقْتَ اسْتِماعِهِمْ بِما بِهِ يَسْتَمِعُونَ ﴿وَإذْ هم نَجْوى﴾ وبِما يَتَناجَوْنَ بِهِ إذْ هم ذَوُو نَجْوى ﴿إذْ يَقُولُ الظالِمُونَ﴾ بَدَلٌ مِن إذْ هم ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ سُحِرَ فَجُنَّ.

17:48Page 286

ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَالَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا ٤٨

Look how they strike for you comparisons;1 but they have strayed, so they cannot [find] a way.

﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ مَثَّلُوكَ بِالشاعِرِ والساحِرِ والمَجْنُونِ ﴿فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ أيْ: فَضَلُّوا في جَمِيعِ ذَلِكَ ضَلالَ مَن يَطْلُبُ في التِيهِ طَرِيقًا يَسْلُكُهُ فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَهو مُتَحَيِّرٌ في أمْرِهِ لا يَدْرِي ما يَصْنَعُ.

17:49Page 286

وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدٗا ٤٩

And they say, "When we are bones and crumbled particles, will we [truly] be resurrected as a new creation?"

﴿وَقالُوا﴾ أيْ: مُنْكِرُو البَعْثِ ﴿أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ أيْ: مُجَدَّدًا وخَلْقًا حالٌ أيْ: مَخْلُوقِينَ (p-٢٦١)

17:50–51Page 287

۞ قُلۡ كُونُواْ حِجَارَةً أَوۡ حَدِيدًا ٥٠

Say, "Be you stones or iron1

أَوۡ خَلۡقٗا مِّمَّا يَكۡبُرُ فِي صُدُورِكُمۡۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَاۖ قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖۚ فَسَيُنۡغِضُونَ إِلَيۡكَ رُءُوسَهُمۡ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبٗا ٥١

Or [any] creation of that which is great1 within your breasts." And they will say, "Who will restore us?" Say, "He who brought you forth the first time." Then they will nod their heads toward you2 and say, "When is that?" Say, "Perhaps it will be soon -

﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ أيِ السَمَواتِ والأرْضِ فَإنَّها تَكْبُرُ عِنْدَكم عَنْ قَبُولِ الحَياةِ ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ﴾ يُعِيدُكم ﴿الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ والمَعْنى: أنَّكم تَسْتَبْعِدُونَ أنْ يُجَدِّدَ اللهُ خَلَقَكم ويَرُدَّهُ إلى حالِ الحَياةِ بَعْدَما كُنْتُمْ عِظامًا يابِسَةً مَعَ أنَّ العِظامَ بَعْضُ أجْزاءِ الحَيِّ بَلْ هي عَمُودُ خَلْقِهِ الَّذِي يُبْنى عَلَيْهِ سائِرُهُ فَلَيْسَ بِبِدْعٍ أنْ يَرُدَّها اللهُ بِقُدْرَتِهِ إلى الحالَةِ الأُولى ولَكِنْ لَوْ كُنْتُمْ أبْعَدَ شَيْءٍ مِنَ الحَياةِ وهو أنْ تَكُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا لَكانَ قادِرًا عَلى أنْ يَرُدَّكم إلى حالِ الحَياةِ ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ فَسَيُحَرِّكُونَها نَحْوَكَ تَعَجُّبًا واسْتِهْزاءً ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ أيِ البَعْثُ اسْتِبْعادًا لَهُ ونَفْيًا ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ أيْ: هو قَرِيبٌ وعَسى لِلْوُجُوبِ.

17:52Page 287

يَوۡمَ يَدۡعُوكُمۡ فَتَسۡتَجِيبُونَ بِحَمۡدِهِۦ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا ٥٢

On the Day He will call you and you will respond with praise of Him and think that you had not remained [in the world] except for a little."

﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ إلى المُحاسَبَةِ وهو يَوْمُ القِيامَةِ ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أيْ: تُجِيبُونَ حامِدِينَ والباءُ لِلْحالِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ يَنْفُضُونَ التُرابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ ويَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللهُمَّ وبِحَمْدِكَ ﴿وَتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا﴾ أيْ: لُبْثًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا في الدُنْيا أوْ في القَبْرِ.

17:53Page 287

وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ يَنزَغُ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٗا مُّبِينٗا ٥٣

And tell My servants to say that which is best. Indeed, Satan induces [dissension] among them. Indeed Satan is ever, to mankind, a clear enemy.

﴿وَقُلْ لِعِبادِي﴾ وقُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿يَقُولُوا﴾ لِلْمُشْرِكِينَ الكَلِمَةَ ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ وألْيَنُ ولا يُخاشِنُوهم وهي أنْ يَقُولُوا يَهْدِيكُمُ اللهُ ﴿إنَّ الشَيْطانَ يَنْـزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ يُلْقِي بَيْنَهُمُ الفَسادَ ويُغْرِي بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ لِيُوقِعَ بَيْنَهُمُ المُشاقَّةَ، والنَزْغُ:إيقاعُ الشَرِّ وإفْسادُ ذاتِ البَيْنِ وقَرَأ طَلْحَةُ "يَنْزِغُ" بِالكَسْرِ وهم لُغَتانِ ﴿إنَّ الشَيْطانَ كانَ لِلإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ظاهِرَ العَداوَةِ.

17:54Page 287

رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِكُمۡۖ إِن يَشَأۡ يَرۡحَمۡكُمۡ أَوۡ إِن يَشَأۡ يُعَذِّبۡكُمۡۚ وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا ٥٤

Your Lord is most knowing of you. If He wills, He will have mercy upon you; or if He wills, He will punish you. And We have not sent you, [O Muḥammad], over them as a manager.

أوْ فَسَّرَ الَّتِي هي أحْسَنُ بِقَوْلِهِ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ (p-٢٦٢)بِالهِدايَةِ والتَوْفِيقِ ﴿أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ بِالخِذْلانِ أيْ: يَقُولُوا لَهم هَذِهِ الكَلِمَةَ ونَحْوَها ولا يَقُولُوا لَهم إنَّكم مِن أهْلِ النارِ وإنَّكم مُعَذَّبُونَ وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِمّا يَغِيظُهم ويُهَيِّجُهم عَلى الشَرِّ وقَوْلُهُ ﴿إنَّ الشَيْطانَ يَنْـزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣] اعْتِراضٌ ﴿وَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ حافِظًا لِأعْمالِهِمْ ومَوْكُولًا إلَيْكَ أمْرُهم وإنَّما أرْسَلْناكَ بَشِيرًا ونَذِيرًا فَدارِهِمْ ومُرْ أصْحابَكَ بِالمُداراةِ.

17:55Page 287

وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِمَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ فَضَّلۡنَا بَعۡضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعۡضٖۖ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا ٥٥

And your Lord is most knowing of whoever is in the heavens and the earth. And We have made some of the prophets exceed others [in various ways], and to David We gave the book [of Psalms].

﴿وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَماواتِ والأرْضِ﴾ وبِأحْوالِهِمْ وبِكُلِّ ما يَسْتَأْهِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى تَفْضِيلِ رَسُولِ اللهِ صَلّى الهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَوْلُهُ ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ دَلالَةٌ عَلى وجْهِ تَفْضِيلِهِ وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ وأنَّ أُمَّتَهُ خَيْرُ الأُمَمِ، لِأنَّ ذَلِكَ مَكْتُوبٌ في زَبُورِ داوُدَ، قالَ اللهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَبُورِ مِن بَعْدِ الذِكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وهم مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ ولَمْ يُعَرِّفِ الزَبُورَ هُنا وعَرَّفَهُ في قَوْلِهِ ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَبُورِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، لِأنَّهُ كالعَبّاسِ وعَبّاسٍ والفَضْلِ وفَضْلٍ.

17:56Page 287

قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمۡلِكُونَ كَشۡفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمۡ وَلَا تَحۡوِيلًا ٥٦

Say, "Invoke those you have claimed [as gods] besides Him, for they do not possess the [ability for] removal of adversity from you or [for its] transfer [to someone else]."

﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنَّها آلِهَتُكم ﴿مِن دُونِهِ﴾ مِن دُونِ اللهِ وهُمُ المَلائِكَةُ أوْ عِيسى وعُزَيْرٌ أوْ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ عَبَدَهم ناسٌ مِنَ العَرَبِ ثُمَّ أسْلَمَ الجِنُّ ولَمْ يَشْعُرُوا ﴿فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلا﴾ أيِ ادْعُوهم فَهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَكْشِفُوا عَنْكُمُ الضُرَّ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ أوْ عَذابٍ ولا أنْ يُحَوِّلُوهُ مِن واحِدٍ إلى آخَرَ.

17:57Page 287

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا ٥٧

Those whom they invoke1 seek means of access to their Lord, [striving as to] which of them would be nearest, and they hope for His mercy and fear His punishment. Indeed, the punishment of your Lord is ever feared.

﴿أُولَئِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ صِفَةٌ أيْ: يَدْعُونَهم آلِهَةً أوْ يَعْبُدُونَهم والخَبَرُ ﴿يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ يَعْنِي: أنَّ آلِهَتَهم أُولَئِكَ يَبْتَغُونَ الوَسِيلَةَ وهي القُرْبَةُ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿أيُّهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن واوِ "يَبْتَغُونَ" و"أيُّ" مَوْصُولَةٌ أيْ: يَبْتَغِي مَن هو ﴿أقْرَبُ﴾ مِنهُمُ الوَسِيلَةَ إلى اللهِ فَكَيْفَ بِغَيْرِ الأقْرَبِ ؟ أوْ ضُمِّنَ يَبْتَغُونَ الوَسِيلَةَ مَعْنى يَحْرِصُونَ فَكَأنَّهُ قِيلَ (p-٢٦٣)يَحْرِصُونَ أيُّهم يَكُونُ أقْرَبَ إلى اللهِ وذَلِكَ بِالطاعَةِ وازْدِيادِ الخَيْرِ ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ كَغَيْرِهِمْ مِن عِبادِ اللهِ فَكَيْفَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آلِهَةٌ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ حَقِيقًا بِأنْ يَحْذَرَهُ كُلُّ أحَدٍ مِن مَلَكٍ مُقَرَّبٍ ونَبِيٍّ مُرْسَلٍ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ.

17:58Page 287

وَإِن مِّن قَرۡيَةٍ إِلَّا نَحۡنُ مُهۡلِكُوهَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَوۡ مُعَذِّبُوهَا عَذَابٗا شَدِيدٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٥٨

And there is no city but that We will destroy it1 before the Day of Resurrection or punish it with a severe punishment. That has ever been in the Register2 inscribed.

﴿وَإنْ مِن قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا﴾ قِيلَ: الهَلاكُ لِلصّالِحَةِ والعَذابُ لِلطّالِحَةِ ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ﴾ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ ﴿مَسْطُورًا﴾ مَكْتُوبًا، وعَنْ مُقاتِلٍ وجَدْتُ في كُتُبِ الضَحّاكِ في تَفْسِيرِها أمّا مَكَّةُ فَيُخَرِّبُها الحَبَشَةُ وتَهْلَكُ المَدِينَةُ بِالجُوعِ والبَصْرَةُ بِالغَرَقِ والكُوفَةُ بِالتُرْكِ والجِبالُ بِالصَواعِقِ والرَواجِفِ وأمّا خُراسانُ فَعَذابُها ضُرُوبٌ وأمّا بَلْخٌ فَتُصِيبُهم هَدَّةٌ فَيُهْلَكُ أهْلُها وأمّا بِدْخِشانَ فَيُخَرِّبُها أقْوامٌ وأمّا تِرْمِذُ فَأهْلُها يَمُوتُونَ بِالطاعُونِ وأمّا صَغانِيانَ إلى واشْجَرْدَ فَيُقْتَلُونَ بِقَتْلٍ ذَرِيعٍ وأمّا سَمَرْقَنْدُ فَيَغْلِبُ عَلَيْها بَنُو قَنْطُوراءَ فَيَقْتُلُونَ أهْلَها قَتْلًا ذَرِيعًا وكَذا فَرْغانَةُ والشاشُ وأسْبِيجابُ وخَوارِزْمُ وأمّا بُخارى فَهي أرْضُ الجَبابِرَةِ فَيَمُوتُونَ قَحْطًا وجُوعًا وأما مَرْوٌ فَيَغْلِبُ عَلَيْها الرَمْلُ ويَهْلِكُ بِها العُلَماءُ والعُبّادُ وأمّا هَراةُ فَيُمْطَرُونَ بِالحَيّاتِ فَتَأْكُلُهم أكْلًا وأمّا نَيْسابُورُ فَيُصِيبُ أهْلَها رَعْدٌ وبَرْقٌ وظُلْمَةٌ فَيَهْلِكُ أكْثَرُهم وأمّا الرَيُّ فَيَغْلِبُ عَلَيْها الطَبَرِيَّةُ والدَيْلَمُ فَيَقْتُلُونَهم وأمّا أرْمِينِيَّةُ وأذْرَبِيجانُ فَيُهْلِكُها سَنابِكُ الخُيُولِ والجُيُوشُ والصَواعِقُ والرَواجِفُ وأمّا هَمَذانُ فالدَيْلَمُ يَدْخُلُها ويُخَرِّبُها وأمّا حُلْوانُ فَيَمُرُّ بِها رِيحٌ ساكِنَةٌ وهم نِيامٌ فَيُصْبِحُ أهْلُها قِرَدَةً وخَنازِيرَ ثُمَّ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِن جُهَيْنَةَ فَيَدْخُلُ مِصْرَ فَوَيْلٌ لِأهْلِها ولِأهْلِ دِمَشْقَ ووَيْلٌ لِأهْلِ إفْرِيقِيَّةَ ووَيْلٌ لِأهْلِ الرَمْلَةِ ولا يَدْخُلُ بَيْتَ المَقْدِسِ وأمّا سِجِسْتانَ فَيُصِيبُهم رِيحٌ عاصِفٌ أيّامًا ثُمَّ هَدَّةٌ تَأْتِيهِمْ ويَمُوتُ فِيها العُلَماءُ وأمّا كَرْمانُ وأصْبَهانُ وفارِسُ (p-٢٦٤)فَيَأْتِيهِمْ عَدُوٌّ وصاحُوا صَيْحَةً تَنْخَلِعُ القُلُوبُ وتَمُوتُ الأبْدانُ.

17:59Page 288

وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرۡسِلَ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلۡأَوَّلُونَۚ وَءَاتَيۡنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبۡصِرَةٗ فَظَلَمُواْ بِهَاۚ وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّا تَخۡوِيفٗا ٥٩

And nothing has prevented Us from sending signs [i.e., miracles] except that the former peoples denied them. And We gave Thamūd the she-camel as a visible sign, but they wronged her. And We send not the signs except as a warning.

﴿وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ اسْتُعِيرَ المَنعُ لِتَرْكِ إرْسالِ الآياتِ و"أنْ" الأُولى مَعَ صِلَتِها في مَوْضِعِ النَصْبِ، لِأنَّها مَفْعُولٌ ثانٍ لَمَنَعَنا و"أنْ" الثانِيَةُ مَعَ صِلَتِها في مَوْضِعِ الرَفْعِ، لِأنَّها فاعِلُ مَنَعَنا والتَقْدِيرُ::وَما مَنَعَنا إرْسالَ الآياتِ إلّا تَكْذِيبُ الأوَّلِينَ والمُرادُ الآياتُ الَّتِي اقْتَرَحَتْها قُرَيْشٌ مِن قَلْبِ الصَفا ذَهَبًا ومِن إحْياءِ المَوْتى وغَيْرِ ذَلِكَ وسُنَّةُ اللهِ في الأُمَمِ أنَّ مَنِ اقْتَرَحَ مِنهم آيَةً فَأُجِيبَ إلَيْها ثُمَّ لَمْ يُؤْمِن أنْ يُعاجَلَ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ والمَعْنى: وما مَنَعَنا عَنْ إرْسالِ ما يَقْتَرِحُونَهُ مِنَ الآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الَّذِينَ هم أمْثالُهم مِنَ المَطْبُوعِ عَلى قُلُوبِهِمْ كَعادٍ وثَمُودَ وأنَّها لَوْ أُرْسِلَتْ لَكَذَّبُوا بِها تَكْذِيبَ أُولَئِكَ وعُذِّبُوا العَذابَ المُسْتَأْصِلَ وقَدْ حَكَمْنا أنْ نُؤَخِّرَ أمْرَ مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ثُمَّ ذَكَرَ مِن تِلْكَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحَها الأوَّلُونَ ثُمَّ كَذَّبُوا بِها لَمّا أُرْسِلَتْ فَأُهْلِكُوا واحِدَةً وهي ناقَةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّ آثارَ هَلاكِهِمْ قَرِيبَةٌ مِن حُدُودِهِمْ يُبْصِرُها صادِرُهم ووارِدُهم فَقالَ ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ الناقَةَ﴾ بِاقْتِراحِهِمْ ﴿مُبْصِرَةً﴾ آيَةً بَيِّنَةً ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ فَكَفَرُوا بِها ﴿وَما نُرْسِلُ بِالآياتِ﴾ إنْ أرادَ بِها الآياتِ المُقْتَرَحَةَ فالمَعْنى: لا نُرْسِلُها ﴿إلا تَخْوِيفًا﴾ مِن نُزُولِ العَذابِ العاجِلِ كالطَلِيعَةِ والمُقَدِّمَةِ لَهُ فَإنْ لَمْ يَخافُوا وقَعَ عَلَيْهِمْ وإنْ أرادَ غَيْرَها فالمَعْنى: وما نُرْسِلُ ما نُرْسِلُ مِنَ الآياتِ كَآياتِ القُرْآنِ وغَيْرِها إلّا تَخْوِيفًا وإنْذارًا بِعَذابِ الآخِرَةِ وهو مَفْعُولٌ لَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском