An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:37–68
19:37Page 307
فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشۡهَدِ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ٣٧
Then the factions differed [concerning Jesus] from among them, so woe to those who disbelieved - from the scene of a tremendous Day.
﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ﴾ الحِزْبُ الفِرْقَةُ المُنْفَرِدَةُ بِرَأْيِها عَنْ غَيْرِها وهم ثَلاثُ فِرَقٍ:نَسْطُورِيَّةٌ ويَعْقُوبِيَّةٌ ومَلْكانِيَّةٌ ﴿مِن بَيْنِهِمْ﴾ مِن بَيْنِ أصْحابِهِ أوْ مِن بَيْنِ قَوْمِهِ أوْ مِن بَيْنِ الناسِ وذَلِكَ أنَّ النَصارى اخْتَلَفُوا في عِيسى حِينَ رُفَعَ ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلى أنْ يَرْجِعُوا إلى قَوْلِ ثَلاثَةٍ كانُوا عِنْدَهم (p-٣٣٦)أعْلَمَ أهْلِ زَمانِهِمْ وهو يَعْقُوبُ ونَسْطُورُ ومَلْكانُ، فَقالَ يَعْقُوبُ هو اللهُ هَبَطَ إلى الأرْضِ ثُمَّ صَعِدَ إلى السَماءِ وقالَ نَسْطُورُ كانَ ابْنَ اللهِ أظْهَرَهُ ما شاءَ ثُمَّ رَفَعَهُ إلَيْهِ، وقالَ الثالِثُ كَذَبُوا كانَ عَبْدًا مَخْلُوقًا نَبِيًّا فَتَبِعَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم قَوْمٌ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِنَ الأحْزابِ إذِ الواحِدُ مِنهم عَلى الحَقِّ ﴿مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ أوْ مِن شُهُودِهِمْ هَوْلَ الحِسابِ والجَزاءِ في يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مِن شَهادَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلَيْهِمْ وأنْ تَشْهَدَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ وجَوارِحُهم بِالكُفْرِ أوْ مِن مَكانِ الشَهادَةِ أوْ وقْتِها أوِ المُرادُ يَوْمُ اجْتِماعِهِمْ لِلتَّشاوُرِ فِيهِ وجَعْلُهُ عَظِيمًا لِفَظاعَةِ ما شَهِدُوا بِهِ في عِيسى.
19:38Page 307
أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ يَوۡمَ يَأۡتُونَنَا لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلۡيَوۡمَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٣٨
How [clearly] they will hear and see the Day they come to Us, but the wrongdoers today are in clear error.
﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ لَفْظَهُ أمْرٌ ومَعْناهُ: التَعَجُّبُ، واللهُ تَعالى لا يُوصَفُ بِالتَعَجُّبِ ولَكِنَّ المُرادَ أنَّ إسْماعَهم وإبْصارَهم جَدِيرٌ بِأنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُما بَعْدَ ما كانُوا صُمًّا وعُمْيًا في الدُنْيا قالَ قَتادَةُ:إنْ عَمُوا وصَمُّوا عَنِ الحَقِّ في الدُنْيا فَما أسْمَعَهم وما أبْصَرَهم بِالهُدى يَوْمَ لا يَنْفَعُهم، و"بِهِمْ" مَرْفُوعُ المَحَلِّ عَلى الفاعِلِيَّةِ، كَأكْرِمْ بِزَيْدٍ، فَمَعْناهُ: كَرُمَ زَيْدٌ جِدًّا ﴿لَكِنِ الظالِمُونَ اليَوْمَ﴾ أُقِيمَ الظاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ أيْ: لَكِنَّهُمُ اليَوْمَ في الدُنْيا بِظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم حَيْثُ تَرَكُوا الِاسْتِماعَ والنَظَرَ حِينَ يُجْدِي عَلَيْهِمْ ووَضَعُوا العِبادَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها ﴿فِي ضَلالٍ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿مُبِينٍ﴾ ظاهِرٍ وهو اعْتِقادُهم عِيسى إلَهًا مَعْبُودًا مَعَ ظُهُورِ آثارِ الحَدَثِ فِيهِ شِعارٌ بِأنْ لا ظُلْمَ أشَدُّ مِن ظُلْمِهِمْ.
19:39Page 308
وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ وَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٣٩
And warn them, [O Muḥammad], of the Day of Regret, when the matter will be concluded;1 and [yet], they are in [a state of] heedlessness, and they do not believe.
﴿وَأنْذِرْهُمْ﴾ خَوْفَهم ﴿يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّهُ يَقَعُ فِيهِ النَدَمُ عَلى ما فاتَ، وفي الحَدِيثِ: «إذا رَأوْا مَنازِلَهم في الجَنَّةِ أنْ لَوْ آمَنُوا »﴿إذْ﴾ بَدَلٌ مِن "يَوْمَ الحَسْرَةِ " أوْ ظَرْفٌ لِلْحَسْرَةِ وهو مَصْدَرٌ ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾ فُرِغَ مِنَ الحِسابِ وتَصادَرَ الفَرِيقانِ إلى الجَنَّةِ والنارِ ﴿وَهم في غَفْلَةٍ﴾ هُنا عَنِ الِاهْتِمامِ (p-٣٣٧)لِذَلِكَ المَقامِ ﴿وَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ لا يُصَدِّقُونَ بِهِ و"هُمْ" و"هُمْ" حالانِ أيْ: وأنْذِرْهم عَلى هَذا الحالِ غافِلِينَ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ.
19:40Page 308
إِنَّا نَحۡنُ نَرِثُ ٱلۡأَرۡضَ وَمَنۡ عَلَيۡهَا وَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ ٤٠
Indeed, it is We who will inherit the earth and whoever is on it, and to Us they will be returned.
﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ أيْ: نَتَفَرَّدُ بِالمُلْكِ والبَقاءِ عِنْدَ تَعْمِيمِ الهُلْكِ والفَناءِ، وذَكْرُ "مَن" لِتَغْلِيبِ العُقَلاءِ ﴿وَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الجِيمِ، وفَتَحَ الياءَ يَعْقُوبُ أيْ: يُرَدُّونَ فَيُجازَوْنَ جَزاءً وِفاقًا.
19:41Page 308
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا ٤١
And mention in the Book [the story of] Abraham. Indeed, he was a man of truth and a prophet.
﴿واذْكُرْ﴾ لِقَوْمِكَ ﴿فِي الكِتابِ﴾ القُرْآنِ ﴿إبْراهِيمَ﴾ قِصَّتَهُ مَعَ أبِيهِ ﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وهَمَزَهُ نافِعٌ قِيلَ: الصادِقُ: المُسْتَقِيمُ في الأفْعالِ، والصِدِّيقُ: المُسْتَقِيمُ في الأحْوالِ، فالصِدِّيقُ مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ ونَظِيرُهُ:الضِحِّيكُ والمُرادُ فَرْطُ صِدْقِهِ وكَثْرَةُ ما صَدَّقَ بِهِ مِن غُيُوبِ اللهِ وآياتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ أيْ: كانَ مُصَدِّقًا لِجَمِيعِ الأنْبِياءِ وكُتُبِهِمْ وكانَ نَبِيًّا في نَفْسِهِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ وقَعَتِ اعْتِراضًا بَيْنَ إبْراهِيمَ وبَيْنَ ما هو بَدَلٌ مِنهُ وهو.
19:42Page 308
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا ٤٢
[Mention] when he said to his father, "O my father, why do you worship that which does not hear and does not see and will not benefit you at all?
﴿إذْ قالَ﴾ وجازَ أنْ يَتَعَلَّقَ إذْ بَكانِ أوْ بِصِدِّيقًا نَبِيًّا أيْ: كانَ جامِعًا لِخَصائِصِ الصِدِّيقِينَ والأنْبِياءِ حِينَ خاطَبَ أباهُ بِتِلْكَ المُخاطَباتِ والمُرادُ بِذِكْرِ الرَسُولِ إيّاهُ وقِصَّتُهُ في الكِتابِ أنْ يَتْلُوَ ذَلِكَ عَلى الناسِ ويُبَلِّغَهُ إيّاهم كَقَوْلِهِ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ [الشعراء: ٦٩] وإلّا فاللهُ عَزَّ وعَلا هو ذاكِرُهُ ومُورِدُهُ في تَنْزِيلِهِ ﴿لأبِيهِ يا أبَتِ﴾ بِكَسْرِ التاءِ، وفَتَحَها ابْنُ عامِرٍ والتاءُ عِوَضٌ مِن ياءِ الإضافَةِ ولا يُقالُ "يا أبَتِي" لِئَلّا يُجْمَعَ بَيْنَ العِوَضِ والمُعَوَّضِ مِنهُ ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ المَفْعُولُ فِيهِما مَنسِيٌّ غَيْرُ مَنَوِيٍّ ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ أيْ: لا يَسْمَعُ شَيْئًا ولا يُبْصِرُ شَيْئًا ﴿وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ شَيْئًا في مَوْضِعِ المَصْدَرِ أيْ: شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ مِن قَوْلِكَ أغْنِ عَنِّي وجْهَكَ أيْ: بَعِّدْ (p-٣٣٨)
19:43Page 308
يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا ٤٣
O my father, indeed there has come to me of knowledge that which has not come to you, so follow me; I will guide you to an even path.
﴿يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ﴾ الوَحْيِ أوْ مَعْرِفَةِ الرَبِّ ﴿ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ "ما" في "ما لا يَسْمَعُ" و"ما لَمْ يَأْتِكَ" يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أوْ مَوْصُوفَةً ﴿فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ﴾ أُرْشِدْكَ ﴿صِراطًا سَوِيًّا﴾ مُسْتَقِيمًا.
19:44Page 308
يَٰٓأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا ٤٤
O my father, do not worship [i.e., obey] Satan. Indeed Satan has ever been, to the Most Merciful, disobedient.
﴿يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَيْطانَ﴾ تُطِعْهُ فِيما سَوَّلَ مِن عِبادَةِ الصَنَمِ ﴿إنَّ الشَيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ عاصِيًا.
19:45Page 308
يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا ٤٥
O my father, indeed I fear that there will touch you a punishment from the Most Merciful so you would be to Satan a companion [in Hellfire]."
﴿يا أبَتِ إنِّي أخافُ﴾ قِيلَ أعْلَمُ ﴿أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ قَرِينًا في النارِ تَلِيهِ ويَلِيكَ، فانْظُرْ في نَصِيحَتِهِ كَيْفَ راعى المُجامَلَةَ والرِفْقَ والخُلُقَ الحَسَنَ كَما أُمِرَ،فَفِي الحَدِيثِ:" «أُوحِيَ إلى إبْراهِيمَ إنَّكَ خَلِيلِي حَسِّنْ خُلُقَكَ ولَوْ مَعَ الكُفّارِ تَدْخُلْ مَداخِلَ الأبْرارِ » " فَطَلَبَ مِنهُ أوَّلًا العِلَّةَ في خَطَئِهِ طَلَبَ مُنَبِّهٍ عَلى تَمادِيهِ مُوقِظٍ لِإفْراطِهِ وتَناهِيهِ، لِأنَّ مَن يَعْبُدُ أشْرَفَ الخَلْقِ مَنزِلَةً وهُمُ الأنْبِياءُ كانَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالعِيِّ المُبِينِ فَكَيْفَ بِمَن يَعْبُدُ حَجَرًا أوْ شَجَرًا لا يَسْمَعُ ذِكْرَ عابِدِهِ ولا يَرى هَيْئاتِ عِبادَتِهِ ولا يَدْفَعُ عَنْهُ بَلاءً ولا يَقْضِي لَهُ حاجَةً؟! ثُمَّ ثَنّى بِدَعْوَتِهِ إلى الحَقِّ مُتَرَفِّقًا بِهِ مُتَلَطِّفًا فَلَمْ يَسِمْ أباهُ بِالجَهْلِ المُفْرِطِ ولا نَفْسَهُ بِالعِلْمِ الفائِقِ ولَكِنَّهُ قالَ إنَّ مَعِي شَيْئًا مِنَ العِلْمِ لَيْسَ مَعَكَ وذَلِكَ عِلْمُ الدَلالَةِ عَلى الطَرِيقِ السَوِيِّ فَهَبْ أنِّي وإيّاكَ في مَسِيرٍ وعِنْدِي مَعْرِفَةٌ بِالهِدايَةِ دُونَكَ فاتَّبِعْنِي أُنْجِكَ مِن أنْ تَضِلَّ وتَتِيهَ ثُمَّ ثَلَّثَ بِنَهْيِهِ عَمّا كانَ عَلَيْهِ بِأنَّ الشَيْطانَ الَّذِي عَصى الرَحْمَنَ الَّذِي جَمِيعُ النِعَمِ مِنهُ أوْقَعَكَ في عِبادَةِ الصَنَمِ وزَيَّنَها لَكَ فَأنْتَ عابِدُهُ في الحَقِيقَةِ ثُمَّ رَبَّعَ بِتَخْوِيفِهِ سُوءَ العاقِبَةِ وما يَجُرُّهُ ما هو فِيهِ مِنَ التَبِعَةِ (p-٣٣٩)والوَبالِ مَعَ مُراعاةِ الأدَبِ حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ بِأنَّ العِقابَ لاحِقٌ بِهِ وأنَّ العَذابَ لاصِقٌ بِهِ بَلْ قالَ ﴿أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ﴾ بِالتَنْكِيرِ المُشْعِرِ بِالتَقْلِيلِ كَأنَّهُ قالَ إنِّي أخافُ أنْ يُصِيبَكَ نَفَيانٌ- قَلِيلٌ - مِن عَذابِ الرَحْمَنِ وجَعَلَ ولايَةَ الشَيْطانِ ودُخُولَهُ في جُمْلَةِ أشْياعِهِ وأوْلِيائِهِ أكْبَرَ مِنَ العَذابِ كَما أنَّ رِضْوانَ اللهِ أكْبَرُ مِنَ الثَوابِ في نَفْسِهِ، وصَدَّرَ كُلَّ نَصِيحَةٍ بِقَوْلِهِ "يا أبَتِ" تَوَسُّلًا إلَيْهِ واسْتِعْطافًا وإشْعارًا بِوُجُوبِ احْتِرامِ الأبِ وإنْ كانَ كافِرًا ثُمَّ.
19:46Page 308
قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِي يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا ٤٦
[His father] said, "Have you no desire for my gods, O Abraham? If you do not desist, I will surely stone you, so avoid me a prolonged time."
﴿قالَ﴾ آزَرُ تَوْبِيخًا ﴿أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إبْراهِيمُ﴾ أيْ: أتَرْغَبُ عَنْ عِبادَتِها فَناداهُ بِاسْمِهِ ولَمْ يُقابِلْ "يا أبَتِ" بِ"يا بُنَيَّ" وقَدَّمَ الخَبَرَ عَلى المُبْتَدَإ، لِأنَّهُ كانَ أهَمَّ عِنْدَهُ ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عَنْ شَتْمِ الأصْنامِ ﴿لأرْجُمَنَّكَ﴾ لِأقْتُلُنَّكَ بِالرِجامِ أوْ لَأضْرِبَنَّكَ بِها حَتّى تَتَباعَدَ أوْ لَأشْتُمَنَّكَ ﴿واهْجُرْنِي﴾ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ لِأرْجُمَنَّكَ تَقْدِيرُهُ: فاحْذَرْنِي واهْجُرْنِي ﴿مَلِيًّا﴾ ظَرْفٌ أيْ: زَمانًا طَوِيلًا مِنَ المِلاوَةِ.
19:47Page 308
قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا ٤٧
[Abraham] said, "Peace [i.e., safety] will be upon you.1 I will ask forgiveness for you of my Lord. Indeed, He is ever gracious to me.
﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ سَلامَ تَوْدِيعٍ ومُتارَكَةٍ أوْ تَقْرِيبٍ ومُلاطَفَةٍ ولِذا وعَدَ بِالِاسْتِغْفارِ بِقَوْلِهِ ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ سَأسْألُ اللهَ أنْ يَجْعَلَكَ مِن أهْلِ المَغْفِرَةِ بِأنْ يَهْدِيَكَ لِلْإسْلامِ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ مُلْطِفًا بِعُمُومِ النِعَمِ أوْ رَحِيمًا أوْ مُكْرِمًا، والحَفاوَةُ: الرَأْفَةُ والرَحْمَةُ والكَرامَةُ.
19:48Page 308
وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا ٤٨
And I will leave you and those you invoke other than Allāh and will invoke1 my Lord. I expect that I will not be in invocation to my Lord unhappy [i.e., disappointed]."
﴿وَأعْتَزِلُكُمْ﴾ أرادَ بِالِاعْتِزالِ المُهاجَرَةَ مِن أرْضِ بابِلَ إلى الشامِ ﴿وَما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾ أيْ: ما تَعْبُدُونَ مِن أصْنامِكم ﴿وَأدْعُو﴾ وأعْبُدُ ﴿رَبِّي﴾ ثُمَّ قالَ تَواضُعًا وهَضْمًا لِلنَّفْسِ ومُعَرِّضًا بِشَقاوَتِهِمْ بِدُعاءِ آلِهَتِهِمْ ﴿عَسى ألا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ أيْ: كَما شَقِيتُمْ أنْتُمْ بِعِبادَةِ الأصْنامِ (p-٣٤٠)
19:49Page 308
فَلَمَّا ٱعۡتَزَلَهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا نَبِيّٗا ٤٩
So when he had left them and those they worshipped other than Allāh, We gave him Isaac and Jacob, and each [of them] We made a prophet.
﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾ ولَمّا اعْتَزَلَ الكُفّارَ ومَعْبُودَهم ﴿وَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ ولَدًا ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ نافِلَةً لِيَسْتَأْنِسَ بِهِما ﴿وَكُلا﴾ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما ﴿جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ أيْ: لَمّا تَرَكَ الكُفّارَ الفُجّارَ لِوَجْهِهِ عَوَّضَهُ أوْلادًا مُؤْمِنِينَ أنْبِياءَ.
19:50Page 308
وَوَهَبۡنَا لَهُم مِّن رَّحۡمَتِنَا وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ عَلِيّٗا ٥٠
And We gave them of Our mercy, and We made for them a mention [i.e., reputation] of high honor.
﴿وَوَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا﴾ هي المالُ والوَلَدُ ﴿وَجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ﴾ ثَناءً حَسَنًا وهو الصَلاةُ عَلى إبْراهِيمَ وآلِ إبْراهِيمَ في الصَلَواتِ وعَبَّرَ بِاللِسانِ عَمّا يُوجَدُ بِاللِسانِ كَما عَبَّرَ بِاليَدِ عَمّا يُطْلَقُ بِاليَدِ وهي العَطِيَّةُ ﴿عَلِيًّا﴾ رَفِيعًا مَشْهُورًا.
19:51Page 308
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مُوسَىٰٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخۡلَصٗا وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥١
And mention in the Book, Moses. Indeed, he was chosen, and he was a messenger and a prophet.1
﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مُوسى إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا﴾ كُوفِيٌّ غَيْرَ المُفَضَّلِ أيْ: أخْلَصَهُ اللهُ واصْطَفاهُ و"مُخْلِصًا" بِالكَسْرِ غَيْرُهم أيْ أخْلَصَ هو العِبادَةَ لِلَّهِ تَعالى، فَهو مُخْلَصٌ بِما لَهُ مِنَ السَعادَةِ بِأصْلِ الفِطْرَةِ، ومُخْلِصٌ فِيما عَلَيْهِ مِنَ العِبادَةِ بِصِدْقِ الهِمَّةِ ﴿وَكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ الرَسُولُ الَّذِي مَعَهُ كِتابُ الأنْبِياءِ، والنَبِيُّ الَّذِي يُنْبِيءُ عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ كِتابٌ كَيُوشَعَ.
19:52Page 309
وَنَٰدَيۡنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا ٥٢
And We called him from the side of the mount1 at [his] right and brought him near, confiding [to him].
﴿وَنادَيْناهُ﴾ دَعَوْناهُ وكَلَّمْناهُ لَيْلَةَ الجُمْعَةِ ﴿مِن جانِبِ الطُورِ﴾ هو جَبَلٌ بَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ ﴿الأيْمَنِ﴾ مِنَ اليَمِينِ أيْ: مِن ناحِيَةِ اليَمِينِ والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ أيْمَنَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّ الجَبَلَ لا يَمِينَ لَهُ والمَعْنى: أنَّهُ حِينَ أقْبَلَ مِن مَدْيَنَ يُرِيدُ مِصْرَ نُودِيَ مِنَ الشَجَرَةِ وكانَتْ في جانِبِ الجَبَلِ عَلى يَمِينِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ﴿وَقَرَّبْناهُ﴾ تَقْرِيبَ مَنزِلَةٍ ومَكانَةٍ لا مَنزِلَ ومَكانٍ ﴿نَجِيًّا﴾ حالٌ أيْ: مُناجِيًا كَنَدِيمٍ بِمَعْنى مُنادِمٍ.
19:53Page 309
وَوَهَبۡنَا لَهُۥ مِن رَّحۡمَتِنَآ أَخَاهُ هَٰرُونَ نَبِيّٗا ٥٣
And We gave him out of Our mercy his brother Aaron as a prophet.
﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا﴾ مِن أجْلِ رَحْمَتِنا وتَرَؤُّفِنا عَلَيْهِ ﴿أخاهُ﴾ مَفْعُولٌ ﴿هارُونَ﴾ بَدَلٌ مِنهُ ﴿نَبِيًّا﴾ حالٌ أيْ: وهَبْنا لَهُ نُبُوَّةَ أخِيهِ وإلّا فَهارُونُ كانَ أكْبَرَ سِنًّا مِنهُ (p-٣٤١)
19:54Page 309
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥٤
And mention in the Book, Ishmael. Indeed, he was true to his promise, and he was a messenger and a prophet.
﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ﴾ هو ابْنُ إبْراهِيمَ في الأصَحِّ ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ وافِيَهُ، وعَدَ رَجُلًا أنْ يُقِيمَ مَكانَهُ حَتّى يَعُودَ إلَيْهِ فانْتَظَرَ سَنَةً في مَكانِهِ حَتّى عادَ وناهِيكَ أنَّهُ وعَدَ مِن نَفْسِهِ الصَبْرَ عَلى الذَبْحِ فَوَفّى، وقِيلَ لَمْ يَعِدْ رَبَّهُ مَوْعِدًا إلّا أنْجَزَهُ، وإنَّما خَصَّهُ بِصِدْقِ الوَعْدِ وإنْ كانَ مَوْجُودًا في غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ تَشْرِيفًا لَهُ ولِأنَّهُ المَشْهُورُ مِن خِصالِهِ ﴿وَكانَ رَسُولا﴾ إلى جُرْهُمٍ ﴿نَبِيًّا﴾ مُخْبِرًا مُنْذِرًا.
19:55Page 309
وَكَانَ يَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِيّٗا ٥٥
And he used to enjoin on his people prayer and zakāh and was to his Lord pleasing [i.e., accepted by Him].
﴿وَكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ﴾ أُمَّتَهُ، لِأنَّ النَبِيَّ أبُو أُمَّتِهِ وأهْلُ بَيْتِهِ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُداهِنْ غَيْرَهُ ﴿بِالصَلاةِ والزَكاةِ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّهُ إنَّما خُصَّتْ هاتانِ العِبادَتانِ، لِأنَّهُما أُمّا العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ ﴿وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ قُرِئَ "مَرْضُوًّا" عَلى الأصْلِ.
19:56Page 309
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِدۡرِيسَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيّٗا ٥٦
And mention in the Book, Idrees. Indeed, he was a man of truth and a prophet.
﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ﴾ هو أخْنُوخُ أوَّلُ مُرْسَلٍ بَعْدَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ وأوَّلُ مَن خَطَّ بِالقَلَمِ وخاطَ اللِباسَ ونَظَرَ في عِلْمِ النُجُومِ والحِسابِ واتَّخَذَ المَوازِينَ والمَكايِيلَ والأسْلِحَةَ فَقاتَلَ بَنِي قابِيلَ وقَوْلُهم سُمِّيَ بِهِ لِكَثْرَةِ دِراسَتِهِ كُتُبَ اللهِ لا يَصِحُّ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ "إفْعِيلًا" مِنَ الدَرْسِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلّا سَبَبٌ واحِدٌ وهو العَلَمِيَّةُ وكانَ مُنْصَرِفًا فامْتِناعُهُ مِنَ الصَرْفِ دَلِيلُ العُجْمَةِ ﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ أنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ ثَلاثِينَ صَحِيفَةً.
﴿وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ هو شَرَفُ النُبُوَّةِ والزُلْفى عِنْدَ اللهِ وقِيلَ مَعْناهُ: رَفَعَتْهُ المَلائِكَةُ إلى السَماءِ الرابِعَةِ وقَدْ رَآهُ النَبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ المِعْراجِ فِيها، وعَنِ الحَسَنِ إلى الجَنَّةِ لا شَيْءَ أعْلى مِنَ الجَنَّةِ وذَلِكَ أنَّهُ حُبِّبَ لِكَثْرَةِ عِبادَتِهِ إلى المَلائِكَةِ فَقالَ لِمَلَكِ المَوْتِ أذِقْنِي المَوْتَ يَهُنْ عَلَيَّ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِإذْنِ اللهِ فَحَيِيَ وقالَ أدْخِلْنِي النارَ أزْدَدْ رَهْبَةً فَفَعَلَ ثُمَّ قالَ أدْخِلْنِي الجَنَّةَ أزْدَدْ رَغْبَةً ثُمَّ قالَ لَهُ اخْرُجْ فَقالَ قَدْ ذُقْتُ المَوْتَ ووَرَدْتُ النارَ فَما أنا بِخارِجٍ مِنَ الجَنَّةِ فَقالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِإذْنِي فَعَلَ وبِإذْنِي دَخَلَ فَدَعْهُ (p-٣٤٢)
19:58Page 309
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٖ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنۡ هَدَيۡنَا وَٱجۡتَبَيۡنَآۚ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُ ٱلرَّحۡمَٰنِ خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَبُكِيّٗا۩ ٥٨
Those were the ones upon whom Allāh bestowed favor from among the prophets of the descendants of Adam and of those We carried [in the ship] with Noah, and of the descendants of Abraham and Israel [i.e., Jacob], and of those whom We guided and chose. When the verses of the Most Merciful were recited to them, they fell in prostration and weeping.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ في السُورَةِ مِن زَكَرِيّا إلى إدْرِيسَ ﴿الَّذِينَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَبِيِّينَ﴾ مِن لِلْبَيانِ، لِأنَّ جَمِيعَ الأنْبِياءِ مُنْعَمٌ عَلَيْهِمْ ﴿مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ وكانَ إدْرِيسُ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ لِقُرْبِهِ مِنهُ، لِأنَّهُ جَدُّ أبِي نُوحٍ ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ إبْراهِيمُ مِن ذُرِّيَّةِ مَن حُمِلَ مَعَ نُوحٍ، لِأنَّهُ ولَدُ سامِ بْنِ نُوحٍ ﴿وَمِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ﴾ وإسْماعِيلَ وإسْحَقَ ويَعْقُوبَ ﴿وَإسْرائِيلَ﴾ أيْ: ومِن ذُرِّيَّةِ إسْرائِيلَ أيْ: يَعْقُوبَ وهم مُوسى وهارُونُ وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى، لِأنَّ مَرْيَمَ مِن ذُرِّيَّتِهِ ﴿وَمِمَّنْ﴾ يَحْتَمِلُ العَطْفَ عَلى مَنِ الأُولى والثانِيَةِ ﴿هَدَيْنا﴾ لِمَحاسِنِ الإسْلامِ ﴿واجْتَبَيْنا﴾ مِنَ الأنامِ أوْ لِشَرْحِ الشَرِيعَةِ وكَشْفِ الحَقِيقَةِ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَحْمَنِ﴾ أيْ: إذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ كُتُبُ اللهِ المُنَزَّلَةُ وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ إنْ جَعَلْتَ "الَّذِينَ" خَبَرًا لِ"أُولَئِكَ" وإنْ جَعَلْتَهُ صِفَةٌ لَهُ كانَ خَبَرًا، "يُتْلى" بِالياءِ قُتَيْبَةُ لِوُجُودِ الفاصِلِ مَعَ أنَّ التَأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ سَقَطُوا عَلى وُجُوهِهِمْ ساجِدِينَ رَغْبَةً ﴿وَبُكِيًّا﴾ باكِينَ رَهْبَةً جَمْعُ باكٍ كَسُجُودٍ وقُعُودٍ في جَمْعِ ساجِدٍ وقاعِدٍ، في الحَدِيثِ: «اتْلُوا القُرْآنَ وابْكُوا وإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا »، وعَنْ صالِحٍ المُرِّيِّ: قَرَأْتُ القُرْآنَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في المَنامِ فَقالَ لِي: يا صالِحُ هَذِهِ القِراءَةُ فَأيْنَ البُكاءُ؟ ويَقُولُ في سَجْدَةِ التِلاوَةِ سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى ثَلاثًا.
19:59Page 309
۞ فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا ٥٩
But there came after them successors [i.e., later generations] who neglected prayer and pursued desires; so they are going to meet evil1 -
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ فَجاءَ مِن بَعْدِ هَؤُلاءِ المُفَضَّلِينَ ﴿خَلْفٌ﴾ أوْلادُ سُوءٍ، وبِفَتْحِ اللامِ:العَقِبُ الخَيْرُ،عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هُمُ اليَهُودُ ﴿أضاعُوا الصَلاةَ﴾ تَرَكُوا الصَلاةَ المَفْرُوضَةَ ﴿واتَّبَعُوا الشَهَواتِ﴾ مَلاذَّ النُفُوسِ، وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مَن بَنى الشَدِيدَ ورَكِبَ المَنظُورَ ولَبِسَ (p-٣٤٣)المَشْهُورَ، وعَنْ قَتادَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - هو في هَذِهِ الأُمَّةِ ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ جَزاءَ غَيٍّ، وكُلُّ شَرٍّ عِنْدَ العَرَبِ: غَيٌّ، وكُلُّ خَيْرٍ رَشادٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ: هو وادٍ في جَهَنَّمَ أُعِدَّ لِلْمُصِرِّينَ عَلى الزِنا وشارِبِ الخَمْرِ وآكِلِ الرِبا والعاقِّ وشاهِدِ الزُورِ.
19:60Page 309
إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا ٦٠
Except those who repent, believe and do righteousness; for those will enter Paradise and will not be wronged at all.
﴿إلا مَن تابَ﴾ رَجَعَ عَنْ كُفْرِهِ ﴿وَآمَنَ﴾ بِشَرْطِهِ ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ بَعْدَ إيمانِهِ ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ وأبُو بَكْرٍ ﴿وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ أيْ: لا يُنْقَصُونَ شَيْئًا مِن جَزاءِ أعْمالِهِمْ ولا يُمْنَعُونَهُ بَلْ يُضاعَفُ لَهم أوْ لا يُظْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ الظُلْمِ.
19:61Page 309
جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَأۡتِيّٗا ٦١
[Therein are] gardens of perpetual residence which the Most Merciful has promised His servants in the unseen. Indeed, His promise has ever been eminent.1
﴿جَنّاتِ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجَنَّةِ، لِأنَّ الجَنَّةَ تَشْتَمِلُ عَلى جَنّاتِ عَدْنٍ، لِأنَّها جِنْسٌ، أوْ نَصْبٌ عَلى المَدْحِ ﴿عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةٌ، لِأنَّهُ عَلَمٌ لِمَعْنى العَدْنِ وهو الإقامَةُ أوْ عَلَمٌ لِأرْضِ الجَنَّةِ لِكَوْنِها مَكانَ إقامَةٍ ﴿الَّتِي وعَدَ الرَحْمَنُ عِبادَهُ﴾ أيْ: عِبادَهُ التائِبِينَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصالِحاتِ كَما سَبَقَ ذِكْرُهم ولِأنَّهُ أضافَهم إلَيْهِ وهو لِلِاخْتِصاصِ وهَؤُلاءِ أهْلُ الِاخْتِصاصِ ﴿بِالغَيْبِ﴾ أيْ: وعَدَها وهي غائِبَةٌ عَنْهم غَيْرُ حاضِرَةٍ أوْ هم غائِبُونَ عَنْها لا يُشاهِدُونَها ﴿إنَّهُ﴾ ضَمِيرُ الشَأْنِ أوْ ضَمِيرُ الرَحْمَنِ ﴿كانَ وعْدُهُ﴾ أيْ: مَوْعُودُهُ وهو الجَنَّةُ ﴿مَأْتِيًّا﴾ أيْ: هم يَأْتُونَها.
19:62Page 309
لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوًا إِلَّا سَلَٰمٗاۖ وَلَهُمۡ رِزۡقُهُمۡ فِيهَا بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا ٦٢
They will not hear therein any ill speech - only [greetings of] peace - and they will have their provision therein, morning and afternoon.
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها﴾ في الجَنَّةِ ﴿لَغْوًا﴾ فُحْشًا أوْ كَذِبًا أوْ ما لا طائِلَ تَحْتَهُ مِنَ الكَلامِ وهو المَطْرُوحُ مِنهُ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى وُجُوبِ تَجَنُّبِ اللَغْوِ واتِّقائِهِ حَيْثُ نَزَّهَ اللهُ عَنْهُ دارَهُ الَّتِي لا تَكْلِيفَ فِيها ﴿إلا سَلامًا﴾ أيْ: لَكِنْ يَسْمَعُونَ سَلامًا مِنَ المَلائِكَةِ أوْ مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ أوْ لا يَسْمَعُونَ فِيها إلّا قَوْلًا يَسْلَمُونَ فِيهِ مِنَ العَيْبِ والنَقِيصَةِ فَهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ وقِيلَ (p-٣٤٤)مَعْنى السَلامِ هو الدُعاءُ بِالسَلامَةِ ولَمّا كانَ أهْلُ دارِ السَلامِ أغْنِياءَ عَنِ الدُعاءِ بِالسَلامَةِ كانَ ظاهِرُهُ مِن بابِ اللَغْوِ وفُضُولِ الحَدِيثِ لَوْلا ما فِيهِ مِن فائِدَةِ الإكْرامِ ﴿وَلَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ أيْ: يُؤْتَوْنَ بِأرْزاقِهِمْ عَلى مِقْدارِ طَرَفَيِ النَهارِ مِنَ الدُنْيا إذْ لا لَيْلَ ولا نَهارَ ثَمَّ، لِأنَّهم في النُورِ أبَدًا وإنَّما يَعْرِفُونَ مِقْدارَ النَهارِ بِرَفْعِ الحُجُبِ ومِقْدارُ اللَيْلِ بِإرْخائِها، والرِزْقُ بِالبُكْرَةِ والعَشِيِّ أفْضَلُ العَيْشِ عِنْدَ العَرَبِ فَوَصَفَ اللهُ جَنَّتَهُ بِذَلِكَ وقِيلَ أرادَ دَوامَ الرِزْقِ كَما تَقُولُ أنا عِنْدَ فُلانٍ بُكْرَةً وعَشِيًّا تُرِيدُ الدَوامَ.
19:63Page 309
تِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنۡ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّٗا ٦٣
That is Paradise, which We give as inheritance to those of Our servants who were fearing of Allāh.
﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا﴾ أيْ: نَجْعَلُها مِيراثَ أعْمالِهِمْ يَعْنِي: ثَمَرَتَها وعاقِبَتَها وقِيلَ يَرِثُونَ المَساكِنَ الَّتِي كانَتْ لِأهْلِ النارِ لَوْ آمَنُوا لَأنَّ الكُفْرَ مَوْتٌ حُكْمًا ﴿مَن كانَ تَقِيًّا﴾ عَنِ الشِرْكِ.
19:64Page 309
وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَۖ لَهُۥ مَا بَيۡنَ أَيۡدِينَا وَمَا خَلۡفَنَا وَمَا بَيۡنَ ذَٰلِكَۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا ٦٤
[Gabriel said],1 "And we [angels] descend not except by the order of your Lord. To Him belongs that before us and that behind us and what is in between. And never is your Lord forgetful -
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ «يا جِبْرِيلُ ما مَنَعَكَ أنْ تَزُورَنا أكْثَرَ مِمّا تَزُورُنا فَنَزَلَ ﴿وَما نَتَنَـزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ » والتَنَزُّلُ عَلى مَعْنَيَيْنِ: مَعْنى النُزُولِ عَلى مَهَلٍ ومَعْنى النُزُولِ عَلى الإطْلاقِ والأوَّلُ ألْيَقُ هُنا يَعْنِي: أنَّ نُزُولَنا في الأحايِينِ وقْتًا غِبَّ وقْتٍ لَيْسَ إلّا بِأمْرِ اللهِ ﴿لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذَلِكَ وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ أيْ: لَهُ ما قُدّامَنا وما خَلْفَنا مِنَ الأماكِنِ وما نَحْنُ فِيها فَلا نَتَمالَكُ أنْ نَنْتَقِلَ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ إلّا بِأمْرِ اللهِ ومَشِيئَتِهِ وهو الحافِظُ العالِمُ بِكُلِّ حَرَكَةٍ وسُكُونٍ وما يَحْدُثُ مِنَ الأحْوالِ لا تَجُوزُ عَلَيْهِ الغَفْلَةُ والنِسْيانُ فَأنّى لَنا أنْ نَتَقَلَّبَ في مَلَكُوتِهِ إلّا إذا أذِنَ لَنا فِيهِ؟
19:65Page 310
رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا ٦٥
Lord of the heavens and the earth and whatever is between them - so worship Him and have patience for His worship. Do you know of any similarity to Him?"
﴿رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ بَدَلٌ مِن رَبِّكَ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو رَبُّ السَمَواتِ والأرْضِ ثُمَّ قالَ لِرَسُولِهِ لِما عَرَفَتْ أنَّهُ (p-٣٤٥)مُتَّصِفٌ بِهَذِهِ الصِفاتِ ﴿فاعْبُدْهُ﴾ فاثْبُتْ عَلى عِبادَتِهِ ﴿واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ﴾ أيِ اصْبِرْ عَلى مُكافَأةِ الحَسُودِ لِعِبادَةِ المَعْبُودِ واصْبِرْ عَلى المَشاقِّ لِأجْلِ عِبادَةِ الخَلّاقِ أيْ: لِتَتَمَكَّنَ مِنَ الإتْيانِ بِها ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ شَبِيهًا ومَثَلًا أوْ هَلْ يُسَمّى أحَدٌ بِاسْمِ اللهِ غَيْرُهُ، لِأنَّهُ مَخْصُوصَ بِالمَعْبُودِ بِالحَقِّ أيْ: إذا صَحَّ أنْ لا مَعْبُودَ يُوَجِّهُ إلَيْهِ العِبادُ العِبادَةَ إلّا هو وحْدَهُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن عِبادَتِهِ والِاصْطِبارِ عَلى مَشاقِّها.
19:66Page 310
وَيَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوۡفَ أُخۡرَجُ حَيًّا ٦٦
And man [i.e., the disbeliever] says, "When I have died, am I going to be brought forth alive?"
تَهافَتَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ عَظْمًا وقالَ أنُبْعَثُ بَعْدَ ما صِرْنا كَذا؟ فَنَزَلَ ﴿وَيَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ والعامِلُ في إذا ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ وهو أُبْعَثُ أيْ: إذا ما مِتُّ أُبْعَثُ، وانْتِصابُهُ بِأُخْرَجُ مُمْتَنِعٌ، لِأنَّ ما بَعْدَ لامِ الِابْتِداءِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها فَلا تَقُولُ:اليَوْمَ لَزَيْدٌ قائِمٌ، ولامُ الِابْتِداءِ الداخِلَةُ عَلى المُضارِعِ تُعْطِي مَعْنى الحالِ وتُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ فَلَمّا جامَعَتْ حَرْفَ الِاسْتِقْبالِ خَلُصَتْ لِلتَّوْكِيدِ واضْمَحَلَّ مَعْنى الحالِ، وما في "إذا ما" لِلتَّوْكِيدِ أيْضًا فَكَأنَّهُ قالَ: أحَقًّا إنّا سَنُخْرَجُ مِنَ القُبُورِ أحْياءً حِينَ يَتَمَكَّنُ فِينا المَوْتُ والهَلاكُ؟ عَلى وجْهِ الِاسْتِنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، وتَقْدِيمُ الظَرْفِ وإيلاؤُهُ حَرْفَ الإنْكارِ مِن قِبَلِ أنَّ ما بَعْدَ المَوْتِ هو وقْتُ كَوْنِ الحَياةِ مُنْكَرَةً ومِنهُ جاءَ إنْكارُهُمْ.
19:67Page 310
أَوَلَا يَذۡكُرُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ يَكُ شَيۡـٔٗا ٦٧
Does man not remember that We created him before, while he was nothing?
﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ﴾ خَفِيفٌ شامِيٌّ ونافِعٌ وعاصِمٌ،مِنَ: الذِكْرِ، والسائِرُ بِتَشْدِيدِ الذالِ والكافِ، وأصْلُهُ يَتَذَكَّرُ كَقِراءَةِ أُبَيٍّ فَأُدْغِمَتِ التاءُ في الذالِ أيْ: أوَ لا يَتَدَبَّرُ ؟والواوُ عَطَفَتْ "لا يَذْكُرُ" عَلى "يَقُولُ" ووُسِّطَتْ هَمْزَةُ الإنْكارِ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وحَرْفِ العَطْفِ يَعْنِي: أيَقُولُ ذَلِكَ ولا يَتَذَكَّرُ حالَ النَشْأةِ الأُولى حَتّى لا يُنْكِرَ النَشْأةَ الأُخْرى فَإنَّ تِلْكَ أدَلُّ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ حَيْثُ أخْرَجَ الجَواهِرَ والأعْراضَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ وأمّا الثانِيَةُ (p-٣٤٦)فَلَيْسَ فِيها إلّا تَأْلِيفُ الأجْزاءِ المَوْجُودَةِ ورَدُّها إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مَجْمُوعَةً بَعْدَ التَفْرِيقِ ﴿أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ الحالَةِ الَّتِي هو فِيها وهي حالَةُ بَقائِهِ ﴿وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ هو دَلِيلٌ عَلى ما بَيَّنّا وعَلى أنَّ المَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ ِ.
19:68Page 310
فَوَرَبِّكَ لَنَحۡشُرَنَّهُمۡ وَٱلشَّيَٰطِينَ ثُمَّ لَنُحۡضِرَنَّهُمۡ حَوۡلَ جَهَنَّمَ جِثِيّٗا ٦٨
So by your Lord, We will surely gather them and the devils; then We will bring them to be present around Hell upon their knees.1
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ أيِ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ ﴿والشَياطِينَ﴾ الواوُ لِلْعَطْفِ، وبِمَعْنى مَعَ أوْقَعُ، أيْ: يُحْشَرُونَ مَعَ قُرَنائِهِمْ مِنَ الشَياطِينِ الَّذِينَ أغْوَوْهم يُقْرَنُ كُلُّ كافِرٍ مَعَ شَيْطانٍ في سِلْسِلَةٍ، وفي إقْسامِ اللهِ بِاسْمِهِ مُضافًا إلى رَسُولِهِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ رَسُولِهِ ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ حالٌ، جَمْعُ جاثٍ أيْ: بارِكٌ عَلى الرُكَبِ ووَزْنُهُ فَعُولٌ، لِأنَّ أصْلَهُ جُثُووٌ كَسُجُودٍ وساجِدٍ أيْ: يُعْتَلُونَ مِنَ المَحْشَرِ إلى شاطِئِ جَهَنَّمَ عَتْلًا عَلى حالِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في المَوْقِفِ جُثاةً عَلى رُكَبِهِمْ غَيْرَ مُشاةٍ عَلى أقْدامِهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences