An-NasafiAl‑Baqarah · 2:146–173

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:146–173

2:146Page 23

ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٤٦

Those to whom We gave the Scripture know him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] as they know their own sons. But indeed, a party of them conceal the truth while they know [it].

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ صِفَةً لِلظّالِمِينَ وهو مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أيْ: مُحَمَّدًا ﷺ، أوِ القُرْآنُ، أوْ تَحْوِيلُ القِبْلَةِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، لِقَوْلِهِ: ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ: أنا أعْلَمُ بِهِ مِنِّي بِابْنِي، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: ولِمَ؟ قالَ: لِأنِّي لَسْتُ أشُكُّ في مُحَمَّدٍ أنَّهُ نَبِيٌّ، فَأمّا ولَدِي فَلَعَلَّ والِدَتَهُ خانَتْ. فَقَبَّلَ عُمَرُ رَأسَهُ ﴿وَإنَّ فَرِيقًا مِنهُمْ﴾ أيِ:الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا.

﴿لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ حَسَدًا وعِنادًا ﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ اللهَ تَعالى بَيَّنَهُ في كِتابِهِمْ.

2:147Page 23

ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ١٤٧

The truth is from your Lord, so never be among the doubters.

﴿الحَقُّ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرَهُ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ واللامُ لِلْجِنْسِ، أيِ:الحَقُّ مِنَ اللهِ لا مِن غَيْرِهِ، يَعْنِي: أنَّ الحَقَّ ما ثَبَتَ أنَّهُ مِنَ اللهِ كالَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ، وما لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ مِنَ اللهِ كالَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ، فَهو الباطِلُ، أوْ لِلْعَهْدِ، والإشارَةِ إلى الحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو الحَقُّ و﴿مِن رَبِّكَ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ حالٌ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ الشاكِّينَ في أنَّهُ مِن رَبِّكَ.

2:148Page 23

وَلِكُلّٖ وِجۡهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَاۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ أَيۡنَ مَا تَكُونُواْ يَأۡتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٤٨

For each [religious following] is a [prayer] direction toward which it faces. So race to [all that is] good. Wherever you may be, Allāh will bring you forth [for judgement] all together. Indeed, Allāh is over all things competent.

﴿وَلِكُلٍّ﴾ مِن أهْلِ الأدْيانِ المُخْتَلِفَةِ ﴿وِجْهَةٌ﴾ قِبْلَةٌ، وقُرِئَ بِها ﴿هُوَ﴾ الضَمِيرُ لِكُلٍّ ﴿مُوَلِّيها﴾ الضَمِيرُ لِلْوِجْهَةِ، أيْ: هو مُوَلِّيها وِجْهَةً، فَحُذِفَ أحَدُ المَفْعُولَيْنِ، أوْ ﴿هُوَ﴾ لِلَّهِ تَعالى، أيِ:اللهُ مُوَلِّيها إيّاهُ، هو (مُوَلّاها)، شامِيٌّ، أيْ: هو مَوْلى تِلْكَ الجِهَةِ قَدْ ولِيَها، والمَعْنى: ولِكُلِّ أُمَّةٍ قِبْلَةٌ يَتَوَجَّهُ إلَيْها مِنكم ومِن غَيْرِكم ﴿فاسْتَبِقُوا﴾ أنْتُمْ ﴿الخَيْراتِ﴾ فاسْتَبِقُوا إلَيْها غَيْرَكم مِن (p-١٤٢)أمْرِ القِبْلَةِ وغَيْرِهِ ﴿أيْنَ ما تَكُونُوا﴾ أنْتُمْ وأعْداؤُكم ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَفْصِلُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، أوْ ولِكُلٍّ مِنكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﴿وِجْهَةٌ﴾ جِهَةٌ يُصَلِّي إلَيْها جَنُوبِيَّةً، أوْ شَمالِيَّةً، أوْ شَرْقِيَّةً، أوْ غَرْبِيَّةً، فاسْتَقْبِلُوا الفاضِلاتِ مِنَ الجِهاتِ، وهي الجِهَةُ المُسامِتَةُ لِلْكَعْبَةِ وإنِ اخْتَلَفَتْ ﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾ مِنَ الجِهاتِ المُخْتَلِفَةِ ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا﴾ ويَجْمَعْكُمْ، ويَجْعَلْ صَلاتَكم كَأنَّها إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ، وكَأنَّكم تُصَلُّونَ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ ﴿إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

2:149Page 23

وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ وَإِنَّهُۥ لَلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٤٩

So from wherever you go out [for prayer, O Muḥammad], turn your face toward al-Masjid al-Ḥarām, and indeed, it is the truth from your Lord. And Allāh is not unaware of what you do.

﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ ومِن أيِّ بَلَدٍ خَرَجْتَ لِلسَّفَرِ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ إذا صَلَّيْتَ ﴿وَإنَّهُ﴾ وإنَّ هَذا المَأْمُورَ بِهِ ﴿لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وبِالياءِ، أبُو عَمْرٍو.

2:150Page 23

وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِي وَلِأُتِمَّ نِعۡمَتِي عَلَيۡكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥٠

And from wherever you go out [for prayer], turn your face toward al-Masjid al-Ḥarām. And wherever you [believers] may be, turn your faces toward it in order that the people will not have any argument against you, except for those of them who commit wrong; so fear them not but fear Me. And [it is] so I may complete My favor upon you and that you may be guided,

﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ وهَذا التَكْرِيرُ لِتَأْكِيدِ أمْرِ القِبْلَةِ وتَشْدِيدِهِ، لِأنَّ النَسْخَ مِن مَظانِّ الفِتْنَةِ والشُبْهَةِ، فَكَرَّرَ عَلَيْهِمْ لِيُثْبِتُوا، عَلى أنَّهُ نِيطَ بِكُلِّ واحِدٍ ما لَمْ يُنَطْ بِالآخَرِ، فاخْتَلَفَتْ فَوائِدُها ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ أيْ: قَدْ عَرَّفَكُمُ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ أمْرَ الِاحْتِجاجِ في القِبْلَةِ بِما قَدْ بَيَّنَ فى قَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ﴾ لِلْيَهُودِ ﴿عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ في خِلافِ ما في التَوْراةِ مِن تَحْوِيلِ القِبْلَةِ. وأطْلَقَ اسْمَ الحُجَّةِ عَلى قَوْلِ المُعانِدِينَ، لِأنَّهم يَسُوقُونَهُ سِياقَ الحُجَّةِ ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الناسِ، أيْ: لِئَلّا يَكُونَ حُجَّةً لِأحَدٍ مِنَ اليَهُودِ إلّا المُعانِدِينَ مِنهُمْ، القائِلِينَ: ما تَرَكَ قِبْلَتَنا إلىالكَعْبَةِ إلّا مَيْلًا إلى دِينِ قَوْمِهِ، وحُبًّا لِبَلَدِهِ، ولَوْ كانَ عَلى الحَقِّ لَلَزِمَ قِبْلَةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، أوْ مَعْناهُ: لِئَلّا يَكُونَ لِلْعَرَبِ عَلَيْكم حُجَّةٌ واعْتِراضٌ في تَرْكِكُمُ التَوَجُّهَ إلى الكَعْبَةِ، الَّتِي هي قِبْلَةُ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ أبِي العَرَبِ ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ وهم أهْلُ مَكَّةَ حِينَ يَقُولُونَ: بَدا لَهُ فَرَجَعَ إلى قِبْلَةِ آبائِهِ، ويُوشِكُ أنْ يَرْجِعَ إلى (p-١٤٣)دِينِهِمْ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ مُنَبِّهًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ فَلا تَخافُوا مَطاعِنَهم في قِبْلَتِكُمْ، فَإنَّهم لا يَضُرُّونَكم ﴿واخْشَوْنِي﴾ فَلا تُخالِفُوا أمْرِي ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: عَرَّفَتْكم لِئَلّا يَكُونَ عَلَيْكم حُجَّةً، ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم بِهِدايَتِي إيّاكم إلى الكَعْبَةِ،

﴿وَلَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ولِكَيْ تَهْتَدُوا إلى قِبْلَةِ إبْراهِيمَ.

2:151Page 23

كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ ١٥١

Just as We have sent among you a messenger from yourselves reciting to you Our verses and purifying you and teaching you the Book and wisdom1 and teaching you that which you did not know.

الكافُ في ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكُمْ﴾ إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِما قَبْلَهُ، أيْ: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم في الآخِرَةِ بِالثَوابِ، كَما أتْمَمْتُها عَلَيْكم في الدُنْيا بِإرْسالِ الرَسُولِ، أوْ بِما بَعْدَهُ، أيْ: كَما ذَكَرْتُكم بِإرْسالِ الرَسُولِ، فاذْكُرُونِي بِالطاعَةِ أذْكُرْكم بِالثَوابِ، فَعَلى هَذا يُوقِفُ عَلى " تَهْتَدُونَ " وعَلى الأوَّلِ لا.

﴿رَسُولا مِنكُمْ﴾ مِنَ العَرَبِ ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾ يَقْرَأُ عَلَيْكم ﴿آياتِنا﴾ القُرْآنَ،

﴿وَيُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ﴾ القُرْآنَ ﴿والحِكْمَةَ﴾ السُنَّةَ والفِقْهَ ﴿وَيُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ ما لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ إلّا بِالوَحْيِ.

2:152Page 23

فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ ١٥٢

So remember Me; I will remember you. And be grateful to Me and do not deny Me.

﴿فاذْكُرُونِي﴾ بِالمَعْذِرَةِ ﴿أذْكُرْكُمْ﴾ بِالمَغْفِرَةِ، أوْ بِالثَناءِ والعَطاءِ، أوْ بِالسُؤالِ والنَوالِ، أوْ بِالتَوْبَةِ وعَفْوِ الحَوْبَةِ، أوْ بِالإخْلاصِ والخَلاصِ، أوْ بِالمُناجاةِ أوِ النَجاةِ.

﴿واشْكُرُوا لِي﴾ ما أنْعَمْتُ بِهِ عَلَيْكم ﴿وَلا تَكْفُرُونِ﴾ ولا تَجْحَدُوا نَعْمائِي.

2:153Page 23

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٣

O you who have believed, seek help through patience and prayer. Indeed, Allāh is with the patient.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَبْرِ﴾ فَبِهِ تُنالُ كُلُّ فَضِيلَةٍ ﴿والصَلاةِ﴾ فَإنَّها تَنْهى عَنْ كُلِّ رَذِيلَةٍ ﴿إنَّ اللهَ مَعَ الصابِرِينَ﴾ بِالنَصْرِ والمَعُونَةِ.

2:154Page 24

وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ ١٥٤

And do not say about those who are killed in the way of Allāh, "They are dead." Rather, they are alive, but you perceive [it] not.

﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللهِ﴾ نَزَلَتْ فى شُهَداءِ بَدْرٍ، وكانُوا أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا ﴿أمْواتٌ﴾ أيْ: هم أمْواتٌ،

﴿بَلْ أحْياءٌ﴾ أيْ: هم أحْياءٌ ﴿وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ لا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، لِأنَّ حَياةَ الشَهِيدِ لا تُعْلَمُ حِسًّا، عَنِ الحَسَنِ (p-١٤٤)-رِضى اللهُ عَنْهُ-: إنَّ الشُهَداءَ أحْياءٌ عِنْدَ اللهِ، تُعْرَضُ أرْزاقُهم عَلى أرْواحِهِمْ، فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الرُوحُ والفَرَحُ، كَما تُعْرَضُ النارُ عَلى أرْواحِ آلِ فِرْعَوْنَ غُدُوًّا وعَشِيًّا، فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الوَجَعُ، وعَنْ مُجاهِدٍ يُرْزَقُونَ ثَمَرَ الجَنَّةِ، ويَجِدُونَ رِيحَها، ولَيْسُوا فِيها.

2:155Page 24

وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٥

And We will surely test you with something of fear and hunger and a loss of wealth and lives and fruits, but give good tidings to the patient,

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ ولِنُصِيبَنَّكم بِذَلِكَ إصابَةً تُشْبِهُ فِعْلَ المُخْتَبِرِ لِأحْوالِكُمْ، هَلْ تَصْبِرُونَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الطاعَةِ أمْ لا؟ ﴿بِشَيْءٍ﴾ بِقَلِيلٍ مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ البَلايا وطَرَفٍ مِنهُ. وقَلَّلَ لِيُؤْذِنَ أنَّ كُلَّ بَلاءٍ أصابَ الإنْسانَ - وإنْ جَلَّ- فَفَوْقَهُ ما يَقِلُّ إلَيْهِ، ويُرِيهِمْ أنَّ رَحْمَتَهُ مَعَهم في كُلِّ حالٍ، وأعْلَمَهم بِوُقُوعِ البَلْواءِ قَبْلَ وُقُوعِها، لِيُوَطِّنُوا نُفُوسَهم عَلَيْها،

﴿مِنَ الخَوْفِ﴾ خَوْفِ العَدُوِّ أوِ اللهِ ﴿والجُوعِ﴾ أيِ:القَحْطِ، أوْ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضانَ ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ﴾ بِمَوْتِ المَواشِي، أوِ الزَكاةِ. وهو عَطْفٌ عَلى شَيْءٍ، أوْ عَلى الخَوْفِ، أيْ: وشَيْءٌ مِن نَقْصِ الأمْوالِ.

﴿والأنْفُسِ﴾ بِالقَتْلِ، والمَوْتِ، أوْ بِالمَرَضِ، والشَيْبِ ﴿والثَمَراتِ﴾ ثَمَراتِ الحَرْثِ، أوْ مَوْتِ الأوْلادِ، لِأنَّ الوَلَدَ ثَمَرَةُ الفُؤادِ ﴿وَبَشِّرِ الصابِرِينَ﴾ عَلى هَذِهِ البَلايا، أوِ المُسْتَرْجِعِينَ عِنْدَ البَلايا، لِأنَّ الِاسْتِرْجاعَ تَسْلِيمٌ وإذْعانٌ، وفي الحَدِيثِ: « "مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ جَبَرَ اللهِ مُصِيبَتَهُ، وأحْسَنَ عُقْباهُ، وجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صالِحًا يَرْضاهُ" »«وَطُفِئَ سِراجُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقالَ: "إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ" فَقِيلَ: أمُصِيبَةٌ هِيَ؟ قالَ: "نَعَمْ كُلُّ شَيْءٍ يُؤْذِي المُؤْمِنَ فَهو مُصِيبَةٌ". » والخِطابُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ مَن يَأْتِي مِنهُ البِشارَةُ.

2:156Page 24

ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ ١٥٦

Who, when disaster strikes them, say, "Indeed we belong to Allāh, and indeed to Him we will return."

﴿الَّذِينَ﴾ نَصْبٌ صِفَةٌ لِلصّابِرِينَ، ولا وقْفَ عَلَيْهِ، بَلْ يُوقَفُ عَلى (p-١٤٥)﴿راجِعُونَ﴾ ومَنِ ابْتَدَأ بِالَّذِينِ، وجَعَلَ الخَبَرَ " أُولَئِكَ " يَقِفُ عَلى الصابِرِينَ، لا عَلى راجِعُونَ. والأوَّلُ الوَجْهُ، لِأنَّ الَّذِينَ وما بَعْدَهُ بَيانٌ لِلصَّبْرِ ﴿إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ مَكْرُوهٌ، اسْمُ فاعِلٍ مِن أصابَتْهُ شِدَّةٌ، أيْ: لَحِقَتْهُ، ولا وقْفَ عَلى مُصِيبَةٍ، لِأنَّ ﴿قالُوا﴾ جَوابُ إذا، وإذا وجَوابُها: صِلَةُ الَّذِينَ ﴿إنّا لِلَّهِ﴾ إقْرارٌ لَهُ بِالمُلْكِ ﴿وَإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ إقْرارٌ عَلى نُفُوسِنا بِالهُلْكِ.

2:157Page 24

أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ ١٥٧

Those are the ones upon whom are blessings from their Lord and mercy. And it is those who are the [rightly] guided.

﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾ الصَلاةُ: الحُنُوُّ والتَعَطُّفُ، فَوُضِعَتْ مَوْضِعَ الرَأْفَةِ، وجُمِعَ بَيْنِها وبَيْنَ الرَحْمَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿رَأْفَةً ورَحْمَةً﴾ [الحَدِيدُ: ٢٧] ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التَوْبَةُ: ١١٧] والمَعْنى: عَلَيْهِمْ رَأْفَةٌ بَعْدَ رَأْفَةٍ، ورَحْمَةٌ بَعْدَ رَحْمَةٍ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ لِطَرِيقِ الصَوابِ، حَيْثُ اسْتَرْجَعُوا، وأذْعَنُوا لِأمْرِ اللهِ، قالَ عُمَرُ -رِضى اللهُ عَنْهُ-: نِعْمَ العَدْلانِ، ونِعْمَ العِلاوَةَ، أيِ:الصَلاةُ، والرَحْمَةُ: والِاهْتِداءُ.

2:158Page 24

۞ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ١٥٨

Indeed, aṣ-Ṣafā and al-Marwah are among the symbols1 of Allāh. So whoever makes ḥajj [pilgrimage] to the House or performs ʿumrah - there is no blame upon him for walking between them.2 And whoever volunteers good - then indeed, Allāh is Appreciative3 and Knowing.

﴿إنَّ الصَفا والمَرْوَةَ﴾ هُما عَلَمانِ لِلْجَبَلَيْنِ،

﴿مِن شَعائِرِ اللهِ﴾ مِن أعْلامِ مَناسِكِهِ ومُتَعَبَّداتِهِ، جَمْعُ: شَعِيرَةٍ، وهي العَلامَةُ.

﴿فَمَن حَجَّ البَيْتَ﴾ قَصَدَ الكَعْبَةَ.

﴿أوِ اعْتَمَرَ﴾ زارَ الكَعْبَةَ. فالحَجُّ: القَصْدُ، والِاعْتِمارُ: الزِيارَةُ، ثُمَّ غُلِّبا عَلى قَصْدِ البَيْتِ وزِيارَتِهِ لِلنُّسُكَيْنِ المَعْرُوفِينَ، وهُما في المَعانِي كالنَجْمِ والبَيْتِ في الأعْيانِ.

﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ﴾ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴿أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ أيْ: يَتَطَوَّفُ، فَأدْغَمَ التاءَ في الطاءِ، وأصْلُ الطَوْفِ: المَشْيُ حَوْلَ الشَيْءِ، والمُرادُ هُنا-: السَعْيُ بَيْنَهُما. قِيلَ: كانَ عَلى الصَفا أسافٌ، وعَلى المَرْوَةَ نائِلَةُ، وهُما صَنَمانِ. يُرْوى أنَّهُما كانا رَجُلًا وامْرَأةً زَنَيا في الكَعْبَةِ، فَمُسِخا حَجَرَيْنِ، فَوُضِعا عَلَيْهِما لِيُعْتَبَرَ بِهِما، فَلَمّا طالَتِ المُدَّةُ عُبِدا مِن دُونِ اللهِ، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا سَعَوْا مَسَحُوهُما، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ، وكُسِرَتِ الأوْثانُ، كَرِهَ المُسْلِمُونَ الطَوافَ بَيْنَهُما لِأجْلِ فِعْلِ الجاهِلِيَّةِ، فَرَفَعَ عَنْهُمُ الجَناحَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا جُناحَ﴾ وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ (p-١٤٦)لَيْسَ بِرُكْنٍ كَما قالَ مالِكٌ والشافِعِيُّ -رَحِمَهُما اللهُ تَعالى- ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أيْ: بِالطَوافِ بِهِما، وهو كَذَلِكَ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ. (وَمَن يَطَّوَّعْ)، حَمْزَةُ وعَلِيٌّ، أيْ: يَتَطَوَّعُ، فَأدْغَمَ التاءَ في الطاءِ.

﴿فَإنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ مُجازٍ عَلى القَلِيلِ كَثِيرًا ﴿عَلِيمٌ﴾ بِالأشْياءِ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا.

2:159Page 24

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ ١٥٩

Indeed, those who conceal what We sent down of clear proofs and guidance after We made it clear for the people in the Scripture - those are cursed by Allāh and cursed by those who curse,1

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ مِن أحْبارِ اليَهُودِ ﴿ما أنْـزَلْنا﴾ في التَوْراةِ ﴿مِنَ البَيِّناتِ﴾ مِنَ الآياتِ الشاهِدَةِ عَلى أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿والهُدى﴾ الهِدايَةِ إلى الإسْلامِ بِوَصْفِهِ ﷺ ﴿مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ﴾ أوْضَحْناهُ ﴿لِلنّاسِ في الكِتابِ﴾ في التَوْراةِ، لَمْ نَدَعْ فِيهِ مَوْضِعَ إشْكالٍ، فَعَمَدُوا إلى ذَلِكَ المُبِينِ فَكَتَمُوهُ.

﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ الَّذِينَ يَتَأتّى مِنهُمُ اللَعْنُ، وهُمُ المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ مِنَ الثَقَلَيْنِ.

2:160Page 24

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيۡهِمۡ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٦٠

Except for those who repent and correct themselves and make evident [what they concealed]. Those - I will accept their repentance, and I am the Accepting of Repentance,1 the Merciful.

﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ عَنِ الكِتْمانِ، وتَرْكِ الإيمانِ ﴿وَأصْلَحُوا﴾ ما أفْسَدُوا مِن أحْوالِهِمْ، وتَدارَكُوا ما فَرَطَ مِنهُمْ،

﴿وَبَيَّنُوا﴾ وأظْهَرُوا ما كَتَمُوا،

﴿فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أقْبَلُ تَوْبَتَهُمْ،

﴿وَأنا التَوّابُ الرَحِيمُ﴾

2:161Page 24

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٌ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةُ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١٦١

Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - upon them will be the curse of Allāh and of the angels and the people, all together,

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ ماتُوا مِن هَؤُلاءِ الكاتِمِينَ، ولَمْ يَتُوبُوا ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةِ والناسِ أجْمَعِينَ﴾ ذَكَرَ لَعْنَتَهم أحْياءً، ثُمَّ لَعَنَتَهم أمْواتًا، والمُرادُ بِالناسِ: المُؤْمِنُونَ، أوِ المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ، إذْ بَعْضُهم يَلْعَنُ بَعْضًا يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعْرافُ: ٣٨].

2:162Page 24

خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ١٦٢

Abiding eternally therein. The punishment will not be lightened for them, nor will they be reprieved.

﴿خالِدِينَ﴾ حالٌ مِن "هُمْ" في "عَلَيْهِمْ"،

﴿فِيها﴾ في اللَعْنَةِ، أوْ في النارِ، إلّا أنَّها أُضْمِرَتْ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها وتَهْوِيلًا.

﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ مِنَ الإنْظارِ، أيْ: لا يُمْهَلُونَ، أوْ لا يُنْتَظَرُونَ لِيَعْتَذِرُوا، أوْ لا يُنْظَرُ (p-١٤٧)إلَيْهِمْ نَظَرَ رَحْمَةٍ.

2:163Page 24

وَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ ١٦٣

And your god is one God. There is no deity [worthy of worship] except Him, the Entirely Merciful, the Especially Merciful.

﴿وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ فَرْدٌ في أُلُوهِيَّتِهِ لا شَرِيكَ لَهُ فِيها، ولا يَصِحُّ أنْ يُسَمّى غَيْرُهُ إلَهًا ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْوَحْدانِيَّةِ بِنَفْيِ غَيْرِهِ وإثْباتِهِ، ومَوْضِعُ "هُوَ" رَفْعٌ، لِأنَّهُ بَدَلٌ مِن مَوْضِعِ ﴿لا إلَهَ﴾ ولا يَجُوزُ النَصْبُ هُنا، لِأنَّ البَدَلَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاعْتِمادَ عَلى الثانِي، والمَعْنى في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، والنَصْبُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاعْتِمادَ عَلى الأوَّلِ، ورَفْعُ ﴿الرَحْمَنُ الرَحِيمُ﴾ أيِ:المَوْلى لِجَمِيعِ النِعَمِ أُصُولِها وفُرُوعِها، ولا شَيْءَ سِواهُ بِهَذِهِ الصِفَةِ، فَما سِواهُ إمّا نِعْمَةٌ، وإمّا مُنْعَمٌ عَلَيْهِ. ورُفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، أوْ عَلى البَدَلِ مِن "هُوَ" لا عَلى الوَصْفِ، لِأنَّ المُضْمَرَ لا يُوصَفُ.

2:164Page 25

إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ١٦٤

Indeed, in the creation of the heavens and the earth, and the alternation of the night and the day, and the [great] ships which sail through the sea with that which benefits people, and what Allāh has sent down from the heavens of rain, giving life thereby to the earth after its lifelessness and dispersing therein every [kind of] moving creature, and [His] directing of the winds and the clouds controlled between the heaven and earth are signs for a people who use reason.

وَلَمّا عَجِبَ المُشْرِكُونَ مِن إلَهٍ واحِدٍ، وطَلَبُوا آيَةً عَلى ذَلِكَ نَزَلَ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ﴾ في اللَوْنِ، والطُولِ، والقِصَرِ، وتَعاقُبِهِما فى الذَهابِ والمَجِيءِ،

﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ الناسَ﴾ بِالَّذِي يَنْفَعُهم مِمّا يَحْمِلُ فِيها، أوْ بِنَفْعِ الناسِ. و"مِن" في ﴿وَما أنْـزَلَ اللهُ مِنَ السَماءِ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ.

﴿مِن ماءٍ﴾ مَطَرٍ، و"مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، لِأنَّ ما يَنْزِلُ مِنَ السَماءِ مَطَرٌ وغَيْرُهُ، ثُمَّ عَطَفَ عَلى أنْزَلَ ﴿فَأحْيا بِهِ﴾ بِالماءِ ﴿الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ يُبْسِها، ثُمَّ عُطِفَ عَلى " فَأحْيا "،

﴿وَبَثَّ﴾ وفَرَّقَ.

﴿فِيها﴾ في الأرْضِ،

﴿مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ هي كُلُّ ما يَدِبُّ ﴿وَتَصْرِيفِ الرِياحِ﴾ الرِيحُ، حَمْزَةُ وعَلِيٌّ. أيْ: وتَقْلِيبُها في مَهابِّها قَبُولًا، ودَبُورًا، وجَنُوبًا، وشِمالًا، وفي أحْوالِها حارَّةً، وبارِدَةً، وعاصِفَةً، ولَيِّنَةً، وعُقْمًا، ولَواقِحَ. وقِيلَ: تارَةً بِالرَحْمَةِ، وطَوْرًا بِالعَذابِ.

﴿والسَحابِ المُسَخَّرِ﴾ المُذَلَّلِ المُنْقادِ لِمَشِيئَةِ اللهِ تَعالى، فَيُمْطِرُ حَيْثُ شاءَ ﴿بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ﴾ في الهَواءِ ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَنْظُرُونَ بِعُيُونِ عُقُولِهِمْ، (p-١٤٨)وَيَعْتَبِرُونَ، فَيَسْتَدِلُّونَ بِهَذِهِ الأشْياءِ عَلى قُدْرَةِ مُوجِدِها، وحِكْمَةِ مُبْدِعِها، ووَحْدانِيَّةِ مُنْشِئِها، وفي الحَدِيثِ: "وَيْلٌ لِمَن قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَمَجَّ بِها" أيْ: لَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها، ولَمْ يَعْتَبِرْ بِها.

2:165Page 25

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ ١٦٥

And [yet], among the people are those who take other than Allāh as equals [to Him]. They love them as they [should] love Allāh. But those who believe are stronger in love for Allāh. And if only they who have wronged would consider [that] when they see the punishment, [they will be certain] that all power belongs to Allāh and that Allāh is severe in punishment.

﴿وَمِنَ الناسِ﴾ أيْ: ومَعَ هَذا البُرْهانِ النَيِّرِ مِنَ الناسِ ﴿مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أنْدادًا﴾ أمْثالًا مِنَ الأصْنامِ ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ يُعَظِّمُونَهُمْ، ويَخْضَعُونَ لَهم تَعْظِيمَ المَحْبُوبِ ﴿كَحُبِّ اللهِ﴾ كَتَعْظِيمِ اللهِ، والخُضُوعِ لَهُ، أيْ: يُحِبُّونَ الأصْنامَ كَما يُحِبُّونَ اللهَ، يَعْنِي: يُسَوُّونَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ في مَحَبَّتِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا يُقِرُّونَ بِاللهِ، ويَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ، وقِيلَ: يُحِبُّونَهم كَحُبِّ المُؤْمِنِينَ اللهَ.

﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ مِنَ المُشْرِكِينَ لِآلِهَتِهِمْ، لِأنَّهم لا يَعْدِلُونَ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ بِحالٍ، والمُشْرِكُونَ يَعْدِلُونَ عَنْ أنْدادِهِمْ إلى اللهِ عِنْدَ الشَدائِدِ، فَيَفْزَعُونَ إلَيْهِ، ويَخْضَعُونَ لَهُ ﴿وَلَوْ يَرى﴾ (تَرى) نافِعٌ وشامِيٌّ، عَلى خِطابِ الرَسُولِ، أوْ كُلِّ مُخاطَبٍ. أيْ: ولَوْ تَرى ذَلِكَ لَرَأيْتَ أمْرًا عَظِيمًا ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ إشارَةٌ إلى مُتَّخِذِي الأنْدادِ ﴿إذْ يَرَوْنَ﴾ (يُرَوْنَ) شامِيٌّ.

﴿العَذابَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ حالٌ ﴿وَأنَّ اللهَ شَدِيدُ العَذابِ﴾ شَدِيدٌ عَذابُهُ، أيْ: ولَوْ يَعْلَمُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ارْتَكَبُوا الظُلْمَ العَظِيمَ بِشِرْكِهِمْ أنَّ القُدْرَةَ كُلَّها لِلَّهِ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الثَوابِ والعِقابِ دُونَ أنْدادِهِمْ، ويَعْلَمُونَ شِدَّةَ عِقابِهِ لِلظّالِمِينَ إذا عايَنُوا العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ، لَكانَ مِنهم ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ مِنَ النَدَمِ والحَسْرَةِ، فَحَذَفَ الجَوابَ، لِأنَّ لَوْ إذا جاءَ فِيما يُشَوَّقُ إلَيْهِ، أوْ يُخَوَّفُ مِنهُ قَلَّما يُوصَلُ بِجَوابٍ لِيَذْهَبَ القَلْبُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، ولَوْ يَلِيها الماضِي، وكَذا إذْ وضَعَها لِتَدُلَّ عَلى الماضِي، وإنَّما دَخَلَتا عَلى المُسْتَقْبَلِ هُنا-، لِأنَّ إخْبارَ اللهِ تَعالى عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِاعْتِبارِ صِدْقِهِ كالماضِي.

2:166Page 25

إِذۡ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ وَتَقَطَّعَتۡ بِهِمُ ٱلۡأَسۡبَابُ ١٦٦

[And they should consider that] when those who have been followed disassociate themselves from those who followed [them], and they [all] see the punishment, and cut off from them are the ties [of relationship],

﴿إذْ تَبَرَّأ﴾ مُدْغَمَةَ الذالِ في التاءِ حَيْثُ وقَعَتْ، عِراقِيٌّ غَيْرَ عاصِمٍ. (p-١٤٩)وَهُوَ بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ ﴿الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ أيِ:المُتَّبَعُونَ، وهُمُ الرُؤَساءُ.

﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ مِنَ الأتْباعِ ﴿وَرَأوُا العَذابَ﴾ الواوُ فِيهِ لِلْحالِ، أيْ: تَبَرَّءُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ ﴿وَتَقَطَّعَتْ﴾ عَطْفٌ عَلى تَبَرَّأ ﴿بِهِمُ الأسْبابُ﴾ الوُصَلُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم مِنَ الِاتِّفاقِ عَلى دِينٍ واحِدٍ، ومِنَ الأنْسابِ، والمَحابِّ.

2:167Page 25

وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَتَبَرَّأَ مِنۡهُمۡ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّاۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ ١٦٧

Those who followed will say, "If only we had another turn [at worldly life] so we could disassociate ourselves from them as they have disassociated themselves from us." Thus will Allāh show them their deeds as regrets upon them. And they are never to emerge from the Fire.

﴿وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ أيِ:الأتْباعُ.

﴿لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ رَجْعَةً إلى الدُنْيا ﴿فَنَتَبَرَّأ﴾ نَصْبٌ عَلى جَوابِ التَمَنِّي، لِأنَّ لَوْ في مَعْنى التَمَنِّي، والمَعْنى: لَيْتَ لَنا كَرَةً فَنَتَبَرَّأ،

﴿مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ الآنَ ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ الإراءِ الفَظِيعِ ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: عِبادَتَهُمُ الأوْثانَ ﴿حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ نَداماتٍ، وهى مَفْعُولٌ ثالِثٌ لِيُرِيهِمْ، ومَعْناهُ: أنَّ أعْمالَهم تُقْلَبُ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ، فَلا يَرَوْنَ إلّا حَسَراتٍ مَكانَ أعْمالِهِمْ ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنَ النارِ﴾ بَلْ هم فِيها دائِمُونَ.

2:168Page 25

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ ١٦٨

O mankind, eat from whatever is on earth [that is] lawful and good and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.

وَنَزَلَ فِيمَن حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ البَحائِرَ ونَحْوَها: ﴿يا أيُّها الناسُ كُلُوا﴾ نَزَلَ فِيمَن حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ البَحائِرَ ونَحْوَها، أمْرَ إباحَةٍ ﴿مِمّا في الأرْضِ﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ كُلَّ ما في الأرْضِ لَيْسَ بِمَأْكُولٍ ﴿حَلالا﴾ مَفْعُولُ كُلُوا، أوْ حالٌ مِمّا في الأرْضِ ﴿طَيِّبًا﴾ طاهِرًا مِن كُلِّ شُبْهَةٍ ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ﴾ طُرُقَهُ الَّتِي يَدْعُوكم إلَيْها، بِسُكُونِ الطاءِ: أبُو عَمْرٍو غَيْرَ عَيّاشٍ ونافِعٌ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ. والخُطْوَةُ في الأصْلِ، ما بَيْنَ قَدَمَيِ الخاطِي. يُقالُ: اتَّبَعَ خُطُواتِهِ: إذا اقْتَدى بِهِ، واسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ.

﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهِرُ العَداوَةِ لا خَفاءَ بِهِ. وأبانَ: مُتَّعَدٍّ ولازِمٌ، ولا يُناقِضُ هَذِهِ الآيَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطاغُوتُ﴾ [البَقَرَةُ: ٢٥٧] أيِ:الشَيْطانُ، لِأنَّهُ عَدُوٌّ لِلنّاسِ (p-١٥٠)حَقِيقَةً، ووَلِيُّهم ظاهِرًا، فَإنَّهُ يُرِيهِمْ في الظاهِرِ المُوالاةَ، ويُزَيِّنُ لَهم أعْمالَهُمْ، ويُرِيدُ بِذَلِكَ هَلاكَهم في الباطِنِ.

2:169Page 25

إِنَّمَا يَأۡمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلۡفَحۡشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ١٦٩

He only orders you to evil and immorality and to say about Allāh what you do not know.

﴿إنَّما يَأْمُرُكُمْ﴾ بَيانٌ لِوُجُوبِ الِانْتِهاءِ عَنِ اتِّباعِهِ، وظُهُورِ عَداوَتِهِ، أيْ: لا يَأْمُرُكم بِخَيْرٍ قَطُّ، إنَّما يَأْمُرُكم ﴿بِالسُوءِ﴾ بِالقَبِيحِ،

﴿والفَحْشاءِ﴾ وما يَتَجاوَزُ الحَدَّ في القُبْحِ مِنَ العَظائِمِ. وقِيلَ: السُوءُ: مالا حَدَّ فِيهِ. والفَحْشاءُ: ما فِيهِ حَدٌّ.

﴿وَأنْ تَقُولُوا﴾ في مَوْضِعِ الجَرِّ بِالعَطْفِ عَلى ﴿بِالسُوءِ﴾ أيْ: وبِأنْ تَقُولُوا.

﴿عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ هو قَوْلُكُمْ: هَذا حَلالٌ، وهَذا حَرامٌ، بِغَيْرِ عِلْمٍ، ويَدْخُلُ فِيهِ: كُلُّ ما يُضافُ إلى اللهِ تَعالى مِمّا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ.

2:170Page 26

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٧٠

And when it is said to them, "Follow what Allāh has revealed," they say, "Rather, we will follow that which we found our fathers doing." Even though their fathers understood nothing, nor were they guided?

﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْـزَلَ اللهُ﴾ الضَمِيرُ لِلنّاسِ، وعَدَلَ بِالخِطابِ عَنْهم عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ. قِيلَ: هُمُ المُشْرِكُونَ. وقِيلَ: طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ، لَمّا دَعاهم رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى الإيمانِ، واتِّباعِ القُرْآنِ.

﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا﴾ وجَدْنا ﴿عَلَيْهِ آباءَنا﴾ فَإنَّهم كانُوا خَيْرًا مِنّا، وأعْلَمَ فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ﴾ الواوُ لِلْحالِ، والهَمْزَةُ بِمَعْنى الرَدِّ والتَعَجُّبِ. مَعْناهُ: أيَتَّبِعُونَهم ولَوْ كانَ آباؤُهم ﴿لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ مِنَ الدِينِ ﴿وَلا يَهْتَدُونَ﴾ لِلصَّوابِ.

2:171Page 26

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ بِمَا لَا يَسۡمَعُ إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٧١

The example of those who disbelieve is like that of one who shouts at what hears nothing but calls and cries [i.e., cattle or sheep] - deaf, dumb and blind, so they do not understand.

ثُمَّ ضَرَبَ لَهم مَثَلًا فَقالَ: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المُضافُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ﴿وَمَثَلُ﴾ داعِي ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ يَصِيحُ، والمُرادُ ﴿بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً﴾ البَهائِمِ، والمَعْنى: ومَثَلُ داعِيهِمْ إلى الإيمانِ في أنَّهم لا يَسْمَعُونَ مِنَ الدُعاءِ إلّا جَرْسَ النَغْمَةِ، ودَوِيَّ الصَوْتِ، مِن غَيْرِ إلْقاءِ أذْهانٍ، ولا اسْتِبْصارٍ، كَمَثَلِ الناعِقِ بِالبَهائِمِ الَّتِي لا تَسْمَعُ إلّا دُعاءَ الناعِقِ ونِداءَهُ، الَّذِي هو تَصْوِيتٌ بِها، وزَجْرٌ لَها، ولا تَفْقَهُ شَيْئًا آخَرَ كَما يَفْهَمُ العُقَلاءُ. والنَعِيقُ: التَصْوِيتُ. يُقالُ: نَعَقَ المُؤَذِّنُ، ونَعَقَ الراعِي بِالضَأْنِ. (p-١٥١)والنِداءُ: ما يُسْمِعُ، والدُعاءُ: قَدْ يُسْمَعُ وقَدْ لا يُسْمَعُ.

﴿صُمٌّ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أيْ: هم صُمٌّ.

﴿بُكْمٌ﴾ خَبَرٌ ثانٍ ﴿عَمًى﴾ عَنِ الحَقِّ، خَبَرٌ ثالِثٌ.

﴿فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ المَوْعِظَةَ.

2:172Page 26

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١٧٢

O you who have believed, eat from the good [i.e., lawful] things which We have provided for you and be grateful to Allāh if it is [indeed] Him that you worship.

ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ما حَرَّمَهُ المُشْرِكُونَ حَلالٌ، فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ مِن مُسْتَلَذّاتِهِ، أوْ مِن حَلالاتِهِ،

﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ الَّذِي رَزَقَكُمُوها ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ إنْ صَحَّ أنَّكم تَخْتَصُّونَهُ بِالعِبادَةِ، وتُقِرُّونَ أنَّهُ مُعْطِي النِعَمِ.

2:173Page 26

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٧٣

He has only forbidden to you dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], there is no sin upon him. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

ثُمَّ بَيَّنَ المُحَرَّمَ فَقالَ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ وهِيَ: كُلُّ ما فارَقَهُ الرُوحُ مِن غَيْرِ ذَكاةٍ مِمّا يُذْبَحُ، و﴿إنَّما﴾ لِإثْباتِ المَذْكُورِ، ونَفْيِ ما عَداهُ، أيْ: ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلّا المَيْتَةَ ﴿والدَمَ﴾ يَعْنِي: السائِلَ، لِقَوْلِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنْعامُ: ١٤٥] وقَدْ حَلَّتِ المَيْتَتانِ والدَمانُ بِالحَدِيثِ: « "أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ: السَمَكُ والجَرادُ، والكَبِدُ والطِحالُ" »﴿وَلَحْمَ الخِنْـزِيرِ﴾ يَعْنِي: الخِنْزِيرَ بِجَمِيعِ أجْزائِهِ، وخُصَّ اللَحْمُ، لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالأكْلِ.

﴿وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ أيْ: ذُبِحَ لِلْأصْنامِ، فَذُكِرَ عَلَيْهِ غَيْرُ اسْمِ اللهِ، وأصْلُ الإهْلالِ: رَفْعُ الصَوْتِ، أيْ: رَفَعَ بِهِ الصَوْتَ لِلصَّنَمِ، وذَلِكَ قَوْلُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ: بِاسْمِ اللاتِ والعُزّى.

﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أيْ: أُلْجِئَ، بِكَسْرِ النُونِ، بَصْرِيٌّ وحَمْزَةُ وعاصِمٌ، لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، أعْنِي: النُونَ والضادَ. وبِضَمِّها، غَيْرُهُمْ، لِضَمَّةِ الطاءِ.

﴿غَيْرَ﴾ حالٌ، أيْ: فَأكَلَ غَيْرَ ﴿باغٍ﴾ باغٍ لِلَذَّةٍ وشَهْوَةٍ.

﴿وَلا عادٍ﴾ مُتَعَدٍّ مِقْدارَ الحاجَةِ، وقَوْلُ مَن قالَ: غَيْرَ باغٍ عَلى الإمامِ ولا عادٍ في سَفَرٍ حَرامٍ، ضَعِيفٌ، لِأنَّ سَفَرَ الطاعَةِ لا يُبِيحُ بِلا ضَرُورَةٍ، والحَبْسُ بِالحَضَرِ يُبِيحُ بِلا سَفَرٍ، ولِأنَّ بَغْيَهُ لا يَخْرُجُ عَنِ الإيمانِ، فَلا يَسْتَحِقُّ الحِرْمانَ. (p-١٥٢)والمُضْطَرُّ يُباحُ لَهُ قَدْرُ ما يَقَعُ بِهِ القَوامُ، وتَبْقى مَعَهُ الحَياةُ دُونَ ما فِيهِ حُصُولُ الشِبَعِ، لِأنَّ الإباحَةَ لِلِاضْطِرارِ فَتُقَدَّرُ بِقَدْرِ ما تَنْدَفِعُ الضَرُورَةُ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ في الأكْلِ ﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ لِلذُّنُوبِ الكَبائِرِ، فَأنّى يُؤاخَذُ بِتَناوُلِ المَيْتَةِ عِنْدَ الِاضْطِرارِ ﴿رَحِيمٌ﴾ حَيْثُ رَخَّصَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском