An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:150–170
3:150Page 69
بَلِ ٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلنَّٰصِرِينَ ١٥٠
But Allāh is your protector, and He is the best of helpers.
﴿بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ﴾ ناصِرُكُمْ، فاسْتَغْنَوْا عَنْ نُصْرَةِ غَيْرِهِ ﴿وَهُوَ خَيْرُ الناصِرِينَ﴾
(p-٣٠٠)
3:151Page 69
سَنُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ بِمَآ أَشۡرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗاۖ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٥١
We will cast terror into the hearts of those who disbelieve for what they have associated with Allāh of which He had not sent down [any] authority.1 And their refuge will be the Fire, and wretched is the residence of the wrongdoers.
﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُعْبَ﴾ (الرُعْبُ) شامِيٌّ، وعَلِيٌّ. وهُما لُغَتانِ. قِيلَ: قَذَفَ اللهُ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ الخَوْفَ يَوْمَ أُحُدٍ، فانْهَزَمُوا إلى مَكَّةَ مِن غَيْرِ سَبَبٍ، ولَهُمُ القُوَّةُ والغَلَبَةُ.
﴿بِما أشْرَكُوا بِاللهِ﴾ بِسَبَبِ إشْراكِهِمْ، أيْ:كانَ السَبَبُ في إلْقاءِ اللهِ الرُعْبَ في قُلُوبِهِمْ إشْراكَهم بِهِ ﴿ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ آلِهَةً لَمْ يُنْزِلِ اللهُ بِإشْراكِها حُجَّةً، ولَمْ يُرِدْ أنَّ هُناكَ حُجَّةً إلّا أنَّها تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ الشِرْكَ لا يَسْتَقِيمُ أنْ تَقُومَ عَلَيْهِ حُجَّةٌ، وإنَّما المُرادُ: نَفْيُ الحُجَّةِ ونُزُولُها جَمِيعًا، كَقَوْلِهِ:
؎ ولا تَرى الضَبَّ بِها يَنْجَحِرُ
أيْ: لَيْسَ بِها ضَبٌّ فَيَنْجَحِرَ، ولَمْ يَعْنِ: أنْ بِها ضَبًّا ولا يَنْجَحِرُ ﴿وَمَأْواهُمُ﴾ مَرْجِعُهم ﴿النارُ وبِئْسَ مَثْوى الظالِمِينَ﴾ النارُ فالمَخْصُوصُ بِالذَمِّ مَحْذُوفٌ.
3:152Page 69
وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ ثُمَّ صَرَفَكُمۡ عَنۡهُمۡ لِيَبۡتَلِيَكُمۡۖ وَلَقَدۡ عَفَا عَنكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٥٢
And Allāh had certainly fulfilled His promise to you when you were killing them [i.e., the enemy] by His permission until [the time] when you lost courage and fell to disputing about the order [given by the Prophet (ﷺ)] and disobeyed after He had shown you that which you love.1 Among you are some who desire this world, and among you are some who desire the Hereafter. Then He turned you back from them [defeated] that He might test you. And He has already forgiven you, and Allāh is the possessor of bounty for the believers.
«وَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ أصْحابِهِ إلى المَدِينَةِ قالَ ناسٌ مِن أصْحابِهِ: مِن أيْنَ أصابَنا هَذا وقَدْ وعَدَنا اللهُ النَصْرَ؟! فَنَزَلَ ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وعْدَهُ﴾ » أيْ: حَقَّقَ ﴿إذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ تَقْتُلُونَهم قَتْلًا ذَرِيعًا، وعَنِ ابْنِ عِيسى: حَسَّهُ: أبْطَلَ حِسَّهُ بِالقَتْلِ.
﴿بِإذْنِهِ﴾ بِأمْرِهِ، وعِلْمِهِ ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ جَبُنْتُمْ،
﴿وَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ أيِ: اخْتَلَفْتُمْ ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ أمْرَ نَبِيِّكم بِتَرْكِكُمُ المَرْكَزَ، واشْتِغالِكم بِالغَنِيمَةِ.
﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ مِنَ الظَفَرِ، وقَهْرِ الكُفّارِ، ومُتَعَلِّقُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ مَنَعَكم نَصْرَهُ. وجازَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: صَدَقَكُمُ اللهُ وعْدَهُ إلى وقْتِ فَشَلِكم. (p-٣٠١)﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُنْيا﴾ أيِ: الغَنِيمَةَ، وهُمُ الَّذِينَ تَرَكُوا المَرْكَزَ لِطَلَبِ الغَنِيمَةِ.
وَرُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَعَلَ أُحُدًا خَلَفَ ظَهْرِهِ، واسْتَقْبَلَ المَدِينَةَ، وأقامَ الرُماةَ عِنْدَ الجَبَلِ، وأمَرَهم أنْ يَثْبُتُوا في مَكانِهِمْ، ولا يَبْرَحُوا، كانَتِ الدَوْلَةُ لِلْمُسْلِمِينَ أوْ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أقْبَلَ المُشْرِكُونَ جَعَلَ الرُماةُ يَرْشُقُونَ خَيْلَهُمْ، والباقُونَ يَضْرِبُونَهم بِالسُيُوفِ، حَتّى انْهَزَمُوا، والمُسْلِمُونَ عَلى آثارِهِمْ يَقْتُلُونَهُمْ، حَتّى إذا فَشِلُوا وتَنازَعُوا، فَقالَ بَعْضُهُمْ: قَدِ انْهَزَمَ المُشْرِكُونَ فَما مَوْقِفُنا هاهُنا؟ فادْخُلُوا عَسْكَرَ المُسْلِمِينَ، وخُذُوا الغَنِيمَةَ مَعَ إخْوانِكم. وقالَ بَعْضُهُمْ: لا تُخالِفُوا أمْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ. » فَمِمَّنْ ثَبَتَ مَكانُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرٍ -أمِيرُ الرُماةِ- في نَفَرٍ دُونَ العَشْرَةِ، وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ فَكَرَّ المُشْرِكُونَ عَلى الرُماةِ، وقَتَلُوا عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ، وأقْبَلُوا عَلى المُسْلِمِينَ حَتّى هَزَمُوهُمْ، وقَتَلُوا مَن قَتَلُوا، وهو قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمْ﴾ أيْ: كَفَّ مَعُونَتَهُ عَنْكُمْ، فَغَلَبُوكم ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ لِيَمْتَحِنَ صَبْرَكم عَلى المَصائِبِ، وثَباتَكم عِنْدَها، وحَقِيقَتُهُ: لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ، لِأنَّهُ يُجازِي عَلى ما يَعْمَلُهُ العَبْدُ لا عَلى ما يَعْلَمُهُ مِنهُ ﴿وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ حَيْثُ نَدِمْتُمْ عَلى ما فَرَطَ مِنكم مِن عِصْيانِ أمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ﴿واللهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ بِالعَفْوِ عَنْهُمْ، وقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، أوْ هو مُتَفَضِّلٌ عَلَيْهِمْ في جَمِيعِ الأحْوالِ، سَواءٌ أُدِيلَ لَهُمْ، أوْ أُدِيلَ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ الِابْتِلاءَ رَحْمَةٌ، كَما أنَّ النُصْرَةَ رَحْمَةٌ.
3:153Page 69
۞ إِذۡ تُصۡعِدُونَ وَلَا تَلۡوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٖ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ فِيٓ أُخۡرَىٰكُمۡ فَأَثَٰبَكُمۡ غَمَّۢا بِغَمّٖ لِّكَيۡلَا تَحۡزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمۡۗ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٥٣
[Remember] when you [fled and] climbed [the mountain] without looking aside at anyone while the Messenger was calling you from behind. So Allāh repaid you with distress upon distress so you would not grieve for that which had escaped you [of victory and spoils of war] or [for] that which had befallen you [of injury and death]. And Allāh is [fully] Aware of what you do.
وانْتَصَبَ ﴿إذْ تُصْعِدُونَ﴾ تُبالِغُونَ في الذَهابِ في صَعِيدِ الأرْضِ، والإصْعادُ: الذَهابُ في صَعِيدِ الأرْضِ، والإبْعادُ فِيهِ، بِصَرَفَكُمْ، أوْ بِقَوْلِهِ "لِيَبْتَلِيَكُمْ" أوْ بِإضْمارِ اذْكُرُوا.
﴿وَلا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ﴾ ولا تَلْتَفِتُونَ، وهو عِبارَةٌ عَنْ غايَةِ انْهِزامِهِمْ، وخَوْفِ عَدْوِهِمْ ﴿والرَسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ يَقُولُ: « "إلَيَّ عِبادَ اللهِ، أنا رَسُولُ اللهِ، مَن يَكِرُّ فَلَهُ الجَنَّةُ". » (p-٣٠٢)والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ ﴿فِي أُخْراكُمْ﴾ في ساقَتِكُمْ، وجَماعَتِكُمُ الأُخْرى، وهي المُتَأخِّرَةُ. يُقالُ: جِئْتُ في آخِرِ الناسِ وأُخْراهُمْ، كَما تَقُولُ: في أوَّلِهِمْ، وأُولاهُمْ، بِتَأْوِيلِ مُقَدِّمَتِهِمْ، وجَماعَتِهِمُ الأُولى.
﴿فَأثابَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى صَرَفَكُمْ، أيْ: فَجازاكُمُ اللهُ ﴿غَمًّا﴾ حِينَ صَرَفَكم عَنْهُمْ، وابْتَلاكم.
﴿بِغَمٍّ﴾ بِسَبَبِ غَمٍّ أذَقْتُمُوهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِعِصْيانِكم أمْرَهُ، أوْ غَمًّا مُضاعَفًا، غَمًّا بَعْدَ غَمٍّ، وغَمًّا مُتَّصِلًا بِغَمٍّ، مِنَ الِاغْتِمامِ بِما أُرْجِفَ بِهِ مِن قَتْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، والجُرْحِ، والقَتْلِ، وظَفَرِ المُشْرِكِينَ، وفَوْتِ الغَنِيمَةِ والنَصْرِ.
﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ لِتَتَمَرَّنُوا عَلى تَجَرُّعِ الغُمُومِ، فَلا تَحْزَنُوا فِيما بَعْدُ عَلى فائِتٍ مِنَ المَنافِعِ.
﴿وَلا ما أصابَكُمْ﴾ ولا عَلى مُصِيبٍ مِنَ المَضارِّ ﴿واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ عالِمٌ بِعَمَلِكم لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِكُمْ، وهَذا تَرْغِيبٌ في الطاعَةِ، وتَرْهِيبٌ عَنِ المَعْصِيَةِ.
3:154Page 70
ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنۢ بَعۡدِ ٱلۡغَمِّ أَمَنَةٗ نُّعَاسٗا يَغۡشَىٰ طَآئِفَةٗ مِّنكُمۡۖ وَطَآئِفَةٞ قَدۡ أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ مِن شَيۡءٖۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَمۡرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِۗ يُخۡفُونَ فِيٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبۡدُونَ لَكَۖ يَقُولُونَ لَوۡ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٞ مَّا قُتِلۡنَا هَٰهُنَاۗ قُل لَّوۡ كُنتُمۡ فِي بُيُوتِكُمۡ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمۡۖ وَلِيَبۡتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمۡ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٥٤
Then after distress, He sent down upon you security [in the form of] drowsiness, overcoming a faction of you, while another faction worried about themselves, thinking of Allāh other than the truth - the thought of ignorance, saying, "Is there anything for us [to have done] in this matter?" Say, "Indeed, the matter belongs completely to Allāh." They conceal within themselves what they will not reveal to you. They say, "If there was anything we could have done in the matter, we [i.e., some of us] would not have been killed right here." Say, "Even if you had been inside your houses, those decreed to be killed would have come out to their death beds." [It was] so that Allāh might test what is in your breasts and purify what is in your hearts. And Allāh is Knowing of that within the breasts.
﴿ثُمَّ أنْـزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا﴾ ثُمَّ أنْزَلَ اللهُ الأمْنَ عَلى المُؤْمِنِينَ، وأزالَ عَنْهُمُ الخَوْفَ الَّذِي كانَ بِهِمْ، حَتّى نَعَسُوا، وغَلَبَهُمُ النَوْمُ. «عَنْ أبِي طَلْحَةَ: غَشِيَنا النُعاسُ ونَحْنُ في مَصافِّنا، فَكانَ السَيْفُ يَسْقُطُ مِن يَدِ أحَدِنا فَيَأْخُذُهُ، ثُمَّ يَسْقُطُ فَيَأْخُذُهُ، » والأمَنَةُ: الأمْنُ. و"نُعاسًا" بَدَلٌ مِن أمَنَةٍ، أوْ هو مَفْعُولٌ، و"أمَنَةً" حالٌ مِنهُ مُقَدَّمَةً عَلَيْهِ، نَحْوُ: رَأيْتُ راكِبًا رَجُلًا، والأصْلُ: أنْزَلَ عَلَيْكم نُعاسًا ذا أمَنَةٍ، إذِ النُعاسُ لَيْسَ هو الأمْنَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "أمَنَةً" مَفْعُولًا لَهُ، أوْ حالًا مِنَ المُخاطَبِينَ بِمَعْنى: ذَوِي أمَنَةٍ، أوْ عَلى أنَّهُ جَمْعُ آمِنٍ، كَبارٍّ وبَرَرَةٍ ﴿يَغْشى﴾ يَعْنِي: النُعاسُ. (تَغْشى) بِالتاءِ والإمالَةِ، حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، أيِ: الأمَنَةُ.
﴿طائِفَةً مِنكُمْ﴾ هم أهْلُ الصِدْقِ، واليَقِينِ.
﴿وَطائِفَةٌ﴾ هُمُ المُنافِقُونَ ﴿قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾ ما يُهِمُّهم إلّا هَمُّ أنْفُسِهِمْ وخَلاصُها، لا هَمُّ (p-٣٠٣)الدِينِ، ولا هَمُّ رَسُولِ ﷺ والمُسْلِمِينَ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ.
﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الحَقِّ﴾ في حُكْمِ المَصْدَرِ، أيْ: يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الظَنِّ الحَقِّ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُظَنَّ بِهِ، وهو ألّا يَنْصُرَ مُحَمَّدًا ﷺ.
﴿ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِنهُ. والمُرادُ: الظَنُّ المُخْتَصُّ بِالمِلَّةِ الجاهِلِيَّةِ، أوْ ظَنُّ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، أيْ: لا يَظُنُّ مِثْلَ ذَلِكَ الظَنِّ إلّا أهْلُ الشِرْكِ الجاهِلُونَ بِاللهِ ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ هَلْ لَنا مَعاشِرَ المُسْلِمِينَ مِن أمْرِ اللهِ نَصِيبٌ قَطُّ، يَعْنُونَ: النَصْرَ، والغَلَبَةَ عَلى العَدُوِّ.
﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ﴾ أيِ: النَصْرَ، والغَلَبَةَ.
﴿كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ولِأوْلِيائِهِ المُؤْمِنِينَ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافّاتُ: ١٧٣] "كُلَّهُ" تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ، و"لِلَّهِ" خَبَرُ إنَّ (كُلُّهُ) بَصْرِيٌّ، وهو مُبْتَدَأٌ، و"لِلَّهِ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ.
﴿يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ﴾ خَوْفًا مِنَ السَيْفِ ﴿يَقُولُونَ﴾ في أنْفُسِهِمْ، أوْ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، مُنْكِرِينَ لِقَوْلِكَ لَهُمْ: ﴿إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا﴾ أيْ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالَ مُحَمَّدٌ: ﴿إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ولِأوْلِيائِهِ، وأنَّهُمُ الغالِبُونَ، لَما غُلِبْنا قَطُّ، ولَما قُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ مَن قُتِلَ في هَذِهِ المَعْرَكَةِ.
﴿قَدْ أهَمَّتْهُمْ﴾ صِفَةٌ لِطائِفَةٍ. و"يَظُنُّونَ" خَبَرٌ لِطائِفَةٍ، أوْ صِفَةٌ أُخْرى، أوْ حالٌ، أيْ: قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهم ظانِّينَ. و"يَقُولُونَ" بَدَلٌ مَن "يَظُنُّونَ". و"يُخْفُونَ" حالٌ مِن "يَقُولُونَ". و﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ. و"يَقُولُونَ" بَدَلٌ مِن "يُخْفُونَ" أوِ اسْتِئْنافٌ ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكُمْ﴾ أيْ: مَن عَلِمَ اللهُ مِنهُ أنَّهُ يُقْتَلُ في هَذِهِ المَعْرَكَةِ، وكَتَبَ ذَلِكَ في اللَوْحِ، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن وُجُودِهِ، فَلَوْ قَعَدْتُمْ في بُيُوتِكم.
﴿لَبَرَزَ﴾ مِن بَيْنِكم ﴿الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ﴾ مَصارِعِهِمْ بِأُحُدٍ، لِيَكُونَ ما عَلِمَ اللهُ أنَّهُ يَكُونُ، والمَعْنى: أنَّ اللهَ كَتَبَ في اللَوْحِ قَتْلَ مَن يُقْتَلُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وكَتَبَ مَعَ ذَلِكَ أنَّهُمُ الغالِبُونَ لِعِلْمِهِ أنَّ العاقِبَةَ في الغَلَبَةِ لَهُمْ، وأنَّ دِينَ الإسْلامِ يَظْهَرُ عَلى الدِينِ كُلِّهِ، وأنَّ (p-٣٠٤)ما يُنْكَبُونَ بِهِ في بَعْضِ الأوْقاتِ تَمْحِيصٌ لَهم ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما في صُدُورِكم ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكُمْ﴾ ولِيَمْتَحِنَ ما في صُدُورِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الإخْلاصِ، ويُمَحِّصَ ما في قُلُوبِهِمْ مِن وساوِسِ الشَيْطانِ، فَعَلَ ذَلِكَ، أوْ فَعَلَ ذَلِكَ لِمَصالِحَ جَمَّةٍ، ولِلِابْتِلاءِ، والتَمْحِيصِ.
﴿واللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾ بِخَفِيّاتِها.
3:155Page 70
إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ مِنكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ إِنَّمَا ٱسۡتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِبَعۡضِ مَا كَسَبُواْۖ وَلَقَدۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ ١٥٥
Indeed, those of you who turned back on the day the two armies met [at Uḥud] - it was Satan who caused them to slip because of some [blame] they had earned. But Allāh has already forgiven them. Indeed, Allāh is Forgiving and Forbearing.
﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ﴾ انْهَزَمُوا ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ جَمْعُ مُحَمَّدٍ ﷺ وجَمْعُ أبِي سُفْيانَ لِلْقِتالِ بِأُحُدٍ ﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَيْطانُ﴾ دَعاهم إلى الزِلَّةِ، وحَمَلَهم عَلَيْها.
﴿بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ بِتَرْكِهِمُ المَرْكَزَ الَّذِي أمَرَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالثَباتِ فِيهِ، فالإضافَةُ إلى الشَيْطانِ لُطْفٌ وتَقْرِيبٌ، والتَعْلِيلُ بِكَسْبِهِمْ وعْظٌ وتَأْدِيبٌ، وكانَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ تَوَلَّوْا عَنْهُ يَوْمَ أُحُدٍ إلّا ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، مِنهُمْ: أبُو بَكْرٍ، وعَلِيٌّ، وطَلْحَةُ، وابْنُ عَوْفٍ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، والباقُونَ مِنَ الأنْصارِ.
﴿وَلَقَدْ عَفا اللهُ عَنْهُمْ﴾ تَجاوَزَ عَنْهم ﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ رَحِيمٌ لِلذُّنُوبِ،
﴿حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ.
3:156Page 70
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُواْ غُزّٗى لَّوۡ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجۡعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسۡرَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١٥٦
O you who have believed, do not be like those who disbelieved and said about their brothers when they traveled through the land or went out to fight, "If they had been with us, they would not have died or have been killed," so Allāh makes that [misconception] a regret within their hearts. And it is Allāh who gives life and causes death, and Allāh is Seeing of what you do.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كابْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ،
﴿وَقالُوا لإخْوانِهِمْ﴾ أيْ: في حَقِّ إخْوانِهِمْ في النَسَبِ، أوْ في النِفاقِ.
﴿إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ سافَرُوا فِيها لِلتِّجارَةِ، أوْ غَيْرِها.
﴿أوْ كانُوا غُزًّى﴾ جَمْعُ غازٍ، كَعافٍ وعُفًّى، وأصابَهم مَوْتٌ، أوْ قَتْلٌ.
﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ اللامُ تَتَعَلَّقُ بِـ "لا تَكُونُوا" أيْ: لا تَكُونُوا كَهَؤُلاءِ في النُطْقِ بِذَلِكَ القَوْلِ، واعْتِقادِهِ، لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ خاصَّةً، ويَصُونَ مِنها قُلُوبَكُمْ، أوْ بِـ "قالُوا" أيْ: قالُوا ذَلِكَ، واعْتَقَدُوهُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ، والحَسْرَةُ: النَدامَةُ عَلى فَوْتِ المَحْبُوبِ.
﴿واللهُ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: إنَّ القِتالَ يَقْطَعُ الآجالَ، أيِ: الأمْرُ بِيَدِهِ، قَدْ يُحْيِي المُسافِرَ والمُقاتِلَ، ويُمِيتُ (p-٣٠٥)المُقِيمَ والقاعِدَ ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَيُجازِيكم عَلى أعْمالِكم. (يَعْمَلُونَ) مَكِّيٌّ، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، أيِ: الَّذِينَ كَفَرُوا.
3:157Page 70
وَلَئِن قُتِلۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوۡ مُتُّمۡ لَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحۡمَةٌ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ١٥٧
And if you are killed in the cause of Allāh or die - then forgiveness from Allāh and mercy are better than whatever they accumulate [in this world].
﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللهِ أوْ مُتُّمْ﴾ (مُتُّمْ) وبابُهُ بِالكَسْرِ، نافِعٌ، وكُوفِيٌّ، غَيْرَ عاصِمٍ. تابَعَهم حَفْصٌ إلّا في هَذِهِ السُورَةِ، كَأنَّهُ أرادَ الوِفاقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قُتِلْتُمْ، غَيْرُهم بِضَمِّ المِيمِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، فالضَمُّ مِن: ماتَ يَمُوتُ، والكَسْرُ مِن: ماتَ يَماتُ كَخافَ يَخافُ، فَكَما تَقُولُ: خِفْتُ، تَقُولُ: مِتُّ.
﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وبِالياءِ حَفْصٌ.
3:158Page 71
وَلَئِن مُّتُّمۡ أَوۡ قُتِلۡتُمۡ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحۡشَرُونَ ١٥٨
And whether you die or are killed, unto Allāh you will be gathered.
﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لإلى اللهِ تُحْشَرُونَ﴾ لَإلى الرَحِيمِ الواسِعِ الرَحْمَةِ، المُثِيبِ، العَظِيمِ الثَوابِ تُحْشَرُونَ، ولِوُقُوعِ اسْمِ اللهِ في هَذا المَوْضِعِ مَعَ تَقْدِيمِهِ، وإدْخالِ اللامِ عَلى الحَرْفِ المُتَّصِلِ بِهِ شَأْنٌ غَنِيٌّ عَنِ البُرْهانِ، "لَمَغْفِرَةٌ" جَوابُ القَسَمِ، وهو سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَرْطِ، وكَذَلِكَ ﴿لإلى اللهِ تُحْشَرُونَ﴾ كَذَّبَ الكافِرِينَ أوَّلًا في زَعْمِهِمْ أنَّ مَن سافَرَ مِن إخْوانِهِمْ، أوْ غَزا، لَوْ كانَ بِالمَدِينَةِ لَما ماتَ، ونَهى المُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ، لِأنَّهُ سَبَبُ التَقاعُدِ عَنِ الجِهادِ، ثُمَّ قالَ لَهُمْ: ولَئِنْ تَمَّ عَلَيْكم ما تَخافُونَهُ مِنَ الهَلاكِ بِالمَوْتِ، أوِ القَتْلِ في سَبِيلِ اللهِ، فَإنَّ ما تَنالُونَهُ مِنَ المَغْفِرَةِ والرَحْمَةِ بِالمَوْتِ في سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ مِنَ الدُنْيا، لِأنَّ الدُنْيا زادُ المَعادِ، فَإذا وصَلَ العَبْدُ إلى المُرادِ لَمْ يَحْتَجْ إلى الزادِ.
3:159Page 71
فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ ١٥٩
So by mercy from Allāh, [O Muḥammad], you were lenient with them. And if you had been rude [in speech] and harsh in heart, they would have disbanded from about you. So pardon them and ask forgiveness for them and consult them in the matter. And when you have decided, then rely upon Allāh. Indeed, Allāh loves those who rely [upon Him].
﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ "ما" مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والدَلالَةِ عَلى أنَّ لِينَهُ لَهم ما كانَ إلّا بِرَحْمَةٍ مِنَ اللهِ، ومَعْنى الرَحْمَةِ: رَبْطُهُ عَلى جَأْشِهِ، وتَوْفِيقُهُ (p-٣٠٦)لِلرِّفْقِ، والتَلَطُّفِ بِهِمْ،
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ جافِيًا ﴿غَلِيظَ القَلْبِ﴾ قاسِيَهُ ﴿لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ لَتَفَرَّقُوا عَنْكَ حَتّى لا يَبْقى حَوْلَكَ أحَدٌ مِنهم ﴿فاعْفُ عَنْهُمْ﴾ ما كانَ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ مِمّا يَخْتَصُّ بِكَ ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فِيما يَخْتَصُّ بِحَقِّ اللهِ، إتْمامًا لِلشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ،
﴿وَشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ أيْ: في أمْرِ الحَرْبِ ونَحْوِهِ مِمّا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْكَ فِيهِ وحْيٌ تَطْيِيبًا لِنُفُوسِهِمْ، وتَرْوِيحًا لِقُلُوبِهِمْ، ورَفْعًا لِأقْدارِهِمْ، ولِتَقْتَدِيَ بِكَ أُمَّتُكَ فِيها، في الحَدِيثِ: « "ما تَشاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ". » وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ما رَأيْتُ أحَدًا أكْثَرَ مُشاوَرَةً مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. ومَعْنى شاوَرْتُ فُلانًا: أظْهَرْتُ ما عِنْدِي وما عِنْدَهُ مِنَ الرَأْيِ، وشَرَتِ الدابَّةُ: اسْتَخْرَجَتْ جَرْيَها، وشِرْتُ العَسَلَ: أخَذْتُهُ مِن مَآخِذِهِ، وفِيهِ دَلالَةُ جَوازِ الِاجْتِهادِ، وبَيانُ أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ ﴿فَإذا عَزَمْتَ﴾ فَإذا قَطَعْتَ الرَأْيَ عَلى شَيْءٍ بَعْدَ الشُورى ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ﴾ في إمْضاءِ أمْرِكَ عَلى الأرْشَدِ، لا عَلى المَشُورَةِ ﴿إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ عَلَيْهِ، والتَوَكُّلُ: الِاعْتِمادُ عَلى اللهِ، والتَفْوِيضُ في الأُمُورِ إلَيْهِ، وقالَ ذُو النُونِ: خَلْعُ الأرْبابِ وقَطْعُ الأسْبابِ.
3:160Page 71
إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٦٠
If Allāh should aid you, no one can overcome you; but if He should forsake you, who is there that can aid you after Him? And upon Allāh let the believers rely.
﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ﴾ كَما نَصَرَكم يَوْمَ بَدْرٍ ﴿فَلا غالِبَ لَكُمْ﴾ فَلا أحَدَ يَغْلِبُكُمْ، وإنَّما يُدْرِكُ نَصْرَ اللهِ مَن تَبَرَّأ مِن حَوْلِهِ وقَوَّتِهِ، واعْتَصَمَ بِرَبِّهِ وقُدْرَتِهِ،
﴿وَإنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ كَما خَذَلَكم يَوْمَ أُحُدٍ ﴿فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ﴾ مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ، وهو تَرْكُ المَعُونَةِ، أوْ هو مِن قَوْلِكَ: لَيْسَ لَكَ مَن يُحْسِنُ إلَيْكَ مِن (p-٣٠٧)بَعْدِ فُلانٍ، تُرِيدُ: إذا جاوَزْتَهُ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وعَلى وُجُوبِ التَوَكُّلِ عَلَيْهِ ﴿وَعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ولِيَخُصَّ المُؤْمِنُونَ رَبَّهم بِالتَوَكُّلِ والتَفْوِيضِ إلَيْهِ، عَلَّمَهم أنَّهُ لا ناصِرَ سِواهُ، ولِأنَّ إيمانَهم يَقْتَضِي ذَلِكَ.
3:161Page 71
وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّۚ وَمَن يَغۡلُلۡ يَأۡتِ بِمَا غَلَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١٦١
It is not [attributable] to any prophet that he would act unfaithfully [in regard to war booty]. And whoever betrays, [taking unlawfully], will come with what he took on the Day of Resurrection. Then will every soul be [fully] compensated for what it earned, and they will not be wronged.
﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ مَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، وعاصِمٌ، أيْ: يَخُونُ، وبِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ غَيْرُهم يُقالُ: غَلَّ شَيْئًا مِنَ المَغْنَمِ غُلُولًا، وأغَلَّ إغْلالًا: إذا أخَذَهُ في خُفْيَةٍ، ويُقالُ: أغَلَّهُ إذا وجَدَهُ غالًّا، والمَعْنى: ما صَحَّ لَهُ ذَلِكَ، يَعْنِي: أنَّ النُبُوَّةَ تُنافِي الغُلُولَ، وكَذا مَن قَرَأ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، فَهو راجِعٌ إلى هَذا، لِأنَّ مَعْناهُ: وما صَحَّ لَهُ أنْ يُوجَدَ غالًّا، ولا يُوجَدُ غالًّا إلّا إذا كانَ غالًّا. رُوِيَ أنَّ قَطِيفَةً حَمْراءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ مِمّا أُصِيبَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقالَ بَعْضُ المُنافِقِينَ: لَعَلَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أخَذَها. فَنَزَلَتِ الآيَةُ ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: يَأْتِ بِالشَيْءِ الَّذِي غَلَّهُ بِعَيْنِهِ، حامِلًا لَهُ عَلى ظَهْرِهِ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ، أوْ يَأْتِ بِما احْتَمَلَ مِن وبالِهِ وإثْمِهِ ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ تُعْطى جَزاءَها وافِيًا، ولَمْ يَقُلْ: ثُمَّ يُوَفّى ما كَسَبَ -لِيَتَّصِلَ بِقَوْلِهِ: يَغْلُلْ- بَلْ جِيءَ بِعامٍّ لِيَدْخُلَ تَحْتَهُ كُلُّ كاسِبٍ مِنَ الغالِّ وغَيْرِهِ، فاتَّصَلَ بِهِ مِن حَيْثُ المَعْنى، وهو أبْلَغُ، لِأنَّهُ إذا عَلِمَ الغالُّ أنَّ كُلَّ كاسِبٍ خَيْرًا أوْ شَرًّا مَجْزِيٌّ فَمُوَفًّى جَزاءَهُ، عَلِمَ أنَّهُ غَيْرُ مُتَخَلِّصٍ مِن بَيْنِهِمْ مَعَ عِظَمِ ما اكْتَسَبَ ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ: جَزاءُ كُلٍّ عَلى قَدْرِ كَسْبِهِ.
3:162Page 71
أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٦٢
So is one who pursues the pleasure of Allāh like one who brings upon himself the anger of Allāh and whose refuge is Hell? And wretched is the destination.
﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ﴾ أيْ: رِضا اللهِ، قِيلَ: هُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ والكُفّارُ ﴿وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ المَرْجِعُ.
(p-٣٠٨)
3:163Page 71
هُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ١٦٣
They are [varying] degrees in the sight of Allāh, and Allāh is Seeing of whatever they do.
﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ﴾ هم مُتَفاوِتُونَ كَما تَتَفاوَتُ الدَرَجاتُ، أوْ ذَوُو دَرَجاتِ، والمَعْنى: تَفاوُتُ مَنازِلِ المُثابِينَ مِنهم ومَنازِلِ المُعاقَبِينَ، والتَفاوُتُ بَيْنَ الثَوابِ والعِقابِ.
﴿واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ عالِمٌ بِأعْمالِهِمْ ودَرَجاتِها، فَيُجازِيهِمْ عَلى حِسابِها.
3:164Page 71
لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ١٦٤
Certainly did Allāh confer [great] favor upon the believers when He sent among them a Messenger from themselves, reciting to them His verses and purifying them and teaching them the Book [i.e., the Qur’ān] and wisdom,1 although they had been before in manifest error.
﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى مَن آمَنَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن قَوْمِهِ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ مِنهُمْ، لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِمَبْعَثِهِ.
﴿إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ مِن جِنْسِهِمْ عَرَبِيًّا مِثْلَهُمْ، أوْ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ كَما أنَّهم مِن ولَدِهِ، والمِنَّةُ في ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ إذا [كانَ مِنهُمْ] كانَ اللِسانُ واحِدًا، فَيَسْهُلُ أخْذُ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ أخْذُهُ عَنْهُ، وكانُوا واقِفِينَ عَلى أحْوالِهِ في الصِدْقِ والأمانَةِ، فَكانَ ذَلِكَ أقْرَبَ لَهم إلى تَصْدِيقِهِ، وكانَ لَهم شَرَفٌ بِكَوْنِهِ مِنهُمْ، وفي قِراءَةِ رَسُولِ اللهِ (مِن أنْفَسِهِمْ)، أيْ: مِن أشْرَفِهِمْ.
﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ أيِ: القُرْآنَ، بَعْدَما كانُوا أهْلَ جاهِلِيَّةٍ لَمْ يَطْرُقْ أسْماعَهم شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ ويُطَهِّرُهم بِالإيمانِ مِن دَنَسِ الكُفْرِ والطُغْيانِ، أوْ يَأْخُذُ مِنهُمُ الزَكاةَ.
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ القُرْآنَ، والسُنَّةَ ﴿وَإنْ كانُوا مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ بَعْثَةِ الرَسُولِ ﷺ.
﴿لَفِي ضَلالٍ﴾ عَمًى، وجَهالَةٍ.
﴿مُبِينٍ﴾ ظاهِرٍ لا شُبْهَةَ فِيهِ، إنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النافِيَةِ، والتَقْدِيرُ: وإنَّ الشَأْنَ والحَدِيثَ كانُوا مِن قَبْلُ في ضَلالٍ مُبِينٍ.
3:165Page 71
أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَيۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٦٥
Why [is it that] when a [single] disaster struck you [on the day of Uḥud], although you had struck [the enemy in the battle of Badr] with one twice as great, you said, "From where is this?" Say, "It is from yourselves [i.e., due to your sin]." Indeed, Allāh is over all things competent.
﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ يُرِيدُ: ما أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ مِن قَتْلِ سَبْعِينَ مِنهم ﴿قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ سَبْعِينَ، وأسْرِ سَبْعِينَ، وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ صِفَةٌ لِمُصِيبَةٍ ﴿قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ مِن أيْنَ هَذا؟ ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ (p-٣٠٩)لِاخْتِيارِكُمُ الخُرُوجَ مِنَ المَدِينَةِ، أوْ لِتَرْكِكُمُ المَرْكَزَ "لَمّا" نَصْبٌ بِـ "قُلْتُمْ"، و"أصابَتْكُمْ" في مَحَلِّ الجَرِّ بِإضافَةِ "لَمّا" إلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: أقُلْتُمْ حِينَ أصابَتْكُمْ، و﴿أنّى هَذا﴾ نَصْبٌ، لِأنَّهُ مَقُولٌ، والهَمْزَةُ: لِلتَّقْرِيرِ والتَقْرِيعِ، وعَطَفَتِ الواوُ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى ما مَضى مِن قِصَّةِ أُحُدٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وعْدَهُ﴾ أوْ عَلى مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أفَعَلْتُمْ كَذا، وقُلْتُمْ حِينَئِذٍ كَذا؟ ﴿إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَقْدِرُ عَلى النَصْرِ وعَلى مَنعِهِ.
3:166Page 72
وَمَآ أَصَٰبَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيَعۡلَمَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٦٦
And what struck you on the day the two armies met [at Uḥud] was by permission of Allāh that He might make evident the [true] believers
﴿وَما أصابَكُمْ﴾ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، وهو مُبْتَدَأٌ.
﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ جَمْعُكُمْ، وجَمْعُ المُشْرِكِينَ بِأُحُدٍ، والخَبَرُ ﴿فَبِإذْنِ اللهِ﴾ فَكائِنٌ بِإذْنِ اللهِ، أيْ: بِعِلْمِهِ وقَضائِهِ ﴿وَلِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾
3:167Page 72
وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يَكۡتُمُونَ ١٦٧
And that He might make evident those who are hypocrites. For it was said to them, "Come, fight in the way of Allāh or [at least] defend." They said, "If we had known [there would be] battle, we would have followed you." They were nearer to disbelief that day than to faith, saying with their mouths what was not in their hearts. And Allāh is most knowing of what they conceal -
﴿وَلِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ وهو كائِنٌ، لِيَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُونَ والمُنافِقُونَ، ولِيَظْهَرَ إيمانُ هَؤُلاءِ ونِفاقُ هَؤُلاءِ ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ لِلْمُنافِقِينَ، وهو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ ﴿تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾ أيْ: جاهِدُوا لِلْآخِرَةِ كَما يُقاتِلُ المُؤْمِنُونَ ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ أيْ: قاتِلُوا دَفْعًا عَنْ أنْفُسِكُمْ، وأهْلِيكُمْ، وأمْوالِكُمْ، إنْ لَمْ تُقاتِلُوا لِلْآخِرَةِ. وقِيلَ: ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ العَدُوَّ بِتَكْثِيرِكم سَوادَ المُجاهِدِينَ إنْ لَمْ تُقاتِلُوا، لِأنَّ كَثْرَةَ السَوادِ مِمّا تُرَوِّعُ العَدُوَّ ﴿قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ أيْ: لَوْ نَعْلَمُ ما يَصِحُّ أنْ يُسَمّى قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ، يَعْنُونَ: أنَّ ما أنْتُمْ فِيهِ لِخَطَإ رَأْيِكم لَيْسَ بِشَيْءٍ، ولا يُقالُ لِمِثْلِهِ: قِتالٌ، إنَّما هو إلْقاءُ النَفْسِ في التَهْلُكَةِ.
﴿هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلإيمانِ﴾ يَعْنِي: أنَّهم كانُوا يَتَظاهَرُونَ بِالإيمانِ قَبْلَ ذَلِكَ، وما ظَهَرَتْ مِنهم أمارَةٌ تُؤْذِنُ بِكُفْرِهِمْ، فَلَمّا انْخَذَلُوا عَنْ عَسْكَرِ المُؤْمِنِينَ، وقالُوا ما قالُوا تَباعَدُوا بِذَلِكَ عَنِ الإيمانِ المَظْنُونِ بِهِمْ، واقْتَرَبُوا مِنَ الكُفْرِ، أوْ هم لِأهْلِ الكُفْرِ أقْرَبُ نُصْرَةً مِنهم لِأهْلِ الإيمانِ، لِأنَّ تَقْلِيلَهم سَوادَ المُؤْمِنِينَ بِالِانْخِذالِ تَقْوِيَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: يُظْهِرُونَ خِلافَ ما يُضْمِرُونَ مِنَ (p-٣١٠)الإيمانِ وغَيْرِهِ، والتَقْيِيدُ بِالأفْواهِ لِلتَّأْكِيدِ، ونَفِيِ المَجازِ ﴿واللهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ مِنَ النِفاقِ.
3:168Page 72
ٱلَّذِينَ قَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ وَقَعَدُواْ لَوۡ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْۗ قُلۡ فَٱدۡرَءُواْ عَنۡ أَنفُسِكُمُ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٦٨
Those who said about their brothers while sitting [at home], "If they had obeyed us, they would not have been killed." Say, "Then prevent death from yourselves, if you should be truthful."
﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ أيِ: ابْنُ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى "هُمُ الَّذِينَ قالُوا" أوْ عَلى الإبْدالِ مِن واوِ "يَكْتُمُونَ" أوْ نَصْبٌ بِإضْمارٍ أعَنِي، أوْ عَلى البَدَلِ "مِنَ الَّذِينَ نافَقُوا". أوْ جَرٌّ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ في "أفَواهِهِمْ" أوْ قُلُوبِهِمْ ﴿لإخْوانِهِمْ﴾ لِأجْلِ إخْوانِهِمْ مِن جِنْسِ المُنافِقِينَ المَقْتُولِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ﴿وَقَعَدُوا﴾ أيْ: قالُوا وقَدْ قَعَدُوا عَنِ القِتالِ.
﴿لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ لَوْ أطاعَنا إخْوانُنا فِيما أمَرْناهم بِهِ مِنَ الِانْصِرافِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ والقُعُودِ، ووافَقُونا فِيهِ، لَما قُتِلُوا كَما لَمْ نُقْتَلْ.
﴿قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ بِأنَّ الحَذَرَ يَنْفَعُ مِنَ القَدَرِ، فَخُذُوا حِذْرَكم مِنَ المَوْتِ، أوْ مَعْناهُ: قُلْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّكم وجَدْتُمْ إلى دَفْعِ القَتْلِ سَبِيلًا، وهو القُعُودُ عَنِ القِتالِ، فَجِدُوا إلى دَفْعِ المَوْتِ سَبِيلًا، ورُوِيَ أنَّهُ ماتَ يَوْمَ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ سَبْعُونَ مُنافِقًا.
3:169Page 72
وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ ١٦٩
And never think of those who have been killed in the cause of Allāh as dead. Rather, they are alive with their Lord, receiving provision,
وَنَزَلَ في قَتْلى أُحُدٍ (وَلا تَحْسَبَنَّ) شامِيٌّ، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، وعاصِمٌ، وبِكَسْرِ السِينِ غَيْرُهم. والخِطابُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ ﴿الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ (قُتِّلُوا) شامِيٌّ.
﴿فِي سَبِيلِ اللهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ﴾ بَلْ هم أحْياءٌ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مُقَرَّبُونَ عِنْدَهُ، ذَوُو زُلْفى ﴿يُرْزَقُونَ﴾ مِثْلَ ما يُرْزَقُ سائِرُ الأحْياءِ يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ، وهو تَأْكِيدٌ لِكَوْنِهِمْ أحْياءً، ووَصْفٌ لِحالِهِمُ الَّتِي هم عَلَيْها مِنَ التَنَعُّمِ بِرِزْقِ اللهِ.
3:170Page 72
فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٧٠
Rejoicing in what Allāh has bestowed upon them of His bounty, and they receive good tidings about those [to be martyred] after them who have not yet joined them - that there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
﴿فَرِحِينَ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في يُرْزَقُونَ ﴿بِما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ وهو التَوْفِيقُ في الشَهادَةِ، وما ساقَ إلَيْهم مِنَ الكَراهَةِ والتَفْضِيلِ عَلى غَيْرِهِمْ مِن كَوْنِهِمْ أحْياءً مُقَرَّبِينَ، مُعَجَّلًا لَهم رِزْقُ الجَنَّةِ ونَعِيمُها، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكم بِأُحُدٍ جَعَلَ اللهُ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَدُورُ في أنْهارٍ (p-٣١١)الجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ في ظِلِّ العَرْشِ". » وقِيلَ: هَذا الرِزْقُ في الجَنَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ لا يَبْقى لِلتَّخْصِيصِ فائِدَةٌ ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ﴾ بِإخْوانِهِمُ المُجاهِدِينَ الَّذِينَ ﴿لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ لَمْ يُقْتَلُوا فَيَلْحَقُوا بِهِمْ ﴿مِن خَلْفِهِمْ﴾ يُرِيدُ الَّذِينَ مِن خَلْفِهِمْ قَدْ بَقُوا مِن بَعْدِهِمْ، وهم قَدْ تَقَدَّمُوهُمْ، أوْ ﴿لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ يُدْرِكُوا فَضْلَهم ومَنزِلَتَهم ﴿ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ "الَّذِينَ"، والمَعْنى: ويَسْتَبْشِرُونَ بِما تَبَيَّنَ لَهم مِن حالِ مَن تَرَكُوا خَلْفَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ، وهو أنَّهم يُبْعَثُونَ آمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، بَشَّرَهُمُ اللهُ بِذَلِكَ، فَهم مُسْتَبْشِرُونَ بِهِ، وفي ذِكْرِ حالِ الشُهَداءِ واسْتِبْشارِهِمْ بِمَن خَلْفَهم بَعْثٌ لِلْباقِينَ بَعْدَهم عَلى الجِدِّ في الجِهادِ، والرَغْبَةِ في نَيْلِ مَنازِلِ الشُهَداءِ ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences