An-NasafiAn‑Nisa · 4:129–156

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:129–156

4:129Page 99

وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ وَإِن تُصۡلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٢٩

And you will never be able to be equal [in feeling] between wives, even if you should strive [to do so]. So do not incline completely [toward one] and leave another hanging.1 And if you amend [your affairs] and fear Allāh - then indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.

﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِساءِ﴾ ولَنْ تَسْتَطِيعُوا العَدْلَ بَيْنَ النِساءِ والتَسْوِيَةَ حَتّى لا يَقَعَ مَيْلٌ البَتَّةَ. فَتَمامُ العَدْلِ أنْ يُسَوّى بَيْنَهُنَّ بِالقِسْمَةِ، والنَفَقَةِ، والتَعَهُّدِ، والنَظَرِ، والإقْبالِ، والمُمالَحَةِ: والمُفاكَهَةِ: وغَيْرِها. وقِيلَ. مَعْناهُ: أنْ تَعْدِلُوا في المَحَبَّةِ. «وَكانَ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ، ويَقُولُ: "هَذِهِ قِسْمَتِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تُؤاخِذْنِي فِيما تَمْلِكُ ولا أمْلِكُ". » يَعْنِي: المَحَبَّةَ، لِأنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها كانَتْ أحَبَّ إلَيْهِ.

﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ بالَغْتُمْ في تَحَرِّي ذَلِكَ ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ فَلا تَجُورُوا عَلى المَرْغُوبِ عَنْها كُلَّ الجَوْرِ فَتَمْنَعُوها قَسْمَها مِن غَيْرِ رِضًا مِنها، يَعْنِي: أنَّ اجْتِنابَ كُلَّ المَيْلِ في حَدِّ اليُسْرِ، فَلا تُفْرِطُوا فِيهِ وإنْ وقَعَ مِنكُمُ التَفْرِيطُ في العَدْلِ كُلِّهِ. وفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ التَوْبِيخِ. وكُلَّ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ لَهُ حُكْمَ ما يُضافُ إلَيْهِ،

﴿فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ وهِيَ: الَّتِي لَيْسَتْ بِذاتِ بَعْلٍ، ولا مُطَلَّقَةً ﴿وَإنْ تُصْلِحُوا﴾ بَيْنَهُنَّ،

﴿وَتَتَّقُوا﴾ الجَوْرَ ﴿فَإنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَغْفِرُ لَكم مَيْلَ قُلُوبِكُمْ، ويَرْحَمُكم فَلا يُعاقِبُكم.

4:130Page 99

وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغۡنِ ٱللَّهُ كُلّٗا مِّن سَعَتِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمٗا ١٣٠

But if they separate [by divorce], Allāh will enrich each [of them] from His abundance. And ever is Allāh Encompassing and Wise.

﴿وَإنْ يَتَفَرَّقا﴾ أيْ: إنْ لَمْ يَصْطَلِحِ الزَوْجانِ عَلى شَيْءٍ، وتَفَرَّقا بِالخُلْعِ، أوْ بِتَطْلِيقِهِ إيّاها، وإيفائِهِ مَهْرَها، ونَفَقَةَ عِدَّتِها.

﴿يُغْنِ اللهُ كُلا﴾ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما ﴿مِن سَعَتِهِ﴾ مِن غِناهُ، أيْ: يَرْزُقُهُ زَوْجًا خَيْرًا مِن زَوْجِهِ، وعَيْشًا أهْنَأ مِن عَيْشِهِ ﴿وَكانَ اللهُ واسِعًا﴾ بِتَحْلِيلِ النِكاحِ ﴿حَكِيمًا﴾ بِالإذْنِ في السَراحِ، فالسَعَةُ: الغِنى والقُدْرَةُ، والواسِعُ: الغَنِيُّ المُقْتَدِرُ.

(p-٤٠٣)

4:131Page 99

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ وَصَّيۡنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَإِيَّاكُمۡ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ وَإِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدٗا ١٣١

And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And We have instructed those who were given the Scripture before you and yourselves to fear Allāh. But if you disbelieve - then to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allāh Free of need and Praiseworthy.

ثُمَّ بَيَّنَ غِناهُ وقُدْرَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ خَلْقًا، والمُتَمَلِّكُ عَبِيدَهُ رِقًّا ﴿وَلَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ هو اسْمٌ لِلْجِنْسِ فَيَتَناوَلُ الكُتُبَ السَماوِيَّةَ ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ السالِفَةِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ "وَصَّيْنا" أوْ بِـ "أُوتُوا".

﴿وَإيّاكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى الَّذِينَ "أُوتُوا" ﴿أنِ اتَّقُوا اللهَ﴾ بِأنِ اتَّقَوْا، أوْ تَكُونُ "أنْ" المُفَسِّرَةَ، لِأنَّ التَوْصِيَةَ في مَعْنى القَوْلِ، والمَعْنى: أنَّ هَذِهِ وصِيَّةٌ قَدِيمَةٌ ما زالَ يُوصِي اللهُ بِها عِبادَهُ -وَلَسْتُمْ بِها مَخْصُوصِينَ-، لِأنَّهم بِالتَقْوى يَسْعَدُونَ عِنْدَهُ.

﴿وَإنْ تَكْفُرُوا﴾ عَطْفٌ عَلى "اتَّقُوا"، لِأنَّ المَعْنى: أمَرْناهُمْ، وأمَرْناكم بِالتَقْوى، وقُلْنا لَهم ولَكُمْ: ﴿وَإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللهُ غَنِيًّا﴾ عَنْ خَلْقِهِ، وعَنْ عِبادَتِهِمْ ﴿حَمِيدًا﴾ مُسْتَحِقًّا، لِأنْ يُحْمَدَ لِكَثْرَةِ نِعَمِهِ، وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ أحَدٌ. وتَكْرِيرُ قَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَقْرِيرٌ لِما هو مُوجِبٌ تَقْواهُ، لِأنَّ الخَلْقَ لَمّا كانَ كُلُّهُ لَهُ، وهو خالِقُهم ومالِكُهُمْ، فَحَقُّهُ أنْ يَكُونَ مُطاعًا في خَلْقِهِ غَيْرَ مَعْصِيٍّ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَقْوى أصْلُ الخَيْرِ كُلِّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تَكْفُرُوا﴾ عَقِيبَ التَقْوى دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ: الِاتِّقاءُ عَنِ الشِرْكِ.

4:132Page 99

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ١٣٢

And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.1

﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾ فاتَّخِذُوهُ وكِيلًا، ولا تَتَّكِلُوا عَلى غَيْرِهِ.

4:133Page 99

إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأۡتِ بِـَٔاخَرِينَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرٗا ١٣٣

If He wills, He can do away with you, O people, and bring others [in your place]. And ever is Allāh competent to do that.

ثُمَّ خَوَّفَهم وبَيَّنَ قُدْرَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ يُعْدِمْكم ﴿أيُّها الناسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ ويُوجِدْ إنْسًا آخَرِينَ مَكانَكُمْ، أوْ خَلْقًا آخَرِينَ غَيْرَ الإنْسِ ﴿وَكانَ اللهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ بَلِيغَ القُدْرَةِ.

4:134Page 99

مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا ١٣٤

Whoever desires the reward of this world - then with Allāh is the reward of this world and the Hereafter. And ever is Allāh Hearing and Seeing.

﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُنْيا﴾ كالمُجاهِدِ يُرِيدُ بِجِهادِهِ الغَنِيمَةَ ﴿فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُنْيا والآخِرَةِ﴾ فَما لَهُ يَطْلُبُ أحَدَهُما دُونَ الآخَرِ، والَّذِي يَطْلُبُهُ (p-٤٠٤)أخَسُّهُما ﴿وَكانَ اللهُ سَمِيعًا﴾ لِلْأقْوالِ ﴿بَصِيرًا﴾ بِالأفْعالِ، وهو وعْدٌ ووَعِيدٌ.

4:135Page 100

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَۚ إِن يَكُنۡ غَنِيًّا أَوۡ فَقِيرٗا فَٱللَّهُ أَوۡلَىٰ بِهِمَاۖ فَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلۡهَوَىٰٓ أَن تَعۡدِلُواْۚ وَإِن تَلۡوُۥٓاْ أَوۡ تُعۡرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ١٣٥

O you who have believed, be persistently standing firm in justice, witnesses for Allāh, even if it be against yourselves or parents and relatives. Whether one is rich or poor, Allāh is more worthy of both.1 So follow not [personal] inclination, lest you not be just. And if you distort [your testimony] or refuse [to give it], then indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ مُجْتَهِدِينَ في إقامَةِ العَدْلِ حَتّى لا تَجُورُوا ﴿شُهَداءَ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ ﴿لِلَّهِ﴾ أيْ: تُقِيمُونَ شَهاداتِكم لِوَجْهِ اللهِ ﴿وَلَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ ولَوْ كانَتِ الشَهادَةُ عَلى أنْفُسِكُمْ، والشَهادَةُ عَلى نَفْسِهِ هي الإقْرارُ عَلى نَفْسِهِ، لِأنَّهُ في مَعْنى الشَهادَةِ عَلَيْها بِإلْزامِ الحَقِّ، وهَذا لِأنَّ الدَعْوى والشَهادَةَ والإقْرارَ يَشْتَرِكُ جَمِيعُها في الإخْبارِ عَنْ حَقٍّ لِأحَدٍ عَلى أحَدٍ، غَيْرَ أنَّ الدَعْوى إخْبارٌ عَنْ حَقٍّ لِنَفْسِهِ عَلى الغَيْرِ، والإقْرارُ: لِلْغَيْرِ عَلى نَفْسِهِ، والشَهادَةُ لِلْغَيْرِ عَلى الغَيْرِ.

﴿أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ أيْ: ولَوْ كانَتِ الشَهادَةُ عَلى آبائِكُمْ، وأُمَّهاتِكُمْ، وأقارِبِكم.

﴿إنْ يَكُنْ﴾ المَشْهُودُ عَلَيْهِ ﴿غَنِيًّا﴾ فَلا يَمْنَعُ الشَهادَةَ عَلَيْهِ لِغِناهُ طَلَبًا لِرِضاهُ ﴿أوْ فَقِيرًا﴾ فَلا يَمْنَعُها تَرَحُّمًا عَلَيْهِ ﴿فاللهُ أوْلى بِهِما﴾ بِالغَنِيِّ والفَقِيرِ، أيْ: بِالنَظَرِ لَهُما والرَحْمَةِ وإنَّما ثَنّى الضَمِيرَ في بِهِما، وكانَ حَقَّهُ أنْ يُوَحَّدَ، لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَكُنْ أحَدُ هَذَيْنِ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا" وهو جِنْسُ الغَنِيِّ والفَقِيرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فاللهُ أوْلى بِجِنْسَيِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ، أيْ: بِالأغْنِياءِ والفُقَراءِ ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى﴾ إرادَةَ ﴿أنْ تَعْدِلُوا﴾ عَنِ الحَقِّ مِنَ العُدُولِ، أوْ كَراهَةَ أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ الناسِ مِنَ العَدْلِ (وَإنْ تَلُوا ) بِواوٍ واحِدَةٍ وضَمِّ اللامِ، شامِيٌّ، وحَمْزَةُ، مِنَ الوِلايَةِ.

﴿أوْ تُعْرِضُوا﴾ أيْ: وإنْ وُلِّيتُمْ إقامَةَ الشَهادَةِ، أوْ أعْرَضْتُمْ عَنْ إقامَتِها، غَيْرُهُما. تَلْوُوا بِواوَيْنِ وسُكُونِ اللامِ، مِنَ: اللَيِّ، أيْ: وإنْ تَلْوُوا ألْسِنَتَكم عَنْ شَهادَةِ الحَقِّ، أوْ حُكُومَةِ العَدْلِ، أوْ تُعْرِضُوا عَنِ الشَهادَةِ بِما عِنْدَكُمْ، وتَمْنَعُوها ﴿فَإنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.

4:136Page 100

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١٣٦

O you who have believed, believe1 in Allāh and His Messenger and the Book that He sent down upon His Messenger and the Scripture which He sent down before. And whoever disbelieves in Allāh, His angels, His books, His messengers, and the Last Day has certainly gone far astray.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ ﴿آمَنُوا﴾ اثْبُتُوا عَلى (p-٤٠٥)الإيمانِ، ودُومُوا عَلَيْهِ، أوْ لِأهْلِ الكِتابِ، لِأنَّهم آمَنُوا بِبَعْضِ الكُتُبِ والرُسُلِ، وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، أوِ المُنافِقِينَ، أيْ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا نِفاقًا آمِنُوا إخْلاصًا ﴿بِاللهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ: مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿والكِتابِ الَّذِي نَـزَّلَ عَلى رَسُولِهِ﴾ أيِ: القُرْآنِ،

﴿والكِتابِ الَّذِي أنْـزَلَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: جِنْسِ ما أنْزَلَ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ (نَزَّلَ) و(أنْزَلَ) مَكِّيٌّ، وشامِيٌّ، وأبُو عَمْرٍو. وعَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ فِيهِما غَيْرُهم. وإنَّما قِيلَ: نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ، وأنْزَلَ مِن قَبْلُ، لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا في عِشْرِينَ سَنَةً، بِخِلافِ الكُتُبِ قَبْلَهُ ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيْ: ومَن يَكْفُرُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ لِأنَّ الكُفْرَ بِبَعْضِهِ كُفْرٌ بِكُلِّهِ.

4:137Page 100

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ سَبِيلَۢا ١٣٧

Indeed, those who have believed then disbelieved, then believed then disbelieved, and then increased in disbelief - never will Allāh forgive them, nor will He guide them to a way.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ حِينَ عَبَدُوا العِجْلَ ﴿ثُمَّ آمَنُوا﴾ بِمُوسى مِن بَعْدِ عَوْدِهِ ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا﴾ إلى النَجاةِ، أوْ إلى الجَنَّةِ، أوْ هُمُ المُنافِقُونَ آمَنُوا في الظاهِرِ، وكَفَرُوا في السِرِّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وازْدِيادُ الكُفْرِ مِنهُمْ: ثَباتُهم عَلَيْهِ إلى المَوْتِ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ:

4:138Page 100

بَشِّرِ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمًا ١٣٨

Give tidings to the hypocrites that there is for them a painful punishment -

﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾ أيْ: أخْبِرْهُمْ، ووُضِعَ "بَشِّرْ" مَكانَهُ تَهَكُّمًا بِهِمْ ﴿بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ مُؤْلِمًا.

4:139Page 100

ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَيَبۡتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلۡعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا ١٣٩

Those who take disbelievers as allies instead of the believers. Do they seek with them honor [through power]? But indeed, honor belongs to Allāh entirely.1

﴿الَّذِينَ﴾ نَصْبٌ عَلى الذَمِّ، أوْ رَفْعٌ، بِمَعْنى: أُرِيدَ الَّذِينَ، أوْ هُمُ الَّذِينَ ﴿يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾ كانَ المُنافِقُونَ يُوالُونَ الكَفَرَةَ، يَطْلُبُونَ مِنهُمُ المَنعَةَ والنُصْرَةَ، ويَقُولُونَ: لا يَتِمُّ أمْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ولِمَن أعَزَّهُ كالنَبِيِّ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ، كَما قالَ: ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المُنافِقُونَ: ٨].

٤٠٦

4:140Page 100

وَقَدۡ نَزَّلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أَنۡ إِذَا سَمِعۡتُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ يُكۡفَرُ بِهَا وَيُسۡتَهۡزَأُ بِهَا فَلَا تَقۡعُدُواْ مَعَهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦٓ إِنَّكُمۡ إِذٗا مِّثۡلُهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ١٤٠

And it has already come down to you in the Book [i.e., the Qur’ān] that when you hear the verses of Allāh [recited], they are denied [by them] and ridiculed; so do not sit with them until they enter into another conversation. Indeed, you would then be like them.1 Indeed, Allāh will gather the hypocrites and disbelievers in Hell all together -

(p-٤٠٦)﴿وَقَدْ نَـزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكم إذًا مِثْلُهم إنَّ اللهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾

١٤٠ ( وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ) بِفَتْحِ النُونِ: عاصِمٌ، وبِضَمِّها: غَيْرُهُ.

﴿فِي الكِتابِ﴾ القُرْآنِ ﴿أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ حَتّى يَشْرَعُوا في كَلامٍ غَيْرِ الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ بِالقُرْآنِ. والخَوْضُ: الشُرُوعُ، و"أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، أيْ: أنَّهُ إذا سَمِعْتُمْ، أيْ: نَزَلَ عَلَيْكم أنَّ الشَأْنَ كَذا، والشَأْنُ: ما أفادَتْهُ الجُمْلَةُ بِشَرْطِها وجَزائِها، وأنْ مَعَ ما في حَيِّزِها في مَوْضِعِ الرَفْعِ بِـ "نُزِّلَ"، أوْ في مَوْضِعِ النَصْبِ بِـ "نَزَّلَ"، والمُنَزَّلُ عَلَيْهِمْ في الكِتابِ هو ما نَزَلَ عَلَيْهِمْ بِمَكَّةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنْعامُ: ٦٨] وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَخُوضُونَ في ذِكْرِ القُرْآنِ في مَجالِسِهِمْ فَيَسْتَهْزِءُونَ بِهِ، فَنُهِيَ المُسْلِمُونَ عَنِ القُعُودِ مَعَهم ما دامُوا خائِضِينَ فِيهِ. وكانَ المُنافِقُونَ بِالمَدِينَةِ يَفْعَلُونَ نَحْوَ فِعْلِ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، فَنُهُوا أنْ يَقْعُدُوا مَعَهُمْ، كَما نُهُوا عَنْ مُجالَسَةِ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ أيْ: في الوِزْرِ إذا مَكَثْتُمْ مَعَهُمْ، ولَمْ يُرِدْ بِهِ التَمْثِيلَ مِن كُلِّ وجْهٍ، فَإنَّ خَوْضَ المُنافِقِينَ فِيهِ كُفْرٌ، ومُكْثُ هَؤُلاءِ مَعَهم مَعْصِيَةٌ.

﴿إنَّ اللهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ لِاجْتِماعِهِمْ في الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ.

4:141Page 101

ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمۡ فَإِن كَانَ لَكُمۡ فَتۡحٞ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡ وَإِن كَانَ لِلۡكَٰفِرِينَ نَصِيبٞ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَسۡتَحۡوِذۡ عَلَيۡكُمۡ وَنَمۡنَعۡكُم مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا ١٤١

Those who wait [and watch] you. Then if you gain a victory from Allāh, they say, "Were we not with you?" But if the disbelievers have a success, they say [to them], "Did we not gain the advantage over you, but we protected you from the believers?" Allāh will judge between [all of] you on the Day of Resurrection, and never will Allāh give the disbelievers over the believers a way [to overcome them].1

﴿الَّذِينَ﴾ بَدَلٌ مِنَ "الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ" أوْ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ، أوْ نَصْبٌ عَلى الذَمِّ مِنهم ﴿يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ يَنْتَظِرُونَ بِكم ما يَتَجَدَّدُ لَكم مِن ظَفَرٍ، أوْ إخْفاقٍ ﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللهِ﴾ نُصْرَةٌ، وغَنِيمَةٌ ﴿قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ مُظاهِرِينَ، فَأشْرِكُونا في الغَنِيمَةِ ﴿وَإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ سَمّى ظَفَرَ المُسْلِمِينَ فَتْحًا، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ، لِأنَّهُ أمْرٌ عَظِيمٌ تُفْتَحُ لَهُ أبْوابُ السَماءِ، وظَفَرَ (p-٤٠٧)الكافِرِينَ نَصِيبًا تَخْسِيسًا لِحَظِّهِمْ، لِأنَّهُ لُمْظَةٌ مِنَ الدُنْيا يُصِيبُونَها ﴿قالُوا﴾ لِلْكُفّارِ ﴿ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ ألَمْ نَغْلِبْكُمْ، ونَتَمَكَّنْ مِن قَتْلِكُمْ، فَأبْقَيْنا عَلَيْكُمْ، والِاسْتِحْواذُ: الِاسْتِيلاءُ، والغَلَبَةُ.

﴿وَنَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِأنْ ثَبَّطْناهم عَنْكُمْ، وخَيَّلْنا لَهم ما ضَعُفَتْ قُلُوبُهم بِهِ، ومَرِضُوا عَنْ قِتالِكُمْ، وتَوانَيْنا في مُظاهَرَتِهِمْ عَلَيْكُمْ، فَهاتُوا نَصِيبًا لَنا مِمّا أصَبْتُمْ ﴿فاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ والمُنافِقُونَ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَيُدْخِلُ المُنافِقِينَ النارَ، والمُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ أيْ: في القِيامَةِ، بِدَلِيلِ أوَّلِ الآيَةِ، كَذا عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أوْ حُجَّةً، كَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما.

4:142Page 101

إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٤٢

Indeed, the hypocrites [think to] deceive Allāh, but He is deceiving them. And when they stand for prayer, they stand lazily, showing [themselves to] the people and not remembering Allāh except a little,

﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ﴾ أيْ: يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُ المُخادِعُ مِن إظْهارِ الإيمانِ، وإبْطالِ الكُفْرِ. والمُنافِقُ: مَن أظْهَرَ الإيمانَ، وأبْطَنَ الكُفْرَ، أوْ أوْلِياءَ اللهِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ. فَأضافَ خِداعَهم إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهم ﴿وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ وهو فاعِلٌ بِهِمْ ما يَفْعَلُ المُغالِبُ في الخِداعِ، حَيْثُ تَرَكَهم مَعْصُومِي الدِماءِ والأمْوالِ في الدُنْيا، وأعَدَّ لَهُمُ الدَرْكَ الأسْفَلَ مِنَ النارِ في العُقْبى. والخادِعُ: اسْمُ فاعِلٍ مَن خادَعْتُهُ فَخَدَعْتُهُ إذا غَلَبْتَهُ، وكُنْتَ أخْدَعَ مِنهُ. وقِيلَ: يَجْزِيهِمْ جَزاءَ خِداعِهِمْ ﴿وَإذا قامُوا إلى الصَلاةِ قامُوا كُسالى﴾ مُتَثاقِلِينَ كَراهَةً. أمّا الغَفْلَةُ فَقَدْ يُبْتَلى بِها المُؤْمِنُ. وهو جَمْعُ كَسْلانَ، كَسُكارى في سَكْرانَ ﴿يُراءُونَ الناسَ﴾ حالٌ، أيْ: يَقْصِدُونَ بِصَلاتِهِمُ الرِياءَ، والسُمْعَةَ. والمُراءاةُ: مُفاعَلَةٌ مِنَ الرُؤْيَةِ، لِأنَّ المُرائِي يُرِيهِمْ عَمَلَهُ، وهم يَرَوْنَهُ اسْتِحْسانًا ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إلا قَلِيلا﴾ ولا يُصَلُّونَ إلّا قَلِيلًا، لِأنَّهم لا يُصَلُّونَ قَطُّ غائِبِينَ (p-٤٠٨)عَنْ عُيُونِ الناسِ، أوْ لا يَذْكُرُونَ اللهَ بِالتَسْبِيحِ، والتَهْلِيلِ إلّا ذِكْرًا قَلِيلًا نادِرًا. قالَ الحَسَنُ: لَوْ كانَ ذَلِكَ القَلِيلُ لِلَّهِ تَعالى لَكانَ كَثِيرًا.

4:143Page 101

مُّذَبۡذَبِينَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا ١٤٣

Wavering between them, [belonging] neither to these [i.e., the believers] nor to those [i.e., the disbelievers]. And whoever Allāh sends astray - never will you find for him a way.

﴿مُذَبْذَبِينَ﴾ نَصْبٌ عَلى الذَمِّ، أيْ: مُرَدَّدِينَ، يَعْنِي: ذَبْذَبَهُمُ الشَيْطانُ والهَوى بَيْنَ الإيمانِ والكُفْرِ، فَهم مُتَرَدِّدُونَ بَيْنَهُما، مُتَحَيِّرُونَ، وحَقِيقَةُ المُذَبْذَبِ: الَّذِي يَذُبُّ عَنْ كِلا الجانِبَيْنِ، أيْ: يَدْفَعُ فَلا يَقَرُّ في جانِبٍ واحِدٍ إلّا أنَّ الذَبْذَبَةَ فِيها تَكْرِيرٌ لَيْسَ في الذَبِّ ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ ﴿لا إلى هَؤُلاءِ﴾ لا مَنسُوبَيْنِ إلى هَؤُلاءِ، فَيَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴿وَلا إلى هَؤُلاءِ﴾ ولا مَنسُوبِينَ إلى هَؤُلاءِ، فَيُسَمَّوْا مُشْرِكِينَ ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ طَرِيقًا إلى الهُدى.

4:144Page 101

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينًا ١٤٤

O you who have believed, do not take the disbelievers as allies instead of the believers. Do you wish to give Allāh against yourselves a clear case?

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ حُجَّةً بَيِّنَةً في تَعْذِيبِكم.

4:145Page 101

إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا ١٤٥

Indeed, the hypocrites will be in the lowest depths of the Fire - and never will you find for them a helper -

﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النارِ﴾ أيْ: في الطَبَقِ الَّذِي في قَعْرِ جَهَنَّمَ، والنارُ سَبْعُ دَرَكاتٍ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأنَّها مُتَدارِكَةٌ، مُتَتابِعَةٌ، بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وإنَّما كانَ المُنافِقُ أشَدَّ عَذابًا مِنَ الكافِرِ، لِأنَّهُ أمِنَ السَيْفَ في الدُنْيا فاسْتَحَقَّ الدَرْكَ الأسْفَلَ في العُقْبى تَعْدِيلًا، ولِأنَّهُ مِثْلُهُ في الكُفْرِ، وضُمَّ إلى كَفْرِهِ الِاسْتِهْزاءُ بِالإسْلامِ وأهْلِهِ، و(الدَرْكُ) -بِسُكُونِ الراءِ- كُوفِيٌّ، غَيْرَ الأعْشى. وبِفَتْحِ الراءِ: غَيْرُهُمْ، وهُما لُغَتانِ، وذَكَرَ الزَجّاجُ أنَّ الِاخْتِيارَ فَتْحُ الراءِ ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ يَمْنَعُهم مِنَ العَذابِ.

(p-٤٠٩)

4:146Page 101

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَٱعۡتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخۡلَصُواْ دِينَهُمۡ لِلَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَسَوۡفَ يُؤۡتِ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١٤٦

Except for those who repent, correct themselves, hold fast to Allāh, and are sincere in their religion for Allāh, for those will be with the believers. And Allāh is going to give the believers a great reward.

﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ مِنَ النِفاقِ، وهو اسْتِثْناءٌ مِنَ الضَمِيرِ المَجْرُورِ في ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ ﴿وَأصْلَحُوا﴾ ما أفْسَدُوا مِن أسْرارِهِمْ، وأحْوالِهِمْ في حالِ النِفاقِ.

﴿واعْتَصَمُوا بِاللهِ﴾ ووَثِقُوا بِهِ كَما يَثِقُ المُؤْمِنُونَ الخُلَّصُ ﴿وَأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ﴾ لا يَبْتَغُونَ بِطاعَتِهِمْ إلّا وجْهَهُ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ فَهم أصْحابُ المُؤْمِنِينَ، ورِفاقُهم في الدارَيْنِ ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ فَيُشارِكُونَهم فِيهِ، وحُذِفَتِ الياءُ في الخَطِّ هُنا اتِّباعًا لِلَّفْظِ.

4:147Page 101

مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمٗا ١٤٧

What would Allāh do with [i.e., gain from] your punishment if you are grateful and believe? And ever is Allāh Appreciative1 and Knowing.

ثُمَّ اسْتَفْهَمَ مُقَرِّرًا أنَّهُ لا يُعَذِّبُ المُؤْمِنَ الشاكِرَ، فَقالَ: ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ﴾ لِلَّهِ ﴿وَآمَنتُمْ﴾ بِهِ، فَـ "ما" مَنصُوبَةٌ بِـ "يَفْعَلُ" أيَّ شَيْءٍ يَفْعَلُ بِعَذابِكُمْ، فالإيمانُ: مَعْرِفَةُ المُنْعِمِ، والشُكْرُ: الِاعْتِرافُ بِالنِعْمَةِ، والكَفْرُ بِالمُنْعِمِ والنِعْمَةِ عِنادٌ، فَلِذا اسْتَحَقَّ الكافِرُ العَذابَ، وقَدَّمَ الشُكْرَ عَلى الإيمانِ، لِأنَّ العاقِلَ يَنْظُرُ إلى ما عَلَيْهِ مِنَ النِعْمَةِ العَظِيمَةِ في خَلْقِهِ وتَعْرِيضِهِ لِلْمَنافِعِ، فَيَشْكُرُ شُكْرًا مُبْهَمًا، فَإذا انْتَهى بِهِ النَظَرُ إلى مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ آمَنَ بِهِ، ثُمَّ شَكَرَ شُكْرًا مُفَصَّلًا، فَكانَ الشُكْرُ مُتَقَدِّمًا عَلى الإيمانِ ﴿وَكانَ اللهُ شاكِرًا﴾ يَجْزِيكم عَلى شُكْرِكُمْ، أوْ يَقْبَلُ اليَسِيرَ مِنَ العَمَلِ، ويُعْطِي الجَزِيلَ مِنَ الثَوابِ ﴿عَلِيمًا﴾ عالِمًا بِما تَصْنَعُونَ.

4:148Page 102

۞ لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلۡجَهۡرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ إِلَّا مَن ظُلِمَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ١٤٨

Allāh does not like the public mention of evil except by one who has been wronged. And ever is Allāh Hearing and Knowing.

﴿لا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ ولا غَيْرَ الجَهْرِ، ولَكِنَّ الجَهْرَ أفْحَشُ ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ إلّا جَهْرَ مَن ظُلِمَ، اسْتَثْنى مِنَ الجَهْرِ الَّذِي لا يُحِبُّهُ اللهُ جَهْرَ المَظْلُومِ، وهو أنْ يَدْعُوَ عَلى الظالِمِ، ويُذَكِّرَهُ بِما فِيهِ مِنَ السُوءِ. وقِيلَ: ﴿الجَهْرَ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ هو الشَتْمُ ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ فَإنَّهُ إنْ رَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَهُ فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ ﴿وَكانَ اللهُ سَمِيعًا﴾ لِشَكْوى المَظْلُومِ ﴿عَلِيمًا﴾ بِظُلْمِ الظالِمِ.

(p-٤١٠)

4:149Page 102

إِن تُبۡدُواْ خَيۡرًا أَوۡ تُخۡفُوهُ أَوۡ تَعۡفُواْ عَن سُوٓءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّٗا قَدِيرًا ١٤٩

If [instead] you show [some] good or conceal it or pardon an offense - indeed, Allāh is ever Pardoning and Competent.1

ثُمَّ حَثَّ عَلى العَفْوِ، وألّا يَجْهَرَ أحَدٌ لِأحَدٍ بِسُوءٍ وإنْ كانَ عَلى وجْهِ الِانْتِصارِ بَعْدَ ما أطْلَقَ الجَهْرَ بِهِ، حَثًّا عَلى الأفْضَلِ. وذَكَرَ إبْداءَ الخَيْرِ وإخْفاءَهُ تَسْبِيبًا لِلْعَفْوِ، فَقالَ: ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾ مَكانَ جَهْرَ السُوءِ ﴿أوْ تُخْفُوهُ﴾ فَتَعْمَلُوهُ سِرًّا، ثُمَّ عَطَفَ العَفْوَ عَلَيْهِما فَقالَ،

﴿أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ أيْ: تَمْحُوهُ عَنْ قُلُوبِكُمْ، والدَلِيلُ عَلى أنَّ العَفْوَ هو المَقْصُودُ بِذِكْرِ إبْداءِ الخَيْرِ وإخْفائِهِ قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ أيْ: إنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَفُوًّا عَنِ الآثامِ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ، فَعَلَيْكم أنْ تَقْتَدُوا بِسُنَّتِهِ.

4:150Page 102

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ١٥٠

Indeed, those who disbelieve in Allāh and His messengers and wish to discriminate between Allāh and His messengers and say, "We believe in some and disbelieve in others," and wish to adopt a way in between -

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ كاليَهُودِ كَفَرُوا بِعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَلامُ، والإنْجِيلِ، والقُرْآنِ. وكالنَصارى كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ والقُرْآنِ.

﴿وَيُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ أيْ: دِينًا وسَطًا بَيْنَ الإيمانِ والكُفْرِ، ولا واسِطَةَ بَيْنَهُما.

4:151Page 102

أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗاۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٥١

Those are the disbelievers, truly. And We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment.

﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ هُمُ الكامِلُونَ في الكُفْرِ، لِأنَّ الكُفْرَ بِواحِدٍ كَفْرٌ بِالكُلِّ ﴿حَقًّا﴾ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، كَقَوْلِكَ: هَذا عَبْدُ اللهِ حَقًّا، أيْ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا، وهو كَوْنُهم كامِلِينَ في الكُفْرِ، أوْ هو صِفَةٌ لِمَصْدَرِ الكافِرِينَ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا كُفْرًا حَقًّا، ثابِتًا، يَقِينًا، لا شَكَّ فِيهِ ﴿وَأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ في الآخِرَةِ.

4:152Page 102

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمۡ يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ أُوْلَٰٓئِكَ سَوۡفَ يُؤۡتِيهِمۡ أُجُورَهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٥٢

But they who believe in Allāh and His messengers and do not discriminate between any of them - to those He is going to give their rewards. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.

﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ وإنَّما جازَ دُخُولُ "بَيْنَ" عَلى أحَدٍ، لِأنَّهُ عامٌّ في الواحِدِ، المُذَكَّرِ، والمُؤَنَّثِ، وتَثْنِيَتِهِما، (p-٤١١)وَجَمْعِهِما (أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ) وبِالياءِ حَفْصٌ،

﴿أُجُورَهُمْ﴾ أيِ: الثَوابَ المَوْعُودَ لَهم ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا﴾ يَسْتُرُ السَيِّئاتِ ﴿رَحِيمًا﴾ يَقْبَلُ الحَسَناتِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ في تَخْلِيدِ المُرْتَكِبِ الكَبِيرَةَ، لِأنَّهُ أخْبَرَ أنَّ مَن آمَنَ بِاللهِ ورُسُلِهِ، ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم يُؤْتِيهِ أجْرَهُ، ومُرْتَكِبُ الكَبِيرَةِ مِمَّنْ آمَنَ بِاللهِ ورُسُلِهِ، ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ الوَعْدِ، وعَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن لا يَقُولُ بِقِدَمِ صِفاتِ الفِعْلِ مِنَ المَغْفِرَةِ والرَحْمَةِ، لِأنَّهُ قالَ: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وهم يَقُولُونَ: ما كانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا في الأزَلِ، ثُمَّ صارَ غَفُورًا رَحِيمًا.

4:153Page 102

يَسۡـَٔلُكَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيۡهِمۡ كِتَٰبٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ فَقَدۡ سَأَلُواْ مُوسَىٰٓ أَكۡبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ بِظُلۡمِهِمۡۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَعَفَوۡنَا عَن ذَٰلِكَۚ وَءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا ١٥٣

The People of the Scripture ask you to bring down to them a book from the heaven. But they had asked of Moses [even] greater than that and said, "Show us Allāh outright," so the thunderbolt struck them for their wrongdoing. Then they took the calf [for worship] after clear evidences had come to them, and We pardoned that. And We gave Moses a clear authority.

وَلَمّا قالَ فُنْحاصٌ وأصْحابُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنْ كُنْتَ نَبِيًّا صادِقًا فَأْتِنا بِكِتابٍ مِنَ السَماءِ جُمْلَةً، كَما أتى بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، نَزَلَ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ﴾ وبِالتَخْفِيفِ، مَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو.

﴿كِتابًا مِنَ السَماءِ﴾ أيْ: جُمْلَةً كَما نَزَلَتِ التَوْراةُ جُمْلَةً، وإنَّما اقْتَرَحُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَعَنُّتِ، وقالَ الحَسَنُ: ولَوْ سَألُوهُ مُسْتَرْشِدِينَ لَأعْطاهُمْ، لِأنَّ إنْزالَ القُرْآنِ جُمْلَةً مُمْكِنٌ.

﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ هَذا جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، مَعْناهُ: إنِ اسْتَكْبَرْتَ ما سَألُوهُ مِنكَ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ، وإنَّما أسْنَدَ السُؤالَ إلَيْهِمْ، وقَدْ وُجِدَ مِن آبائِهِمْ في أيّامِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وهُمُ النُقَباءُ السَبْعُونَ، لِأنَّهم كانُوا عَلى مَذْهَبِهِمْ، وراضِينَ بِسُؤالِهِمْ ﴿فَقالُوا أرِنا اللهَ جَهْرَةً﴾ عِيانًا، أيْ: أرِنا نَرَهُ جَهْرَةً.

﴿فَأخَذَتْهُمُ الصاعِقَةُ﴾ العَذابُ الهائِلُ، أوِ النارُ المُحْرِقَةُ ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ عَلى أنْفُسِهِمْ بِسُؤالِ شَيْءٍ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أوْ بِالتَحَكُّمِ عَلى نَبِيِّهِمْ في الآياتِ، وتَعَنُّتِهِمْ في سُؤْلِ الرُؤْيَةِ، لا بِسُؤالِ الرُؤْيَةِ، لِأنَّها مُمْكِنَةٌ كَما نَزَلَ القُرْآنُ جُمْلَةً، (p-٤١٢)وَلَوْ كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ سُؤالِ الرُؤْيَةِ لَكانَ مُوسى بِذَلِكَ أحَقَّ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ وما أخَذَتْهُ الصاعِقَةُ، بَلْ أطْمَعَهُ وقَيَّدَهُ بِالمُمْكِنِ، ولا يُعَلَّقُ بِالمُمْكِنِ إلّا ما هو مُمْكِنُ الثُبُوتِ، ثُمَّ أحْياهُمْ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ إلَهًا ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ التَوْراةُ، والمُعْجِزاتُ التِسْعُ ﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ﴾ تَفَضُّلًا، ولَمْ نَسْتَأْصِلْهم ﴿وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾ حُجَّةً ظاهِرَةً عَلى مَن خالَفَهُ.

4:154Page 102

وَرَفَعۡنَا فَوۡقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمۡ وَقُلۡنَا لَهُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُلۡنَا لَهُمۡ لَا تَعۡدُواْ فِي ٱلسَّبۡتِ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ١٥٤

And We raised over them the mount for [refusal of] their covenant; and We said to them, "Enter the gate bowing humbly"; and We said to them, "Do not transgress on the sabbath"; and We took from them a solemn covenant.

﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُورَ بِمِيثاقِهِمْ﴾ بِسَبَبِ مِيثاقِهِمْ لِيَخافُوا، فَلا يَنْقُضُوهُ ﴿وَقُلْنا لَهُمُ﴾ والطُورُ مُظِلٌّ عَلَيْهِمْ ﴿ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ أيِ: ادْخُلُوا بابَ إيلِياءَ مُطَأْطِئِينَ عِنْدَ الدُخُولِ رءوسكم ﴿وَقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا﴾ لا تُجاوِزُوا الحَدَّ (تَعَدَّوْا) ورْشٌ، (تَعْدُّوا) بِإسْكانِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدالِ: مَدَّنِيٌّ غَيْرَ ورْشٍ. وهُما مُدْغَمًا (تَعْتَدُوا) وهي قِراءَةُ أُبَيٍّ، إلّا أنَّهُ أدْغَمَ التاءَ في الدالِ، وأبْقى العَيْنَ ساكِنَةً في رِوايَةٍ، وفي رِوايَةٍ نَقَلَ فَتْحَ التاءِ إلى العَيْنِ ﴿فِي السَبْتِ﴾ بِأخْذِ السَمَكِ ﴿وَأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ عَهْدًا مُؤَكَّدًا.

4:155Page 103

فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَلۡ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٥٥

And [We cursed them]1 for their breaking of the covenant and their disbelief in the signs of Allāh and their killing of the prophets without right and their saying, "Our hearts are wrapped" [i.e., sealed against reception]. Rather, Allāh has sealed them because of their disbelief, so they believe not, except for a few.2

﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ أيْ: فَبِنَقْضِهِمْ، و"ما" مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والباءُ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾ تَقْدِيرُهُ: حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ بِنَقْضِهِمْ ﴿مِيثاقَهُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ ومَعْنى التَوْكِيدِ: تَحْقِيقُ أنَّ تَحْرِيمَ الطَيِّباتِ لَمْ يَكُنْ إلّا بِنَقْضِ العَهْدِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، وقَتْلِ الأنْبِياءِ، وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ﴾ أيْ: مُعْجِزاتِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ﴿وَقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ﴾ كَزَكَرِيّا، ويَحْيى، وغَيْرِهِما.

﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ بِغَيْرِ سَبَبٍ يَسْتَحِقُّونَ بِهِ القَتْلَ ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ جَمْعُ أغْلَفَ، أيْ: مَحْجُوبَةٌ لا يَتَوَصَّلُ إلَيْها شَيْءٌ مِنَ الذِكْرِ، والوَعْظِ ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ (p-٤١٣)عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ هو رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ، وأصْحابِهِ.

4:156Page 103

وَبِكُفۡرِهِمۡ وَقَوۡلِهِمۡ عَلَىٰ مَرۡيَمَ بُهۡتَٰنًا عَظِيمٗا ١٥٦

And [We cursed them] for their disbelief and their saying against Mary a great slander1

﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ أوْ عَلى ما يَلِيهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ ولَمّا تَكَرَّرَ مِنهُمُ الكُفْرَ، لِأنَّهم كَفَرُوا بِمُوسى، ثُمَّ بِعِيسى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ ﷺ عَطَفَ بَعْضَ كُفْرِهِمْ عَلى بَعْضٍ ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ هو النِسْبَةُ إلى الزِنا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском