An-NasafiAl‑Baqarah · 2:235–252

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:235–252

2:235Page 38

وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا عَرَّضۡتُم بِهِۦ مِنۡ خِطۡبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوۡ أَكۡنَنتُمۡ فِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ سَتَذۡكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّآ أَن تَقُولُواْ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗاۚ وَلَا تَعۡزِمُواْ عُقۡدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡكِتَٰبُ أَجَلَهُۥۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ ٢٣٥

There is no blame upon you for that to which you [indirectly] allude concerning a proposal to women or for what you conceal within yourselves. Allāh knows that you will have them in mind. But do not promise them secretly except for saying a proper saying. And do not determine to undertake a marriage contract until the decreed period1 reaches its end. And know that Allāh knows what is within yourselves, so beware of Him. And know that Allāh is Forgiving and Forbearing.

﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِساءِ﴾ الخِطْبَةُ: الِاسْتِنْكاحُ، والتَعْرِيضُ: أنْ تَقُولَ لَها: إنَّكِ لَجَمِيلَةٌ، أوْ صالِحَةٌ، ومِن غَرَضِي أنْ أتَزَوَّجَ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الكَلامِ المُوهِمِ أنَّهُ يُرِيدُ نِكاحَها، حَتّى تَحْبِسَ نَفْسَها عَلَيْهِ إنْ رَغِبَتْ فِيهِ، ولا يُصَرِّحُ بِالنِكاحِ، فَلا يَقُولُ: إنِّي أرى أنْ أتَزَوَّجَكِ، والفَرْقُ بَيْنَ الكِنايَةِ والتَعْرِيضِ أنَّ الكِنايَةَ: أنْ تَذْكُرَ الشَيْءَ بِغَيْرِ لَفْظِهِ المَوْضُوعِ لَهُ، والتَعْرِيضُ: أنْ تَذْكُرَ شَيْئًا تَدُلُّ بِهِ عَلى شَيْءٍ لَمْ تَذْكُرْهُ، كَما يَقُولُ المُحْتاجُ لِلْمُحْتاجِ إلَيْهِ: جِئْتُكَ لِأُسَلِّمَ عَلَيْكَ، ولِأنْظُرَ إلى وجْهِكَ الكَرِيمِ، ولِذَلِكَ قالُوا:

؎ وحَسَبْكَ بِالتَسْلِيمِ مِنِّي تَقاضِيا

فَكَأنَّهُ إمالَةُ الكَلامِ إلى غَرَضٍ يَدُلُّ عَلى الغَرَضِ ﴿أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكُمْ﴾ أوْ سَتَرْتُمْ وأضْمَرْتُمْ في قُلُوبِكُمْ، فَلَمْ تَذْكُرُوهُ بِألْسِنَتِكم لا مُعْرِضِينَ ولا مُصَرِّحِينَ.

﴿عَلِمَ اللهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ لا مَحالَةَ، ولا تَنْفَكُّونَ عَنِ النُطْقِ بِرَغْبَتِكم فِيهِنَّ، فاذْكُرُوهُنَّ ﴿وَلَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ جِماعًا، لِأنَّهُ مِمّا يُسَرُّ، أيْ: لا تَقُولُوا في العِدَّةِ: إنِّي قادِرٌ عَلى هَذا العَمَلِ.

﴿إلا أنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ وهو أنْ تَعْرِضُوا ولا تُصَرِّحُوا، وإلّا مُتَعَلِّقٌ بِلا تُواعِدُوهُنَّ، أيْ: لا تُواعِدُوهُنَّ مُواعَدَةً قَطُّ، إلّا مُواعَدَةً مَعْرُوفَةً غَيْرَ مُنْكَرَةٍ ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِكاحِ﴾ مِن عَزَمَ الأمْرَ، وعَزَمَ عَلَيْهِ.، وذَكَرَ العَزْمَ مُبالَغَةً في النَهْيِ عَنْ عَقْدِ النِكاحِ، لِأنَّ العَزْمَ عَلى الفِعْلِ يَتَقَدَّمُهُ، فَإذا نَهى عَنْهُ كانَ عَنِ الفِعْلِ أنْهى، ومَعْناهُ: ولا تَعْزِمُوا عَقْدَ عُقْدَةِ النِكاحِ، أوْ ولا تَقْطَعُوا عُقْدَةَ النِكاحِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ العَزْمِ القَطْعُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « "لا صِيامَ لِمَن لَمْ يَعْزِمِ الصِيامَ مِنَ اللَيْلِ". » ورُوِيَ: « "لِمَن لَمْ يُبَيِّتِ الصِيامَ". » أيْ: ولا تَعْزِمُوا عَلى عُقْدَةِ النِكاحِ ﴿حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾ حَتّى (p-١٩٨)تَنْقَضِي عِدَّتَها، وسُمِّيَتِ العِدَّةُ كِتابًا، لِأنَّها فُرِضَتْ بِالكِتابِ، يَعْنِي: حَتّى يَبْلُغَ التَرَبُّصُ المَكْتُوبُ عَلَيْها أجَلَهُ، أيْ: غايَتَهُ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكُمْ﴾ مِنَ العَزْمِ عَلى ما لا يَجُوزُ ﴿فاحْذَرُوهُ﴾ ولا تَعْزِمُوا عَلَيْهِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ.

2:236Page 38

لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمۡ تَمَسُّوهُنَّ أَوۡ تَفۡرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٢٣٦

There is no blame upon you if you divorce women you have not touched1 nor specified for them an obligation.2 But give them [a gift of] compensation - the wealthy according to his capability and the poor according to his capability - a provision according to what is acceptable, a duty upon the doers of good.

وَنَزَلَ فِيمَن طَلَّقَ امْرَأتَهُ ولَمْ يَكُنْ سَمّى لَها مَهْرًا، ولا جامَعَها ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: لا تَبِعَةَ عَلَيْكم مِن إيجابِ مَهْرٍ.

﴿إنْ طَلَّقْتُمُ النِساءَ﴾ شَرْطٌ. ويَدُلُّ عَلى جَوابِهِ ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ والتَقْدِيرُ: إنْ طَلَّقْتُمُ النِساءَ فَلا جُناحَ عَلَيْكم ﴿ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ما لَمْ تُجامِعُوهُنَّ. وما شَرْطِيَّةٌ، أيْ: إنْ لَمْ تَمَسُّوهُنَّ، (تَماسُّوهُنَّ) حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، حَيْثُ وقَعَ، لِأنَّ الفِعْلَ واقِعٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ ﴿أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ إلّا أنْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً، أوْ حَتّى تَفْرِضُوا، وفَرْضُ الفَرِيضَةِ: تَسْمِيَةُ المَهْرِ، وذَلِكَ أنَّ المُطَلَّقَةَ غَيْرَ المَوْطُوءَةِ لَها نِصْفُ المُسَمّى إنْ سُمِّيَ لَها مَهْرٌ. وإنْ لَمْ يُسَمَّ لَها مَهْرٌ فَلَيْسَ لَها نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ، بَلْ تَجِبُ المُتْعَةُ ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: فَطَلِّقُوهُنَّ ومَتِّعُوهُنَّ. والمُتْعَةُ: دِرْعٌ ومِلْحَفَةٌ وخِمارٌ.

﴿عَلى المُوسِعِ﴾ الَّذِي لَهُ سَعَةٌ ﴿قَدَرُهُ﴾ مِقْدارُهُ الَّذِي يُطِيقُهُ. (قَدْرُهُ) فِيهِما: كُوفِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ، وهُما لُغَتانِ ﴿وَعَلى المُقْتِرِ﴾ الضَيِّقِ الحالِ، والدَلِيلُ عَلى أنَّ الجُناحَ تَبِعَةُ المَهْرِ قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ إثْباتٌ لِلْجُناحِ المَنفِيِّ ثَمَّةَ ﴿قَدَرُهُ﴾ ولا تَجِبُ المُتْعَةُ عِنْدَنا إلّا لِهَذِهِ، وتُسْتَحَبُّ لِسائِرِ المُطَلَّقاتِ ﴿مَتاعًا﴾ تَأْكِيدٌ لِمَتِّعُوهُنَّ، أيْ: تَمْتِيعًا ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ بِالوَجْهِ الَّذِي يَحْسُنُ فى الشَرْعِ والمُرُوءَةِ ﴿حَقًّا﴾ صِفَةٌ لِمَتاعًا، أيْ:مَتاعًا واجِبًا عَلَيْهِمْ، أوْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا.

﴿عَلى المُحْسِنِينَ﴾ عَلى المُسْلِمِينَ، أوْ عَلى الَّذِينَ يُحْسِنُونَ إلى المُطَلَّقاتِ بِالتَمْتِيعِ، وسَمّاهم قَبْلَ الفِعْلِ مُحْسِنِينَ، كَقَوْلِهِ ﷺ: « "مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ". » ولَيْسَ هَذا (p-١٩٩)الإحْسانُ هو التَبَرُّعَ بِما لَيْسَ عَلَيْهِ، إذْ هَذِهِ المُتْعَةُ واجِبَةٌ.

2:237Page 38

وَإِن طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدۡ فَرَضۡتُمۡ لَهُنَّ فَرِيضَةٗ فَنِصۡفُ مَا فَرَضۡتُمۡ إِلَّآ أَن يَعۡفُونَ أَوۡ يَعۡفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ عُقۡدَةُ ٱلنِّكَاحِۚ وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٣٧

And if you divorce them before you have touched them and you have already specified for them an obligation, then [give] half of what you specified - unless they forego the right or the one in whose hand is the marriage contract foregoes it. And to forego it is nearer to righteousness. And do not forget graciousness between you. Indeed Allāh, of whatever you do, is Seeing.

ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمَ الَّتِي سَمّى لَها مَهْرًا في الطَلاقِ قَبْلَ المَسِّ، فَقالَ: ﴿وَإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أنْ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الجَرِّ، أيْ: مِن قَبْلِ مَسِّكم إيّاهُنَّ.

﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ ﴿لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ مَهْرًا ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إلا أنْ يَعْفُونَ﴾ يُرِيدُ المُطَلَّقاتِ، وأنْ مَعَ الفِعْلِ في مَوْضِعِ النَصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلَيْكم نِصْفُ ما فَرَضْتُمْ في جَمِيعِ الأوْقاتِ إلّا وقْتَ عَفْوِهِنَّ عَنْكم مِنَ المَهْرِ. والفَرْقُ بَيْنَ: الرِجالُ يَعْفُونَ، والنِساءُ يَعْفُونَ، أنَّ الواوَ في الأوَّلِ ضَمِيرُهم والنُونُ عَلَمُ الرَفْعِ، والواوُ في الثانِي لامُ الفِعْلِ والنُونُ ضَمِيرُهُنَّ، والفِعْلُ مَبْنِيٌّ لا أثَرَ في لَفْظِهِ لِلْعامِلِ.

﴿أوْ يَعْفُوَ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّهِ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِكاحِ﴾ هو الزَوْجُ، كَذا فَسَّرَهُ عَلِيٌّ -رِضى اللهُ عَنْهُ- وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وشُرَيْحٍ، ومُجاهِدٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، والشافِعِيِّ عَلى الجَدِيدِ -رِضى اللهُ عَنْهُمْ-. وهَذا لِأنَّ الطَلاقَ بِيَدِهِ، فَكانَ بَقاءُ العَقْدِ بِيَدِهِ. والمَعْنى: أنَّ الواجِبَ شَرْعًا هو النِصْفُ إلّا أنْ تُسْقِطَ هي الكُلَّ، أوْ يُعْطِيَ هو الكُلَّ تَفَضُّلًا، وعِنْدَ مالِكٍ والشافِعِيِّ في القَدِيمِ: هو الوَلِيُّ، قُلْنا: هو لا يَمْلِكُ التَبَرُّعَ بِحَقِّ الصَغِيرِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ؟! ﴿وَأنْ تَعْفُوا﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ والخِطابُ لِلْأزْواجِ والزَوْجاتِ عَلى سَبِيلِ التَغْلِيبِ، ذَكَرَهُ الزَجّاجُ. أيْ: عَفْوُ الزَوْجِ بِإعْطاءِ كُلِّ المَهْرِ خَيْرٌ لَهُ، وعَفْوُ المَرْأةِ بِإسْقاطِ كُلِّهِ خَيْرٌ لَها. أوْ لِلْأزْواجِ.

﴿وَلا تَنْسَوُا الفَضْلَ﴾ التَفْضِيلَ ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أيْ: ولا تَنْسَوْا أنْ يَتَفَضَّلَ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ ﴿إنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَيُجازِيكم عَلى تَفَضُّلِكم.

2:238Page 39

حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ ٢٣٨

Maintain with care the [obligatory] prayers and [in particular] the middle [i.e., ʿaṣr] prayer and stand before Allāh, devoutly obedient.

﴿حافِظُوا عَلى الصَلَواتِ﴾ داوِمُوا عَلَيْها بِمَواقِيتِها، وأرْكانِها، وشَرائِطِها.

﴿والصَلاةِ الوُسْطى﴾ بَيْنَ الصَلَواتِ، أيِ:الفُضْلى، مِن قَوْلِهِمْ (p-٢٠٠)لِلْأفْضَلِ: الأوْسَطُ. وإنَّما أُفْرِدَتْ وعُطِفَتْ عَلى الصَلَواتِ، لِانْفِرادِها بِالفَضْلِ، وهى صَلاةُ العَصْرِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللهُ- وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ، لِقَوْلِهِ ﷺ يَوْمَ الأحْزابِ: « "شَغَلُونا عَنِ الصَلاةِ الوُسْطى، صَلاةِ العَصْرِ، مَلَأ اللهُ بُيُوتَهم نارًا" » وقالَ ﷺ: « "إنَّها الصَلاةُ الَّتِي شُغِلَ عَنْها سُلَيْمانُ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ". » وفي مُصْحَفِ حَفْصَةَ (والصَلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ) ولِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيِ اللَيْلِ وصَلاةِ النَهارِ. وفَضَّلَها لِما في وقْتِها مِنِ اشْتِغالِ الناسِ بِتِجاراتِهِمْ، ومَعايِشِهِمْ. وقِيلَ: صَلاةُ الظُهْرِ، لِأنَّها في وسَطِ النَهارِ، أوْ صَلاةُ الفَجْرِ، لِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيِ النَهارِ وصَلاتَيِ اللَيْلِ. أوْ صَلاةُ المَغْرِبِ، لِأنَّها بَيْنَ الأرْبَعِ والمَثْنى، ولِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيْ مُخافَتَةٍ وصَلاتَيْ جَهْرٍ، أوْ صَلاةُ العِشاءِ، لِأنَّها بَيْنَ وِتْرَيْنِ، أوْ هي غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، كَلَيْلَةِ القَدْرِ، لِيَحْفَظُوا الكُلَّ.

﴿وَقُومُوا لِلَّهِ﴾ في الصَلاةِ ﴿قانِتِينَ﴾ حالٌ، أيْ: مُطِيعِينَ خاشِعِينَ، أوْ ذاكِرِينَ اللهَ في قِيامِكم. والقُنُوتُ: أنْ تَذْكُرَ اللهَ قائِمًا، أوْ مُطِيلِينَ القِيامَ.

2:239Page 39

فَإِنۡ خِفۡتُمۡ فَرِجَالًا أَوۡ رُكۡبَانٗاۖ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ ٢٣٩

And if you fear [an enemy, then pray] on foot or riding. But when you are secure, then remember Allāh [in prayer], as He has taught you that which you did not [previously] know.

﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ فَإنْ كانَ بِكم خَوْفٌ مِن عَدُوٍّ، أوْ غَيْرِهِ،

﴿فَرِجالا﴾ حالٌ، أيْ: فَصَلُّوا راجِلِينَ، وهو جَمْعُ راجِلٍ، كَقائِمٍ وقِيامٍ.

﴿أوْ رُكْبانًا﴾ وُحْدانًا بِإيماءٍ، ويَسْقُطُ عَنْهُ التَوَجُّهُ إلى القِبْلَةِ.

﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ فَإذا زالَ خَوْفُكم ﴿فاذْكُرُوا اللهَ﴾ فَصَلُّوا صَلاةَ الأمْنِ ﴿كَما عَلَّمَكُمْ﴾ أيْ: ذِكْرًا مِثْلَ ما عَلَّمَكم ﴿ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ مِن صَلاةِ الأمْنِ.

2:240Page 39

وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا وَصِيَّةٗ لِّأَزۡوَٰجِهِم مَّتَٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَيۡرَ إِخۡرَاجٖۚ فَإِنۡ خَرَجۡنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِي مَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعۡرُوفٖۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٤٠

And those who are taken in death among you and leave wives behind - for their wives is a bequest: maintenance for one year without turning [them] out. But if they leave [of their own accord], then there is no blame upon you for what they do with themselves in an acceptable way.1 And Allāh is Exalted in Might and Wise.

﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ﴾ بِالنَصْبِ، شامِيٌّ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ، أيْ: فَلْيُوصُوا وصِيَّةً، عَنِ الزَجّاجِ. غَيْرُهم بِالرَفْعِ، أيْ: فَعَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ ﴿مَتاعًا﴾ نَصْبٌ بِالوَصِيَّةِ، لِأنَّها مَصْدَرٌ، أوْ (p-٢٠١)تَقْدِيرُهُ: مَتِّعُوهُنَّ مَتاعًا.

﴿إلى الحَوْلِ﴾ صِفَةٌ لِمَتاعًا ﴿غَيْرَ إخْراجٍ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، كَقَوْلِكَ: هَذا القَوْلُ غَيْرُ ما تَقُولُ، أوْ بَدَلٌ مِن مَتاعًا، والمَعْنى: أنَّ حَقَّ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ عَنْ أزْواجِهِمْ أنْ يُوصُوا قَبْلَ أنْ يُحْتَضَرُوا، بِأنَّ تَمَتُّعَ أزْواجِهِمْ بَعْدَهم حَوْلًا كامِلًا، أيْ: يُنْفَقُ عَلَيْهِنَّ مِن تَرِكَتِهِ، ولا يُخْرَجْنَ مِن مَساكِنِهِنَّ، وكانَ ذَلِكَ مَشْرُوعًا في أوَّلِ الإسْلامِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ والناسِخُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ تِلاوَةً، ومُتَأخِّرٌ نُزُولًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُفَهاءُ مِنَ الناسِ﴾ [البَقَرَةُ: ١٤٢] مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَماءِ﴾ [البَقَرَةُ: ١٤٤] ﴿فَإنْ خَرَجْنَ﴾ بَعْدَ الحَوْلِ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكم في ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ﴾ مِنَ التَزَيُّنِ، والتَعَرُّضِ لِلْخُطّابِ.

﴿مِن مَعْرُوفٍ﴾ مِمّا لَيْسَ بِمُنْكَرٍ شَرْعًا ﴿واللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فِيما حَكَمَ.

2:241Page 39

وَلِلۡمُطَلَّقَٰتِ مَتَٰعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ ٢٤١

And for divorced women is a provision according to what is acceptable - a duty upon the righteous.

﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ﴾ أيْ: نَفَقَةُ العِدَّةِ.

﴿بِالمَعْرُوفِ حَقًّا﴾ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ ﴿عَلى المُتَّقِينَ﴾

2:242Page 39

كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٢٤٢

Thus does Allāh make clear to you His verses [i.e., laws] that you might use reason.

﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ هو في مَوْضِعِ الرَفْعِ، لِأنَّهُ خَبَرُ لَعَلَّ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ المُتْعَةَ فالمُرادُ غَيْرُ المُطَلَّقَةِ المَذْكُورَةِ، وهي عَلى سَبِيلِ النَدْبِ.

2:243Page 39

۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَهُمۡ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحۡيَٰهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ ٢٤٣

Have you not considered those who left their homes in many thousands, fearing death? Allāh said to them, "Die"; then He restored them to life. And Allāh is the possessor of bounty for the people, but most of the people do not show gratitude.

﴿ألَمْ تَرَ﴾ تَقْرِيرٌ لِمَن سَمِعَ بِقِصَّتِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ وأخْبارِ الأوَّلِينَ، وتَعْجِيبٌ مِن شَأْنِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُخاطِبَ بِهِ مَن لَمْ يَرَ ولَمْ يَسْمَعْ، لِأنَّ هَذا الكَلامَ جَرى مَجْرى المَثَلِ في مَعْنى التَعْجِيبِ.

﴿إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ مِن قَرْيَةٍ، قِيلَ: واسْطُ، وقَعَ فِيهِمُ الطاعُونُ، فَخَرَجُوا هارِبِينَ، فَأماتَهُمُ اللهُ، ثُمَّ أحْياهم بِدُعاءِ حِزْقِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، دَعاهم مَلِكُهم إلى الجِهادِ، فَهَرَبُوا حَذَرًا مِنَ المَوْتِ، فَأماتَهُمُ اللهُ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، ثُمَّ أحْياهم (p-٢٠٢)﴿وَهم أُلُوفٌ﴾ في مَوْضِعِ النَصْبِ عَلى الحالِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى الأُلُوفِ الكَثِيرَةِ، لِأنَّها جَمْعُ كَثْرَةٍ، وهي جَمْعُ ألْفٍ، لا آلُفٍ.

﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ ﴿فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا﴾ أيْ: فَأماتَهُمُ اللهُ، وإنَّما جِيءَ بِهِ عَلى هَذِهِ العِبارَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم ماتُوا مِيتَةَ رَجُلٍ واحِدٍ بِأمْرِ اللهِ ومَشِيئَتِهِ، وتِلْكَ مِيتَةٌ خارِجَةٌ عَنِ العادَةِ، وفِيهِ تَشْجِيعٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى الجِهادِ، وأنَّ المَوْتَ إذا لَمْ يَكُنْ مِنهُ بُدٌّ، ولَمْ يَنْفَعْ مِنهُ مَفَرٌّ، فَأوْلى أنْ يَكُونَ في سَبِيلِ اللهِ.

﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ لِيَعْتَبِرُوا ويَعْلَمُوا أنَّهُ لا مَفَرَّ مِن حُكْمِ اللهِ وقَضائِهِ. وهو مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَماتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ، أوْ لَمّا كانَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا﴾ فَأماتَهُمْ، كانَ عَطْفًا عَلَيْهِ مَعْنى: ﴿إنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى الناسِ﴾ حَيْثُ يُبَصِّرُهم ما يَعْتَبِرُونَ بِهِ، كَما بَصَّرَ أُولَئِكَ، وكَما بَصَّرَكم بِاقْتِصاصِ خَبَرِهِمْ، أوْ لَذُو فَضْلٍ عَلى الناسِ حَيْثُ أحْيا أُولَئِكَ لِيَعْتَبِرُوا فَيَفُوزُوا، ولَوْ شاءَ لَتَرَكَهم مَوْتى إلى يَوْمِ النُشُورِ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ذَلِكَ.

2:244Page 39

وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢٤٤

And fight in the cause of Allāh and know that Allāh is Hearing and Knowing.

والدَلِيلُ عَلى أنَّهُ ساقَ هَذِهِ القِصَّةَ بَعْثًا عَلى الجِهادِ ما أتْبَعَهُ مِنَ الأمْرِ بِالقِتالِ في سَبِيلِ اللهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾ فَحَرَّضَ عَلى الجِهادِ بَعْدَ الإعْلامِ بِأنَّ الفِرارَ مِنَ المَوْتِ لا يُغْنِي، وهَذا الخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أوْ لِمَن أحْياهم ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ يَسْمَعُ ما يَقُولُهُ المُتَخَلِّفُونَ والسابِقُونَ.

﴿عَلِيمٌ﴾ بِما يُضْمِرُونَهُ.

2:245Page 39

مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضۡعَافٗا كَثِيرَةٗۚ وَٱللَّهُ يَقۡبِضُ وَيَبۡصُۜطُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٤٥

Who is it that would loan Allāh a goodly loan so He may multiply it for him many times over? And it is Allāh who withholds and grants abundance, and to Him you will be returned.

﴿مَن﴾ اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ ﴿ذا﴾ خَبَرُهُ ﴿الَّذِي﴾ نَعْتٌ لِذا، أوْ بَدَلٌ مِنهُ.

﴿يُقْرِضُ اللهَ﴾ صِلَةُ الَّذِي. سَمّى ما يُنْفَقُ في سَبِيلِ اللهِ قَرْضًا، لِأنَّ القَرْضَ ما يُقْبَضُ بِبَدَلٍ مِثْلِهِ مِن بَعْدُ. سُمِّيَ بِهِ، لِأنَّ المُقْرِضَ يَقْطَعُهُ مِن مالِهِ فَيَدْفَعُهُ إلَيْهِ، والقَرْضُ: القَطْعُ، ومِنهُ: المِقْراضُ، وقَرْضُ الفَأْرِ، والِانْقِراضُ. فَنَبَّهَهم بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَضِيعُ عِنْدَهُ، وأنَّهُ يَجْزِيهِمْ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ بِطِيبَةِ النَفْسِ مِنَ المالِ الطَيِّبِ، والمُرادُ: النَفَقَةُ في الجِهادِ، لِأنَّهُ لَمّا أمَرَ بِالقِتالِ في (p-٢٠٣)سَبِيلُ اللهِ، ويَحْتاجُ فِيهِ إلى المالِ، حَثَّ عَلى الصَدَقَةِ لِيَتَهَيَّأ أسْبابَ الجِهادِ ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ بِالنَصْبِ، عاصِمٌ، عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، وبِالرَفْعِ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، عَطْفًا عَلى (يُقْرِضُ)، أوْ هو مُسْتَأْنَفٌ، أيْ: فَهو يُضاعِفُهُ. (فَيُضَعِّفَهُ) شامِيٌّ، (فَيَضُعِّفُهُ) مَكِّيٌّ.

﴿أضْعافًا﴾ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ ﴿كَثِيرَةً﴾ لا يَعْلَمُ كُنْهَها إلّا اللهُ، وقِيلَ: الواحِدُ بِسَبْعِمِائَةٍ.

﴿واللهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ يَقْتُرُ الرِزْقَ عَلى عِبادِهِ، ويُوَسِّعُهُ عَلَيْهِمْ، فَلا تَبْخَلُوا عَلَيْهِ بِما وسَّعَ عَلَيْكُمْ، لا يُبَدِّلُكُمُ الضَيِّقَ بِالسَعَةِ، ويَبْصُطُ: حِجازِيٌّ، وعاصِمٌ، وعَلِيٌّ.

﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فَيُجازِيكم عَلى ما قَدَّمْتُمْ.

2:246Page 40

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰٓ إِذۡ قَالُواْ لِنَبِيّٖ لَّهُمُ ٱبۡعَثۡ لَنَا مَلِكٗا نُّقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ قَالَ هَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ أَلَّا تُقَٰتِلُواْۖ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَٰتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدۡ أُخۡرِجۡنَا مِن دِيَٰرِنَا وَأَبۡنَآئِنَاۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ تَوَلَّوۡاْ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٢٤٦

Have you not considered the assembly of the Children of Israel after [the time of] Moses when they said to a prophet of theirs, "Send to us a king, and we will fight in the way of Allāh"? He said, "Would you perhaps refrain from fighting if battle was prescribed for you?" They said, "And why should we not fight in the cause of Allāh when we have been driven out from our homes and from our children?" But when battle was prescribed for them, they turned away, except for a few of them. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.

﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلإ﴾ الأشْرافِ، لِأنَّهم يَمْلَئُونَ القُلُوبَ جَلالَةً، والعُيُونَ مَهابَةً.

﴿مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ.

﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ مِن بَعْدِ مَوْتِهِ، و َ"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ ﴿إذْ قالُوا﴾ حِينَ قالُوا ﴿لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ هو شَمْعُونُ، أوْ يُوشِعُ، أوِ أشْمُوِيلُ.

﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾ أنْهِضْ لِلْقِتالِ مَعَنا أمِيرًا نَصْدُرُ في تَدْبِيرِ الحَرْبِ عَنْ رَأْيِهِ، ونَنْتَهِي إلى أمْرِهِ.

﴿نُقاتِلْ﴾ بِالنُونِ والجَزْمِ عَلى الجَوابِ ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ صِلَةُ نُقاتِلُ ﴿قالَ﴾ النَبِيُّ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾ (عَسِيتُمْ) حَيْثُ كانَ، نافِعٌ.

﴿إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ شَرْطٌ فاصِلٌ بَيْنَ اسْمِ عَسى وخَبَرِهِ، وهو ﴿ألا تُقاتِلُوا﴾ والمَعْنى: هَلْ قارَبْتُمْ ألّا تُقاتِلُوا، يَعْنِي: هَلِ الأمْرُ كَما أتَوَقَّعُهُ أنَّكم لا تُقاتِلُونَ وتَجْبُنُونَ، فَأدْخَلَ "هَلْ" مُسْتَفْهِمًا عَمّا هو مُتَوَقَّعٌ عِنْدَهُ، وأرادَ بِالِاسْتِفْهامِ: التَقْرِيرَ، وتَثْبِيتُ أنَّ المُتَوَقَّعَ كائِنٌ، وأنَّهُ صائِبٌ في تَوَقُّعِهِ.

﴿قالُوا وما لَنا ألا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللهِ﴾ وأيُّ داعٍ لَنا إلى تَرْكِ القِتالِ، وأيُّ غَرَضٍ لَنا فِيهِ.

﴿وَقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا﴾ الواوُ في "وَقَدْ" لِلْحالِ. وذَلِكَ أنَّ قَوْمَ جالُوتَ كانُوا يَسْكُنُونَ بَيْنَ مِصْرَ وفِلَسْطِينَ، فَأسَرُوا مِن أبْناءِ مُلُوكِهِمْ أرْبَعَمِائَةٍ (p-٢٠٤)وَأرْبَعِينَ. يَعْنُونَ إذا بَلَغَ الأمْرُ مِنّا هَذا المَبْلَغَ فَلابُدَّ مِنَ الجِهادِ.

﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ أيْ: أُجِيبُوا إلى مُلْتَمَسِهِمْ.

﴿تَوَلَّوْا﴾ أعْرَضُوا عَنْهُ ﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ وهم كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ، عَلى عَدَدِ أهْلِ بَدْرٍ.

﴿واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ﴾ وعِيدٌ لَهم عَلى ظُلْمِهِمْ بِتَرْكِ الجِهادِ.

2:247Page 40

وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ بَعَثَ لَكُمۡ طَالُوتَ مَلِكٗاۚ قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَيۡنَا وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ وَلَمۡ يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٢٤٧

And their prophet said to them, "Indeed, Allāh has sent to you Saul as a king." They said, "How can he have kingship over us while we are more worthy of kingship than him and he has not been given any measure of wealth?" He said, "Indeed, Allāh has chosen him over you and has increased him abundantly in knowledge and stature. And Allāh gives His sovereignty to whom He wills. And Allāh is all-Encompassing [in favor] and Knowing."

﴿وَقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ﴾ هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ كَجالُوتَ، وداوُدَ. ومُنِعَ مِنَ الصَرْفِ لِلتَّعْرِيفِ، والعُجْمَةِ.

﴿مَلِكًا﴾ حالٌ ﴿قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا﴾ أيْ: كَيْفَ؟ ومِن أيْنَ؟ وهو إنْكارٌ لِتُمَلِّكِهِ عَلَيْهِمْ، واسْتِبْعادٌ لَهُ.

﴿وَنَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ﴾ الواوُ لِلْحالِ ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ﴾ أيْ: كَيْفَ يَتَمَلَّكُ عَلَيْنا والحالُ أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ التَمَلُّكَ، لِوُجُودِ مَن هو أحَقُّ بِالمُلْكِ، وأنَّهُ فَقِيرٌ، ولا بُدَّ لِلْمَلِكِ مِن مالٍ يَعْتَضِدُ بِهِ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ، لِأنَّ النُبُوَّةَ كانَتْ في سِبْطِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ، والمُلْكَ في سِبْطِ يَهُوذا، وهو كانَ مِن سِبْطِ بِنْيامِينَ، وكانَ رَجُلًا سَقّاءً، أوْ دَبّاغًا فَقِيرًا. ورُوِيَ أنَّهُ نَبِيُّهم دَعا اللهَ حِينَ طَلَبُوا مِنهُ مَلِكًا فَأتى بِعَصا يُقاسُ بِها مَن يُمَلِّكُ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يُساوِها إلّا طالُوتُ ﴿قالَ إنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ﴾ الطاءُ في اصْطَفاهُ بَدَلٌ مِنَ التاءِ لِمَكانِ الصادِ الساكِنَةِ، أيِ:اخْتارَهُ عَلَيْكُمْ، وهو أعْلَمُ بِالمَصالِحِ مِنكُمْ، ولا اعْتِراضَ عَلى حُكْمِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَصْلَحَتَيْنِ أنْفَعَ مِمّا ذَكَرُوا مِنَ النَسَبِ والمالِ وهُما: العِلْمُ المَبْسُوطُ، والجَسامَةُ، فَقالَ: ﴿وَزادَهُ بَسْطَةً﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ.

﴿فِي العِلْمِ والجِسْمِ﴾ قالُوا: كانَ أعْلَمَ بَنِي إسْرائِيلَ بِالحَرْبِ والدِياناتِ في وقْتِهِ، وأطْوَلَ مِن كُلِّ إنْسانٍ بِرَأْسِهِ ومَنكِبِهِ. والبَسْطَةُ: السَعَةُ والِامْتِدادُ. والمَلِكُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ العِلْمِ، فَإنَّ الجاهِلَ ذَلِيلٌ مُزْدَرًى، غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ، وأنْ يَكُونَ جَسِيمًا، لِأنَّهُ أعْظَمُ في النُفُوسِ، وأهْيَبُ في القُلُوبِ.

﴿واللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن (p-٢٠٥)يَشاءُ﴾ أيِ:المُلْكُ لَهُ غَيْرَ مُنازَعٍ فِيهِ، وهو يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ إيتاءَهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِالوِراثَةِ.

﴿واللهُ واسِعٌ﴾ أيْ: واسْعُ الفَضْلِ والعَطاءِ، يُوَسِّعُ عَلى مَن لَيْسَ لَهُ سَعَةٌ مِنَ المالِ، ويُغْنِيهِ بَعْدَ الفَقْرِ.

﴿عَلِيمٌ﴾ بِمَن يَصْطَفِيهِ لِلْمُلْكِ. فَثَمَّةَ طَلَبُوا مِن نَبِيِّهِمْ آيَةً عَلى اصْطِفاءِ اللهِ طالُوتَ.

2:248Page 40

وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ءَايَةَ مُلۡكِهِۦٓ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَبَقِيَّةٞ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَٰرُونَ تَحۡمِلُهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٤٨

And their prophet said to them, "Indeed, a sign of his kingship is that the chest will come to you in which is assurance1 from your Lord and a remnant of what the family of Moses and the family of Aaron had left, carried by the angels. Indeed in that is a sign for you, if you are believers."

﴿وَقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التابُوتُ﴾ أيْ: صُنْدُوقُ التَوْراةِ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إذا قاتَلَ قَدَّمَهُ، فَكانَتْ تَسْكُنُ نُفُوسُ بَنِي إسْرائِيلَ، ولا يَفِرُّونَ.

﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ سُكُونٌ، وطُمَأْنِينَةٌ.

﴿وَبَقِيَّةٌ﴾ هي رُضاضُ الألْواحِ، وعَصا مُوسى، وثِيابُهُ، وشَيْءٌ مِنَ التَوْراةِ، ونَعْلا مُوسى، وعِمامَةُ هارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ.

﴿مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾ أيْ: مِمّا تَرَكَهُ مُوسى وهارُونُ، والآلُ مُقْحَمٌ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِما.

﴿تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ﴾ يَعْنِي: التابُوتَ، وكانَ رَفَعَهُ اللهُ بَعْدَ مُوسى، فَنَزَلَتْ بِهِ المَلائِكَةُ تَحْمِلُهُ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ. وكَذا ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ و﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ نَعْتٌ لِسَكِينَةٌ و﴿مِمّا تَرَكَ﴾ نَعْتٌ لِبَقِيَّةٌ.

﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إنَّ في رُجُوعِ التابُوتِ إلَيْكم عَلّامَةٌ أنَّ اللهَ قَدْ مَلَّكَ طالُوتَ عَلَيْكم إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ.

2:249Page 41

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِيكُم بِنَهَرٖ فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَيۡسَ مِنِّي وَمَن لَّمۡ يَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّيٓ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِيَدِهِۦۚ فَشَرِبُواْ مِنۡهُ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡيَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٢٤٩

And when Saul went forth with the soldiers, he said, "Indeed, Allāh will be testing you with a river. So whoever drinks from it is not of me, and whoever does not taste it is indeed of me, excepting one who takes [from it] in the hollow of his hand." But they drank from it, except a [very] few of them. Then when he had crossed it along with those who believed with him, they said, "There is no power for us today against Goliath and his soldiers." But those who were certain that they would meet Allāh said, "How many a small company has overcome a large company by permission of Allāh. And Allāh is with the patient."

﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ﴾ خَرَجَ ﴿بِالجُنُودِ﴾ عَنْ بَلَدِهِ إلى جِهادِ العَدُوِّ. و﴿بِالجُنُودِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُخْتَلِطًا بِالجُنُودِ، وهم ثَمانُونَ ألْفًا، وكانَ الوَقْتُ قَيْظًا، وسَألُوا أنْ يُجْرِيَ اللهُ لَهم نَهْرًا ﴿قالَ إنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ﴾ مُخْتَبِرُكُمْ، أيْ: يُعامِلُكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ.

﴿بِنَهَرٍ﴾ وهو نَهْرُ فِلَسْطِينَ، لِيَتَمَيَّزَ المُحِقُّ في الجِهادِ مِنَ المُعْذَرِ.

﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ﴾ كَرِيمًا ﴿فَلَيْسَ مِنِّي﴾ فَلَيْسَ مِن أتْباعِي (p-٢٠٦)وَأشْياعِي ﴿وَمَن لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ ومَن لَمْ يَذُقْهُ، مِن طَعِمَ الشَيْءَ: إذا ذاقَهُ.

﴿فَإنَّهُ مِنِّي﴾ وبِفَتْحِ الياءِ، مَدَنِيٌّ وأبُو عَمْرٍو. واسْتَثْنى ﴿إلا مَنِ اغْتَرَفَ﴾ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ والجُمْلَةُ الثانِيَةُ في حُكْمِ المُتَأخِّرَةِ عَنِ الِاسْتِثْناءِ، إلّا أنَّها قُدِّمَتْ لِلْعِنايَةِ.

﴿غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ غُرْفَةً، حِجازِيٌّ وأبُو عَمْرٍو بِمَعْنى المَصْدَرِ. وبِالضَمِّ بِمَعْنى المَغْرُوفِ. ومَعْناهُ: الرُخْصَةُ في اغْتِرافِ الغُرْفَةِ بِاليَدِ دُونَ الكَرْعِ. والدَلِيلُ عَلَيْهِ: ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ﴾ أيْ: فَكَرَعُوا.

﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ وهم ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا.

﴿فَلَمّا جاوَزَهُ﴾ أيِ:النَهْرَ.

﴿هُوَ﴾ طالُوتُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أيِ:القَلِيلُ.

﴿قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ﴾ أيْ: لا قُوَّةَ لَنا ﴿بِجالُوتَ﴾ هو جَبّارٌ مِنَ العَمالِقَةِ، مِن أوْلادِ عِمْلِيقَ بْنِ عادٍ، وكانَ في بَيْضَتِهِ ثَلاثُمِائَةِ رِطْلٍ مِنَ الحَدِيدِ.

﴿وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللهِ﴾ يُوقِنُونَ بِالشَهادَةِ. قِيلَ: الضَمِيرُ في " قالُوا " لِلْكَثِيرِ الَّذِينَ انْخَذَلُوا. و﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ هُمُ القَلِيلُ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَهُ. ورُوِيَ أنَّهُ الغُرْفَةُ كانَتْ تَكْفِي الرَجُلَ لِشُرْبِهِ وأدَواتِهِ، والَّذِينَ شَرِبُوا مِنهُ اسْوَدَّتْ شِفاهُهُمْ، وغَلَبَهُمُ العَطَشُ.

﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ كَمْ خَبَرِيَّةٌ، ومَوْضِعُها رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ.

﴿غَلَبَتْ﴾ خَبَرُها ﴿فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللهِ﴾ بِنْصِرِهِ ﴿واللهُ مَعَ الصابِرِينَ﴾ بِالنَصْرِ.

2:250Page 41

وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٥٠

And when they went forth to [face] Goliath and his soldiers, they said, "Our Lord, pour upon us patience and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."

﴿وَلَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ خَرَجُوا لِقِتالِهِمْ ﴿قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ﴾ اصْبُبْ.

﴿عَلَيْنا صَبْرًا﴾ عَلى القِتالِ ﴿وَثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ بِتَقْوِيَةِ قُلُوبِنا، وإلْقاءِ الرُعْبِ في صُدُورِ عَدُوِّنا.

﴿وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أعِنّا عَلَيْهِمْ.

2:251Page 41

فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٥١

So they defeated them by permission of Allāh, and David killed Goliath, and Allāh gave him the kingship and wisdom [i.e., prophethood] and taught him from that which He willed. And if it were not for Allāh checking [some] people by means of others, the earth would have been corrupted, but Allāh is the possessor of bounty for the worlds.

﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ أيْ: طالُوتُ والمُؤْمِنُونَ جالُوتَ وجُنُودَهُ ﴿بِإذْنِ (p-٢٠٧)اللهِ﴾ بِقَضائِهِ ﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾ كانَ إيشِي أبُو داوُدَ في عَسْكَرِ طالُوتَ مَعَ سِتَّةٍ مِن بَنِيهِ، وكانَ داوُدُ سابِعَهُمْ، وهو صَغِيرٌ، يَرْعى الغَنَمَ، فَأوْحى اللهُ إلى نَبِيِّهِمْ، أنَّ داوُدَ هو الَّذِي يَقْتُلُ جالُوتَ، فَطَلَبَهُ مِن أبِيهِ فَجاءَ، وقَدْ مَرَّ في طَرِيقِهِ بِثَلاثَةِ أحْجارٍ، دَعاهُ كُلُّ واحِدٍ مِنها أنْ يَحْمِلَهُ، وقالَتْ لَهُ: إنَّكَ تَقْتُلُ بِنا جالُوتَ، فَحَمَلَها في مِخْلاتِهِ، ورَمى بِها جالُوتَ فَقَتَلَهُ، وزَوَّجَهُ طالُوتُ بِنْتَهُ، ثُمَّ حَسَدَهُ، وأرادَ قَتْلَهُ، ثُمَّ ماتَ تائِبًا.

﴿وَآتاهُ اللهُ المُلْكَ﴾ في مَشارِقِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ ومَغارِبِها، وما اجْتَمَعَتْ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى مَلِكٍ قَطُّ قَبْلَ داوُدَ ﴿والحِكْمَةَ﴾ والنُبُوَّةَ ﴿وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ مِن صَنْعَةِ الدُرُوعِ، وكَلامِ الطُيُورِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ الناسَ﴾ هو مَفْعُولٌ بِهِ ﴿بَعْضَهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الناسِ. (دِفاعُ): مَدَّنِيٌّ، مَصْدَرُ: دَفَعَ، أوْ دافَعَ.

﴿بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ أيْ: ولَوْلا أنَّ اللهَ تَعالى يَدْفَعُ بَعْضَ الناسِ بِبَعْضٍ، ويَكُفُّ بِهِمْ فَسادَهُمْ، لَغَلَبَ المُفْسِدُونَ، وفَسَدَتِ الأرْضُ، وبَطَلَتْ مَنافِعُها مِنَ الحَرْثِ والنَسْلِ، أوْ ولَوْلا أنَّ اللهَ تَعالى يَنْصُرُ المُسْلِمِينَ عَلى الكافِرِينَ لَفَسَدَتِ الأرْضُ بِغَلَبَةِ الكُفّارِ، وقَتْلِ الأبْرارِ، وتَخْرِيبِ البِلادِ، وتَعْذِيبِ العِبادِ.

﴿وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾ بِإزالَةِ الفَسادِ عَنْهُمْ، وهو دَلِيلٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ في مَسْألَةِ الأصْلَحِ.

2:252Page 41

تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٥٢

These are the verses of Allāh which We recite to you, [O Muḥammad], in truth. And indeed, you are from among the messengers.

﴿تِلْكَ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿آياتُ اللهِ﴾ يَعْنِي: القَصَصُ الَّتِي اقْتَصَّها مِن حَدِيثِ الأُلُوفِ، وإماتَتِهِمْ، وإحْيائِهِمْ، وتَمْلِيكِ طالُوتَ، وإظْهارِهِ عَلى الجَبابِرَةِ عَلى يَدِ صَبِيٍّ.

﴿نَتْلُوها﴾ حالٌ مِن " آيات اللهِ " والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ، أوْ " آيات اللهِ " بَدَلٌ مِن " تِلْكَ " و﴿نَتْلُوها﴾ الخَبَرُ ﴿عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ بِاليَقِينِ الَّذِي لا يَشُكُّ فِيهِ أهْلُ الكِتابِ، لِأنَّهُ في كُتُبِهِمْ كَذَلِكَ.

﴿وَإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ حَيْثُ تُخْبِرُ بِها مِن غَيْرِ أنْ تُعْرَفَ بِقِراءَةِ كِتابٍ، أوْ سَماعٍ مِن أهْلِهِ.

(p-٢٠٨)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском