An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:207–222
2:207Page 32
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠٧
And of the people is he who sells himself, seeking means to the approval of Allāh. And Allāh is Kind to [His] servants.
وَنَزَلَ في صُهَيْبٍ حِينَ أرادَهُ المُشْرِكُونَ عَلى تَرْكِ الإسْلامِ، وقَتَلُوا نَفَرًا كانُوا مَعَهُ، فاشْتَرى نَفْسَهُ بِما لَهُ مِنهُمْ، وأتى المَدِينَةَ، أوْ فِيمَن يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ حَتّى يُقْتَلَ ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ يَبِيعُها لِـ ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ حَيْثُ أثابَهم عَلى ذَلِكَ.
2:208Page 32
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٢٠٨
O you who have believed, enter into Islām completely [and perfectly] and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِلْمِ﴾ وبِفَتْحِ السِينِ، حِجازِيٌّ وعَلِيٌّ. وهو الِاسْتِسْلامُ والطاعَةُ، أيِ:اسْتَسْلِمُوا لِلَّهِ: وأطِيعُوهُ: أوِ الإسْلامُ. والخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ، لِأنَّهم آمَنُوا بِنَبِيِّهِمْ وكِتابِهِمْ، أوْ لِلْمُنافِقِينَ، لِأنَّهم آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ،
﴿كافَّةً﴾ لا يُخْرِجُ أحَدٌ مِنكم يَدَهُ عَنْ طاعَتِهِ، حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في ادْخُلُوا، أيْ: جَمِيعًا، أوْ مِنَ السِلْمِ، لِأنَّها تُؤَنِّثُ، كَأنَّهم أُمِرُوا أنْ يَدْخُلُوا في الطاعاتِ كُلِّها، أوْ في شُعَبِ الإسْلامِ وشَرائِعِهِ كُلِّها، وكافَّةٌ مِنَ الكَفِّ، كَأنَّهم كَفُّوا أنْ يَخْرُجَ مِنهم أحَدٌ بِاجْتِماعِهِمْ ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ﴾ وساوِسَهُ ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهِرُ العَداوَةِ.
2:209Page 32
فَإِن زَلَلۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡكُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٠٩
But if you slip [i.e., deviate] after clear proofs have come to you, then know that Allāh is Exalted in Might and Wise.
﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ مِلْتُمْ عَنِ الدُخُولِ في السِلْمِ،
﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ:الحُجَجُ الواضِحَةُ، والشَواهِدُ اللائِحَةُ عَلى ما دُعِيتُمْ إلى الدُخُولِ فِيهِ هو الحَقُّ ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ، لا يَمْنَعُهُ شَيْءٌ مِن عَذابِكُمْ،
﴿حَكِيمٌ﴾ لا يُعَذِّبُ إلّا بِحَقٍّ. ورُوِيَ أنَّ قارِئًا قَرَأ (غَفُورٌ رَحِيمٌ) فَسَمِعَهُ (p-١٧٦)أعْرابِيٌّ لَمْ يَقْرَأِ القُرْآنَ فَأنْكَرَهُ، وقالَ: لَيْسَ هَذا مِن كَلامِ اللهِ إذِ الحَكِيمُ لا يَذْكُرُ الغُفْرانَ عِنْدَ الزَلَلِ والعِصْيانِ، لِأنَّهُ إغْراءٌ عَلَيْهِ.
2:210Page 32
هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٢١٠
Do they await but that Allāh should come to them in covers of clouds and the angels [as well] and the matter is [then] decided? And to Allāh [all] matters are returned.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ ما يَنْتَظِرُونَ،
﴿إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ﴾ أيْ: أمْرُ اللهِ وبَأْسُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ [النَحْلُ: ٣٣] ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾ [الأعْرافُ: ٤] أوِ المَأْتِيُّ بِهِ مَحْذُوفٌ، بِمَعْنى: أنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ بِبَأْسِهِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ جَمْعُ ظُلَّةٍ، وهي ما أظَلَّكَ ﴿مِنَ الغَمامِ﴾ السَحابِ. وهو لِلتَّهْوِيلِ، إذِ الغَمامُ مَظِنَّةُ الرَحْمَةِ، فَإذا أنْزَلَ مِنهُ العَذابَ كانَ الأمْرُ أفْظَعَ وأهْوَلَ ﴿والمَلائِكَةُ﴾ أيْ: وتَأْتِي المَلائِكَةُ الَّذِينَ وُكِّلُوا بِتَعْذِيبِهِمْ، أوِ المُرادُ: حُضُورُهم يَوْمَ القِيامَةِ،
﴿وَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: وتَمَّ أمْرُ إهْلاكِهِمْ، وفُرِغَ مِنهُ.
﴿وَإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ أيْ: أنَّهُ مَلَّكَ العِبادَ بَعْضَ الأُمُورِ فَتَرْجِعُ إلَيْهِ الأُمُورُ يَوْمَ النُشُورِ، (تَرْجِعُ الأُمُورُ) حَيْثُ كانَ، شامِيٌّ، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ.
2:211Page 33
سَلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ كَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّنۡ ءَايَةِۭ بَيِّنَةٖۗ وَمَن يُبَدِّلۡ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢١١
Ask the Children of Israel how many a sign of evidence We have given them. And whoever exchanges the favor of Allāh [for disbelief] after it has come to him - then indeed, Allāh is severe in penalty.
﴿سَلْ﴾ أصْلُهُ: اسْألْ، فَنُقِلَتْ فَتْحَةُ الهَمْزَةِ إلى السِينِ بَعْدَ حَذْفِها، واسْتُغْنِيَ عَنْ هَمْزَةِ الوَصْلِ، فَصارَ: سَلْ. وهو أمْرٌ لِلرَّسُولِ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ، وهو سُؤالُ تَقْرِيعٍ، كَما يُسْألُ الكَفَرَةُ يَوْمَ القِيامَةِ،
﴿بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ عَلى أيْدِي أنْبِيائِهِمْ، وهي مُعْجِزاتُهُمْ، أوْ مِن آيَةٍ في الكُتُبِ شاهِدَةً عَلى صِحَّةِ دِينِ الإسْلامِ، وكَمِ اسْتِفْهامِيَّةٌ، أوْ خَبَرِيَّةٌ.
﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ﴾ هي آياتُهُ، وهي أجَلُّ نِعْمَةٍ مِنَ اللهِ، لِأنَّها أسْبابُ الهُدى والنَجاةِ مِنَ الضَلالَةِ. وتَبْدِيلُهم إيّاها أنَّ اللهَ أظْهَرَها لِتَكُونَ أسْبابَ هُداهُمْ، فَجَعَلُوها أسْبابَ ضَلالَتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التَوْبَةُ: ١٢٥]. أوْ وحَرَّفُوا آياتِ الكُتُبِ الدالَّةِ عَلى دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ﴾ مِن بَعْدِ ما عَرَفَها، وصَحَّتْ عِنْدَهُ، لِأنَّهُ إذا لَمْ يَعْرِفْها فَكَأنَّها غائِبَةٌ عَنْهُ ﴿فَإنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ لِمَنِ اسْتَحَقَّهُ.
2:212Page 33
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَيَسۡخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٢١٢
Beautified for those who disbelieve is the life of this world, and they ridicule those who believe. But those who fear Allāh are above them on the Day of Resurrection. And Allāh gives provision to whom He wills without account.
﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُنْيا﴾ المُزَيِّنُ هو الشَيْطانُ، زَيَّنَ لَهُمُ الدُنْيا، (p-١٧٧)وَحَسَّنَها في أعْيُنِهِمْ بِوَساوِسِهِ، وحَبَّبَها إلَيْهِمْ، فَلا يُرِيدُونَ غَيْرَها، أوِ اللهُ تَعالى بِخَلْقِ الشَهَواتِ فِيهِمْ، ولِأنَّ جَمِيعَ الكائِناتِ مِنهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُنْيا﴾.
﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كانُوا يَسْخَرُونَ مِن فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ كابْنِ مَسْعُودٍ، وعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، ونَحْوِهِمْ. أيْ: لا يُرِيدُونَ غَيْرَ الدُنْيا، وهم يَسْخَرُونَ مِمَّنْ لا حَظَّ لَهُ فِيها، أوْ مِمَّنْ يَطْلُبُ غَيْرَها،
﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ عَنِ الشِرْكِ، وهم هَؤُلاءِ الفُقَراءُ.
﴿فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ لِأنَّهم في جَنَّةٍ عالِيَةٍ، وهم في نارٍ هاوِيَةٍ،
﴿واللهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ بِغَيْرِ تَقْتِيرٍ، يَعْنِي: أنَّهُ يُوَسِّعُ عَلى مَن أرادَ التَوْسِعَةَ عَلَيْهِ، كَما وسَّعَ عَلى قارُونَ وغَيْرِهِ، وهَذِهِ التَوْسِعَةُ عَلَيْكم مِنَ اللهِ لِحِكْمَةٍ وهى اسْتِدْراجُكم بِالنِعْمَةِ، ولَوْ كانَتْ كَرامَةً لَكانَ المُؤْمِنُونَ أحَقَّ بِها مِنكم.
2:213Page 33
كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٍ ٢١٣
Mankind was [of] one religion [before their deviation]; then Allāh sent the prophets as bringers of good tidings and warners and sent down with them the Scripture in truth to judge between the people concerning that in which they differed. And none differed over it [i.e., the Scripture] except those who were given it - after the clear proofs came to them - out of jealous animosity among themselves. And Allāh guided those who believed to the truth concerning that over which they had differed, by His permission. And Allāh guides whom He wills to a straight path.
﴿كانَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مُتَّفِقِينَ عَلى دِينِ الإسْلامِ مِن آدَمَ إلى نُوحٍ عَلَيْهِما السَلامُ، أوْ هم نُوحٌ ومَن كانَ مَعَهُ في السَفِينَةِ، فاخْتَلَفُوا ﴿فَبَعَثَ اللهُ النَبِيِّينَ﴾ ويَدُلُّ عَلى حَذْفِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ وقِراءَةُ عَبْدِ اللهِ: (كانَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا)، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ الناسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا﴾ [يُونُسُ: ١٩] أوْ كانَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً كُفّارًا، فَبَعَثَ اللهُ النَبِيِّينَ فاخْتَلَفُوا عَلَيْهِمْ، والأوَّلُ الأوْجَهُ ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ بِالثَوابِ لِلْمُؤْمِنِينَ،
﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ بِالعِقابِ لِلْكافِرِينَ، وهُما حالانِ.
﴿وَأنْـزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ أيْ: مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم كِتابُهُ ﴿بِالحَقِّ﴾ بِتِبْيانِ الحَقِّ،
﴿لِيَحْكُمَ﴾ اللهُ، أوِ الكِتابُ، أوِ النَبِيُّ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ.
﴿بَيْنَ الناسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ في دِينِ الإسْلامِ، الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ بَعْدَ الِاتِّفاقِ،
﴿وَما اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ في الحَقِّ ﴿إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أيِ:الكِتابُ المُنَزَّلُ لِإزالَةِ الِاخْتِلافِ، أيِ:ازْدادُوا في الِاخْتِلافِ لَمّا أنْزَلَ (p-١٧٨)عَلَيْهِمُ الكِتابَ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ عَلى صِدْقِهِ ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: حَسَدًا بَيْنَهُمْ، وظُلْمًا لِحِرْصِهِمْ عَلى الدُنْيا، وقِلَّةَ إنْصافٍ مِنهم ﴿فَهَدى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ: فَهَدى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِلْحَقِّ، الَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ مَنِ اخْتَلَفَ فِيهِ،
﴿مِنَ الحَقِّ﴾ بَيانٌ لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴿بِإذْنِهِ﴾ بِعِلْمِهِ ﴿واللهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
2:214Page 33
أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ ٢١٤
Or do you think that you will enter Paradise while such [trial] has not yet come to you as came to those who passed on before you? They were touched by poverty and hardship and were shaken until [even their] messenger and those who believed with him said, "When is the help of Allāh?" Unquestionably, the help of Allāh is near.
﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ لا مُتَّصِلَةٌ، لِأنَّ شَرْطَها أنْ يَكُونَ قَبْلَها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، كَقَوْلِكَ: أعِنْدَكَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟ أيْ: أيُّهُما عِنْدَكَ؟ وجَوابُهُ: زَيْدٌ إنْ كانَ عِنْدَ زَيْدٍ، أوْ عَمْرٌو إنْ كانَ عِنْدَهُ عَمْرٌو. وأمّا "أمْ" المُنْقَطِعَةُ فَتَقَعُ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ وبَعْدَ الخَبَرِ، وتَكُونُ بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةِ، والتَقْدِيرُ: بَلْ أحَسِبْتُمْ، ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها لِلتَّقْرِيرِ، وإنْكارِ الحُسْبانِ واسْتِبْعادِهِ، ولَمّا ذَكَرَ ما كانَتْ عَلَيْهِ الأُمَمُ مِنَ الِاخْتِلافِ عَلى النَبِيِّينَ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّناتِ تَشْجِيعًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ عَلى الثَباتِ، والصَبْرِ مَعَ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ، وإنْكارِهِمْ لِآياتِهِ وعَداوَتِهِمْ لَهُ، قالَ لَهم عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ -الَّتِي هي أبْلَغُ-: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ ﴿أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكُمْ﴾ أيْ: ولَمْ يَأْتِكُمْ، وفي "لَمّا" مَعْنى التَوَقُّعِ، يَعْنِي: أنَّ إتْيانَ ذَلِكَ مُتَوَقَّعٌ مُنْتَظَرٌ،
﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ مَضَوْا، أيْ: حالُهُمُ الَّتِي هي مَثَلٌ في الشِدَّةِ ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ مِنَ النَبِيِّينَ والمُؤْمِنِينَ ﴿مَسَّتْهُمُ﴾ بَيانٌ لِلْمَثَلِ، وهو اسْتِئْنافٌ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: كَيْفَ كانَ ذَلِكَ المَثَلُ، فَقِيلَ: ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ﴾ أيِ:البُؤْسُ.
﴿والضَرّاءُ﴾ المَرَضُ، والجُوعُ.
﴿وَزُلْزِلُوا﴾ وحُرِّكُوا بِأنْواعِ البَلايا، وأُزْعِجُوا إزْعاجًا شَدِيدًا شَبِيهًا بِالزَلْزَلَةِ.
﴿حَتّى يَقُولَ الرَسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ إلى الغايَةِ الَّتِي قالَ الرَسُولُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِيها: ﴿مَتى نَصْرُ اللهِ﴾ أيْ: بَلَغَ بِهِمُ الضَجَرُ، ولَمْ يَبْقَ لَهم صَبْرٌ، حَتّى قالُوا ذَلِكَ. ومَعْناهُ: طَلَبُ النَصْرِ، وتَمَنِّيهِ، واسْتِطالَةُ زَمَنِ (p-١٧٩)الشِدَّةِ ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ قِيلَ لَهُمْ: إجابَةً لَهم إلى طَلَبِهِمْ مِن عاجِلِ النَصْرِ، (يَقُولُ) بِالرَفْعِ، نافِعٌ، عَلى حِكايَةِ حالٍ ماضِيَةٍ، نَحْوُ: شَرِبَتِ الإبِلُ حَتّى يَجِيءُ البَعِيرُ يَجُرُّ بَطْنَهُ، وغَيْرُهُ بِالنَصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ، ومَعْنى الِاسْتِقْبالِ، لِأنَّ أنْ عَلَمٌ لَهُ.
2:215Page 33
يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلۡ مَآ أَنفَقۡتُم مِّنۡ خَيۡرٖ فَلِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ ٢١٥
They ask you, [O Muḥammad], what they should spend. Say, "Whatever you spend of good is [to be] for parents and relatives and orphans and the needy and the traveler. And whatever you do of good - indeed, Allāh is Knowing of it."
وَلَمّا قالَ عَمْرُو بْنُ الجُمُوحِ، وهو شَيْخٌ كَبِيرٌ، ولَهُ مالٌ عَظِيمٌ: ماذا نُنْفِقُ مِن أمْوالِنا؟ وأيْنَ نَضَعُها؟ نَزَلَ ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَبِيلِ﴾ فَقَدْ تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾ بَيانَ ما يُنْفِقُونَهُ، وهو كُلُّ خَيْرٍ، وبُنِيَ الكَلامُ عَلى ما هو أهَمُّ، وهو بَيانُ المَصْرِفِ، لِأنَّ النَفَقَةَ لا يُعْتَدُّ بِها إلّا أنْ تَقَعَ مَوْقِعَها، عَنِ الحَسَنِ هي في التَطَوُّعِ ﴿وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فَيَجْزِي عَلَيْهِ.
2:216Page 34
كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٢١٦
Battle has been enjoined upon you while it is hateful to you. But perhaps you hate a thing and it is good for you; and perhaps you love a thing and it is bad for you. And Allāh knows, while you know not.
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ فَرَضَ عَلَيْكم جِهادَ الكُفّارِ ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ مِنَ الكَراهَةِ، فَوَضَعَ المَصْدَرَ مَوْضِعَ الوَصْفِ مُبالَغَةً كَقَوْلِها:
فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ
كَأنَّهُ فى نَفْسِهِ كَراهَةٌ، لِفَرْطِ كَراهِتِهِمْ لَهُ، أوْ هو فُعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالخُبْزِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ، أيْ: وهو مَكْرُوهٌ لَكُمْ،
﴿وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَأنْتُمْ تَكْرَهُونَ الغَزْوَ، وفِيهِ إحْدى الحُسْنَيَيْنِ: إمّا الظَفَرُ والغَنِيمَةُ، وإمّا الشَهادَةُ والجَنَّةُ.
﴿وَعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا﴾ وهو القُعُودُ عَنِ الغَزْوِ ﴿وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الذُلِّ، والفَقْرِ وحِرْمانِ الغَنِيمَةِ والأجْرِ.
﴿واللهُ يَعْلَمُ﴾ ما هو خَيْرٌ لَكم ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ، فَبادِرُوا إلى ما يَأْمُرُكم بِهِ وإنْ شَقَّ عَلَيْكم.
(p-١٨٠)
2:217Page 34
يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۚ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفۡرُۢ بِهِۦ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِخۡرَاجُ أَهۡلِهِۦ مِنۡهُ أَكۡبَرُ عِندَ ٱللَّهِۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢١٧
They ask you about the sacred month1 - about fighting therein. Say, "Fighting therein is great [sin], but averting [people] from the way of Allāh and disbelief in Him and [preventing access to] al-Masjid al-Ḥarām and the expulsion of its people therefrom are greater [evil] in the sight of Allāh. And fitnah2 is greater than killing." And they will continue to fight you until they turn you back from your religion if they are able. And whoever of you reverts from his religion [to disbelief] and dies while he is a disbeliever - for those, their deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
وَنَزَلَ فى سِرِيَّةٍ بَعَثَها رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقاتَلُوا المُشْرِكِينَ، وقَدْ أهَّلَ هِلالُ رَجَبٍ وهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: قَدِ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ الشَهْرَ الحَرامَ شَهْرًا يَأْمَنُ فِيهِ الخائِفُ،
﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَهْرِ الحَرامِ﴾ أيْ: يَسْألُكَ الكُفّارُ أوِ المُسْلِمُونَ عَنِ القِتالِ في الشَهْرِ الحَرامِ ﴿قِتالٍ فِيهِ﴾ بَدَلُ الِاشْتِمالِ مِنَ الشَهْرِ. وقُرِئَ: (عَنْ قِتالٍ فِيهِ) عَلى تَكْرِيرِ العامِلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [الأعْرافُ: ٧٥] ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ أيْ: إثْمٌ كَبِيرٌ،
﴿قِتالٍ﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿كَبِيرٌ﴾ خَبَرُهُ، وجازَ الِابْتِداءُ بِالنَكِرَةِ، لِأنَّها قَدْ وُصِفَتْ بِـ "فِيهِ". وأكْثَرُ الأقاوِيلِ عَلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التَوْبَةُ: ٥] ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أيْ: مَنعُ المُشْرِكِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وأصْحابَهُ عَنِ البَيْتِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ.
﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ أيْ: بِاللهِ، عَطْفٌ عَلَيْهِ ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ عَطْفٌ عَلى سَبِيلِ اللهِ، أيْ: وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وعَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ. وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الهاءِ في "بِهِ"، أيْ: كُفْرٌ بِهِ وبِالمَسْجِدِ الحَرامِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ العَطْفُ عَلى الضَمِيرِ المَجْرُورِ إلّا بِإعادَةِ الجارِّ، فَلا تَقُولُ: مَرَرْتُ بِهِ وزَيْدٍ، ولَكِنْ تَقُولُ: وبِزَيْدٍ، ولَوْ كانَ مَعْطُوفًا عَلى الهاءِ هُنا، لَقِيلَ: وكُفْرٌ بِهِ وبِالمَسْجِدِ الحَرامِ،
﴿وَإخْراجُ أهْلِهِ﴾ أيْ: أهْلِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وهم رَسُولُ اللهِ ﷺ والمُؤْمِنُونَ، وهو عَطْفٌ عَلَيْهِ ﴿صَدَّ﴾ أيْضًا ﴿مِنهُ﴾ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ. وخَبَرُ الأسْماءِ الثَلاثَةِ ﴿أكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ أيْ: مِمّا فَعَلَتْهُ السَرِيَّةُ مِنَ القِتالِ في الشَهْرِ الحَرامِ عَلى سَبِيلِ الخَطَأِ، والبِناءِ عَلى الظَنِّ،
﴿والفِتْنَةُ﴾ الإخْراجُ، أوِ الشِرْكُ.
﴿أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾ في الشَهْرِ الحَرامِ، أوْ تَعْذِيبُ الكُفّارِ المُسْلِمِينَ أشَدُّ قُبْحًا مِن قَتْلِ هَؤُلاءِ المُسْلِمِينَ في الشَهْرِ الحَرامِ،
﴿وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكم حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكُمْ﴾ أيْ: إلى الكُفْرِ، وهو إخْبارٌ (p-١٨١)عَنْ دَوامِ عَداوَةِ الكُفّارِ لِلْمُسْلِمِينَ، وأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ عَنْها حَتّى يَرُدُّوهم عَنْ دِينِهِمْ، وحَتّى مَعْناها التَعْلِيلُ، نَحْوُ: فُلانٌ يَعْبُدُ اللهَ حَتّى يَدْخُلَ الجَنَّةَ، أيْ: يُقاتِلُونَكم كَيْ يَرُدُّوكُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِ اسْتَطاعُوا﴾ اسْتِبْعادٌ لِاسْتِطاعَتِهِمْ، كَقَوْلِكَ لِعَدُوِّكَ: إنْ ظَفِرْتَ بِي فَلا تُبْقِ عَلَيَّ، وأنْتَ واثِقٌ بِأنَّهُ لا يَظْفَرُ بِكَ.
﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾ ومِن يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ إلى دِينِهِمْ.
﴿فَيَمُتْ وهو كافِرٌ﴾ أيْ: يَمُتْ عَلى الرِدَّةِ ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا والآخِرَةِ﴾ لِما يَفُوتُهم بِالرِدَّةِ مِمّا لِلْمُسْلِمِينَ في الدُنْيا مِن ثَمَراتِ الإسْلامِ، وفي الآخِرَةِ مِنَ الثَوابِ، وحُسْنِ المآب ﴿وَأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وبِها احْتَجَّ الشافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- عَلى أنَّ الرِدَّةَ لا تُحْبِطُ العَمَلَ حَتّى يَمُوتَ عَلَيْها، وقُلْنا: قَدْ عَلَّقَ الحَبَطَ بِنَفْسِ الرِدَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائِدَةُ: ٥] والأصْلُ عِنْدَنا: أنَّ المُطْلَقَ لا يُحْمَلُ عَلى المُقَيَّدِ، وعِنْدَهُ يُحْمَلُ عَلَيْهِ، فَهو بِناءٌ عَلى هَذا.
2:218Page 34
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ يَرۡجُونَ رَحۡمَتَ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢١٨
Indeed, those who have believed and those who have emigrated and fought in the cause of Allāh - those expect the mercy of Allāh. And Allāh is Forgiving and Merciful.
وَلَمّا قالَتِ السَرِيَّةُ: أيَكُونُ لَنا أجْرُ المُجاهِدِينَ فى سَبِيلِ اللهِ؟ نَزَلَ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ تَرَكُوا مَكَّةَ وعَشائِرَهُمْ،
﴿وَجاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾ المُشْرِكِينَ، ولا وقْفَ عَلَيْهِ، لِأنَّ ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ﴾ خَبَرُ إنَّ. قِيلَ: مَن رَجا طَلَبَ، ومَن خافَ هَرَبَ ﴿واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
2:219Page 34
۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلِ ٱلۡعَفۡوَۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ٢١٩
They ask you about wine1 and gambling. Say, "In them is great sin and [yet, some] benefit for people. But their sin is greater than their benefit." And they ask you what they should spend. Say, "The excess [beyond needs]." Thus Allāh makes clear to you the verses [of revelation] that you might give thought
نَزَلَ في الخَمْرِ أرْبَعُ آياتٍ، نَزَلَ بِمَكَّةَ: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا﴾ [النَحْلُ: ٦٧] فَكانَ المُسْلِمُونَ يَشْرَبُونَها وهي لَهم حَلالٌ، ثُمَّ «إنَّ عُمَرَ ونَفَرًا مِنَ الصَحابَةِ قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، أفْتِنا في الخَمْرِ فَإنَّها مُذْهِبَةٌ لِلْعَقْلِ، مُسْلِبَةٌ لِلْمالِ، فَنَزَلَ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ فَشَرِبَها قَوْمٌ، وتَرَكَها آخَرُونَ، ثُمَّ دَعا عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ جَماعَةً فَشَرِبُوا وسَكِرُوا، فَأمَّ بَعْضُهم فَقَرَأ: (قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ) فَنَزَلَ ﴿لا تَقْرَبُوا (p-١٨٢)الصَلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النِساءُ: ٤٣] فَقَلَّ مَن يَشْرَبُها، ثُمَّ دَعا عَتَبانُ بْنُ مالِكٍ جَماعَةً فَلَمّا سَكِرُوا مِنها تَخاصَمُوا وتَضارَبُوا، فَقالَ عُمَرُ: اللهُمَّ بَيِّنَ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، فَنَزَلَ ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائِدَةُ: ٩٠- ٩١] فَقالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنا يا رَبِّ، » وعَنْ عَلِيٍّ -رِضى اللهُ عَنْهُ-: لَوْ وقَعَتْ قَطْرَةٌ في بِئْرٍ فَبُنِيَتْ مَكانَها مَنارَةٌ لَمْ أُؤَذِّنْ عَلَيْها، ولَوْ وقَعَتْ في بَحْرٍ ثُمَّ جَفَّ ونَبَتَ فِيهِ الكَلَأُ لَمْ أرْعَهُ، والخَمْرُ: ما غُلِيَ واشْتَدَّ وقُذِفَ بِالزُبْدِ مِن عَصِيرِ العِنَبِ، وسُمِّيَتْ بِمَصْدَرِ خَمَرَهُ خَمْرًا إذا سَتَرَهُ، لِتَغْطِيَتِها العَقْلَ، والمَيْسِرُ: القِمارُ، مَصْدَرٌ مِن يَسَرَ، كالمَوْعِدِ مِن فِعْلِهِ، يُقالُ: يَسَرْتُهُ إذا قَمَرْتَهُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ اليُسْرِ، لِأنَّهُ أخْذُ مالِ الرَجُلِ بِيُسْرٍ وسُهُولَةٍ بِلا كَدٍّ وتَعَبٍ، أوْ مِنَ اليَسارِ كَأنَّهُ سَلَبَ يَسارَهُ، وصِفَةُ المَيْسِرِ: أنَّهُ كانَتْ لَهم عَشَرَةُ أقْداحٍ، سَبْعَةٌ مِنها عَلَيْها خُطُوطٌ، وهُوَ: الفَذُّ ولَهُ سَهْمٌ، والتَوْأمُ ولَهُ سَهْمانِ، والرَقِيبُ ولَهُ ثَلاثَةٌ، والحِلْسُ ولَهُ أرْبَعَةٌ، والنافِسُ ولَهُ خَمْسَةٌ، والمُسْبِلُ ولَهُ سِتَّةٌ، والمُعَلّى ولَهُ سَبْعَةٌ، وثَلاثَةٌ أغْفالٌ لا نَصِيبَ لَها وهِيَ: المَنِيحُ، والسَفِيحُ، والوَغْدُ، فَيَجْعَلُونَ الأقْداحَ في خَرِيطَةٍ، ويَضَعُونَها عَلى يَدِ عَدْلٍ، ثُمَّ يُجَلْجِلُها، ويُدْخِلُ يَدَهُ ويُخْرِجُ بِاسْمِ رَجُلٍ قَدَحًا قَدَحًا مِنها، فَمَن خَرَجَ لَهُ قَدَحٌ مِن ذَواتِ الأنْصِباءِ أخَذَ النَصِيبَ المَوْسُومَ بِهِ ذَلِكَ القَدَحُ، ومَن خَرَجَ لَهُ قَدَحٌ مِمّا لا نَصِيبَ لَهُ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا، وغُرِّمَ ثَمَنَ الجَزُورِ كُلِّهِ. وكانُوا يَدْفَعُونَ تِلْكَ الأنْصِباءَ إلى الفُقَراءِ، ولا يَأْكُلُونَ مِنها، ويَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ، ويَذُمُّونَ مَن لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ، وفي حُكْمِ المَيْسِرِ أنْواعُ القِمارِ مِنَ النَرْدِ والشِطْرَنْجِ وغَيْرِهِما. والمَعْنى: يَسْألُونَكَ عَمّا في تَعاطِيهِما بِدَلِيلِ: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ بِسَبَبِ التَخاصُمِ، والتَشاتُمِ، وقَوْلِ الفُحْشِ والزُورِ. (كَثِيرٌ) حَمْزَةُ وعَلِيٌّ.
﴿وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ بِالتِجارَةِ في الخَمْرِ، والتَلَذُّذِ بِشُرْبِها، وفى المَيْسِرِ بِارْتِفاقِ الفُقَراءِ، أوْ نَيْلِ المالِ بِلا كَدٍّ.
﴿وَإثْمُهُما﴾ وعِقابُ الإثْمِ في تَعاطِيهِما،
﴿أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ لِأنَّ أصْحابَ الشُرْبِ والقِمارِ يَقْتَرِفُونَ فِيهِما الآثامَ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ،
﴿وَيَسْألُونَكَ ماذا (p-١٨٣)يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ أيِ: الفَضْلَ، أيْ: أنْفِقُوا ما فَضَلَ عَنْ قَدَرِ الحاجَةِ، وكانَ التَصَدُّقُ بِالفَضْلِ في أوَّلِ الإسْلامِ فَرْضًا، فَإذا كانَ الرَجُلُ صاحِبَ زَرْعٍ أمْسَكَ قُوتَ سَنَةٍ وتَصَدَّقَ بِالفَضْلِ، وإذا كانَ صانِعًا أمْسَكَ قُوتَ يَوْمِهِ وتَصَدَّقَ بِالفَضْلِ، فَنُسِخَتْ بِآيَةِ الزَكاةِ. (العَفْوُ) أبُو عَمْرٍو. فَمَن نَصَبَهُ جَعَلَ ﴿ماذا﴾ اسْمًا واحِدًا فى مَوْضِعِ النَصْبِ بِـ ﴿يُنْفِقُونَ﴾ والتَقْدِيرُ: قُلْ يُنْفِقُونَ العَفْوَ، ومَن رَفَعَهُ جَعَلَ "ما" مُبْتَدَأً، وخَبَرَهُ "ذا" مَعَ صِلَتِهِ، فَذا بِمَعْنى الَّذِي، و﴿يُنْفِقُونَ﴾ صِلَتُهُ، أيْ: ما الَّذِي يُنْفِقُونَ؟ فَجاءَ الجَوابُ العَفْوَ، أيْ: هو العَفْوُ، فَإعْرابُ الجَوابِ كَإعْرابِ السُؤالِ، لِيُطابِقَ الجَوابُ السُؤالَ ﴿كَذَلِكَ﴾ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبِ نَعْتٍ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تَبْيِينًا مِثْلَ هَذا التَبْيِينِ.
﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾
2:220Page 35
فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡيَتَٰمَىٰۖ قُلۡ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ خَيۡرٞۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعۡنَتَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٢٠
To this world and the Hereafter. And they ask you about orphans. Say, "Improvement for them is best. And if you mix your affairs with theirs - they are your brothers. And Allāh knows the corrupter from the amender. And if Allāh had willed, He could have put you in difficulty. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise."
﴿فِي الدُنْيا﴾ أيْ: في أمْرِ الدُنْيا ﴿والآخِرَةِ﴾ و"فِي" يَتَعَلَّقُ بِـ " تَتَفَكَّرُونَ "، أيْ: تَتَفَكَّرُونَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالدارَيْنِ، فَتَأْخُذُونَ بِما هو أصْلَحُ لَكُمْ، أوْ تَتَفَكَّرُونَ في الدارَيْنِ فَتُؤْثِرُونَ أبْقاهُما، وأكْثَرَهُما مَنافِعَ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ " يُبَيِّنُ "، أيْ: يُبَيِّنُ لَكُمُ الآياتِ في أمْرِ الدارَيْنِ وفِيما يَتَعَلَّقُ بِهِما ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ «وَلَمّا نَزَلَ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [النِساءُ: ١٠] اعْتَزَلُوا اليَتامى، وتَرَكُوا مُخالَطَتَهُمْ، والقِيامَ بِأمْوالِهِمْ، وذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَزَلَ ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ » أيْ: مُداخَلَتُهم عَلى وجْهِ الإصْلاحِ لَهم ولِأمْوالِهِمْ خَيْرٌ مِن مُجانَبَتِهِمْ،
﴿وَإنْ تُخالِطُوهُمْ﴾ وتُعاشِرُوهُمْ، ولَمْ تُجانِبُوهم.
﴿فَإخْوانُكُمْ﴾ فَهم إخْوانِكم في الدِينِ، ومِن حَقِّ الأخِ أنْ يُخالِطَ أخاهُ.
﴿واللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ﴾ لِأمْوالِهِمْ ﴿مِنَ المُصْلِحِ﴾ لَها، فَيُجازِيهِ عَلى حَسَبِ مُداخَلَتِهِ، فاحْذَرُوهُ، ولا تَتَحَرَّوْا غَيْرَ الإصْلاحِ،
﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ﴾ إعْناتَكم (p-١٨٤)﴿لأعْنَتَكُمْ﴾ لَحَمَلَكم عَلى العَنَتِ، وهو المَشَقَّةُ، وأُحْرِجُكُمْ، فَلَمْ يُطْلِقْ لَكم مُداخَلَتَهُمْ،
﴿إنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ، يَقْدِرُ عَلى أنْ يُعْنِتَ عِبادَهُ، ويُحْرِجَهم ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يُكَلِّفُ إلّا وُسْعَهُمْ، وطاقَتَهم.
2:221Page 35
وَلَا تَنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤۡمِنَّۚ وَلَأَمَةٞ مُّؤۡمِنَةٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكَةٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡۗ وَلَا تُنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤۡمِنُواْۚ وَلَعَبۡدٞ مُّؤۡمِنٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكُمۡۗ أُوْلَٰٓئِكَ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ وَٱلۡمَغۡفِرَةِ بِإِذۡنِهِۦۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٢١
And do not marry polytheistic women until they believe.1 And a believing slave woman is better than a polytheist, even though she might please you. And do not marry polytheistic men [to your women] until they believe. And a believing slave is better than a polytheist, even though he might please you. Those invite [you] to the Fire, but Allāh invites to Paradise and to forgiveness, by His permission. And He makes clear His verses [i.e., ordinances] to the people that perhaps they may remember.
وَلَمّا «سَألَ مَرْثَدٌ النَبِيَّ ﷺ عَنْ أنْ يَتَزَوَّجَ عِناقَ وكانَتْ مُشْرِكَةً- نَزَلَ ﴿وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ » أيْ: لا تَتَزَوَّجُوهُنَّ، يُقالُ: نَكَحَ إذا تَزَوَّجَ، وأنْكَحَ غَيْرَهُ: زَوَّجَهُ.
﴿وَلأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾ ولَوْ كانَ الحالُ أنَّ المُشْرِكَةَ تُعْجِبُكم وتُحِبُّونَها ﴿وَلا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ﴾ ولا تُزَوِّجُوهم بِمُسْلِمَةٍ، كَذا قالَهُ الزَجّاجُ، وقالَ جامِعُ العُلُومِ: حُذِفَ أحَدُ المَفْعُولَيْنِ، والتَقْدِيرُ: ولا تَنْكِحُوهُنَّ المُشْرِكِينَ.
﴿حَتّى يُؤْمِنُوا ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ ولَوْ أعْجَبَكُمْ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ عِلَّةَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ وهو إشارَةٌ إلى المُشْرِكاتِ والمُشْرِكِينَ،
﴿يَدْعُونَ إلى النارِ﴾ إلى الكُفْرِ الَّذِي هو عَمَلُ أهْلِ النارِ فَحَقُّهم ألّا يُوالَوْا، ولا يُصاهَرُوا ﴿واللهُ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ﴾ أيْ: وأوْلِياءُ اللهِ -وَهُمُ المُؤْمِنُونَ- يَدْعُونَ إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ، وما يُوَصِّلُ إلَيْهِما، فَهُمُ الَّذِينَ تَجِبُ مُوالاتُهُمْ، ومُصاهَرَتُهم ﴿بِإذْنِهِ﴾ بِعِلْمِهِ، أوْ بِأمْرِهِ،
﴿وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظُونَ.
2:222Page 35
وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِيضِۖ قُلۡ هُوَ أَذٗى فَٱعۡتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلۡمَحِيضِ وَلَا تَقۡرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطۡهُرۡنَۖ فَإِذَا تَطَهَّرۡنَ فَأۡتُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ ٢٢٢
And they ask you about menstruation. Say, "It is harm, so keep away from wives1 during menstruation. And do not approach them until they are pure. And when they have purified themselves,2 then come to them from where Allāh has ordained for you. Indeed, Allāh loves those who are constantly repentant and loves those who purify themselves."
«كانَتِ العَرَبُ لَمْ يُؤاكِلُوا الحائِضَ، ولَمْ يُشارِبُوها، ولَمْ يُساكِنُوها، كَفِعْلِ اليَهُودِ والمَجُوسِ، فَسَألَ أبُو الدَحْداحِ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ نَصْنَعُ بِالنِساءِ إذا حِضْنَ؟ فَنَزَلَ ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ » (p-١٨٥)هُوَ مَصْدَرُ، يُقالُ: حاضَتْ مَحِيضًا، كَقَوْلِكَ: جاءَ مَجِيئًا ﴿قُلْ هو أذًى﴾ أيِ:المَحِيضُ شَيْءٌ يُسْتَقْذَرُ ويُؤْذِي مَن يَقْرَبُهُ.
﴿فاعْتَزِلُوا النِساءَ في المَحِيضِ﴾ فاجْتَنِبُوهُنَّ، أيْ: فاجْتُنِبُوا مُجامَعَتَهُنَّ، وقِيلَ: إنَّ النَصارى كانُوا يُجامِعُونَهُنَّ، لا يُبالُونَ بِالحَيْضِ، واليَهُودُ كانُوا يَعْتَزِلُونَهُنَّ في كُلِّ شَيْءٍ، فَأمَرَ اللهُ بِالِاقْتِصادِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، ثُمَّ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ -رَحِمَهُما اللهُ- يَجْتَنِبُ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الإزارُ. ومُحَمَّدٌ -رَحِمَهُ اللهُ-: لا يُوجِبُ إلّا اعْتِزالَ الفَرْجِ، وقالَتْ عائِشَةُ -رِضى اللهُ عَنْها-: يَجْتَنِبُ شِعارَ الدَمِ، ولَهُ ما سِوى ذَلِكَ ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ مُجامِعِينَ، أوْ ولا تَقْرُبُوا مُجامَعَتَهُنَّ.
﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ بِالتَشْدِيدِ، كُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ، أيْ: يَغْتَسِلْنَ، وأصْلُهُ: (يَتَطَهَرْنَ)، فَأدْغَمَ التاءَ في الطاءِ لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما، غَيْرُهم (يَطْهُرْنَ)، أيْ: يَنْقَطِعُ دَمُهُنَّ. والقِراءَتانِ كَآيَتَيْنِ فَعَمِلْنا بِهِما، وقُلْنا لَهُ: أنْ يَقَرَّبَها في أكْثَرِ الحَيْضِ بَعْدَ انْقِطاعِ الدَمِ، وإنْ لَمْ تَغْتَسِلْ، عَمَلًا بِقِراءَةِ التَخْفِيفِ، وفي أقَلَّ مِنهُ لا يَقْرَبُها حَتّى تَغْتَسِلَ، أوْ يَمْضِيَ عَلَيْها وقْتُ الصَلاةِ عَمَلًا بِقِراءَةِ التَشْدِيدِ، والحَمْلُ عَلى هَذا أوْلى مِنَ العَكْسِ، لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَجِبُ تَرْكُ العَمَلِ بِإحْداهُما لِما عُرِفَ. وعِنْدَ الشافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-: لا يَقْرَبُها حَتّى تَطْهُرَ وتَتَطَهَّرَ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ فَجامِعُوهُنَّ، فَجَمَعَ بَيْنَهُما ﴿مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللهُ﴾ مِنَ المَأْتِيِّ الَّذِي أمَرَكُمُ اللهُ بِهِ، وحَلَّلَهُ لَكُمْ، وهو القُبُلُ.
﴿إنَّ اللهَ يُحِبُّ التَوّابِينَ﴾ مِنِ ارْتِكابِ ما نُهُوا عَنْهُ، أوِ العَوّادِينَ إلى اللهِ تَعالى، وإنْ زَلُّوا فَزَلُّوا، والمَحَبَّةُ لِمَعْرِفَتِهِ بِعِظَمِ عَفْوِ اللهِ حَيْثُ لا يَيْأسُ.
﴿وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ بِالماءِ، أوِ المُتَنَزَّهَيْنِ مِن أدْبارِ النِساءِ، أوْ مِنَ الجِماعِ في الحَيْضِ، أوْ مِنَ الفَواحِشِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences