An-NasafiAl‑Baqarah · 2:189–206

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:189–206

2:189Page 29

۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٨٩

They ask you, [O Muḥammad], about the crescent moons. Say, "They are measurements of time for the people and for ḥajj [pilgrimage]." And it is not righteousness to enter houses from the back, but righteousness is [in] one who fears Allāh. And enter houses from their doors. And fear Allāh that you may succeed.

«قالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: يا رَسُولَ اللهِ، ما بالُ الهِلالِ يَبْدُو دَقِيقًا مِثْلَ الخَيْطِ، ثُمَّ يَزِيدُ حَتّى يَمْتَلِئَ ويَسْتَوِيَ، ثُمَّ لا يَزالُ يَنْقُصُ حَتّى يَعُودَ كَما بَدا (p-١٦٤)لا يَكُونُ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ كالشَمْسِ، فَنَزَلَ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ » جَمْعُ هِلالٍ، سُمِّيَ بِهِ لِرَفْعِ الناسِ أصْواتَهم عِنْدَ رُؤْيَتِهِ،

﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ أيْ: مَعالِمُ يُوَقِّتُ بِها الناسُ مَزارِعَهُمْ، ومَتاجِرَهُمْ، ومَحالَّ دُيُونِهِمْ، وصَوْمَهُمْ، وفِطْرَهُمْ، وعِدَّةَ نِسائِهِمْ، وأيّامَ حَيْضِهِنَّ، ومُدَّةَ حَمْلِهِنَّ، وغَيْرَ ذَلِكَ، ومَعالِمَ لِلْحَجِّ يُعْرَفُ بِها وقْتُهُ. كانَ ناسٌ مِنَ الأنْصارِ إذا أحْرَمُوا لَمْ يَدْخُلْ أحَدٌ مِنهم حائِطًا، ولا دارًا، ولا فُسْطاطًا مِن بابٍ، فَإنْ كانَ مِن أهْلِ المُدَرِ نَقَّبَ نَقْبًا في ظَهْرِ بَيْتِهِ مِنهُ يَدْخُلُ ويَخْرُجُ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ الوَبَرِ خَرَجَ مَن خَلْفِ الخِباءِ، فَنَزَلَ ﴿وَلَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ أيْ: لَيْسَ البِرُّ بِتَحَرُّجِكم مِن دُخُولِ البابِ. ولا خِلافَ في رَفْعِ "البِرِّ" هُنا، لِأنَّ الآيَةَ ثَمَّ تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ كَما بَيَّنّا، فَجازَ الرَفْعُ والنَصْبُ ثَمَّ، وهَذِهِ لا تَحْتَمِلُ إلّا وجْهًا واحِدًا، وهو الرَفْعُ، إذِ الباءُ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى خَبَرِ لَيْسَ.

﴿وَلَكِنَّ البِرَّ﴾ بِرُّ ﴿مَنِ اتَّقى﴾ ما حَرَّمَ اللهُ، (البُيُوتُ)، وبابُهُ مَدَنِيٌّ وبَصْرِيٌّ وحَفْصٌ، وهو الأصْلُ، مِثْلُ: كَعْبٍ وكُعُوبٍ، ومَن كَسَرَ الباءَ فَلِمَكانِ الياءِ بَعْدَها، ولَكِنْ هي تُوجِبُ الخُرُوجَ مِن كَسْرٍ إلى ضَمٍّ، وكَأنَّهُ قِيلَ لَهم عِنْدَ سُؤالِهِمْ عَنِ الأهِلَّةِ، وعَنِ الحِكْمَةِ في نُقْصانِها، وتَمامِها: مَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ما يَفْعَلُهُ اللهُ تَعالى لا يَكُونُ إلّا حِكْمَةً، فَدَعُوا السُؤالَ عَنْهُ، وانْظُرُوا في خَصْلَةٍ واحِدَةٍ تَفْعَلُونَها مِمّا لَيْسَ مِنَ البِرِّ في شَيْءٍ وأنْتُمْ تَحْسَبُونَها بِرًّا، فَهَذا وجْهُ اتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ لِما ذَكَرَ أنَّها مَواقِيتُ الحَجِّ، لِأنَّهُ كانَ مِن أفْعالِهِمْ في الحَجِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا تَمْثِيلًا لِتَعْكِيسِهِمْ في سُؤالِهِمْ، وأنَّ مَثَلَهم فِيهِ كَمَثَلِ مَن يَتْرُكُ بابَ البَيْتِ ويَدْخُلُ مِن ظَهْرِهِ، والمَعْنى: لَيْسَ البِرُّ وما يَنْبَغِي أنْ تَكُونُوا عَلَيْهِ بِأنْ تَعْكِسُوا في مَسائِلِكُمْ، ولَكِنَّ البِرَّ بِرُّ مَنِ اتَّقى ذَلِكَ، وتَجَنَّبَهُ، ولَمْ يَجْسُرْ عَلى مِثْلِهِ (p-١٦٥)﴿وَأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها﴾ وباشِرُوا الأُمُورَ مِن وُجُوهِها، الَّتِي يَجِبُ أنْ تُباشَرَ عَلَيْها، ولا تَعْكِسُوا، أوِ المُرادُ: وُجُوبُ الِاعْتِقادِ بِأنَّ جَمِيعَ أفْعالِهِ تَعالى حِكْمَةٌ وصَوابٌ، مِن غَيْرِ اخْتِلاجِ شُبْهَةٍ، ولا اعْتِراضِ شَكٍّ فى ذَلِكَ، حَتّى لا يَسْألَ عَنْهُ، لِما في السُؤالِ مِنَ الِاتِّهامِ بِمُقارَفَةِ الشَكِّ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنْبِياءُ: ٢٣] ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ فِيما أمَرَكم بِهِ، ونَهاكم عَنْهُ،

﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ لِتَفُوزُوا بِالنَعِيمِ السَرْمَدِيِّ.

2:190Page 29

وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ١٩٠

Fight in the way of Allāh those who fight against you but do not transgress. Indeed, Allāh does not like transgressors.

﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾ المُقاتَلَةُ في سَبِيلِ اللهِ: الجِهادُ لِإعْلاءِ كَلِمَةِ اللهِ، وإعْزازِ الدِينِ.

﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ يُناجِزُونَكُمُ القِتالَ دُونَ المُحاجِزِينَ، وعَلى هَذا يَكُونُ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التَوْبَةُ: ٣٦] وقِيلَ: هي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقاتِلُ مَن قاتَلَ، ويَكُفُّ عَمَّنْ كَفَّ، أوِ الَّذِينَ يُناصِبُونَكُمُ القِتالَ دُونَ مَن لَيْسَ مِن أهْلِ المُناصَبَةِ مِنَ الشُيُوخِ، والصِبْيانِ، والرُهْبانِ، والنِساءِ، أوِ الكَفَرَةِ كُلِّهِمْ، لِأنَّهم قاصِدُونَ لِمُقاتَلَةِ المُسْلِمِينَ، فَهم في حُكْمِ المُقاتِلَةِ ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ في ابْتِداءِ القِتالِ، أوْ بِقِتالِ مَن نُهِيتُمْ عَنْهُ مِنَ النِساءِ والشُيُوخِ ونَحْوِهِما، أوْ بِالمُثْلَةِ ﴿إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾

2:191Page 30

وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡ وَأَخۡرِجُوهُم مِّنۡ حَيۡثُ أَخۡرَجُوكُمۡۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِيهِۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمۡ فَٱقۡتُلُوهُمۡۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩١

And kill them [in battle] wherever you overtake them and expel them from wherever they have expelled you, and fitnah1 is worse than killing. And do not fight them at al-Masjid al-Ḥarām until they fight you there. But if they fight you, then kill them. Such is the recompense of the disbelievers.

﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ وجَدْتُمُوهُمْ، والثَقْفُ: الوُجُودُ عَلى وجْهِ الأخْذِ والغَلَبَةِ ﴿وَأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ أيْ: مِن مَكَّةَ، وعَدَهُمُ اللهُ تَعالى فَتْحَ مَكَّةَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَن لَمْ يُسْلِمْ مِنهم يَوْمَ الفَتْحِ ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ أيْ: شِرْكُهم بِاللهِ أعْظَمُ مِنَ القَتْلِ الَّذِي يَحِلُّ بِهِمْ مِنكُمْ، وقِيلَ: الفِتْنَةُ عَذابُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: المِحْنَةُ والبَلاءُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالإنْسانِ، فَيُعَذَّبُ بِهِ أشُدُّ عَلَيْهِ مِنَ القَتْلِ، وقِيلَ لِحَكِيمٍ: ما أشَدُّ مِنَ المَوْتِ؟ قالَ: الَّذِي يُتَمَنّى فِيهِ المَوْتُ، فَقَدْ جَعَلَ الإخْراجَ مِنَ الوَطَنِ مِنَ الفِتَنِ الَّتِي يُتَمَنّى عِنْدَها المَوْتُ ﴿وَلا (p-١٦٦)تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ أيْ: ولا تَبْدَءُوا بِقِتالِهِمْ فى الحَرَمِ حَتّى يَبْدَءُوا، فَعِنْدَنا المَسْجِدُ الحَرام يَقَعُ عَلى الحَرَمِ كُلِّهِ،

﴿فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ في الحَرَمِ، فَعِنْدَنا يُقْتَلُونَ في الأشْهُرِ الحُرُم إلّا أنْ يَبْدَءُوا بِالقِتالِ مَعَنا، فَحِينَئِذٍ نَقْتُلُهُمْ، وإنْ كانَ ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ يُبِيحُ القَتْلَ في الأمْكِنَةِ كُلِّها، لَكِنْ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ خُصَّ الحَرَمُ إلّا عِنْدَ البَداءَةِ مِنهُمْ، كَذا في "شَرْحِ التَأْوِيلاتِ" ﴿كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ: ولا تَقْتُلُوهم حَتّى يَقْتُلُوكم فَإنْ (قَتَلُوكُمْ) حَمْزَةُ وعَلِيٌّ.

2:192Page 30

فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٩٢

And if they cease, then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَنِ الشِرْكِ، والقِتالِ ﴿فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ لِما سَلَفَ مِن طُغْيانِهِمْ.

﴿رَحِيمٌ﴾ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، وإيمانِهِمْ.

2:193Page 30

وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَلَا عُدۡوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩٣

Fight them until there is no [more] fitnah and [until] religion [i.e., worship] is [acknowledged to be] for Allāh. But if they cease, then there is to be no aggression [i.e., assault] except against the oppressors.

﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ شِرْكٌ، وكانَ تامَّةٌ، وحَتّى بِمَعْنى: كَيْ، أوْ إلى أنْ ﴿وَيَكُونَ الدِينُ لِلَّهِ﴾ خالِصًا لَيْسَ لِلشَّيْطانِ فِيهِ نَصِيبٌ، أيْ: لا يُعْبَدُ دُونَهُ شَيْءٌ ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلا عَلى الظالِمِينَ﴾ فَإنِ امْتَنَعُوا عَنِ الكُفْرِ فَلا تُقاتِلُوهُمْ، فَإنَّهُ لا عُدْوانَ إلّا عَلى الظالِمِينَ، ولَمْ يَبْقَوْا ظالِمِينَ، أوْ فَلا تَظْلِمُوا إلّا الظالِمِينَ غَيْرَ المُنْتَهِينَ، سَمّى جَزاءَ الظالِمِينَ ظُلْمًا لِلْمُشاكَلَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البَقَرَةُ: ١٩٤]

2:194Page 30

ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٩٤

[Battle in] the sacred month is for [aggression committed in] the sacred month,1 and for [all] violations is legal retribution. So whoever has assaulted you, then assault him in the same way that he has assaulted you. And fear Allāh and know that Allāh is with those who fear Him.

قاتَلَهُمُ المُشْرِكُونَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ في الشَهْرِ الحَرامِ، وهو ذُو القَعْدَةِ، فَقِيلَ لَهم عِنْدَ خُرُوجِهِمْ لِعُمْرَةِ القَضاءِ، وكَراهَتِهِمُ القِتالَ، وذَلِكَ في ذِي القَعْدَةِ: ﴿الشَهْرُ الحَرامُ﴾ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ: ﴿بِالشَهْرِ الحَرامِ﴾ أيْ: هَذا الشَهْرُ بِذَلِكَ الشَهْرِ، وهَتْكُهُ بِهَتْكِهِ، يَعْنِي: تَهْتِكُونَ حُرْمَتَهُ عَلَيْهِمْ، كَما هَتَكُوا حُرْمَتَهُ عَلَيْكم ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ أيْ: وكُلُّ حُرْمَةٍ يَجْرِي فِيها القِصاصُ، مَن هَتَكَ حُرْمَةً، أيَّ حُرْمَةً كانَتِ اقْتُصَّ مِنهُ بِأنْ تُهْتَكَ لَهُ حُرَمُهُ، فَحِينَ هَتَكُوا حُرْمَةَ شَهْرِكم فافْعَلُوا بِهِمْ نَحْوَ ذَلِكَ، ولا تُبالُوا، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ (p-١٦٧)ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ مَن: شَرْطِيَّةٌ، والباءُ غَيْرُ زائِدَةٍ، والتَقْدِيرُ: بِعُقُوبَةٍ مُماثِلَةٍ "واتَّقَوْا" لِعُدْوانِهِمْ، أوْ زائِدَةٌ، وتَقْدِيرُهُ: عُدْوانًا مِثْلَ عُدْوانِهِمْ.

﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ فى حالِ كَوْنِكم مُنْتَصِرِينَ مِمَّنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ، فَلا تَعْتَدُوا إلى ما لا يَحِلُّ لَكم ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ بِالنَصْرِ.

2:195Page 30

وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٩٥

And spend in the way of Allāh and do not throw [yourselves] with your [own] hands into destruction [by refraining]. And do good; indeed, Allāh loves the doers of good.

﴿وَأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾ تُصَدِّقُوا في رِضا اللهِ، وهو عامٌّ في الجِهادِ وغَيْرِهِ،

﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَهْلُكَةِ﴾ أيْ: أنْفُسَكُمْ، والباءُ زائِدَةٌ، أوْ ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم بِأيْدِيكُمْ، كَما يُقالُ: أهْلَكَ فُلانٌ نَفْسَهُ بِيَدِهِ، إذا تَسَبَّبَ لِهَلاكِها، والمَعْنى: النَهْيُ عَنْ تَرْكِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ، لِأنَّهُ سَبَبُ الهَلاكِ، أوْ عَنِ الإسْرافِ في النَفَقَةِ حَتّى يُفْقِرَ نَفْسَهُ، ويُضِيعَ عِيالَهُ، أوْ عَنِ الإخْطارِ بِالنَفْسِ، أوْ عَنْ تَرْكِ الغَزْوِ الَّذِي هو تَقْوِيَةٌ لِلْعَدُوِّ، والتَهْلُكَةُ والهَلاكُ والهُلْكُ واحِدٌ.

﴿وَأحْسِنُوا﴾ الظَنَّ بِاللهِ في الإخْلافِ ﴿إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ إلى المُحْتاجِينَ.

2:196Page 30

وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍ أَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٩٦

And complete the ḥajj and ʿumrah for Allāh. But if you are prevented, then [offer] what can be obtained with ease of sacrificial animals. And do not shave your heads until the sacrificial animal has reached its place of slaughter. And whoever among you is ill or has an ailment of the head [making shaving necessary must offer] a ransom of fasting [three days] or charity1 or sacrifice.2 And when you are secure,3 then whoever performs ʿumrah [during the ḥajj months]4 followed by ḥajj [offers] what can be obtained with ease of sacrificial animals. And whoever cannot find [or afford such an animal] - then a fast of three days during ḥajj and of seven when you have returned [home]. Those are ten complete [days]. This is for those whose family is not in the area of al-Masjid al-Ḥarām. And fear Allāh and know that Allāh is severe in penalty.

﴿وَأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وأدُّوهُما تامِّينَ بِشَرائِطِهِما وفَرائِضِهِما لِوَجْهِ اللهِ تَعالى، بِلا تَوانٍ ولا نُقْصانٍ، وقِيلَ: الإتْمامُ يَكُونُ بَعْدَ الشُرُوعِ، فَهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن شَرَعَ فِيهِما لَزِمَهُ إتْمامُهُما، وبِهِ نَقُولُ: إنَّ العُمْرَةَ تَلْزَمُ بِالشُرُوعِ، ولا تَمَسُّكَ لِلشّافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- بِالآيَةِ عَلى لُزُومِ العُمْرَةِ، لِأنَّهُ أمَرَ بِإتْمامِها، وقَدْ يُؤْمَرُ بِإتْمامِ الواجِبِ والتَطَوُّعِ، أوْ إتْمامِهِما أنْ تُحْرِمَ بِهِما مِن دُوَيْرَةِ أهْلِكَ، أوْ أنْ تُفْرِدَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما سَفَرًا، أوْ أنْ تُنْفِقَ فِيهِما حَلالًا، أوْ ألّا تَتَّجِرَ مَعَهُما.

﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ يُقالُ: أحْصَرَ فُلانٌ، إذا مَنَعَهُ أمْرٌ مِن خَوْفٍ، أوْ مَرَضٍ، أوْ عَجْزٍ. وحُصِرَ: إذا حَبَسَهُ عَدُوٌّ عَنِ المُضِيِّ، وعِنْدَنا الإحْصارُ يَثْبُتُ بِكُلِّ مَنعٍ مِن عَدُوٍّ، أوْ مَرَضٍ، أوْ غَيْرِهِما لِظاهِرِ النَصِّ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ: « "مَن كُسِرَ أوْ عُرِجَ فَقَدْ حَلَّ"، » أيْ: جازَ لَهُ أنْ يَحِلَّ « "وَعَلَيْهِ الحَجُّ مِن قابِلٍ". » وعِنْدَ الشافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-: الإحْصارُ بِالعَدُوِّ وحْدَهُ. وظاهِرُ النَصِّ يَدُلُّ عَلى أنَّ (p-١٦٨)الإحْصارَ يَتَحَقَّقُ في العُمْرَةِ أيْضًا، لِأنَّهُ ذَكَرَ عَقِبَهُما.

﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ فَما تَيَسَّرَ مِنهُ، يُقالُ: يَسُرَ الأمْرُ واسْتَيْسَرَ، كَما يُقالُ: صَعُبَ واسْتَصْعَبَ. والهَدْيُ: جَمْعُ هَدِيَّةٍ، يَعْنِي: فَإنْ مُنِعْتُمْ مِنَ المُضِيِّ إلى البَيْتِ، وأنْتُمْ مُحْرِمُونَ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، فَعَلَيْكم إذا أرَدْتُمُ التَحَلُّلَ ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ مِن بَعِيرٍ أوْ بَقَرَةٍ أوْ شاةٍ، "فَما" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، أيْ: فَعَلَيْكم ما اسْتَيْسَرَ، أوْ نَصْبٌّ، أيْ: فاهْدُوا ما اسْتَيْسَرَ،

﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ الخِطابُ لِلْمُحْصَرِينَ، أيْ: لا تَحِلُّوا بِحَلْقِ الرَأْسِ حَتّى تَعْلَمُوا أنَّ الهَدْيَ الَّذِي بَعَثْتُمُوهُ إلى الحَرَمِ بَلَغَ مَحِلَّهُ، أيْ: مَكانَهُ الَّذِي يَجِبُ نَحْرُهُ فِيهِ، وهو الحَرَمُ. وهو حُجَّةٌ لَنا -فِي أنَّ دَمَ الإحْصارِ لا يُذْبَحُ إلّا فى الحَرَمِ- عَلى الشافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- إذْ عِنْدَهُ يَجُوزُ في غَيْرِ الحَرَمِ.

﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ فَمَن كانَ مِنكم بِهِ مَرَضٌ يُحْوِجُهُ إلى الحَلْقِ،

﴿أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ﴾ وهو القُمَّلُ، أوِ الجِراحَةُ،

﴿فَفِدْيَةٌ﴾ فِعْلَيْهِ إذا حَلَقَ فَدِيَةٌ ﴿مِن صِيامٍ﴾ ثَلاثَةُ أيّامٍ ﴿أوْ صَدَقَةٍ﴾ عَلى سِتَّةِ مَساكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ،

﴿أوْ نُسُكٍ﴾ شاةٌ. وهو مَصْدَرٌ، أوْ جَمْعُ نَسِيكَةٍ.

﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ الإحْصارَ، أيْ: فَإذا لَمْ تُحْصَرُوا، وكُنْتُمْ في حالِ أمْنٍ وسَعَةٍ ﴿فَمَن تَمَتَّعَ﴾ اسْتَمْتَعَ ﴿بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ﴾ واسْتِمْتاعُهُ بِالعُمْرَةِ إلى وقْتِ الحَجِّ انْتِفاعُهُ بِالتَقَرُّبِ بِها إلى اللهِ قَبْلَ انْتِفاعِهِ بِالتَقَرُّبِ بِالحَجِّ، وقِيلَ: إذا حَلَّ مِن عُمْرَتِهِ انْتَفَعَ بِاسْتِباحَةِ ما كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ إلى أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ،

﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ هو هَدْيُ المُتْعَةِ، وهو نُسُكٌ يُؤْكَلُ مِنهُ، ويُذْبَحُ يَوْمَ النَحْرِ،

﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ الهَدْيَ،

﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ﴾ فِعْلَيْهِ صِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في وقْتِ الحَجِّ -وَهُوَ أشْهَرُهُ- ما بَيْنَ الإحْرامَيْنِ: إحْرامِ العُمْرَةِ، وإحْرامِ الحَجِّ.

﴿وَسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ﴾ إذا نَفَرْتُمْ وفَرَغْتُمْ مِن أفْعالِ الحَجِّ ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ في وُقُوعِها بَدَلًا عَنِ الهَدْيِ، أوْ في الثَوابِ، أوِ المُرادُ: رَفْعُ الإبْهامَ فَلا يُتَوَهَّمُ في الواوِ أنَّها بِمَعْنى الإباحَةِ، كَما في جالِسِ الحَسَنَ وابْنَ سَيْرَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ جالَسَهُما، أوْ واحِدًا مِنهُما، كانَ مُمْتَثِلًا.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى التَمَتُّعِ، إذْ لا تَمَتُّعَ (p-١٦٩)وَلا قِرانَ لِحاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ عِنْدَنا. وعِنْدَ الشافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- إلى الحُكْمِ الَّذِي هو وُجُوبُ الهَدْيِ، أوِ الصِيامِ، ولَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِمْ شَيْئًا،

﴿لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ هم أهْلُ المَواقِيتِ، فَمَن دُونَها إلى مَكَّةَ،

﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ فِيما أمَرَكم بِهِ، ونَهاكم عَنْهُ في الحَجِّ وغَيْرِهِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ لِمَن لَمْ يَتَّقِهِ.

2:197Page 31

ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٧

Ḥajj is [during] well-known months,1 so whoever has made ḥajj obligatory upon himself therein [by entering the state of iḥrām], there is [to be for him] no sexual relations and no disobedience and no disputing during ḥajj. And whatever good you do - Allāh knows it. And take provisions, but indeed, the best provision is fear of Allāh. And fear Me, O you of understanding.

﴿الحَجُّ﴾ أيْ: وقْتُ الحَجِّ، كَقَوْلِكَ: البَرْدُ شَهْرانِ،

﴿أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ مَعْرُوفاتٌ عِنْدَ الناسِ، لا يُشْكِلْنَ عَلَيْهِمْ، وهى شَوّالٌ، وذُو القَعْدَةِ، وعَشَرُ ذِي الحِجَّةِ. وفائِدَةُ تَوْقِيتِ الحَجِّ بِهَذِهِ الأشْهَرِ أنَّ شَيْئًا مِن أفْعالِ الحَجِّ لا يَصِحُّ إلّا فِيها، وكَذا الإحْرامُ عِنْدَ الشافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- وعِنْدَنا وإنِ انْعَقَدَ لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ، وجُمِعَتْ -أيِ الأشْهُرِ- لِبَعْضِ الثالِثِ، أوْ لِأنَّ اسْمَ الجَمْعِ يَشْتَرِكُ فِيهِ ما وراءَ الواحِدِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التَحْرِيمُ: ٤] ﴿فَمَن فَرَضَ﴾ ألْزَمَهُ عَلى نَفْسِهِ بِالإحْرامِ ﴿فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ في هَذِهِ الأشْهُرِ ﴿فَلا رَفَثَ﴾ هو الجِماعُ، أوْ ذِكْرُهُ عِنْدَ النِساءِ، أوِ الكِلامُ الفاحِشُ،

﴿وَلا فُسُوقَ﴾ هو المَعاصِي، أوِ السِبابُ، لِقَوْلِهِ ﷺ: « "سِبابُ المُؤْمِنِ فُسُوقٌ"، » أوِ التَنابُزُ بِالألْقابِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ﴾ [الحُجُراتُ: ١١].

﴿وَلا جِدالَ في الحَجِّ﴾ ولا مِراءَ مَعَ الرُفَقاءِ، والخَدَمِ، والمُكارِينَ. وإنَّما أمَرَ بِاجْتِنابِ ذَلِكَ، وهو واجِبُ الِاجْتِنابِ في كُلِّ حالٍ، لِأنَّهُ مَعَ الحَجِّ أسْمَجُ، كَلُبْسِ الحَرِيرِ في الصَلاةِ، والتَطْرِيبِ في قِراءَةِ القُرْآنِ، والمُرادُ بِالنَفْيِ وُجُوبُ انْتِفائِها، وأنَّها حَقِيقَةٌ بِألّا تَكُونَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ومَكِّيٌّ (الَأوَّلَيْنِ) بِالرَفْعِ، فَحَمَلاهُما عَلى مَعْنى النَهْيِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلا يَكُونَنَّ رَفَثٌ ولا فُسُوقٌ، والثالِثَ: بِالنَصْبِ، عَلى مَعْنى الإخْبارِ بِانْتِفاءِ الجِدالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولا شَكَّ ولا خِلافَ في الحَجِّ، ثُمَّ حَثَّ عَلى الخَيْرِ (p-١٧٠)عَقِيبَ النَهْيِ عَنِ الشَرِّ، وأنْ يَسْتَعْمِلُوا مَكانَ القَبِيحِ مِنَ الكَلامِ الحَسَنَ، ومَكانَ الفُسُوقِ البِرَّ والتَقْوى، ومَكانَ الجِدالِ الوِفاقَ والأخْلاقَ الجَمِيلَةَ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ﴾ واعْلَمْ بِأنَّهُ عالِمٌ بِهِ يُجازِيكم عَلَيْهِ، ورَدَّ قَوْلَ مَن نَفى عِلْمَهُ بِالجُزْئِيّاتِ، كانَ أهْلُ اليَمَنِ لا يَتَزَوَّدُونَ، ويَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَوَكِّلُونَ، فَيَكُونُونَ كَلًّا عَلى الناسِ، فَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ أيْ: تَزَوَّدُوا، واتَّقُوا الِاسْتِطْعامَ وإبْرامَ الناسِ والتَثْقِيلَ عَلَيْهِمْ.

﴿فَإنَّ خَيْرَ الزادِ التَقْوى﴾ أيِ:الِاتِّقاءُ عَنِ الإبْرامِ والتَثْقِيلِ عَلَيْهِمْ، أوْ تَزَوَّدُوا لِلْمَعادِ بِاتِّقاءِ المَحْظُوراتِ، فَإنَّ خَيْرَ الزادِ اتِّقاؤُها﴿واتَّقُونِ﴾ وخافُوا عِقابِي، وهو مِثْلُ: دَعانِ.

﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾ يا ذَوِي العُقُولِ، يَعْنِي: أنَّ قَضِيَّةَ اللُبِّ تَقْوى اللهِ، ومَن لَمْ يَتَّقِهِ مِنَ الألِبّاءِ فَكَأنَّهُ لا لُبَّ لَهُ.

2:198Page 31

لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَآ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتٖ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ ١٩٨

There is no blame upon you for seeking bounty1 from your Lord [during ḥajj]. But when you depart from ʿArafāt, remember Allāh at al-Mashʿar al-Ḥarām.2 And remember Him, as He has guided you, for indeed, you were before that among those astray.

وَنَزَلَ في قَوْمٍ زَعَمُوا: أنْ لا حَجَّ لِجَمّالٍ وتاجِرٍ، وقالُوا: هَؤُلاءِ الداجُّ ولَيْسُوا بِالحاجِّ.

﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا﴾ في أنْ تَبْتَغُوا في مَواسِمِ الحَجِّ ﴿فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ عَطاءً وتَفْضِيلًا، وهو النَفْعُ والرِبْحُ بِالتِجارَةِ والكِراءِ.

﴿فَإذا أفَضْتُمْ﴾ دَفَعْتُمْ بِكَثْرَةٍ، مِن إفاضَةِ الماءِ، وهو صَبُّهُ بِكَثْرَةٍ، وأصْلُهُ: أفَضْتُمْ أنْفُسَكُمْ، فَتَرَكَ ذِكْرَ المَفْعُولِ ﴿مِن عَرَفاتٍ﴾ هي عَلَمٌ لِلْمَوْقِفِ سُمِّي بِجَمْعٍ كَأذْرِعاتٍ، وإنَّما صُرِفَتْ، لِأنَّ التاءَ فِيها لَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ، بَلْ هي مَعَ الألْفِ قَبْلَها عَلامَةُ جَمْعِ المُؤَنَّثِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأنَّها وُصِفَتْ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَمّا رَآها عَرَفَها، وقِيلَ: التَقى فِيها آدَمُ وحَوّاءُ فَتَعارَفا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، لِأنَّ الإفاضَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَهُ.

﴿فاذْكُرُوا اللهَ﴾ بِالتَلْبِيَةِ، والتَهْلِيلِ، والتَكْبِيرِ، والثَناءِ، والدَعَواتِ، أوْ (p-١٧١)بِصَلاةِ المَغْرِبِ والعَشاءِ ﴿عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ هو قُزَحُ، وهو الجَبَلُ الَّذِي يَقِفُ عَلَيْهِ الإمامُ وعَلَيْهِ المِيقَدَةُ، والمَشْعَرُ: المَعْلَمُ، لِأنَّهُ مَعْلَمُ العِبادَةِ، ووُصِفَ بِالحَرامِ لِحُرْمَتِهِ، وقِيلَ: المَشْعَرُ الحَرامُ: المُزْدَلِفَةِ، وسُمِّيَتِ المُزْدَلِفَةَ وجَمْعًا، لِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ اجْتَمِعْ فِيها مَعَ حَوّاءَ وازْدَلَفْ إلَيْها، أيْ: دَنا مِنها، أوْ لِأنَّهُ يَجْمَعُ فِيها بَيْنَ الصَلاتَيْنِ، أوْ لِأنَّ الناسَ يَزْدَلِفُونَ إلى اللهِ تَعالى، أيْ: يَتَقَرَّبُونَ بِالوُقُوفِ فِيها.

﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ كافَّةٌ، أيِ:اذْكُرُوهُ ذِكْرًا حَسَنًا، كَما هَداكم هِدايَةً حَسَنَةً، أوِ اذْكُرُوهُ كَما عَلَّمَكم كَيْفَ تَذْكُرُونَهُ، ولا تَعْدِلُوا عَنْهُ ﴿وَإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ﴾ مِن قَبْلِ الهُدى ﴿لَمِنَ الضالِّينَ﴾ الجاهِلِينَ، لا تَعْرِفُونَ كَيْفَ تَذْكُرُونَهُ وتَعْبُدُونَهُ، وإنَّ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ فارِقَةٌ.

2:199Page 31

ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٩٩

Then depart from the place from where [all] the people depart and ask forgiveness of Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ الناسُ﴾ ثُمَّ لْتَكُنْ إفاضَتُكم ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ الناسُ﴾ ولا تَكُنْ مِنَ المُزْدَلِفَةِ، قالُوا: هَذا أمْرٌ لِقُرَيْشٍ بِالإفاضَةِ مِن عَرَفاتٍ إلى جَمْعٍ، وكانُوا يَقِفُونَ بِجَمْعٍ وسائِرُ الناسِ بِعَرَفاتٍ، ويَقُولُونَ: نَحْنُ قُطّانِ حَرَمِهِ فَلا نَخْرُجُ مِنهُ، وقِيلَ: الإفاضَةُ مِن عَرَفاتٍ مَذْكُورَةٌ، فَهي الإفاضَةُ مِن جَمْعٍ إلى مِنًى، والمُرادُ بِالناسِ عَلى هَذا: الحُمْسُ، ويَكُونُ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ.

﴿واسْتَغْفِرُوا اللهَ﴾ مِن مُخالَفَتِكم في المَوْقِفِ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِن جاهِلِيَّتِكُمْ، أوْ مِن تَقْصِيرِكم في أعْمالِ الحَجِّ ﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بِكم.

2:200Page 31

فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ ٢٠٠

And when you have completed your rites, remember Allāh like your [previous] remembrance of your fathers or with [much] greater remembrance. And among the people is he who says, "Our Lord, give us in this world," and he will have in the Hereafter no share.

﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ فَإذا فَرَغْتُمْ مِن عِباداتِكُمُ الَّتِي أُمِرْتُمْ (p-١٧٢)بِها في الحَجِّ، ونَفَرْتُمْ ﴿فاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ أيْ: فاذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا مِثْلَ ذَكَرِكم آباءَكُمْ، والمَعْنى: فَأكْثِرُوا مِن ذِكْرِ اللهِ، وبالِغُوا فِيهِ، كَما تَفْعَلُونَ فى ذِكْرِ آبائِكُمْ، ومَفاخِرِهِمْ، وأيّامِهِمْ. وكانُوا إذا قَضَوْا مَناسِكَهم وقَفُوا بَيْنَ المَسْجِدِ بِمِنًى وبَيْنَ الجَبَلِ فَيُعَدِّدُونَ فَضائِلَ آبائِهِمْ، ويَذْكُرُونَ مَحاسِنَ أيّامِهِمْ.

﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ أيْ: أكْثَرَ. وهو في مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفٌ عَلى [ما أُضِيفَ إلَيْهِ] الذِكْرُ في قَوْلِهِ: ﴿كَذِكْرِكُمْ﴾ كَما تَقُولُ: كَذِكْرِ قُرَيْشٍ آباءَهُمْ، أوْ قَوْمٍ أشَدَّ مِنهم ذِكْرًا. و ﴿ذِكْرًا﴾ تَمْيِيزٌ.

﴿فَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ﴾ فَمِنَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ الحَجَّ مَن يَسْألُ اللهَ حُظُوظَ الدُنْيا فَيَقُولُ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُنْيا﴾ اجْعَلْ إتْيانَنا، أيْ: إعْطاءَنا في الدُنْيا خاصَّةً، يَعْنِي: الجاهَ والغِنى.

﴿وَما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ نَصِيبٍ، لِأنَّ هَمَّهُ مَقْصُورٌ عَلى الدُنْيا لِكُفْرِهِ بِالآخِرَةِ. والمَعْنى: أكْثَرُوا ذِكْرَ اللهِ ودُعاءَهُ، لِأنَّ الناسَ مِن بَيْنِ مُقِلٍّ لا يَطْلُبُ بِذِكْرِ اللهِ إلّا أغْراضَ الدُنْيا، ومُكْثِرٍ يَطْلُبُ خَيْرَ الدارَيْنِ، فَكُونُوا مِنَ المُكْثِرِينَ، أيْ: مِنَ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ:

2:201Page 31

وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ٢٠١

But among them is he who says, "Our Lord, give us in this world [that which is] good and in the Hereafter [that which is] good and protect us from the punishment of the Fire."

﴿وَمِنهُمْ﴾ ومِنَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ الحَجَّ ﴿مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُنْيا حَسَنَةً﴾ نِعْمَةً وعافِيَةً، أوْ عِلْمًا وعِبادَةً.

﴿وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ عَفْوًا ومَغْفِرَةً، أوِ المالَ والجَنَّةَ، أوْ ثَناءَ الخَلْقِ ورِضا الحَقِّ، أوِ الإيمانَ والأمانَ، أوِ الإخْلاصَ والخَلاصَ، أوِ السُنَّةَ والجَنَّةَ، أوِ القَناعَةَ والشَفاعَةَ، أوِ المَرْأةَ الصالِحَةَ والحُورَ العِينَ، أوِ العَيْشَ عَلى سَعادَةٍ والبَعْثَ مِنَ القُبُورِ عَلى بِشارَةٍ.

﴿وَقِنا عَذابَ النارِ﴾ احْفَظْنا مِن عَذابِ جَهَنَّمَ، أوْ عَذابِ النارِ: امْرَأةُ السُوءِ.

(p-١٧٣)

2:202Page 31

أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّمَّا كَسَبُواْۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٢٠٢

Those will have a share of what they have earned, and Allāh is swift in account.

﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ:الداعُونَ بِالحَسَنَتَيْنِ ﴿لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ مِن جِنْسِ ما كَسَبُوا مِنَ الأعْمالِ الحَسَنَةِ، وهو الثَوابُ الَّذِي هو المَنافِعُ الحَسَنَةُ، أوْ مِن أجْلِ ما كَسَبُوا، أوْ سَمّى الدُعاءَ كَسْبًا، لِأنَّهُ مِنَ الأعْمالِ، والأعْمالُ مَوْصُوفَةٌ بِالكَسْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أُولَئِكَ﴾ لِلْفَرِيقَيْنِ، وأنَّ لِكُلِّ فَرِيقٍ نَصِيبًا مِن جِنْسِ ما كَسَبُوا.

﴿واللهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ يُوشِكُ أنْ يُقِيمَ القِيامَةَ ويُحاسِبَ العِبادَ، فَبادِرُوا إكْثارَ الذِكْرِ، وطَلَبَ الآخِرَةِ، أوْ وصَفَ نَفْسِهِ بِسُرْعَةِ حِسابِ الخَلائِقِ عَلى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، وكَثْرَةِ أعْمالِهِمْ، لِيَدُلَّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، ووُجُوبِ الحَذَرِ مِن نَفْسِهِ. ورُوِيَ أنَّهُ يُحاسِبُ الخَلْقَ في قَدْرِ حَلْبِ شاةٍ، ورُوِيَ في مِقْدارِ لَمْحَةٍ.

2:203Page 32

۞ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوۡمَيۡنِ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۖ لِمَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٠٣

And remember Allāh during [specific] numbered days. Then whoever hastens [his departure] in two days - there is no sin upon him; and whoever delays [until the third] - there is no sin upon him - for him who fears Allāh. And fear Allāh and know that unto Him you will be gathered.

﴿واذْكُرُوا اللهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ هي أيّامُ التَشْرِيقِ. وذِكْرُ اللهِ فِيها التَكْبِيرُ في أدْبارِ الصَلَواتِ وعِنْدَ الجِمارِ.

﴿فَمَن تَعَجَّلَ﴾ فَمَن عَجَّلَ فى الفَرِّ، أوِ اسْتَعْجَلَ النَفْرَ، وتَعَجَّلَ واسْتَعْجَلَ يَجِيئانِ مُطاوِعَيْنِ بِمَعْنى عَجَّلَ، يُقالُ: تَعَجَّلَ في الأمْرِ واسْتَعْجَلَ، ومُتَعَدِّيَيْنِ، يُقالُ: تَعَجَّلَ لِلذَّهابِ واسْتَعْجَلَهُ، والمُطاوَعَةُ أوْفَقُ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن تَأخَّرَ﴾ ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ مِن هَذِهِ الأيّامِ الثَلاثَةِ، فَلَمْ يَمْكُثْ حَتّى يَرْمِيَ في اليَوْمِ الثالِثِ، واكْتَفى بِرَمْيِ الجِمارِ في يَوْمَيْنِ مِن هَذِهِ الأيّامِ الثَلاثَةِ فَلَمْ يَمْكُثْ حَتّى يَرْمِيَ في اليَوْمِ الثالِثِ، واكْتَفى بِرَمْيِ الجِمارِ في يَوْمَيْنِ مِن هَذِهِ الأيّامِ الثَلاثَةِ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ فَلا يَأْثَمُ بِهَذا التَعْجِيلِ ﴿وَمَن تَأخَّرَ﴾ حَتّى رَمى في اليَوْمِ الثالِثِ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى﴾ الصَيْدَ، أوِ الرَفَثَ والفُسُوقَ، أيْ: هو مُخَيَّرٌ فى التَعْجِيلِ والتَأخُّرِ، وإنْ كانَ التَأخُّرُ أفْضَلَ، فَقَدْ يَقَعُ التَخْيِيرُ بَيْنَ الفاضِلِ والأفْضَلِ، كَما خَيَّرَ المُسافِرَ بَيْنَ الصَوْمِ والإفْطارِ، وإنْ كانَ الصَوْمُ أفْضَلَ، وقِيلَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ فَرِيقَيْنِ: مِنهم مَن جَعَلَ المُتَعَجِّلَ آثِمًا، ومِنهم مَن جَعَلَ المُتَأخِّرَ آثِمًا، فَوَرَدَ القُرْآنُ بِنَفْيِ المَأْثَمِ عَنْهُما.

﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ في جَمِيعِ الأُمُورِ ﴿واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ حِينَ يَبْعَثُكم مِنَ القُبُورِ.

(p-١٧٤)

2:204Page 32

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ ٢٠٤

And of the people is he whose speech pleases you in worldly life, and he calls Allāh to witness as to what is in his heart, yet he is the fiercest of opponents.

كانَ الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ حُلْوَ المَنطِقِ، إذا لَقِيَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ألانَ لَهُ القَوْلَ، وادَّعى أنَّهُ يُحِبُّهُ، وأنَّهُ مُسْلِمٌ، وقالَ: يَعْلَمُ اللهُ أنِّي صادِقٌ، فَنَزَلَ فِيهِ ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ يَرُوقُكَ، ويَعْظُمُ في قَلْبِكَ، ومِنهُ الشَيْءُ العَجِيبُ، الَّذِي يُعَظَّمُ في النَفْسِ.

﴿فِي الحَياةِ الدُنْيا﴾ "فِي" يَتَعَلَّقُ بِالقَوْلِ، أيْ: يُعْجِبُكَ ما يَقُولُهُ في مَعْنى الدُنْيا، لِأنَّهُ يَطْلُبُ بِادِّعاءِ المَحَبَّةِ حَظَّ الدُنْيا، ولا يُرِيدُ بِهِ الآخِرَةَ، أوْ بِيُعْجِبُكَ، أيْ: يُعْجِبُكَ حُلْوُ كَلامِهِ في الدُنْيا لا في الآخِرَةِ، لِما يَرْهَقُهُ في المَوْقِفِ مِنَ الحَبْسَةِ واللُكْنَةِ.

﴿وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ أيْ: يَحْلِفُ ويَقُولُ: اللهُ شاهِدٌ عَلى ما في قَلْبِي مِن مَحَبَّتِكَ ومِنَ الإسْلامِ.

﴿وَهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ شَدِيدُ الجِدالِ والعَداوَةِ لِلْمُسْلِمِينَ. والخِصامُ: المُخاصَمَةُ. والإضافَةُ بِمَعْنى فِي، لِأنَّ أفْعَلَ يُضافُ إلى ما هو بَعْضُهُ، تَقُولُ: زَيْدٌ أفْضَلُ القَوْمِ، ولا يَكُونُ الشَخْصُ بَعْضَ الحَدَثِ، فَتَقْدِيرُهُ: ألَدُّ في الخُصُومَةِ، أوِ الخِصامُ جَمْعُ خَصْمٍ، كَصَعْبٍ وصِعابٍ، والتَقْدِيرُ: وهو أشَدُّ الخُصُومِ خُصُومَةً.

2:205Page 32

وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ ٢٠٥

And when he goes away, he strives throughout the land to cause corruption therein and destroy crops and animals. And Allāh does not like corruption.

﴿وَإذا تَوَلّى﴾ عَنْكَ، وذَهَبَ بَعْدَ إلانَةِ القَوْلِ، وإحْلاءِ المَنطِقِ،

﴿سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ كَما فَعَلَ بِثَقِيفٍ، فَإنَّهُ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم خُصُومَةٌ، فَبَيَّتَهم لَيْلًا، وأهْلَكَ مَواشِيَهُمْ، وأحْرَقَ زُرُوعَهم.

﴿فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَسْلَ﴾ أيِ:الزَرْعَ، والحَيَوانَ. أوْ إذا كانَ والِيًا فَعَلَ ما يَفْعَلُهُ وُلاةُ السُوءِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ، بِإهْلاكِ الحَرْثِ والنَسْلِ. وقِيلَ: يُظْهِرُ الظُلْمَ حَتّى يَمْنَعَ اللهُ بِشُؤْمِ ظُلْمِهِ القَطْرَ، فَيَهْلَكُ الحَرْثُ، والنَسْلُ ﴿واللهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾

2:206Page 32

وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ فَحَسۡبُهُۥ جَهَنَّمُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ٢٠٦

And when it is said to him, "Fear Allāh," pride in the sin takes hold of him. Sufficient for him is Hellfire, and how wretched is the resting place.

﴿وَإذا قِيلَ لَهُ﴾ لِلْأخْنَسِ ﴿اتَّقِ اللهَ﴾ في الإفْسادِ، والإهْلاكِ ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ حَمَلَتْهُ النَخْوَةُ وحَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ عَلى الإثْمِ، الَّذِي يَنْهى عَنْهُ، وألْزَمَتْهُ ارْتِكابَهُ، أوِ الباءُ لِلسَّبَبِ، أيْ: أخَذَتْهُ العِزَّةُ مِن أجْلِ الإثْمِ الَّذِي في (p-١٧٥)قَلْبِهِ، وهو الكُفْرُ ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ أيْ: كافِيهِ ﴿وَلَبِئْسَ المِهادُ﴾ أيِ:الفِراشُ جَهَنَّمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском