An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
فاطر
Fatir
Originator · Meccan · 45 ayahs
35:1Page 434
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٓ أَجۡنِحَةٖ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۚ يَزِيدُ فِي ٱلۡخَلۡقِ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١
[All] praise is [due] to Allāh, Creator of the heavens and the earth, [who] made the angels messengers having wings, two or three or four. He increases in creation what He wills. Indeed, Allāh is over all things competent.
(p-٧٥)سُورَةُ "اَلْمَلائِكَةِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾، حَمِدَ ذاتَهُ تَعْلِيمًا، وتَعْظِيمًا،
﴿فاطِرِ السَماواتِ﴾، مُبْتَدَئِها، ومُبْتَدِعِها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "ما كُنْتُ أدْرِي مَعْنى الفاطِرِ حَتّى اخْتَصَمَ إلَيَّ أعْرابِيّانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها، أيْ: اِبْتَدَأْتُها"،
﴿والأرْضِ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا﴾، إلى عِبادِهِ،
﴿أُولِي﴾، ذَوِي، اسْمُ جَمْعٍ لِـ "ذُو"، وهو بَدَلٌ مِن "رُسُلًا"، أوْ نَعْتٌ لَهُ،
﴿أجْنِحَةٍ﴾، جَمْعُ "جَناحٌ"،
﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾، صِفاتٌ لِـ "أجْنِحَةٍ"، وإنَّما لَمْ تَنْصَرِفْ لِتَكَرُّرِ العَدْلِ فِيها، وذَلِكَ أنَّها عُدِلَتْ عَنْ ألْفاظِ الأعْدادِ عَنْ صِيَغٍ إلى صِيَغٍ أُخْرى، كَما عُدِلَ "عُمَرُ"، عَنْ "عامِرٍ"، وعَنْ تَكْرِيرٍ إلى غَيْرِ تَكْرِيرٍ، وقِيلَ لِلْعَدْلِ والوَصْفِ، والتَعْوِيلُ عَلَيْهِ، والمَعْنى أنَّ المَلائِكَةَ طائِفَةٌ، أجْنِحَتُهُمُ اثْنانِ اثْنانِ، أيْ: لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَناحانِ، وطائِفَةٌ أجْنِحَتُهم ثَلاثَةٌ ثَلاثَةٌ، ولَعَلَّ الثالِثَ يَكُونُ في وسَطِ الظَهْرِ بَيْنَ الجَناحَيْنِ، يَمُدُّهُما بِقُوَّةٍ، وطائِفَةٌ أجْنِحَتُهم أرْبَعَةٌ أرْبَعَةٌ،
﴿يَزِيدُ في الخَلْقِ﴾ أيْ: يَزِيدُ في خَلْقِ الأجْنِحَةِ، وغَيْرِهِ،
﴿ما يَشاءُ﴾، وقِيلَ: هو الوَجْهُ الحَسَنُ، والصَوْتُ الحَسَنُ، والشَعْرُ الحَسَنُ، والخَطُّ الحَسَنُ، والمَلاحَةُ في العَيْنَيْنِ، والآيَةُ مُطْلَقَةٌ، تَتَناوَلُ كُلَّ زِيادَةٍ في الخَلْقِ، مِن طُولِ قامَةٍ، واعْتِدالِ صُورَةٍ، وتَمامٍ في الأعْضاءِ، وقُوَّةٍ في البَطْشِ، وحَصافَةٍ في العَقْلِ، وجَزالَةٍ في الرَأْيِ، وذَلاقَةٍ في اللِسانِ، ومَحَبَّةٍ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ،
﴿إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، قادِرٌ.
35:2Page 434
مَّا يَفۡتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحۡمَةٖ فَلَا مُمۡسِكَ لَهَاۖ وَمَا يُمۡسِكۡ فَلَا مُرۡسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢
Whatever Allāh grants to people of mercy - none can withhold it; and whatever He withholds - none can release it thereafter. And He is the Exalted in Might, the Wise.
(p-٧٦)﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾، نُكِّرَتِ الرَحْمَةُ لِلْإشاعَةِ والإبْهامِ، كَأنَّهُ قالَ: مِن أيَّةِ رَحْمَةٍ، رِزْقٍ، أوْ مَطَرٍ، أوْ صِحَّةٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ،
﴿فَلا مُمْسِكَ لَها﴾، فَلا أحَدَ يَقْدِرُ عَلى إمْساكِها، وحَبْسِها، واسْتُعِيرَ الفَتْحُ لِلْإطْلاقِ، والإرْسالِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما يُمْسِكْ﴾، يَمْنَعْ، ويَحْبِسْ،
﴿فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾، مُطْلِقَ لَهُ،
﴿مِن بَعْدِهِ﴾، مِن بَعْدِ إمْساكِهِ، وأنَّثَ الضَمِيرَ الراجِعَ إلى الِاسْمِ المُتَضَمِّنِ مَعْنى الشَرْطِ، عَلى مَعْنى الرَحْمَةِ، ثُمَّ ذَكَّرَهُ، حَمْلًا عَلى اللَفْظِ المُرْجَعِ إلَيْهِ، إذْ لا تَأْنِيثَ فِيهِ، لِأنَّ الأوَّلَ فُسِّرَ بِالرَحْمَةِ، فَحَسُنَ إتْباعُ الضَمِيرِ التَفْسِيرَ، ولَمْ يُفَسَّرِ الثانِي، فَتُرِكَ عَلى أصْلِ التَذْكِيرِ، وعَنْ مُعاذٍ - مَرْفُوعًا -: "لا تَزالُ يَدُ اللهِ مَبْسُوطَةً عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ ما لَمْ يَرْفُقْ خِيارُهم بِشِرارِهِمْ، ويُعَظِّمْ بَرُّهم فاجِرَهُمْ، وتُعِنْ قُرّاؤُهم أُمَراءَهم عَلى مَعْصِيَةِ اللهِ، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ نَزَعَ اللهُ يَدَهُ عَنْهُمْ"،
﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾، اَلْغالِبُ، القادِرُ عَلى الإرْسالِ، والإمْساكِ،
﴿الحَكِيمُ﴾، اَلَّذِي يُرْسِلُ، ويُمْسِكُ، ما تَقْتَضِي الحِكْمَةُ إرْسالَهُ، وإمْساكَهُ.
35:3Page 434
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ هَلۡ مِنۡ خَٰلِقٍ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٣
O mankind, remember the favor of Allāh upon you. Is there any creator other than Allāh who provides for you from the heaven and earth? There is no deity except Him, so how are you deluded?
﴿يا أيُّها الناسُ اذْكُرُوا﴾، بِاللِسانِ، والقَلْبِ، " نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم "، وهي الَّتِي تَقَدَّمَتْ، مِن بَسْطِ الأرْضِ كالمِهادِ، ورَفْعِ السَماءِ بِلا عِمادٍ، وإرْسالِ الرُسُلِ لِبَيانِ السَبِيلِ، دَعْوَةً إلَيْهِ، وزُلْفَةً لَدَيْهِ، والزِيادَةِ في الخَلْقِ، وفَتْحِ أبْوابِ الرِزْقِ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى رَأْسِ النِعَمِ، وهو اتِّحادُ المُنْعِمِ، بِقَوْلِهِ ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾، بِرَفْعِ "غَيْرُ"، عَلى الوَصْفِ، لِأنَّ "خالِقٍ"، مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: "لَكُمْ"، وبِالجَرِّ "عَلِيٌّ وحَمْزَةُ"، عَلى الوَصْفِ لَفْظًا،
﴿يَرْزُقُكُمْ﴾، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ "خالِقٍ"،
﴿مِنَ السَماءِ﴾، بِالمَطَرِ،
﴿والأرْضِ﴾، بِأنْواعِ النَباتِ،
﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾، جُمْلَةٌ مَفْصُولَةٌ، لا مَحَلَّ لَها،
﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾، فَبِأيِّ وجْهٍ تُصْرَفُونَ عَنِ التَوْحِيدِ إلى الشِرْكِ؟!
35:4Page 435
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٤
And if they deny you, [O Muḥammad] - already were messengers denied before you. And to Allāh are returned [all] matters.
(p-٧٧)﴿وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾، نَعى بِهِ عَلى قُرَيْشٍ سُوءَ تَلَقِّيهِمْ لِآياتِ اللهِ، وتَكْذِيبِهِمْ بِها، وسَلّى رَسُولَهُ بِأنَّ لَهُ في الأنْبِياءِ قَبْلَهُ أُسْوَةً، ولِهَذا نَكَّرَ "رُسُلٌ"، أيْ: "رُسُلٌ ذَوُو عَدَدٍ كَثِيرٍ، وأُولُو آياتٍ ونُذُرٍ، وأهْلُ أعْمارٍ طِوالٍ، وأصْحابُ صَبْرٍ وعَزْمٍ، لِأنَّهُ أسْلى لَهُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: "وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَتَأسَّ بِتَكْذِيبِ الرُسُلِ مِن قَبْلِكَ"، لِأنَّ الجَزاءَ يَتَعَقَّبُ الشَرْطَ، ولَوْ أُجْرِيَ عَلى الظاهِرِ يَكُونُ سابِقًا عَلَيْهِ، ووُضِعَ ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ مَوْضِعَ "فَتَأسَّ"، اِسْتِغْناءً بِالسَبَبِ عَنِ المُسَبِّبِ، أيْ: بِالتَكْذِيبِ، عَنِ التَأسِّي،
﴿وَإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾، كَلامٌ يَشْتَمِلُ عَلى الوَعْدِ، والوَعِيدِ، مِن رُجُوعِ الأُمُورِ إلى حُكْمِهِ، ومُجازاةِ المُكَذِّبِ، والمُكَذَّبِ، بِما يَسْتَحِقّانِهِ، "تَرْجِعُ"، بِفَتْحِ التاءِ، "شامِيٌّ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ وسَهْلٌ".
35:5Page 435
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ٥
O mankind, indeed the promise of Allāh is truth, so let not the worldly life delude you and be not deceived about Allāh by the Deceiver [i.e., Satan].
﴿يا أيُّها الناسُ إنَّ وعْدَ اللهِ﴾، بِالبَعْثِ، والجَزاءِ،
﴿حَقٌّ﴾، كائِنٌ،
﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُنْيا﴾، فَلا تَخْدَعَنَّكُمُ الدُنْيا، ولا يُذْهِلَنَّكُمُ التَمَتُّعُ بِها، والتَلَذُّذُ بِمَنافِعِها، عَنِ العَمَلِ لِلْآخِرَةِ، وطَلَبِ ما عِنْدَ اللهِ،
﴿وَلا يَغُرَّنَّكم بِاللهِ الغَرُورُ﴾ أيْ: اَلشَّيْطانُ، فَإنَّهُ يُمَنِّيكُمُ الأمانِيَّ الكاذِبَةَ، ويَقُولُ: إنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْ عِبادَتِكَ، وعَنْ تَكْذِيبِكَ.
35:6Page 435
إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ إِنَّمَا يَدۡعُواْ حِزۡبَهُۥ لِيَكُونُواْ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ٦
Indeed, Satan is an enemy to you; so take him as an enemy. He only invites his party to be among the companions of the Blaze.
﴿إنَّ الشَيْطانَ لَكم عَدُوٌّ﴾، ظاهِرُ العَداوَةِ، فَعَلَ بِأبِيكم ما فَعَلَ، وأنْتُمْ تُعامِلُونَهُ مُعامَلَةَ مَن لا عِلْمَ لَهُ بِأحْوالِهِ،
﴿فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾، في عَقائِدِكُمْ، وأفْعالِكُمْ، ولا يُوجَدَنَّ مِنكم إلّا ما يَدُلُّ عَلى مُعاداتِهِ، في سِرِّكُمْ، وجَهْرِكُمْ، ثُمَّ لَخَّصَ سِرَّ أمْرِهِ، وخَطَّأ مَنِ اتَّبَعَهُ، بِأنَّ غَرَضَهُ الَّذِي يَؤُمُّهُ في دَعْوَةِ شِيعَتِهِ هو أنْ يُورِدَهم مَوْرِدَ الهَلاكِ، بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَعِيرِ﴾ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر: ٧]،
35:7Page 435
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٌ ٧
Those who disbelieve will have a severe punishment, and those who believe and do righteous deeds will have forgiveness and great reward.
أيْ: فَمَن أجابَهُ حِينَ دَعاهُ، فَلَهُ عَذابٌ شَدِيدٌ، لِأنَّهُ صارَ مِن حِزْبِهِ، (p-٧٨)أيْ: أتْباعِهِ،
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾، ولَمْ يُجِيبُوهُ، ولَمْ يَصِيرُوا مِن حِزْبِهِ، بَلْ عادَوْهُ،
﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾، لِكِبَرِ جِهادِهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ الفَرِيقَيْنِ قالَ لِنَبِيِّهِ - ﷺ.
35:8Page 435
أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنٗاۖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۖ فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَيۡهِمۡ حَسَرَٰتٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ ٨
Then is one to whom the evil of his deed has been made attractive so he considers it good [like one rightly guided]? For indeed, Allāh sends astray whom He wills and guides whom He wills. So do not let yourself perish over them in regret. Indeed, Allāh is Knowing of what they do.
﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾، بِتَزْيِينِ الشَيْطانِ، كَمَن لَمْ يُزَيَّنْ لَهُ، فَكَأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "لا"، فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾، وذَكَرَ الزَجّاجُ أنَّ المَعْنى: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ ذَهَبَتْ نَفْسُكَ عَلَيْهِ حَسْرَةً"، فَحَذَفَ الجَوابَ لِدَلالَةِ "فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ"، عَلَيْهِ، أوْ "أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ كَمَن هَداهُ اللهُ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ﴿فَإنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ عَلَيْهِ، "فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ"، يُرِيدُ أيْ: لا تُهْلِكْها حَسَراتٍ، مَفْعُولٌ لَهُ، يَعْنِي: "فَلا تُهْلِكْ نَفْسَكَ لِلْحَسَراتِ"، و"عَلَيْهِمْ"، صِلَةُ "تَذْهَبْ"، كَما تَقُولُ: "هَلَكَ عَلَيْهِ حُبًّا"، و"ماتَ عَلَيْهِ حُزْنًا"، ولا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ "حَسَراتٍ"، لِأنَّ المَصْدَرَ لا تَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ صِلَتُهُ،
﴿إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾، وعِيدٌ لَهم بِالعِقابِ عَلى سُوءِ صَنِيعِهِمْ.
35:9Page 435
وَٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَسُقۡنَٰهُ إِلَىٰ بَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَحۡيَيۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ ٩
And it is Allāh who sends the winds, and they stir the clouds, and We drive them to a dead land and give life thereby to the earth after its lifelessness. Thus is the resurrection.
﴿واللهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِياحَ﴾، "اَلرِّيحَ"، "مَكِّيٌّ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ"،
﴿فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾، بِالتَشْدِيدِ، "مَدَنِيٌّ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ وحَفْصٌ"، بِالتَخْفِيفِ غَيْرُهُمْ،
﴿فَأحْيَيْنا بِهِ﴾، بِالمَطَرِ، لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ ضِمْنًا،
﴿الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾، يَبُسُّها، وإنَّما قِيلَ: فَتُثِيرُ، لِتَحْكِيَ الحالَ الَّتِي تَقَعُ فِيها إثارَةُ الرِياحِ السَحابَ، وتَسْتَحْضِرُ تِلْكَ الصُورَةَ الدالَّةَ عَلى القُدْرَةِ الرَبّانِيَّةِ، وهَكَذا يَفْعَلُونَ بِفِعْلٍ فِيهِ نَوْعُ تَمْيِيزٍ، وخُصُوصِيَّةٍ، بِحالٍ تُسْتَغْرَبُ، وكَذَلِكَ سَوْقُ السَحابِ إلى البَلَدِ المَيِّتِ، وإحْياءُ الأرْضِ بِالمَطَرِ، بَعْدَ مَوْتِها، لِما كانَ مِنَ الدَلِيلِ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ، قِيلَ: "فَسُقْنا"، و"أحْيَيْنا"، مَعْدُولًا بِهِما عَنْ لَفْظِ الغَيْبَةِ، إلى ما هو أدْخَلُ في الِاخْتِصاصِ، وأدَلُّ عَلَيْهِ،
﴿كَذَلِكَ النُشُورُ﴾، اَلْكافُ في مَحَلِّ الرَفْعِ، أيْ: مِثْلُ إحْياءِ المَواتِ نُشُورُ (p-٧٩)الأمْواتِ، قِيلَ: يُحْيِي اللهُ الخَلْقَ بِماءٍ يُرْسِلُهُ مِن تَحْتِ العَرْشِ، كَمَنِيِّ الرِجالِ، تَنْبُتُ مِنهُ أجْسادُ الخَلْقِ.
35:10Page 435
مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِيعًاۚ إِلَيۡهِ يَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرۡفَعُهُۥۚ وَٱلَّذِينَ يَمۡكُرُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۖ وَمَكۡرُ أُوْلَٰٓئِكَ هُوَ يَبُورُ ١٠
Whoever desires honor [through power] - then to Allāh belongs all honor.1 To Him ascends good speech, and righteous work raises it.2 But they who plot evil deeds will have a severe punishment, and the plotting of those - it will perish.
﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ أيْ: العِزَّةُ كُلُّها مُخْتَصَّةٌ بِاللهِ، عِزَّةُ الدُنْيا، وعِزَّةُ الآخِرَةِ، وكانَ الكافِرُونَ يَتَعَزَّزُونَ بِالأصْنامِ، كَما قالَ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ [مريم: ٨١]، والَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ مِن غَيْرِ مُواطَأةِ قُلُوبِهِمْ، كانُوا يَتَعَزَّزُونَ بِالمُشْرِكِينَ، كَما قالَ: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩]، فَبَيَّنَ أنْ لا عِزَّةَ إلّا بِاللهِ، والمَعْنى: فَلْيَطْلُبْها عِنْدَ اللهِ، فَوُضِعَ قَوْلُهُ: "لِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا"، مَوْضِعَهُ، اسْتِغْناءً عَنْهُ بِهِ، لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ، لِأنَّ الشَيْءَ لا يُطْلَبُ إلّا عِنْدَ صاحِبِهِ، ومالِكِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: "مَن أرادَ النَصِيحَةَ فَهي عِنْدَ الأبْرارِ"، تُرِيدُ: فَلْيَطْلُبْها عِنْدَهُمْ، إلّا أنَّكَ أقَمْتَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مَقامَهُ، وفي الحَدِيثِ: "إنَّ رَبَّكم يَقُولُ كُلَّ يَوْمٍ: أنا العَزِيزُ، فَمَن أرادَ عِزَّ الدارَيْنِ فَلْيُطِعِ العَزِيزَ"، ثُمَّ عَرَّفَ أنَّ ما يُطْلَبُ بِهِ العِزَّةُ هو الإيمانُ والعَمَلُ الصالِحُ، بِقَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَيِّبُ والعَمَلُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، ومَعْنى قَوْلِهِ: "إلَيْهِ": إلى مَحَلِّ القَبُولِ والرِضا، وكُلُّ ما اتَّصَفَ بِالقَبُولِ وُصِفَ بِالرِفْعَةِ، والصُعُودِ، أوْ إلى حَيْثُ لا يَنْفُذُ فِيهِ إلّا حُكْمُهُ، و"اَلْكَلِمُ الطَيِّبُ": كَلِماتُ التَوْحِيدِ، أيْ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، وكانَ القِياسُ: "اَلطَّيِّبَةُ"، ولَكِنَّ كُلَّ جَمْعٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ واحِدِهِ إلّا التاءُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، و"اَلْعَمَلُ الصالِحُ": اَلْعِبادَةُ الخالِصَةُ، يَعْنِي: "والعَمَلُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ الكَلِمُ الطَيِّبُ"، فالرافِعُ "اَلْكَلِمُ"، والمَرْفُوعُ "اَلْعَمَلُ"، لِأنَّهُ لا يُقْبَلُ عَمَلٌ إلّا مِن مُوَحِّدٍ، وقِيلَ: اَلرّافِعُ اللهُ، والمَرْفُوعُ "اَلْعَمَلُ"، أيْ: "اَلْعَمَلُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ اللهُ"، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ العَمَلَ يَتَوَقَّفُ عَلى الرَفْعِ، والكَلِمُ الطَيِّبُ يَصْعَدُ بِنَفْسِهِ، وقِيلَ: اَلْعَمَلُ الصالِحُ يَرْفَعُ العامِلَ، ويُشَرِّفُهُ، أيْ: مَن أرادَ العِزَّةَ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا، فَإنَّهُ هو الَّذِي يَرْفَعُ العَبْدَ،
﴿والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَيِّئاتِ﴾، هي صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: (p-٨٠)اَلْمَكْراتِ السَيِّئاتِ، لِأنَّ "مَكَرَ"، فِعْلٌ غَيْرٌ مُتَعَدٍّ، لا يُقالُ: "مَكَرَ فُلانٌ عَمَلَهُ"، والمُرادُ مَكْرُ قُرَيْشٍ بِهِ ﷺ حِينَ اجْتَمَعُوا في دارِ النَدْوَةِ، كَما قالَ اللهُ (تَعالى): ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، اَلْآيَةَ،
﴿لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾، في الآخِرَةِ،
﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ﴾، مُبْتَدَأٌ،
﴿هُوَ﴾، فَصْلٌ،
﴿يَبُورُ﴾، خَبَرٌ، أيْ: "وَمَكْرُ أُولَئِكَ الَّذِينَ مَكَرُوا هو خاصَّةً يَبُورُ"، أيْ: يَفْسَدُ، ويَبْطُلُ، دُونَ مَكْرِ اللهِ بِهِمْ، حِينَ أخْرَجَهم مِن مَكَّةَ، وقَتَلَهُمْ، وأثْبَتَهم في قَلِيبِ "بَدْرٍ"، فَجَمَعَ عَلَيْهِمْ مَكْراتِهِمْ جَمِيعًا، وحَقَّقَ فِيهِمْ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وَيَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللهُ واللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، وقَوْلَهُ: ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَيِّئُ إلا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]
35:11Page 435
وَٱللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ جَعَلَكُمۡ أَزۡوَٰجٗاۚ وَمَا تَحۡمِلُ مِنۡ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلۡمِهِۦۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٖ وَلَا يُنقَصُ مِنۡ عُمُرِهِۦٓ إِلَّا فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ١١
And Allāh created you from dust, then from a sperm-drop; then He made you mates. And no female conceives nor does she give birth except with His knowledge. And no aged person is granted [additional] life nor is his lifespan lessened but that it is in a register. Indeed, that for Allāh is easy.
﴿واللهُ خَلَقَكُمْ﴾ أيْ: أباكُمْ،
﴿مِن تُرابٍ ثُمَّ﴾، أنْشَأكُمْ،
﴿مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا﴾، أصْنافًا، أوْ ذُكْرانًا وإناثًا،
﴿وَما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ﴾، هو في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: إلّا مَعْلُومَةً لَهُ،
﴿وَما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ﴾ أيْ: وما يُعَمَّرُ مِن أحَدٍ، وإنَّما سَمّاهُ "مُعَمَّرًا"، بِما هو صائِرٌ إلَيْهِ،
﴿وَلا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلا في كِتابٍ﴾، يَعْنِي اللَوْحَ أوْ صَحِيفَةَ الإنْسانِ، "وَلا يَنْقُصُ"، "زَيْدٌ"، فَإنْ قُلْتَ: اَلْإنْسانُ إمّا مُعَمَّرٌ - أيْ: طَوِيلُ العُمُرِ - أوْ مَنقُوصُ العُمُرِ - أيْ: قَصِيرُهُ -، فَأمّا أنْ يَتَعاقَبَ عَلَيْهِ التَعْمِيرُ وخِلافُهُ فَمُحالٌ، فَكَيْفَ صَحَّ قَوْلُهُ: "وَما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ"، قُلْتُ: هَذا مِنَ الكَلامِ المُتَسامَحِ فِيهِ، ثِقَةً في تَأْوِيلِهِ بِأفْهامِ السامِعِينَ، واتِّكالًا عَلى تَسْدِيدِهِمْ مَعْناهُ بِعُقُولِهِمْ، وأنَّهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ إحالَةُ الطُولِ والقَصْرِ في عُمُرٍ واحِدٍ، وعَلَيْهِ كَلامُ الناسِ، يَقُولُونَ: "لا يُثِيبُ اللهُ عَبْدًا ولا يُعاقِبُهُ إلّا بِحَقٍّ"، أوْ تَأْوِيلُ الآيَةِ أنَّهُ يَكْتُبُ في الصَحِيفَةِ: "عُمُرُهُ كَذا كَذا سَنَةً"، ثُمَّ يَكْتُبُ في أسْفَلِ ذَلِكَ: "ذَهَبَ يَوْمٌ، ذَهَبَ يَوْمانِ"، حَتّى يَأْتِيَ عَلى آخِرِهِ، فَذَلِكَ نُقْصانُ عُمُرِهِ، وعَنْ قَتادَةَ: "اَلْمُعَمَّرُ": مَن يَبْلُغُ سِتِّينَ سَنَةً، و"اَلْمَنقُوصُ مِن عُمُرِهِ": مَن يَمُوتُ قَبْلَ سِتِّينَ سَنَةً"،
﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيْ: إحْصاءَهُ، أوْ زِيادَةَ العُمُرِ، ونُقْصانَهُ،
﴿عَلى اللهِ يَسِيرٌ﴾، سَهْلٌ.
35:12Page 436
وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡبَحۡرَانِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ سَآئِغٞ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞۖ وَمِن كُلّٖ تَأۡكُلُونَ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُونَ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢
And not alike are the two seas [i.e., bodies of water]. One is fresh and sweet, palatable for drinking, and one is salty and bitter. And from each you eat tender meat and extract ornaments which you wear, and you see the ships plowing through [them] that you might seek of His bounty; and perhaps you will be grateful.
﴿وَما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا﴾ أيْ: أحَدُهُما،
﴿عَذْبٌ فُراتٌ﴾، شَدِيدُ العُذُوبَةِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَكْسِرُ العَطَشَ،
﴿سائِغٌ شَرابُهُ﴾، مَرِيءٌ وسَهْلُ الِانْحِدارِ، لِعُذُوبَتِهِ، وبِهِ يَرْتَفِعُ شَرابُهُ،
﴿وَهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾، شَدِيدُ المُلُوحَةِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَحْرِقُ بِمُلُوحَتِهِ،
﴿وَمِن كُلٍّ﴾، ومِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما،
﴿تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾، وهو السَمَكُ،
﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾، وهي اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ،
﴿وَتَرى الفُلْكَ فِيهِ﴾، في كُلٍّ،
﴿مَواخِرَ﴾، شَواقَّ لِلْماءِ بِجَرْيِها، يُقالُ: "مَخَرَتِ السَفِينَةُ الماءَ"، أيْ: شَقَّتْهُ، وهي ماخِرَةٌ،
﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾، مِن فَضْلِ اللهِ، ولَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ في الآيَةِ، ولَكِنْ فِيما قَبْلَها، ولَوْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يُشْكِلْ، لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ،
﴿وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾، اَللَّهَ، عَلى ما آتاكم مِن فَضْلِهِ، ضَرَبَ البَحْرَيْنِ - العَذْبَ والمِلْحَ - مَثَلَيْنِ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، ثُمَّ قالَ - عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ في صِفَةِ البَحْرَيْنِ، وما عُلِّقَ بِهِما مِن نِعْمَتِهِ، وعَطائِهِ، ويَحْتَمِلُ غَيْرَ طَرِيقَةِ الِاسْتِطْرادِ، وهو أنْ يُشَبِّهَ الجِنْسَيْنِ بِالبَحْرَيْنِ، ثُمَّ يُفَضِّلُ البَحْرَ الأُجاجَ عَلى الكافِرِ بِأنَّهُ قَدْ شارَكَ العَذْبَ في مَنافِعَ، مِنَ السَمَكِ، واللُؤْلُؤِ، وجَرْيِ الفُلْكِ فِيهِ، والكافِرُ خُلُوٌّ مِنَ النَفْعِ، فَهو في طَرِيقَةِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، ثُمَّ قالَ: ﴿وَإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللهِ﴾ [البقرة: ٧٤] -:
35:13Page 436
يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۚ وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِيرٍ ١٣
He causes the night to enter the day, and He causes the day to enter the night and has subjected the sun and the moon - each running [its course] for a specified term. That is Allāh, your Lord; to Him belongs sovereignty. And those whom you invoke other than Him do not possess [as much as] the membrane of a date seed.
﴿يُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ ويُولِجُ النَهارَ في اللَيْلِ﴾، يُدْخِلُ مِن ساعاتِ أحَدِهِما في الآخَرِ، حَتّى يَصِيرَ الزائِدُ مِنهُما خَمْسَ عَشَرَةَ ساعَةً، والناقِصُ تِسْعًا،
﴿وَسَخَّرَ الشَمْسَ والقَمَرَ﴾ أيْ: ذَلَّلَ أضْوَأ صُورَةٍ لِأسْوَإ سِيرَةٍ،
﴿كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ يَنْقَطِعُ جَرْيُهُما،
﴿ذَلِكُمُ﴾، مُبْتَدَأٌ،
﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ﴾، أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ، أوْ: "اَللَّهُ رَبُّكُمْ"، خَبَرُ "إنَّ"، و"لَهُ المُلْكُ"، جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ، (p-٨٢)واقِعَةٌ في قِرانِ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾، يَعْنِي الأصْنامَ الَّتِي تَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللهِ، "يَدْعُونَ"، "قُتَيْبَةُ"،
﴿ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾، هي القِشْرَةُ الرَقِيقَةُ المُلْتَفَّةُ عَلى النَواةِ.
35:14Page 436
إِن تَدۡعُوهُمۡ لَا يَسۡمَعُواْ دُعَآءَكُمۡ وَلَوۡ سَمِعُواْ مَا ٱسۡتَجَابُواْ لَكُمۡۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُونَ بِشِرۡكِكُمۡۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٖ ١٤
If you invoke them, they do not hear your supplication; and if they heard, they would not respond to you. And on the Day of Resurrection they will deny your association.1 And none can inform you like [one] Aware [of all matters].
﴿إنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أيْ: اَلْأصْنامَ،
﴿لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ﴾، لِأنَّهم جَمادٌ،
﴿وَلَوْ سَمِعُوا﴾، عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ،
﴿ما اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾، لِأنَّهم لا يَدَّعُونَ ما تَدَّعُونَ لَهم مِنَ الإلَهِيَّةِ، ويَتَبَرَّؤُونَ مِنها،
﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾، بِإشْراكِكم لَهُمْ، وعِبادَتِكم إيّاهُمْ، ويَقُولُونَ: ﴿ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨] ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾، ولا يُنَبِّئُكَ - أيُّها المَفْتُونُ بِأسْبابِ الغُرُورِ - كَما يُنَبِّئُكَ اللهُ الخَبِيرُ بِخَبايا الأُمُورِ، وتَحْقِيقُهُ: "وَلا يُخْبِرُكَ بِالأمْرِ مُخْبِرٌ هو مِثْلُ خَبِيرٍ عالِمٍ بِهِ"، يُرِيدُ أنَّ الخَبِيرَ بِالأمْرِ وحْدَهُ هو الَّذِي يُخْبِرُكَ بِالحَقِيقَةِ، دُونَ سائِرِ المُخْبِرِينَ بِهِ، والمَعْنى أنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرْتُكم بِهِ مِن حالِ الأوْثانِ هو الحَقُّ، لِأنِّي خَبِيرٌ بِما أخْبَرْتُ بِهِ.
35:15Page 436
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ١٥
O mankind, you are those in need of Allāh, while Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.
﴿يا أيُّها الناسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللهِ﴾، قالَ ذُو النُونِ - رَحِمَهُ اللهُ -: اَلْخَلْقُ مُحْتاجُونَ إلَيْهِ في كُلِّ نَفَسٍ، وخَطْرَةٍ، ولَحْظَةٍ، وكَيْفَ لا، ووُجُودُهم بِهِ، وبَقاؤُهم بِهِ؟! ﴿واللهُ هو الغَنِيُّ﴾، عَنِ الأشْياءِ أجْمَعَ،
﴿الحَمِيدُ﴾، اَلْمَحْمُودُ بِكُلِّ لِسانٍ، ولَمْ يُسَمِّهِمْ بِالفُقَراءِ لِلتَّحْقِيرِ، بَلْ لِلتَّعْرِيضِ عَلى الِاسْتِغْناءِ، ولِهَذا وصَفَ نَفْسَهُ بِالغَنِيِّ، الَّذِي هو مُطْعِمُ الأغْنِياءِ، وذَكَرَ "اَلْحَمِيدُ"، لِيَدُلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ الغَنِيُّ النافِعُ بِغِناهُ خَلْقَهُ، والجَوادُ المُنْعِمُ عَلَيْهِمْ، إذْ لَيْسَ كُلُّ غَنِيٍّ نافِعًا بِغِناهُ، إلّا إذا كانَ الغَنِيُّ جَوادًا، مُنْعِمًا، وإذا جادَ وأنْعَمَ حَمِدَهُ المُنْعِمُ عَلَيْهِمْ، قالَ سَهْلٌ: لَمّا خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ حَكَمَ لِنَفْسِهِ بِالغِنى، ولَهم بِالفَقْرِ، فَمَنِ ادَّعى الغِنى حُجِبَ عَنِ اللهِ، ومَن أظْهَرَ فَقْرَهُ أوْصَلَهُ فَقْرُهُ إلَيْهِ، فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنْ يَكُونَ مُفْتَقِرًا بِالسِرِّ إلَيْهِ، ومُنْقَطِعًا عَنِ الغَيْرِ إلَيْهِ، حَتّى تَكُونَ عُبُودِيَّتُهُ مَحْضَةً، فالعُبُودِيَّةُ هي الذُلُّ (p-٨٣)والخُضُوعُ، وعَلامَتُهُ ألّا يَسْألَ مِن أحَدٍ، وقالَ الواسِطِيُّ: "مَنِ اسْتَغْنى بِاللهِ لا يَفْتَقِرُ، ومَن تَعَزَّزَ بِاللهِ لا يَذِلُّ، وقالَ الحُسَيْنُ: عَلى مِقْدارِ افْتِقارِ العَبْدِ إلى اللهِ يَكُونُ غَنِيًّا بِاللهِ، وكُلَّما ازْدادَ افْتِقارًا ازْدادَ غِنًى، وقالَ يَحْيى: اَلْفَقْرُ خَيْرٌ لِلْعَبْدِ مِنَ الغِنى، لِأنَّ المَذَلَّةَ في الفَقْرِ، والكِبْرَ في الغِنى، والرُجُوعَ إلى اللهِ بِالتَواضُعِ، والذِلَّةَ خَيْرٌ مِنَ الرُجُوعِ إلَيْهِ بِتَكْثِيرِ الأعْمالِ، وقِيلَ: صِفَةُ الأوْلِياءِ ثَلاثَةٌ: اَلثِّقَةُ بِاللهِ في كُلِّ شَيْءٍ، والفَقْرُ إلَيْهِ في كُلِّ شَيْءٍ، والرُجُوعُ إلَيْهِ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وقالَ الشِبْلِيُّ: اَلْفَقْرُ يَجُرُّ البَلاءَ، وبَلاؤُهُ كُلُّهُ عِزٌّ.
35:16Page 436
إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَأۡتِ بِخَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٦
If He wills, He can do away with you and bring forth a new creation.
﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾، كُلَّكُمْ، إلى العَدَمِ، فَإنَّ غِناهُ بِذاتِهِ لا بِكم في القِدَمِ،
﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، وهو بِدُونِ حَمْدِكم حَمِيدٌ.
﴿وَما ذَلِكَ﴾، الإنْشاءُ والإفْناءُ،
﴿عَلى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾، بِمُمْتَنِعٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يَخْلُقُ بَعْدَكم مَن يَعْبُدُهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا.
35:18Page 436
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ وَإِن تَدۡعُ مُثۡقَلَةٌ إِلَىٰ حِمۡلِهَا لَا يُحۡمَلۡ مِنۡهُ شَيۡءٞ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰٓۗ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفۡسِهِۦۚ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ١٨
And no bearer of burdens will bear the burden of another. And if a heavily laden soul calls [another] to [carry some of] its load, nothing of it will be carried, even if he should be a close relative. You can only warn those who fear their Lord unseen and have established prayer. And whoever purifies himself only purifies himself for [the benefit of] his soul. And to Allāh is the [final] destination.
﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، ولا تَحْمِلُ نَفْسٌ آثِمَةٌ إثْمَ نَفْسٍ أُخْرى، و"اَلْوِزْرُ"، و"اَلْوَقْرُ"، أخَوانِ، و"وَزَرَ الشَيْءَ"، إذا حَمَلَهُ، و"اَلْوازِرَةُ"، صِفَةٌ لِلنَّفْسِ، والمَعْنى أنَّ كُلَّ نَفْسٍ يَوْمَ القِيامَةِ لا تَحْمِلُ إلّا وِزْرَها الَّذِي اقْتَرَفَتْهُ، لا تُؤاخَذُ نَفْسٌ بِذَنْبٍ نَفْسٍ، كَما تَأْخُذُ جَبابِرَةُ الدُنْيا الوَلِيَّ بِالوَلِيِّ، والجارَ بِالجارِ، وإنَّما قِيلَ: "وازِرَةٌ"، ولَمْ يَقُلْ: "وَلا تَزِرُ نَفْسٌ وِزْرَ أُخْرى"، لِأنَّ المَعْنى أنَّ النُفُوسَ الوازِراتِ لا تَرى مِنهُنَّ واحِدَةً إلّا حامِلَةً وِزْرَها، لا وِزْرَ غَيْرِها، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، وارِدٌ في الضالِّينَ المُضِلِّينَ، فَإنَّهم يَحْمِلُونَ أثْقالَ إضْلالِ الناسِ، مَعَ أثْقالِ ضَلالِهِمْ، وذَلِكَ كُلُّهُ أوْزارُهُمْ، ما فِيها شَيْءٌ مِن وِزْرِ غَيْرِهِمْ، ألا تَرى كَيْفَ كَذَّبَهُمُ اللهُ (تَعالى) في قَوْلِهِمْ: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، بِقَوْلِهِ: ﴿وَما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ﴾ [العنكبوت: ١٢] ﴿وَإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ أيْ: نَفْسٌ مُثْقَلَةٌ بِالذُنُوبِ، أحَدًا،
﴿إلى حِمْلِها﴾، ثِقْلِها، أيْ: ذُنُوبِها، لِيَتَحَمَّلَ عَنْها بَعْضَ ذَلِكَ، (p-٨٤)﴿لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ولَوْ كانَ﴾ أيْ: اَلْمَدْعُوُّ، وهو مَفْهُومٌ مِن قَوْلِهِ: "وَإنْ تَدْعُ"،
﴿ذا قُرْبى﴾، ذا قَرابَةٍ قَرِيبَةٍ، كَأبٍ، أوْ ولَدٍ، أوْ أخٍ، والفَرْقُ بَيْنَ مَعْنى قَوْلِهِ: "وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى"، ومَعْنى "وَإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ"، أنَّ الأوَّلَ دالٌّ عَلى عَدْلِ اللهِ في حُكْمِهِ، وألّا يُؤاخِذَ نَفْسًا بِغَيْرِ ذَنْبِها، والثانِي في بَيانِ أنَّهُ لا غَيّاثَ يَوْمَئِذٍ لِمَنِ اسْتَغاثَ، حَتّى إنَّ نَفْسًا قَدْ أثْقَلَتْها الأوْزارُ لَوْ دَعَتْ إلى أنْ يُخَفَّفَ بَعْضُ وقْرِها، لَمْ تُجَبْ، ولَمْ تُغَثْ، وإنْ كانَ المَدْعُوُّ بَعْضَ قَرابَتِها،
﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أيْ: إنَّما يَنْتَفِعُ بِإنْذارِكَ هَؤُلاءِ،
﴿بِالغَيْبِ﴾، حالٌ مِنَ الفاعِلِ، أوِ المَفْعُولِ، أيْ: يَخْشَوْنَ رَبَّهم غائِبِينَ عَنْ عَذابِهِ، أوْ يَخْشَوْنَ عَذابَهُ غائِبًا عَنْهُمْ، وقِيلَ: "بِالغَيْبِ": في السِرِّ، حَيْثُ لا اطِّلاعَ لِلْغَيْرِ عَلَيْهِ،
﴿وَأقامُوا الصَلاةَ﴾، في مَواقِيتِها،
﴿وَمَن تَزَكّى﴾، تَطَهَّرَ بِفِعْلِ الطاعاتِ، وتَرْكِ المَعاصِي،
﴿فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ﴾، وهو اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِخَشْيَتِهِمْ، وإقامَتِهِمُ الصَلاةَ، لِأنَّهُما مِن جُمْلَةِ التَزَكِّي،
﴿وَإلى اللهِ المَصِيرُ﴾، اَلْمَرْجِعُ، وهو وعْدٌ لِلْمُتَزَكِّي بِالثَوابِ.
﴿وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾، مَثَلٌ لِلْكافِرِ، والمُؤْمِنِ، أوْ لِلْجاهِلِ، والعالِمِ.
﴿وَلا الظُلُماتُ﴾، مَثَلٌ لِلْكُفْرِ،
﴿وَلا النُورُ﴾، لِلْإيمانِ.
﴿وَلا الظِلُّ ولا الحَرُورُ﴾، اَلْحَقُّ، والباطِلُ، أوِ الجَنَّةُ، والنارُ، و"اَلْحَرُورُ": اَلرِّيحُ الحارَّةُ كالسَمُومِ، إلّا أنَّ السَمُومَ تَكُونُ بِالنَهارِ، والحَرُورَ بِاللَيْلِ والنَهارِ، عَنِ الفَرّاءِ.
35:22Page 437
وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَحۡيَآءُ وَلَا ٱلۡأَمۡوَٰتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسۡمِعُ مَن يَشَآءُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُسۡمِعٖ مَّن فِي ٱلۡقُبُورِ ٢٢
And not equal are the living and the dead. Indeed, Allāh causes to hear whom He wills, but you cannot make hear those in the graves.1
﴿وَما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾، مَثَلٌ لِلَّذِينَ دَخَلُوا في الإسْلامِ، والَّذِينَ لَمْ يَدْخُلُوا فِيهِ، وزِيادَةُ "لا"، لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَفْيِ، والفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الواواتِ أنَّ بَعْضَها ضَمَّتْ شَفْعًا إلى شَفْعٍ، وبَعْضَها وتْرًا إلى وتْرٍ،
﴿إنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾، يَعْنِي أنَّهُ قَدْ عَلِمَ مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ، مِمَّنْ لا يَدْخُلُ (p-٨٥)فِيهِ، فَيَهْدِي مَن يَشاءُ هِدايَتَهُ، وأمّا أنْتَ فَخَفِيَ عَلَيْكَ أمْرُهُمْ، فَلِذَلِكَ تَحْرِصُ عَلى إسْلامِ قَوْمٍ مَخْذُولِينَ، شَبَّهَ الكُفّارَ بِالمَوْتى، حَيْثُ لا يَنْتَفِعُونَ بِمَسْمُوعِهِمْ.
﴿إنْ أنْتَ إلا نَذِيرٌ﴾ أيْ: ما عَلَيْكَ إلّا أنْ تُبَلِّغَ وتُنْذِرَ، فَإنْ كانَ المُنْذَرُ مِمَّنْ يَسْمَعُ الإنْذارَ، نُفِعَ، وإنْ كانَ مِنَ المُصِرِّينَ، فَلا عَلَيْكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences