An-NasafiAli 'Imran · 3:100–123

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:100–123

3:100Page 62

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ كَٰفِرِينَ ١٠٠

O you who have believed, if you obey a party of those who were given the Scripture, they would turn you back, after your belief, [to being] unbelievers.

ثُمَّ نَهى المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّباعِ هَؤُلاءِ الصادِّينَ عَنْ سَبِيلِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ قِيلَ: «مَرَّ شاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ عَلى نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ في مَجْلِسٍ لَهم يَتَحَدَّثُونَ، فَغاظَهُ تَحَدُّثُهم وتَألُّفُهُمْ، فَأمَرَ شابًّا مِنَ اليَهُودِ أنْ يُذَكِّرَهم يَوْمَ بُعاثٍ لَعَلَّهم يَغْضَبُونَ، وكانَ يَوْمًا اقْتَتَلَتْ فِيهِ الأوْسُ والخَزْرَجُ وكانَ الظَفَرُ فِيهِ لِلْأوْسِ، فَفَعَلَ، فَتَنازَعَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ، وقالُوا: السِلاحَ، السِلاحَ، فَبَلَغَ النَبِيَّ ﷺ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَن مَعَهُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فَقالَ: "أتَدْعُونَ (p-٢٧٩)الجاهِلِيَّةَ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم بَعْدَ إذْ أكْرَمَكُمُ اللهُ بِالإسْلامِ، وألَّفَ بَيْنَكُمْ؟!" فَعَرَفَ القَوْمُ أنَّها نَزْعَةٌ مِنَ الشَيْطانِ، فَألْقَوُا السِلاحَ، وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًا باكِينَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. »

3:101Page 63

وَكَيۡفَ تَكۡفُرُونَ وَأَنتُمۡ تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمۡ رَسُولُهُۥۗ وَمَن يَعۡتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدۡ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٠١

And how could you disbelieve while to you are being recited the verses of Allāh and among you is His Messenger? And whoever holds firmly to Allāh1 has [indeed] been guided to a straight path.

﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ فِيهِ: الإنْكارُ والتَعَجُّبُ، أيْ: مِن أيْنَ يَتَطَرَّقُ إلَيْكُمُ الكُفْرُ؟! ﴿وَأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللهِ﴾ والحالُ أنَّ آياتِ اللهِ -وَهِيَ القُرْآنُ المُعْجِزُ- تُتْلى عَلَيْكم عَلى لِسانِ الرَسُولِ غَضَّةً طَرِيَّةً،

﴿وَفِيكم رَسُولُهُ﴾ وبَيْنَ أظْهُرِكم رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنَبِّهُكم ويَعِظُكُمْ، ويُزِيحُ عَنْكم شُبَهَكم ﴿وَمَن يَعْتَصِمْ بِاللهِ﴾ ومَن يَتَمَسَّكْ بِدِينِهِ، أوْ بِكِتابِهِ، أوْ هو حَثٌّ لَهم عَلى الِالتِجاءِ إلَيْهِ في دَفْعِ شُرُورِ الكُفّارِ ومَكائِدِهِمْ ﴿فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أُرْشِدَ إلى الدِينِ الحَقِّ، أوْ ومَن يَجْعَلْ رَبَّهُ مَلْجَأً ومَفْزَعًا عِنْدَ الشُبَهِ يَحْفَظْهُ عَنِ الشُبَهِ.

3:102Page 63

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٢

O you who have believed, fear Allāh as He should be feared and do not die except as Muslims [in submission to Him].

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ واجِبَ تَقْواهُ وما يَحِقُّ مِنها، وهو القِيامُ بِالواجِبِ والِاجْتِنابُ عَنِ المَحارِمِ، وعَنْ عَبْدِ اللهِ: هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُشْكَرَ فَلا يُكْفَرَ، ويُذْكَرَ فَلا يُنْسى، أوْ هو ألّا تَأْخُذَهُ في اللهِ لَوْمَةُ لائِمٍ، ويَقُومَ بِالقِسْطِ ولَوْ عَلى نَفْسِهِ، أوْ بَنِيهِ، أوْ أبِيهِ. وقِيلَ: لا يَتَّقِي اللهَ عَبْدٌ حَقَّ تُقاتِهِ حَتّى يَحْزَنَ لِسانُهُ، والتُقاةُ مِنِ اتَّقى، كالتُؤَدَةِ مِنِ اتَّأدَ،

﴿وَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ولا تَكُونُنَّ عَلى حالٍ سِوى حالِ الإسْلامِ إذا أدْرَكَكُمُ المَوْتُ.

3:103Page 63

وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٠٣

And hold firmly to the rope1 of Allāh all together and do not become divided. And remember the favor of Allāh upon you - when you were enemies and He brought your hearts together and you became, by His favor, brothers. And you were on the edge of a pit of the Fire, and He saved you from it. Thus does Allāh make clear to you His verses that you may be guided.

﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ﴾ تَمَسَّكُوا بِالقُرْآنِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: « "القُرْآنُ حَبْلُ اللهِ المَتِينُ، لا تَنْقَضِي عَجائِبُهُ، ولا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَدِّ، مَن قالَ بِهِ صَدَقَ، ومَن عَمِلَ بِهِ رَشَدَ، ومَنِ اعْتَصَمَ بِهِ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ". »﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ (p-٢٨٠)مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ. وقِيلَ: تَمَسَّكُوا بِإجْماعِ الأُمَّةِ دَلِيلُهُ: ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ أيْ: ولا تَتَفَرَّقُوا، يَعْنِي: ولا تَفْعَلُوا ما يَكُونُ عَنْهُ التَفَرُّقُ، ويَزُولُ مَعَهُ الِاجْتِماعُ: أوْ ولا تَتَفَرَّقُوا عَنِ الحَقِّ بِوُقُوعِ الِاخْتِلافِ بَيْنَكُمْ، كَما اخْتَلَفَ اليَهُودُ والنَصارى، أوْ كَما كُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ في الجاهِلِيَّةِ يُحارِبُ بَعْضُكم بَعْضًا،

﴿واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ بَيْنَهُمُ العَداوَةُ والحُرُوبُ، فَألَّفَ بَيْنِ قُلُوبِهِمْ بِالإسْلامِ، وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ المَحِبَّةَ، وصارُوا إخْوانًا ﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النارِ﴾ وكُنْتُمْ مُشْفِينَ عَلى أنْ تَقَعُوا في نارِ جَهَنَّمَ، لِما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ،

﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾ بِالإسْلامِ، وهو رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ، فَعِنْدَهم هُمُ الَّذِينَ يُنْقِذُونَ أنْفُسَهم لا اللهُ تَعالى. والضَمِيرُ لِلْحُفْرَةِ، أوْ لِلنّارِ أوْ لِلشَّفا، وأنَّثَ لِإضافَتِهِ إلى الحُفْرَةِ. وشَفا الحُفْرَةِ: حَرْفُها، ولامُها واوٌ، فَلِهَذا يُثَنّى شَفَوانِ ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ البَيانِ البَلِيغِ ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكم آياتِهِ﴾ أيِ: القُرْآنَ الَّذِي فِيهِ أمْرٌ ونَهْيٌ، ووَعْدٌ ووَعِيدٌ ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ لِتَكُونُوا عَلى رَجاءِ الهِدايَةِ، أوْ لِتَهْتَدُوا بِهِ إلى الصَوابِ، وما يَنالُ بِهِ الثَوابَ.

3:104Page 63

وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٤

And let there be [arising] from you a nation inviting to [all that is] good, enjoining what is right and forbidding what is wrong,1 and those will be the successful.

﴿وَلْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ بِما اسْتَحْسَنَهُ الشَرْعُ والعَقْلُ ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ عَمّا اسْتَقْبَحَهُ الشَرْعُ والعَقْلُ، أوِ المَعْرُوفُ: ما وافَقَ الكِتابَ والسُنَّةَ، والمُنْكَرُ: ما خالَفَهُما، أوِ المَعْرُوفُ: الطاعَةُ، والمُنْكَرُ: المَعاصِي، والدُعاءُ إلى الخَيْرِ عامٌّ في التَكالِيفِ مِنَ الأفْعالِ والتُرُوكِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ خاصٌّ، و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيَ عَنِ المُنْكَرِ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ، ولِأنَّهُ لا يَصْلُحُ لَهُ إلّا مَن عَلِمَ بِالمَعْرُوفِ والمُنْكَرِ، وعَلِمَ كَيْفَ يُرَتِّبُ الأمْرَ في إقامَتِهِ، فَإنَّهُ يَبْدَأُ بِالسَهْلِ، فَإنْ لَمْ يَنْفَعْ تَرْقّى إلى الصَعْبِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَقاتِلُوا﴾ [الحُجُراتُ: ٩]. أوْ لِلتَّبْيِينِ، أيْ: وكُونُوا أُمَّةً تَأْمُرُونَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ (p-٢٨١)تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ [آلُ عِمْرانَ: ١١٠] ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ أيْ: هُمُ الأخِصّاءُ بِالفَلاحِ الكامِلِ، قالَ ﷺ: « "مَن أمَرَ بِالمَعْرُوفِ، ونَهى عَنِ المُنْكَرِ، فَهو خَلِيفَةُ اللهِ في أرْضِهِ، وخَلِيفَةُ رَسُولِهِ، وخَلِيفَةُ كِتابِهِ". » وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أفْضَلُ الجِهادِ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيُ عَنِ المُنْكَرِ.

3:105Page 63

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٥

And do not be like the ones who became divided and differed after the clear proofs had come to them. And those will have a great punishment

﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ بِالعَداوَةِ،

﴿واخْتَلَفُوا﴾ في الدِيانَةِ. وهُمُ اليَهُودُ والنَصارى، فَإنَّهُمُ اخْتَلَفُوا، وكَفَرَ بَعْضُهم بَعْضًا،

﴿مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ المُوجِبَةُ لِلِاتِّفاقِ عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، وهي كَلِمَةُ الحَقِّ.

﴿وَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾

3:106Page 63

يَوۡمَ تَبۡيَضُّ وُجُوهٞ وَتَسۡوَدُّ وُجُوهٞۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡوَدَّتۡ وُجُوهُهُمۡ أَكَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ١٠٦

On the Day [some] faces will turn white and [some] faces will turn black. As for those whose faces turn black, [to them it will be said], "Did you disbelieve [i.e., reject faith] after your belief? Then taste the punishment for what you used to reject."

وَنَصْبُ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ بِالظَرْفِ وهو "لَهُمْ" أوْ بِعَظِيمٍ، أوْ بِاذْكُرُوا، أيْ: وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ.

﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ أيْ: وُجُوهُ الكافِرِينَ، والبَياضُ مِنَ النُورِ، والسَوادُ مِنَ الظُلْمَةِ.

﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿أكَفَرْتُمْ﴾ فَحُذِفَ الفاءُ والقَوْلُ جَمِيعًا لِلْعِلْمِ بِهِ، والهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ والتَعْجِيبِ مِن حالِهِمْ،

﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ يَوْمَ المِيثاقِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِهِ: جَمِيعُ الكُفّارِ، وهو قَوْلُ أُبَيٍ، وهو الظاهِرُ. أوْ هُمُ المُرْتَدُّونَ، أوِ المُنافِقُونَ، أيْ: أكَفَرْتُمْ باطِنًا بَعْدَ إيمانِكم ظاهِرًا، أوْ أهْلُ الكِتابِ، وكُفْرُهم بَعْدَ الإيمانِ: تَكْذِيبُهم بِرَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ اعْتِرافِهِمْ بِهِ قَبْلَ مَجِيئِهِ،

﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾

3:107Page 63

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبۡيَضَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فَفِي رَحۡمَةِ ٱللَّهِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١٠٧

But as for those whose faces turn white, [they will be] within the mercy of Allāh. They will abide therein eternally.

﴿وَأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللهِ﴾ فَفي نِعْمَتُهُ، وهي الثَوابُ المُخَلَّدُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ لا يَظْعَنُونَ عَنْها، ولا يَمُوتُونَ.

3:108Page 63

تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۗ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٨

These are the verses of Allāh. We recite them to you, [O Muḥammad], in truth; and Allāh wants no injustice to the worlds [i.e., His creatures].

﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ﴾ الوارِدَةُ في الوَعْدِ، والوَعِيدِ، وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿نَتْلُوها (p-٢٨٢)عَلَيْكَ﴾ مُلْتَبِسَةً ﴿بِالحَقِّ﴾ والعَدْلِ، مِن جَزاءِ المُحْسِنِ والمُسِيءِ ﴿وَما اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ: لا يَشاءُ أنْ يَظْلِمَ هو عِبادَهُ، فَيَأْخُذُ أحَدًا بِغَيْرِ جُرْمٍ، أوْ يَزِيدُ في عِقابِ مُجْرِمٍ، أوْ يَنْقُصُ مِن ثَوابِ مُحْسِنٍ.

3:109Page 64

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ١٠٩

To Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And to Allāh will [all] matters be returned.

﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ (تَرْجِعُ) شامِيٌّ، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ.

3:110Page 64

كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ١١٠

You are the best nation produced [as an example] for mankind. You enjoin what is right and forbid what is wrong and believe in Allāh. If only the People of the Scripture had believed, it would have been better for them. Among them are believers, but most of them are defiantly disobedient.

كانَ عِبارَةٌ عَنْ وُجُودِ الشَيْءِ في زَمانٍ ماضٍ عَلى سَبِيلِ الإبْهامِ، ولا دَلِيلَ فِيهِ عَلى عَدَمِ سابِقٍ، ولا عَلى انْقِطاعِ طارِئٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: وُجِدْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، أوْ كُنْتُمْ في عِلْمِ اللهِ، أوْ في اللَوْحِ خَيْرُ أُمَّةٍ، أوْ كُنْتُمْ في الأُمَمِ قَبْلَكم مَذْكُورِينَ بِأنَّكم خَيْرُ أُمَّةِ مَوْصُوفِينَ بِهِ،

﴿أُخْرِجَتْ﴾ أُظْهِرَتْ ﴿لِلنّاسِ﴾ اللامُ تَتَعَلَّقُ بِأُخْرِجَتْ ﴿تَأْمُرُونَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، بَيَّنَ بِهِ كَوْنَهم خَيْرَ أُمَّةٍ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ كَرِيمٌ يُطْعِمُ الناسَ ويَكْسُوهُمْ، بَيَّنَتْ بِالإطْعامِ والإلْباسِ وجْهَ الكَرَمِ فِيهِ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ بِالإيمانِ، وطاعَةِ الرَسُولِ ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ عَنِ الكُفْرِ، وكُلِّ مَحْظُورٍ ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ وتَدُومُونَ عَلى الإيمانِ بِهِ، أوْ لِأنَّ الواوَ لا تَقْتَضِي التَرْتِيبَ،

﴿وَلَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ﴾ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ لَكانَ الإيمانُ خَيْرًا لَهم مِمّا هم فِيهِ، لِأنَّهم إنَّما آثَرُوا دِينَهم عَنْ دِينِ الإسْلامِ حُبًّا لِلرِّئاسَةِ، واسْتِتْباعِ العَوامِّ، ولَوْ آمَنُوا لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنَ الرِئاسَةِ، والأتْباعِ، وحُظُوظِ الدُنْيا ما هو خَيْرٌ مِمّا آثَرُوا دِينَ الباطِلِ لِأجْلِهِ، مَعَ الفَوْزِ بِما وعَدُوا عَلى الإيمانِ بِهِ مِن إيتاءِ الأجْرِ مَرَّتَيْنِ،

﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ،

﴿وَأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ المُتَمَرِّدُونَ في الكُفْرِ.

3:111Page 64

لَن يَضُرُّوكُمۡ إِلَّآ أَذٗىۖ وَإِن يُقَٰتِلُوكُمۡ يُوَلُّوكُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١١١

They will not harm you except for [some] annoyance. And if they fight you, they will show you their backs [i.e., retreat]; then they will not be aided.

﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى﴾ إلّا ضَرَرًا مُقْتَصِرًا عَلى أذًى بِقَوْلِ مَن (p-٢٨٣)طَعَنَ في الدِينِ، أوْ تَهْدِيدٍ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.

﴿وَإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ﴾ مُنْهَزِمِينَ، ولا يَضُرُّوكم بِقَتْلٍ، أوْ أسْرٍ.

﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ ثُمَّ لا يَكُونُ لَهم نَصْرٌ مِن أحَدٍ، ولا يَمْنَعُونَ مِنكُمْ، وفِيهِ تَثْبِيتٌ لِمَن أسْلَمَ مِنهُمْ، لِأنَّهم كانُوا يُؤْذُونَهم بِتَوْبِيخِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ، وهو ابْتِداءُ إخْبارٍ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ الشَرْطِ والجَزاءِ، ولَيْسَ بِمَعْطُوفٍ عَلى "يُوَلُّوكُمْ" إذْ لَوْ كانَ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ لَقِيلَ: ثُمَّ لا يُنْصَرُوا، وإنَّما اسْتُؤْنِفَ لِيُؤْذِنَ أنَّ اللهَ لا يَنْصُرُهم قاتَلُوا أوْ لَمْ يُقاتِلُوا، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: أُخْبِرُكم أنَّهم إنْ يُقاتِلُوكم يَنْهَزِمُوا، ثُمَّ أُخْبِرُكُمْ: أنَّهم لا يُنْصَرُونَ. و"ثُمَّ" لِلتَّراخِي في المَرْتَبَةِ، لِأنَّ الإخْبارَ بِتَسْلِيطِ الخِذْلانِ عَلَيْهِمْ أعْظَمُ مِنَ الإخْبارِ بِتَوْلِيَتِهِمُ الأدْبارَ.

3:112Page 64

ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إِلَّا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ١١٢

They have been put under humiliation [by Allāh] wherever they are overtaken, except for a rope [i.e., covenant] from Allāh and a rope [i.e., treaty] from the people [i.e., the Muslims].1 And they have drawn upon themselves anger from Allāh and have been put under destitution. That is because they disbelieved in [i.e., rejected] the verses of Allāh and killed the prophets without right. That is because they disobeyed and [habitually] transgressed.

﴿ضُرِبَتْ﴾ أُلْزِمَتْ ﴿عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ﴾ أيْ: عَلى اليَهُودِ،

﴿أيْنَما ثُقِفُوا﴾ وُجِدُوا ﴿إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ﴾ في مَحَلِّ النَصْبِ عَلى الحالِ، والباءُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: إلّا مُعْتَصِمِينَ، أوْ مُتَمَسِّكِينَ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ.

﴿وَحَبْلٍ مِنَ الناسِ﴾ والحَبْلُ: العَهْدُ، والذِمَّةُ، والمَعْنى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ في كُلِّ حالٍ، إلّا في حالِ اعْتِصامِهِمْ بِحَبْلِ اللهِ وحَبْلِ الناسِ، يَعْنِي: ذِمَّةَ اللهِ وذِمَّةَ المُسْلِمِينَ، أيْ: لا عِزَّ لَهم قَطُّ إلّا هَذِهِ الواحِدَةَ، وهي التِجاؤُهم إلى الذِمَّةِ لِما قَبِلُوهُ مِنَ الجِزْيَةِ،

﴿وَباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ اسْتَوْجَبُوهُ ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ﴾ الفَقْرُ عُقُوبَةً لَهم عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ اللهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آلُ عِمْرانَ: ١٨١] أوْ خَوْفُ الفَقْرِ مَعَ قِيامِ اليَسارِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن ضَرْبِ الذِلَّةِ، والمَسْكَنَةِ، والبَوْءِ بِغَضَبِ اللهِ، أيْ: ذَلِكَ كائِنٌ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ، وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الكُفْرُ، وذَلِكَ القَتْلُ كائِنٌ بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ لِلَّهِ، واعْتِدائِهِمْ لِحُدُودِهِ.

(p-٢٨٤)

3:113Page 64

۞ لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ ١١٣

They are not [all] the same; among the People of the Scripture is a community1 standing [in obedience], reciting the verses of Allāh during periods of the night and prostrating [in prayer].

﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ لَيْسَ أهْلُ الكِتابِ مُسْتَوِينَ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ قَوْلِهِ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ كَما وقَعَ قَوْلُهُ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ بَيانًا لِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آلُ عِمْرانَ: ١١٠] ﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ جَماعَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ عادِلَةٌ، مِن قَوْلِكَ: أقَمْتُ العُودَ فَقامَ، أيِ: اسْتَقامَ، وهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا مِنهُمْ،

﴿يَتْلُونَ آياتِ اللهِ﴾ القُرْآنَ،

﴿آناءَ اللَيْلِ﴾ ساعاتِهِ، واحِدُها: إنًى كَمِعًى، أوْ إنْوٌ كَقِنْوٌ، أوْ إنْيٍ كَنِحْيٍ،

﴿وَهم يَسْجُدُونَ﴾ يُصَلُّونَ. قِيلَ: يُرِيدُ صَلاةَ العِشاءِ، لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ لا يُصَلُّونَها، وقِيلَ: عَبَّرَ عَنْ تَهَجُّدِهِمْ بِتِلاوَةِ القُرْآنِ في ساعاتِ اللَيْلِ مَعَ السُجُودِ.

3:114Page 64

يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١١٤

They believe in Allāh and the Last Day, and they enjoin what is right and forbid what is wrong and hasten to good deeds. And those are among the righteous.

﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ بِالإيمانِ، وسائِرِ أبْوابِ البِرِّ،

﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ عَنِ الكُفْرِ، ومَنهِيّاتِ الشَرْعِ،

﴿وَيُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ يُبادِرُونَ إلَيْها خَشْيَةَ الفَوْتِ، وقَوْلُهُ: "يَتْلُونَ" و"يُؤْمِنُونَ" في مَحَلِّ الرَفْعِ صِفَتانِ لِأُمَّةٍ، أيْ: أُمَّةٌ قائِمَةٌ، تالُونَ، مُؤْمِنُونَ، ووَصَفَهم بِخَصائِصِ ما كانَتْ في اليَهُودِ مِن تِلاوَةِ آياتِ اللهِ بِاللَيْلِ ساجِدِينَ، ومِنَ الإيمانِ بِاللهِ، لِأنَّ إيمانَهم بِهِ كَلا إيمانٍ لِإشْراكِهِمْ بِهِ عُزَيْرًا، وكُفْرِهِمْ بِبَعْضِ الكُتُبِ والرُسُلِ، ومِنَ الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ، لِأنَّهم يَصِفُونَهُ بِخِلافِ صِفَتِهِ، ومِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، لِأنَّهم كانُوا مُداهِنِينَ، ومِنَ المُسارَعَةِ في الخَيْراتِ، لِأنَّهم كانُوا مُتَباطِئِينَ عَنْها غَيْرَ راغِبِينَ فِيها، والمُسارَعَةُ في الخَيْرِ: فَرْطُ الرَغْبَةِ فِيهِ، لِأنَّ مَن رَغِبَ في الأمْرِ سارَعَ بِالقِيامِ بِهِ ﴿وَأُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما وُصِفُوا بِهِ ﴿مِنَ الصالِحِينَ﴾ مِنَ المُسْلِمِينَ، أوْ مِن جُمْلَةِ الصالِحِينَ الَّذِينَ صَلَحَتْ أحْوالُهم عِنْدَ اللهِ، ورَضِيَهم.

3:115Page 64

وَمَا يَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلَن يُكۡفَرُوهُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ١١٥

And whatever good they do - never will it be denied them. And Allāh is Knowing of the righteous.

﴿وَما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾

١١٥ ((وَما يَفْعَلُواْ مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ) بِالياءِ فِيهِما، كُوفِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ، وأبُو عَمْرٍو مُخَيَّرٌ، غَيْرُهم بِالتاءِ. وعُدِّيَ يُكْفَرُوهُ إلى مَفْعُولَيْنِ -وَإنْ كانَ "شَكَرَ" (p-٢٨٥)وَ "كَفَرَ" لا يَتَعَدَّيانِ إلّا إلى واحِدٍ، تَقُولُ: شَكَرَ النِعْمَةَ وكَفَرَها- لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الحِرْمانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَنْ تُحْرَمُوهُ، أيْ: فَلَنْ تُحْرَمُوا جَزاءَهُ ﴿واللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ بِشارَةٌ لِلْمُتَّقِينَ بِجَزِيلِ الثَوابِ.

3:116Page 65

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١١٦

Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allāh at all, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ أيْ: مِن عَذابِ اللهِ،

﴿وَأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

3:117Page 65

مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَثَلِ رِيحٖ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتۡ حَرۡثَ قَوۡمٖ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَأَهۡلَكَتۡهُۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنۡ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١١٧

The example of what they spend in this worldly life is like that of a wind containing frost which strikes the harvest of a people who have wronged themselves [i.e., sinned] and destroys it. And Allāh has not wronged them, but they wrong themselves.

﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا﴾ في المَفاخِرِ، والمَكارِمِ، وكَسْبِ الثَناءِ، وحُسْنِ الذِكْرِ بَيْنَ الناسِ، أوْ ما يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلى اللهِ مَعَ كُفْرِهِمْ.

﴿كَمَثَلِ رِيحٍ﴾ كَمَثَلِ مُهْلَكِ رِيحٍ، وهو الحَرْثُ، أوْ مَثَلُ إهْلاكِ ما يُنْفِقُونَ كَمَثَلِ إهْلاكِ رِيحٍ ﴿فِيها صِرٌّ﴾ بَرْدٌ شَدِيدٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِرِيحٍ، مِثْلُ: ﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِالكُفْرِ ﴿فَأهْلَكَتْهُ﴾ عُقُوبَةً عَلى كُفْرِهِمْ ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ﴾ بِإهْلاكِ حَرْثِهِمْ ﴿وَلَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِارْتِكابِ ما اسْتَحَقُّوا بِهِ العُقُوبَةَ، أوْ يَكُونُ الضَمِيرُ لِلْمُنْفِقِينَ، أيْ: وما ظَلَمَهُمُ اللهُ بِأنْ لَمْ يَقْبَلْ نَفَقاتِهِمْ، ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم حَيْثُ لَمْ يَأْتُوا بِها لائِقَةً لِلْقَبُولِ.

3:118Page 65

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ١١٨

O you who have believed, do not take as intimates those other than yourselves [i.e., believers], for they will not spare you [any] ruin. They wish you would have hardship. Hatred has already appeared from their mouths, and what their breasts conceal is greater. We have certainly made clear to you the signs, if you will use reason.

وَنَزَلَ نَهْيًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُصافاةِ المُنافِقِينَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً﴾ بِطانَةُ الرَجُلِ ووَلِيجَتُهُ: خَصِيصِهِ، وصَفِيِّهِ. شُبِّهَ بِبِطانَةِ الثَوْبِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ شِعارِيٌّ، وفي الحَدِيثِ: « "الأنْصارُ شِعارٌ، والناسُ دِثارٌ". »﴿مِن دُونِكُمْ﴾ مِن دُونِ أبْناءِ جِنْسِكُمْ، وهُمُ المُسْلِمُونَ، وهو صِفَةٌ لِبِطانَةٍ. أيْ: (p-٢٨٦)بِطانَةً كائِنَةً مِن دُونِكم مُجاوِزَةً لَكم ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالا﴾ في مَوْضِعِ النَصْبِ صِفَةً لِبِطانَةٍ، يَعْنِي: لا يُقَصِّرُونَ في فَسادِ دِينِكم. يُقالُ: ألا في الأمْرِ يَأْلُو: إذا قَصَّرَ فِيهِ، والخَبالُ: الفَسادُ، وانْتَصَبَ خَبالًا عَلى التَمْيِيزِ: أوْ عَلى حَذْفِ فِي، أيْ: في خَبالِكم.

﴿وَدُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ أيْ: عَنَتَكُمْ، فَما: مَصْدَرِيَّةٌ، والعَنَتُ: شِدَّةُ الضَرَرِ والمَشَقَّةُ، أيْ: تَمَنَّوْا أنْ يَضُرُّوكم في دِينِكم ودُنْياكم أشَدَّ الضَرَرِ وأبْلَغَهُ، وهو مُسْتَأْنَفٌ عَلى وجْهِ التَعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِهِمْ بِطانَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ لِأنَّهم لا يَتَمالَكُونَ -مَعَ ضَبْطِهِمْ أنْفُسَهُمْ- أنْ يَنْفَلِتَ مِن ألْسِنَتِهِمْ ما يُعْلَمُ بِهِ بَعْضُهم لِلْمُسْلِمِينَ ﴿وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ﴾ مِنَ البُغْضِ لَكُمْ،

﴿أكْبَرُ﴾ مِمّا بَدا.

﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ الدالَّةَ عَلى وُجُوبِ الإخْلاصِ في الدِينِ، ومُوالاةِ أوْلِياءِ اللهِ، ومُعاداةِ أعْدائِهِ،

﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ما بُيِّنَ لَكم.

3:119Page 65

هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١١٩

Here you are loving them but they are not loving you, while you believe in the Scripture - all of it.1 And when they meet you, they say, "We believe." But when they are alone, they bite their fingertips at you in rage. Say, "Die in your rage. Indeed, Allāh is Knowing of that within the breasts."

﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ﴾ "ها" لِلتَّنْبِيهِ، و"أنْتُمْ" مُبْتَدَأٌ، و"أُولاءِ" خَبَرُهُ، أيْ: أنْتُمْ أُولاءِ الخاطِئُونَ في مُوالاةِ مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ.

﴿تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ بَيانٌ لِخَطَئِهِمْ في مُوالاتِهِمْ حَيْثُ يَبْذُلُونَ مَحَبَّتَهم لِأهْلِ البَغْضاءِ، أوْ أُولاءِ مَوْصُولٌ صِلَتُهُ "تُحِبُّونَهُمْ" والواوُ في ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ لِلْحالِ، وانْتِصابُها مِن "لا يُحِبُّونَكُمْ" أيْ: لا يُحِبُّونَكُمْ، والحالُ أنَّكم تُؤْمِنُونَ بِكِتابِهِمْ كُلِّهِ، وهم مَعَ ذَلِكَ يُبْغِضُونَكُمْ، فَما بالُكم تُحِبُّونَهم وهم لا يُؤْمِنُونَ بِشَيْءٍ مِن كِتابِكُمْ، وفِيهِ تَوْبِيخٌ شَدِيدٌ، لِأنَّهم في باطِلِهِمْ أصْلَبُ مِنكم في حَقِّكُمْ، وقِيلَ: الكِتابُ لِلْجِنْسِ.

﴿وَإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا﴾ أظْهَرُوا كَلِمَةَ التَوْحِيدِ ﴿وَإذا خَلَوْا﴾ فارَقُوكُمْ، أوْ خَلا بَعْضُهم بِبَعْضٍ.

﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ يُوصَفُ المُغْتاظُ والنادِمُ بِعَضِّ الأنامِلِ، والبَنانِ، والإبْهامِ.

﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزْدادَ غَيْظُهم حَتّى يَهْلَكُوا بِهِ، والمُرادُ بِزِيادَةِ الغَيْظِ: زِيادَةُ ما يَغِيظُهم مِن قُوَّةِ الإسْلامِ، وعِزِّ أهْلِهِ، وما لَهم في ذَلِكَ مِنَ الذُلِّ والخِزْيِ.

﴿إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾ فَهو يَعْلَمُ (p-٢٨٧)ما في صُدُورِ المُنافِقِينَ مِنَ الحَنَقِ والبَغْضاءِ، وما يَكُونُ مِنهم في حالِ خُلُوِّ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وهو داخِلٌ في جُمْلَةِ المَقُولِ، أيْ: أخْبِرْهم بِما يُسِرُّونَهُ مِن عَضِّهِمُ الأنامِلَ غَيْظًا إذا خَلَوْا، وقُلْ لَهُمْ: إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما هو أخْفى مِمّا تُسِرُّونَهُ بَيْنَكُمْ، وهو مُضْمَراتُ الصُدُورِ، فَلا تَظُنُّوا أنَّ شَيْئًا مِن أسْرارِكم يَخْفى عَلَيْهِ، أوْ خارِجٌ عَنِ المَقُولِ، أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ يا مُحَمَّدُ، ولا تَتَعَجَّبْ مِن إطْلاعِي إيّاكَ عَلى ما يُسِرُّونَ، فَإنِّي أعْلَمُ بِما هو أخْفى مِن ذَلِكَ، وهو ما أضْمَرُوهُ في صُدُورِهِمْ.

3:120Page 65

إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ١٢٠

If good touches you, it distresses them; but if harm strikes you, they rejoice at it. And if you are patient and fear Allāh, their plot will not harm you at all. Indeed, Allāh is encompassing of what they do.

﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ﴾ رَخاءٌ، وخِصْبٌ، وغَنِيمَةٌ، ونُصْرَةٌ.

﴿تَسُؤْهُمْ﴾ تُحْزِنْهم إصابَتُها ﴿وَإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ﴾ أضْدادُ ما ذَكَرْنا، والمَسُّ مُسْتَعارٌ مِنَ الإصابَةِ، فَكَأنَّ المَعْنى واحِدٌ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ [التَوْبَةُ: ٥٠] ﴿يَفْرَحُوا بِها﴾ بِإصابَتِها ﴿وَإنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى عَداوَتِهِمْ ﴿وَتَتَّقُوا﴾ ما نُهِيتُمْ عَنْهُ مِن مُوالاتِهِمْ، أوْ ﴿وَإنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى تَكالِيفِ الدِينِ ومَشاقِّهِ "وَتَتَّقُوا" اللهَ في اجْتِنابِكم مَحارِمَهُ ﴿لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ مَكْرُهُمْ، وكُنْتُمْ في كَنَفِ اللهِ، وهَذا تَعْلِيمٌ مِنَ اللهِ، وإرْشادٌ إلى أنْ يُسْتَعانَ عَلى كَيْدِ العَدُوِّ بِالصَبْرِ والتَقْوى، وقالَ الحُكَماءُ: إذا أرَدْتَ أنْ تَكْبِتَ مَن يَحْسُدُكَ فازْدَدْ فَضْلًا في نَفْسِكَ، (لا يَضِرْكُمْ) مَكِّيٌّ، وبَصْرِيٌّ، ونافِعٌ مِن ضارَهُ يَضِيرُهُ بِمَعْنى ضَرَّهُ، وهو واضِحٌ، والمُشْكِلُ قِراءَةُ غَيْرِهِمْ، لِأنَّهُ جَوابُ الشَرْطِ، وجَوابُ الشَرْطِ مَجْزُومٌ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِفَتْحِ الراءِ كَقِراءَةِ المُفَضَّلِ عَنْ عاصِمٍ، إلّا أنَّ ضَمَّةَ الراءِ لِإتْباعِ ضَمَّةِ الضادِ، نَحْوُ: مُدُّ يا هَذا، " إنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ " بِالتاءِ سَهْلٌ، أيْ: مِنَ الصَبْرِ والتَقْوى وغَيْرِهِما ﴿مُحِيطٌ﴾ فَفاعِلٌ بِكم ما أنْتُمْ أهْلُهُ، وبِالياءِ غَيْرُهُ، أيْ: أنَّهُ عالِمٌ بِما يَعْمَلُونَ في عَداوَتِكم فَمُعاقِبُهم عَلَيْهِ.

3:121Page 65

وَإِذۡ غَدَوۡتَ مِنۡ أَهۡلِكَ تُبَوِّئُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلۡقِتَالِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٢١

And [remember] when you, [O Muḥammad], left your family in the morning to post the believers at their stations for the battle [of Uḥud] - and Allāh is Hearing and Knowing -

﴿وَإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ﴾ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ خَرَجْتَ غُدْوَةً مِن أهْلِكَ بِالمَدِينَةِ، والمُرادُ: غَدْوُهُ مِن حُجْرَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها إلى أُحُدٍ ﴿تُبَوِّئُ (p-٢٨٨)المُؤْمِنِينَ﴾ تُنْزِلُهُمْ، وهو حالٌ ﴿مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ مَواطِنَ ومَواقِفَ مِنَ المَيْمَنَةِ، والمَيْسَرَةِ، والقَلْبِ، والجَناحَيْنِ، والساقَةِ. و"لِلْقِتالِ": يَتَعَلَّقُ بِـ "تُبَوِّئُ" ﴿واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سَمِيعٌ لِأقْوالِكم "عَلِيمٌ" بِنِيّاتِكم وضَمائِرِكُمْ، رُوِيَ «أنَّ المُشْرِكِينَ نَزَلُوا بِأُحُدٍ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، فاسْتَشارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أصْحابَهُ، ودَعا عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ فاسْتَشارَهُ، فَقالَ: أقِمْ بِالمَدِينَةِ، فَما خَرَجْنا عَلى عَدُوٍّ قَطُّ إلّا أصابَ مِنّا، وما دَخَلُوا عَلَيْنا إلّا أصَبْنا مِنهم. فَقالَ ﷺ: "إنِّي رَأيْتُ في مَنامِي بَقَرًا مُذَبَّحَةً حَوْلِي، فَأوَّلْتُها خَيْرًا، ورَأيْتُ في ذُبابِ سَيْفِي ثُلْمَةً فَأوَّلْتُها هَزِيمَةً، ورَأيْتُ كَأنِّي أدْخَلْتُ يَدِي في دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأوَّلْتُها المَدِينَةَ". فَلَمْ يَزَلْ بِهِ قَوْمٌ يَنْشَطُونَ في الشَهادَةِ حَتّى لَبِسَ لَأْمَتَهُ، ثُمَّ نَدِمُوا، فَقالُوا: الأمْرُ إلَيْكَ يا رَسُولَ اللهِ، فَقالَ ﷺ: "لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَلْبَسَ لَأْمَتَهُ فَيَضَعُها حَتّى يُقاتِلَ". فَخَرَجَ بَعْدَ صَلاةِ الجُمْعَةِ، وأصْبَحَ بِالشِعْبِ مِن أُحُدٍ يَوْمَ السَبْتِ لِلنِّصْفِ مِن شَوّالٍ. »

3:122Page 66

إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٢٢

When two parties among you were about to lose courage, but Allāh was their ally; and upon Allāh the believers should rely.

﴿إذْ هَمَّتْ﴾ بَدَلٌ مِن إذْ غَدَوْتَ، أوْ عَمِلَ فِيهِ مَعْنى "عَلِيمٌ" ﴿طائِفَتانِ مِنكُمْ﴾ حَيّانِ مِنَ الأنْصارِ بَنُو سَلَمَةَ مَنِ الخَزْرَجِ، وبَنُو حارِثَةَ مِنَ الأوْسِ، وكانَ ﷺ خَرَجَ إلى أُحُدٍ في ألْفٍ، والمُشْرِكُونَ في ثَلاثَةِ آلافٍ، ووَعَدَهُمُ الفَتْحَ إنْ صَبَرُوا، فانْخَذَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ بِثُلُثِ الناسِ، وقالَ: عَلامَ نَقْتُلُ أنْفُسَنا وأوْلادَنا؟ فَهَمَّ الحَيّانِ بِاتِّباعِهِ، فَعَصَمَهُمُ اللهُ، فَمَضَوْا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﴿أنْ تَفْشَلا﴾ أيْ: بِأنْ تَفْشَلا، أيْ: بِأنْ تَجْبُنا وتَضْعُفا. والفَشَلُ: الجُبْنُ، والخَوَرُ.

﴿واللهُ ولِيُّهُما﴾ مُحِبُّهُما، أوْ ناصِرُهُما، أوْ مُتَوَلِّي أمْرِهِما، فَما لَهُما تَفْشَلانِ، ولا تَتَوَكَّلانِ عَلى اللهِ؟! ﴿وَعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أمَرَهم بِألّا يَتَوَكَّلُوا إلّا عَلَيْهِ، ولا يُفَوِّضُوا أُمُورَهم إلّا إلَيْهِ، قالَ جابِرٌ: واللهِ ما يَسُرُّنا أنّا لَمْ نَهِمَّ بِالَّذِي هَمَمْنا بِهِ، وقَدْ أخْبَرَنا اللهُ بِأنَّهُ ولِيُّنا.

3:123Page 66

وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢٣

And already had Allāh given you victory at [the battle of] Badr while you were weak [i.e., few in number]. Then fear Allāh; perhaps you will be grateful.

ثُمَّ ذَكَّرَهم ما يُوجِبُ عَلَيْهِمُ التَوَكُّلَ مِمّا يَسَرَّ لَهم مِنَ الفَتْحِ يَوْمَ بَدْرٍ، (p-٢٨٩)وَهم في حالِ قِلَّةٍ وذِلَّةٍ فَقالَ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ﴾ وهو اسْمُ ماءٍ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ كانَ لِرَجُلٍ يُسَمّى بَدْرًا، فَسُمِّيَ بِهِ، أوْ ذُكِرَ بَدْرًا بَعْدَ أحَدٍ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصَبْرِ والشُكْرِ ﴿وَأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ لِقِلَّةِ العَدَدِ -فَإنَّهم كانُوا ثَلَثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ، وكانَ عَدُوُّهم زُهاءَ ألْفِ مُقاتِلٍ- والعُدَدِ فَإنَّهم خَرَجُوا عَلى النَواضِحِ، يَعْتَقِبُ النَفَرُ مِنهم عَلى البَعِيرِ الواحِدِ، وما كانَ مَعَهم إلّا فَرَسٌ واحِدٌ، ومَعَ عَدُوِّهِمْ مِائَةُ فَرَسٍ، والشِكَّةِ والشَوْكَةِ. جاءَ بِجَمْعِ القِلَّةِ، وهو "أذِلَّةٌ"، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم عَلى ذِلَّتِهِمْ كانُوا قَلِيلًا ﴿فاتَّقُوا اللهَ﴾ في الثَباتِ مَعَ رَسُولِهِ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ بِتَقْواكم ما أنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْكم مِنَ النَصْرِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском