An-NasafiAz‑Zukhruf · 43:1–40

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

الزخرف

Az-Zukhruf

The Ornaments of Gold · Meccan · 89 ayahs

43:1–2Page 489

حمٓ ١

Ḥā, Meem.1

وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ٢

By the clear Book,

(p-٢٦٤)سُورَةُ "اَلزُّخْرُفِ"

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾، أقْسَمَ بِالكِتابِ المُبِينِ، وهو القُرْآنُ، وجَعَلَ قَوْلَهُ:

43:3Page 489

إِنَّا جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٣

Indeed, We have made it an Arabic Qur’ān that you might understand.

﴿إنّا جَعَلْناهُ﴾، صَيَّرْناهُ،

﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، جَوابًا لِلْقَسَمِ، وهو مِنَ الأيْمانِ الحَسَنَةِ البَدِيعَةِ، لِتَناسُبِ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ، و"اَلْمُبِينُ": اَلْبَيِّنُ لِلَّذِينِ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ بِلُغَتِهِمْ، وأسالِيبِهِمْ، أوِ الواضِحُ لِلْمُتَدَبِّرِينَ، أوِ الَّذِي أبانَ طُرُقَ الهُدى مِن طُرُقِ الضَلالَةِ، وأبانَ كُلَّ ما تَحْتاجُ إلَيْهِ الأُمَّةُ في أبْوابِ الدِيانَةِ،

﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾، لِكَيْ تَفْهَمُوا مَعانِيَهُ.

43:4Page 489

وَإِنَّهُۥ فِيٓ أُمِّ ٱلۡكِتَٰبِ لَدَيۡنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ٤

And indeed it is, in the Mother of the Book1 with Us, exalted and full of wisdom.2

﴿وَإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا﴾، وإنَّ القُرْآنَ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللهِ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]، وسُمِّيَ "أُمَّ الكِتابِ"، لِأنَّهُ الأصْلُ الَّذِي أُثْبِتَتْ فِيهِ الكُتُبُ، مِنهُ تُنْقَلُ وتُسْتَنْسَخُ، "إمِّ الكِتابِ"، بِكَسْرِ الألِفِ، "عَلِيٌّ وحَمْزَةُ"،

﴿لَعَلِيٌّ﴾، خَبَرانِ، أيْ: في أعْلى طَبَقاتِ البَلاغَةِ، أوْ رَفِيعُ الشَأْنِ في الكُتُبِ، لِكَوْنِهِ مُعْجِزًا مِن بَيْنِها،

﴿حَكِيمٌ﴾، ذُو حِكْمَةٍ بالِغَةٍ.

43:5Page 489

أَفَنَضۡرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكۡرَ صَفۡحًا أَن كُنتُمۡ قَوۡمٗا مُّسۡرِفِينَ ٥

Then should We turn the message away, disregarding you, because you are a transgressing people?

﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِكْرَ﴾، أفَنُنَحِّي عَنْكُمُ الذِكْرَ، ونَذُودُهُ عَنْكُمْ؟! (p-٢٦٥)عَلى سَبِيلِ المَجازِ، مِن قَوْلِهِمْ: "ضَرَبَ الغَرائِبَ عَنِ الحَوْضِ"، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: "أنُهْمِلُكم فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِكْرَ؟!"، إنْكارًا لِأنْ يَكُونَ الأمْرُ عَلى خِلافِ ما قُدِّمَ مِن إنْزالِهِ الكِتابَ، وجَعْلِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِيَعْقِلُوهُ، ولِيَعْمَلُوا بِمُواجِبِهِ،

﴿صَفْحًا﴾، مَصْدَرٌ مِن "صَفَحَ عَنْهُ"، إذا أعْرَضَ، مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، عَلى مَعْنى "أفَنَعْزِلُ عَنْكم إنْزالَ القُرْآنِ، وإلْزامَ الحُجَّةِ بِهِ، إعْراضًا عَنْكُمْ؟!"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى خِلافِ المَصْدَرِ، لِأنَّهُ يُقالُ: "ضَرَبْتُ عَنْهُ"، أيْ: أعْرَضْتُ عَنْهُ، كَذا قالَهُ الفَرّاءُ، " إن كُنتُمْ "، لِأنْ كُنْتُمْ، "إنْ كُنْتُمْ"، "مَدَنِيٌّ وحَمْزَةُ"، وهو مِنَ الشَرْطِ الَّذِي يَصْدُرُ عَنِ المُدِلِّ بِصِحَّةِ الأمْرِ، المُتَحَقِّقِ لِثُبُوتِهِ، كَما يَقُولُ الأجِيرُ: "إنْ كُنْتُ عَمِلْتُ لَكَ فَوَفِّنِي حَقِّي"، وهو عالِمٌ بِذَلِكَ،

﴿قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾، مُفْرِطِينَ في الجَهالَةِ، مُجاوِزِينَ الحَدَّ في الضَلالَةِ.

43:6Page 489

وَكَمۡ أَرۡسَلۡنَا مِن نَّبِيّٖ فِي ٱلۡأَوَّلِينَ ٦

And how many a prophet We sent among the former peoples,

﴿وَكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ أيْ: كَثِيرًا مِنَ الرُسُلِ أرْسَلْنا إلى مَن تَقَدَّمَكَ.

43:7Page 489

وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٧

But there would not come to them a prophet except that they used to ridicule him.

﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، هي حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ، أيْ: كانُوا عَلى ذَلِكَ، وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عَنِ اسْتِهْزاءِ قَوْمِهِ.

43:8Page 489

فَأَهۡلَكۡنَآ أَشَدَّ مِنۡهُم بَطۡشٗا وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٨

And We destroyed greater than them1 in [striking] power, and the example of the former peoples has preceded.

﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾، تَمْيِيزٌ، والضَمِيرُ لِلْمُسْرِفِينَ، لِأنَّهُ صَرَفَ الخِطابَ عَنْهم إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، يُخْبِرُهُ عَنْهُمْ،

﴿وَمَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: سَلَفَ في القُرْآنِ، في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنهُ، ذِكْرُ قِصَّتِهِمْ، وحالِهِمُ العَجِيبَةِ، الَّتِي حَقُّها أنْ تَسِيرَ مَسِيرَ المَثَلِ، وهَذا وعْدٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، ووَعِيدٌ لَهم.

43:9Page 489

وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡعَلِيمُ ٩

And if you should ask them, "Who has created the heavens and the earth?" they would surely say, "They were created by the Exalted in Might, the Knowing,"

﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ أيْ: اَلْمُشْرِكِينَ،

﴿مَن خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾

43:10Page 489

ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٠

[The one] who has made for you the earth a bed and made for you upon it roads that you might be guided

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾، "كُوفِيٌّ"، (p-٢٦٦)أيْ: مَوْضِعَ قَرارٍ، وغَيْرُهُ: "مِهادًا"، أيْ: مَواضِعَ قَرارٍ،

﴿وَجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلا﴾، طُرُقًا،

﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾، لِكَيْ تَهْتَدُوا في أسْفارِكم.

43:11Page 490

وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَنشَرۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ تُخۡرَجُونَ ١١

And who sends down rain from the sky in measured amounts, and We revive thereby a dead land - thus will you be brought forth -

﴿والَّذِي نَـزَّلَ مِنَ السَماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾، بِمِقْدارٍ يَسْلَمُ مَعَهُ العِبادُ، وتَحْتاجُ إلَيْهِ البِلادُ،

﴿فَأنْشَرْنا﴾، فَأحْيَيْنا، عُدُولٌ مِنَ المُغايَبَةِ إلى الإخْبارِ، لِعِلْمِ المُخاطَبِ بِالمُرادِ،

﴿بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾، "يَزِيدُ": "مَيِّتًا"،

﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، مِن قُبُورِكم أحْياءً، "تَخْرُجُونَ"، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ"، ولا وقْفَ عَلى "اَلْعَلِيمُ"، لِأنَّ "اَلَّذِي"، صِفَتُهُ، وقَدْ وقَفَ عَلَيْهِ أبُو حاتِمٍ، عَلى تَقْدِيرِ: "هُوَ الَّذِي"، لِأنَّ هَذِهِ الأوْصافَ لَيْسَتْ مِن مَقُولِ الكُفّارِ، لِأنَّهم يُنْكِرُونَ الإخْراجَ مِنَ القُبُورِ، فَكَيْفَ يَقُولُونَ: "كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ"؟ بَلِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ.

43:12Page 490

وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡفُلۡكِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مَا تَرۡكَبُونَ ١٢

And who created the species, all of them, and has made for you of ships and animals those which you mount

﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ﴾، اَلْأصْنافَ،

﴿كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ أيْ: تَرْكَبُونَهُ، يُقالُ: "رَكِبُوا في الفُلْكِ"، و"رَكِبُوا الأنْعامَ"، فَغَلَبَ المُتَعَدِّي بِغَيْرِ واسِطَةٍ، لِقُوَّتِهِ عَلى المُتَعَدِّي بِواسِطَةٍ، فَقِيلَ: "تَرْكَبُونَهُ".

43:13Page 490

لِتَسۡتَوُۥاْ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ رَبِّكُمۡ إِذَا ٱسۡتَوَيۡتُمۡ عَلَيۡهِ وَتَقُولُواْ سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقۡرِنِينَ ١٣

That you may settle yourselves upon their backs and then remember the favor of your Lord when you have settled upon them and say, "Exalted is He who has subjected this to us, and we could not have [otherwise] subdued it.1

﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾، عَلى ظُهُورِ ما تَرْكَبُونَهُ، وهو الفُلْكُ، والأنْعامُ،

﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾، بِقُلُوبِكم ﴿نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا﴾، بِألْسِنَتِكُمْ،

﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾، ذَلَّلَ هَذا المَرْكُوبَ،

﴿وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾، مُطِيقِينَ، يُقالُ: "أقْرَنَ الشَيْءَ"، إذا أطاقَهُ، وحَقِيقَةُ "أقْرَنَهُ": وجَدَهُ قَرِينَتَهُ، لِأنَّ الصَعْبَ لا يَكُونُ قَرِينَةً لِلضَّعِيفِ.

43:14Page 490

وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ ١٤

And indeed we, to our Lord, will [surely] return."

﴿وَإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾، لَراجِعُونَ في المَعادِ، قِيلَ: يَذْكُرُونَ عِنْدَ رُكُوبِهِمْ مَراكِبَ الدُنْيا آخِرَ مَرْكَبِهِمْ مِنها، وهو الجِنازَةُ، وعَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ إذا وضَعَ رِجْلَهُ في الرِكابِ قالَ: "بِسْمِ اللهِ"، فَإذا اسْتَوى عَلى الدابَّةِ قالَ: "اَلْحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ،

﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ [الزخرف: ١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾ وكَبَّرَ ثَلاثًا، وهَلَّلَ (p-٢٦٧)ثَلاثًا، وقالُوا: إذا رَكِبَ في السَفِينَةِ قالَ: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]، وحُكِيَ أنَّ قَوْمًا رَكِبُوا، وقالُوا: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ [الزخرف: ١٣]، اَلْآيَةَ، وفِيهِمْ رَجُلٌ عَلى ناقَةٍ لا تَتَحَرَّكُ هُزالًا، فَقالَ: إنِّي مُقْرِنٌ لِهَذِهِ، فَسَقَطَ مِنها لِوَثْبَتِها، وانْدَقَّتْ عُنُقُهُ، ويَنْبَغِي ألّا يَكُونُ رُكُوبُ العاقِلِ لِلتَّنَزُّهِ، والتَلَذُّذِ، بَلْ لِلِاعْتِبارِ، ويَتَأمَّلُ عِنْدَهُ أنَّهُ هالِكٌ لا مَحالَةَ، ومُنْقَلِبٌ إلى اللهِ، غَيْرُ مُنْفَلِتٍ مِن قَضائِهِ.

43:15Page 490

وَجَعَلُواْ لَهُۥ مِنۡ عِبَادِهِۦ جُزۡءًاۚ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَكَفُورٞ مُّبِينٌ ١٥

But they have attributed to Him from His servants a portion.1 Indeed, man is clearly ungrateful.

﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾، مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: "وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ"، أيْ: "وَلَئِنْ سَألْتَهم عَنْ خالِقِ السَماواتِ والأرْضِ لِيَعْتَرِفُنَّ بِهِ، وقَدْ جَعَلُوا لَهُ مَعَ ذَلِكَ الِاعْتِرافِ مِن عِبادِهِ جُزْءًا"، أيْ: قالُوا: اَلْمَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ، فَجَعَلُوهم جُزْءًا لَهُ، وبَعْضًا مِنهُ، كَما يَكُونُ الوَلَدُ جُزْءًا لِوالِدِهِ، "جُزُؤًا"، "أبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ"،

﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾، لَجَحُودٌ لِلنِّعْمَةِ، ظاهِرٌ جُحُودُهُ، لِأنَّ نِسْبَةَ الوَلَدِ إلَيْهِ كُفْرٌ، والكُفْرُ أصْلُ الكُفْرانِ كُلِّهِ.

43:16Page 490

أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخۡلُقُ بَنَاتٖ وَأَصۡفَىٰكُم بِٱلۡبَنِينَ ١٦

Or has He taken, out of what He has created, daughters and chosen you for [having] sons?

﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ أيْ: "بَلْ أتَّخَذَ"، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، تَجْهِيلًا، وتَعْجِيبًا مِن شَأْنِهِمْ، حَيْثُ ادَّعَوْا أنَّهُ اخْتارَ لِنَفْسِهِ المَنزِلَةَ الأدْنى، ولَهُمُ الأعْلى.

43:17Page 490

وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحۡمَٰنِ مَثَلٗا ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٌ ١٧

And when one of them is given good tidings of that which he attributes to the Most Merciful in comparison [i.e., a daughter], his face becomes dark, and he suppresses grief.

﴿وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا﴾، بِالجِنْسِ الَّذِي جَعَلَهُ لَهُ مَثَلًا، أيْ: شَبَهًا، لِأنَّهُ إذا جَعَلَ المَلائِكَةَ جُزْءًا لِلَّهِ، وبَعْضًا مِنهُ، فَقَدْ جَعَلَهُ مِن جِنْسِهِ، ومُمُاثِلًا لَهُ، لِأنَّ الوَلَدَ لا يَكُونُ إلّا مِن جِنْسِ الوالِدِ،

﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾، يَعْنِي أنَّهم نَسَبُوا إلَيْهِ هَذا الجِنْسَ، ومِن حالِهِمْ أنَّ أحَدَهم إذا قِيلَ لَهُ: "قَدْ وُلِدَتْ لَكَ بِنْتٌ"، اِغْتَمَّ، وارْبَدَّ وجْهُهُ غَيْظًا، وتَأسُّفًا، وهو مَمْلُوءٌ مِنَ (p-٢٦٨)الكَرْبِ، و"اَلظُّلُولُ"، بِمَعْنى: اَلصَّيْرُورَةُ.

43:18Page 490

أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِي ٱلۡحِلۡيَةِ وَهُوَ فِي ٱلۡخِصَامِ غَيۡرُ مُبِينٖ ١٨

So is one brought up in ornaments while being during conflict unevident1 [attributed to Allāh]?

"أوَمَن يَنْشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ"، أيْ: أوَيُجْعَلُ لِلرَّحْمَنِ مِنَ الوَلَدِ مَن هَذِهِ الصِفَةُ المَذْمُومَةُ صِفَتُهُ، وهو أنَّهُ يَنْشَأُ في الحِلْيَةِ، أيْ: "يَتَرَبّى"، في الزِينَةِ، والنِعْمَةِ، وهو إذا احْتاجَ إلى مُجاثاةِ الخُصُومِ ومُجاراةِ الرِجالِ كانَ غَيْرَ مُبِينٍ، لَيْسَ عِنْدَهُ بَيانٌ، ولا يَأْتِي بِبُرْهانٍ، وذَلِكَ لِضَعْفِ عُقُولِهِنَّ، قالَ مُقاتِلٌ: "لا تَتَكَلَّمُ المَرْأةُ إلّا وتَأْتِي بِالحُجَّةِ عَلَيْها"، وفِيهِ أنَّهُ جَعَلَ النَشْأةَ في الزِينَةِ مِنَ المَعايِبِ، فَعَلى الرَجُلِ أنْ يَجْتَنِبَ ذَلِكَ، ويَتَزَيَّنَ بِلِباسِ التَقْوى، و"مَن"، مَنصُوبُ المَحَلِّ، والمَعْنى: "أوَجَعَلُوا مَن يَنْشَأُ في الحِلْيَةِ - يَعْنِي البَناتِ - لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ؟!"، "يُنَشَّأُ"، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وحَفْصٌ"، أيْ: "يُرَبّى"، قَدْ جَمَعُوا في كَفْرَةٍ ثَلاثَ كَفْراتٍ، وذَلِكَ أنَّهم نَسَبُوا إلى اللهِ الوَلَدَ، ونَسَبُوا إلَيْهِ أخَسَّ النَوْعَيْنِ، وجَعَلُوهُ مِنَ المَلائِكَةِ المُكَرَّمِينَ، فاسْتَخَفُّوا بِهِمْ.

43:19Page 490

وَجَعَلُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمۡ عِبَٰدُ ٱلرَّحۡمَٰنِ إِنَٰثًاۚ أَشَهِدُواْ خَلۡقَهُمۡۚ سَتُكۡتَبُ شَهَٰدَتُهُمۡ وَيُسۡـَٔلُونَ ١٩

And they described the angels, who are servants of the Most Merciful, as females. Did they witness their creation? Their testimony will be recorded, and they will be questioned.

﴿وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَحْمَنِ إناثًا﴾ أيْ: سَمَّوْا، وقالُوا: إنَّهم إناثٌ، "عِنْدَ الرَحْمَنِ"، "مَكِّيٌّ ومَدَنِيٌّ وشامِيٌّ"، أيْ: عِنْدِيَّةُ مَنزِلَةٍ ومَكانَةٍ، لا مَنزِلٍ ومَكانٍ، و"اَلْعِبادُ": جَمْعُ "عَبْدٌ"، وهو ألْزَمُ في الحِجاجِ مَعَ أهْلِ العِنادِ، لِتَضادٍّ بَيْنَ العُبُودِيَّةِ والوِلادِ،

﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾، وهَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ، يَعْنِي أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَسْتَنِدَ قَوْلُهم إلى عِلْمٍ، فَإنَّ اللهَ لَمْ يَضْطَرَّهم إلى عِلْمِ ذَلِكَ، ولا تَطَرَّقُوا إلَيْهِ بِاسْتِدْلالٍ، ولا أحاطُوا بِهِ عَنْ خَبَرٍ يُوجِبُ العِلْمَ، ولَمْ يُشاهِدُوا خَلْقَهم حَتّى يُخْبِرُوا عَنِ المُشاهَدَةِ،

﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾، اَلَّتِي شَهِدُوا بِها عَلى المَلائِكَةِ مِن أُنُوثَتِهِمْ،

﴿وَيُسْألُونَ﴾، عَنْها، وهَذا وعِيدٌ.

43:20Page 490

وَقَالُواْ لَوۡ شَآءَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَا عَبَدۡنَٰهُمۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ٢٠

And they said, "If the Most Merciful had willed, we would not have worshipped them." They have of that no knowledge. They are not but misjudging.

﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ أيْ: اَلْمَلائِكَةَ، تَعَلَّقَتِ المُعْتَزِلَةُ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ في أنَّ اللهَ (تَعالى) لَمْ يَشَإ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ، وإنَّما شاءَ الإيمانَ، فَإنَّ (p-٢٦٩)الكُفّارَ ادَّعَوْا أنَّ اللهَ شاءَ مِنهُمُ الكُفْرَ، وما شاءَ مِنهم تَرْكَ عِبادَةِ الأصْنافِ، حَيْثُ قالُوا: "لَوْ شاءَ الرَحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ"، أيْ: لَوْ شاءَ مِنّا أنْ نَتْرُكَ عِبادَةَ الأصْنامِ لَمَنَعَنا عَنْ عِبادَتِها، ولَكِنْ شاءَ مِنّا عِبادَةَ الأصْنامِ، واللهُ (تَعالى) رَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ، واعْتِقادَهُمْ، بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ﴾، اَلْقَوْلِ،

﴿مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ: يَكْذِبُونَ، ومَعْنى الآيَةِ عِنْدَنا أنَّهم أرادُوا بِالمَشِيئَةِ الرِضا، وقالُوا: لَوْ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ لَعَجَّلَ عُقُوبَتَنا، أوْ لَمَنَعَنا عَنْ عِبادَتِها مَنعَ قَهْرٍ، واضْطِرارٍ، وإذْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِذَلِكَ، فَرَدَّ اللهُ (تَعالى) عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: "ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ"، اَلْآيَةَ، أوْ قالُوا هَذا القَوْلَ اسْتِهْزاءً جِدًّا واعْتِقادًا، فَأكْذَبَهُمُ اللهُ (تَعالى) فِيهِ، وجَهَّلَهُمْ، حَيْثُ لَمْ يَقُولُوا عَنِ اعْتِقادٍ، كَما قالَ - مُخْبِرًا عَنْهم -: ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللهُ أطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧]، وهَذا حَقٌّ في الأصْلِ، ولَكِنْ لَمّا قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً كَذَّبَهُمُ اللهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٤٧]، وكَذَلِكَ قالَ اللهُ (تَعالى): ﴿قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ [المنافقون: ١]، ثُمَّ قالَ: ﴿واللهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، لِأنَّهم لَمْ يَقُولُوهُ عَنِ اعْتِقادٍ، وجَعَلُوا المَشِيئَةَ حُجَّةً لَهم فِيما فَعَلُوا بِاخْتِيارِهِمْ، وظَنُّوا أنَّ اللهَ لا يُعاقِبُهم عَلى شَيْءٍ فَعَلُوهُ بِمَشِيئَتِهِ، وجَعَلُوا أنْفُسَهم مَعْذُورِينَ في ذَلِكَ، فَرَدَّ اللهُ (تَعالى) عَلَيْهِمْ.

43:21Page 490

أَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ كِتَٰبٗا مِّن قَبۡلِهِۦ فَهُم بِهِۦ مُسۡتَمۡسِكُونَ ٢١

Or have We given them a book before it [i.e., the Qur’ān] to which they are adhering?

﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ﴾، مِن قَبْلِ القُرْآنِ، أوْ مِن قَبْلِ قَوْلِهِمْ هَذا،

﴿فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾، آخِذُونَ، عامِلُونَ، وقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: "أشَهِدُوا خَلْقَهم أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فِيهِ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ".

43:22Page 490

بَلۡ قَالُوٓاْ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّهۡتَدُونَ ٢٢

Rather, they say, "Indeed, we found our fathers upon a religion, and we are in their footsteps [rightly] guided."

﴿بَلْ قالُوا﴾، بَلْ لا حُجَّةَ لَهم يَتَمَسَّكُونَ بِها، لا مِن حَيْثُ العِيانُ، ولا مِن حَيْثُ العَقْلُ، ولا مِن حَيْثُ السَمْعُ، إلّا قَوْلُهُمْ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٣]، عَلى دِينٍ، فَقَلَّدْناهُمْ، وهي مِن "اَلْأمُّ"، وهو القَصْدُ، فَـ "اَلْأُمَّةُ": اَلطَّرِيقَةُ الَّتِي تُؤَمُّ، أيْ: تُقْصَدُ،

﴿وَإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾، اَلظَّرْفُ صِلَةٌ لِـ "مُهْتَدُونَ"، أوْ هُما خَبَرانِ.

43:23Page 491

وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّقۡتَدُونَ ٢٣

And similarly, We did not send before you any warner into a city except that its affluent said, "Indeed, we found our fathers upon a religion, and we are, in their footsteps, following."

﴿وَكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ﴾، نَبِيٍّ،

﴿إلا قالَ مُتْرَفُوها﴾ أيْ: (p-٢٧٠)مُتَنَعِّمُوها، وهُمُ الَّذِينَ أتْرَفَتْهُمُ النِعْمَةُ، أيْ: أبْطَرَتْهُمْ، فَلا يُحِبُّونَ إلّا الشَهَواتِ، والمَلاهِي، ويَعافُّونَ مَشاقَّ الدِينِ، وتَكالِيفَهُ،

﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾، وهَذا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وبَيانٌ أنَّ تَقْلِيدَ الآباءِ داءٌ قَدِيمٌ.

43:24Page 491

۞ قَٰلَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكُم بِأَهۡدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمۡ عَلَيۡهِ ءَابَآءَكُمۡۖ قَالُوٓاْ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٢٤

[Each warner] said, "Even if I brought you better guidance than that [religion] upon which you found your fathers?" They said, "Indeed we, in that with which you were sent, are disbelievers."

﴿قالَ﴾ "شامِيٌّ وحَفْصٌ"، أيْ: اَلنَّذِيرُ، "قُلْ"، غَيْرُهُما، أيْ: قِيلَ لِلنَّذِيرِ: "قُلْ"،

﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ أيْ: أتَتَّبِعُونَ آباءَكم ولَوْ جِئْتُكم بِدِينٍ أهْدى مِن دِينِ آبائِكُمْ؟! ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾، إنّا ثابِتُونَ عَلى دِينِ آبائِنا، وإنْ جِئْتَنا بِما هو أهْدى، وأهْدى.

43:25Page 491

فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٢٥

So We took retribution from them; then see how was the end of the deniers.

﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾، فَعاقَبْناهم بِما اسْتَحَقُّوهُ عَلى إصْرارِهِمْ،

﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾

43:26Page 491

وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦٓ إِنَّنِي بَرَآءٞ مِّمَّا تَعۡبُدُونَ ٢٦

And [mention, O Muḥammad], when Abraham said to his father and his people, "Indeed, I am disassociated from that which you worship

﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ أيْ: واذْكُرْ إذْ قالَ،

﴿إنَّنِي بَراءٌ﴾ أيْ: بَرِيءٌ، وهو مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ، والِاثْنانِ، والجَمْعُ، والمُذَكَّرُ، والمُؤَنَّثُ، كَما تَقُولُ: "رَجُلٌ عَدْلٌ"، و"اِمْرَأةٌ عَدْلٌ"، و"قَوْمٌ عَدْلٌ"، والمَعْنى: "ذُو عَدْلٍ"، و"ذاتُ عَدْلٍ"،

﴿مِمّا تَعْبُدُونَ﴾

43:27Page 491

إِلَّا ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُۥ سَيَهۡدِينِ ٢٧

Except for He who created me; and indeed, He will guide me."

﴿إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، اِسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، كَأنَّهُ قالَ: "لَكِنِ الَّذِي فَطَرَنِي"،

﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، يُثَبِّتُنِي عَلى الهِدايَةِ.

43:28Page 491

وَجَعَلَهَا كَلِمَةَۢ بَاقِيَةٗ فِي عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢٨

And he made it1 a word remaining among his descendants that they might return [to it].

﴿وَجَعَلَها﴾، وجَعَلَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - كَلِمَةَ التَوْحِيدِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها، وهي قَوْلُهُ: ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] ﴿إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٧] ﴿كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾، في ذُرِّيَّتِهِ، فَلا يَزالُ فِيهِمْ مَن يُوَحِّدُ اللهَ ويَدْعُو إلى تَوْحِيدِهِ،

﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾، لَعَلَّ مَن أشْرَكَ مِنهم يَرْجِعُ بِدُعاءِ مَن وحَّدَ مِنهُمْ، والتَرَجِّي لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ.

43:29Page 491

بَلۡ مَتَّعۡتُ هَٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ وَرَسُولٞ مُّبِينٞ ٢٩

However, I gave enjoyment to these [people of Makkah] and their fathers1 until there came to them the truth and a clear Messenger.2

﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ﴾، يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، وهم مِن عَقِبِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -، (p-٢٧١)بِالمَدِّ في العُمُرِ، والنِعْمَةِ، فاغْتَرُّوا بِالمُهْلَةِ، وشُغِلُوا بِالتَنَعُّمِ، واتِّباعِ الشَهَواتِ، وطاعَةِ الشَيْطانِ، عَنْ كَلِمَةِ التَوْحِيدِ،

﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾، اَلْقُرْآنُ،

﴿وَرَسُولٌ﴾ أيْ: مُحَمَّدٌ ﷺ،

﴿مُبِينٌ﴾، واضِحُ الرِسالَةِ، بِما مَعَهُ مِنَ الآياتِ البَيِّنَةِ.

43:30Page 491

وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ وَإِنَّا بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٣٠

But when the truth came to them, they said, "This is magic, and indeed we are, concerning it, disbelievers."

﴿وَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ﴾، اَلْقُرْآنِ،

﴿قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾

43:31Page 491

وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنَ ٱلۡقَرۡيَتَيۡنِ عَظِيمٍ ٣١

And they said, "Why was this Qur’ān not sent down upon a great man from [one of] the two cities?"1

﴿وَقالُوا﴾، فِيهِ، مُتَحَكِّمِينَ بِالباطِلِ،

﴿لَوْلا نُـزِّلَ هَذا القُرْآنُ﴾، فِيهِ اسْتِهانَةٌ بِهِ،

﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ أيْ: رَجُلٍ عَظِيمٍ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، أيْ: مِن أحَدِهِما، والقَرْيَتانِ: مَكَّةُ، والطائِفُ، وعَنَوْا بِعَظِيمِ مَكَّةَ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وبِعَظِيمِ الطائِفِ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَقَفِيَّ، وأرادُوا بِالعَظِيمِ مَن كانَ ذا مالٍ، وذا جاهٍ، ولَمْ يَعْرِفُوا أنَّ العَظِيمَ مَن كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا.

43:32Page 491

أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ٣٢

Do they distribute the mercy of your Lord? It is We who have apportioned among them their livelihood in the life of this world and have raised some of them above others in degrees [of rank] that they may make use of one another for service. But the mercy of your Lord is better than whatever they accumulate.

﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ أيْ: اَلنُّبُوَّةَ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ المُسْتَقِلِّ بِالتَجْهِيلِ والتَعْجِيبِ مِن تَحَكُّمِهِمْ في اخْتِيارِ مَن يَصْلُحُ لِلنُّبُوَّةِ،

﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهُمْ﴾، ما يَعِيشُونَ بِهِ، وهو أرْزاقُهُمْ،

﴿فِي الحَياةِ الدُنْيا﴾ أيْ: لَمْ نَجْعَلْ قِسْمَةً الأدْوَنِ إلَيْهِمْ، وهو الرِزْقُ، فَكَيْفَ النُبُوَّةُ؟ أوْ كَما فَضَّلْتُ البَعْضَ عَلى البَعْضِ في الرِزْقِ، فَكَذا أخُصُّ بِالنُبُوَّةِ مَن أشاءُ،

﴿وَرَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ أيْ: جَعَلْنا البَعْضَ أقْوِياءَ، وأغْنِياءَ، ومَوالِيَ، والبَعْضَ ضُعَفاءَ، وفُقَراءَ، وخُدَماءَ،

﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾، لِيُصَرِّفَ بَعْضُهم بَعْضًا في حَوائِجِهِمْ، ويَسْتَخْدِمُوهم في مِهَنِهِمْ، ويُسَخِّرُوهم في أشْغالِهِمْ، حَتّى يَتَعايَشُوا، ويَصِلُوا إلى مَنافِعِهِمْ، هَذا بِمالِهِ، وهَذا بِأعْمالِهِ،

﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ أيْ: اَلنُّبُوَّةُ، أوْ دِينُ اللهِ، وما يَتْبَعُهُ مِنَ الفَوْزِ في المَآبِ،

﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾، مِمّا يَجْمَعُ هَؤُلاءِ مِن حُطامِ الدُنْيا، ولَمّا قَلَّلَ أمْرَ الدُنْيا، وصَغَّرَها، أرْدَفَهُ بِما يُقَرِّرُ قِلَّةَ الدُنْيا عِنْدَهُ، فَقالَ:

43:33Page 491

وَلَوۡلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ لَّجَعَلۡنَا لِمَن يَكۡفُرُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ لِبُيُوتِهِمۡ سُقُفٗا مِّن فِضَّةٖ وَمَعَارِجَ عَلَيۡهَا يَظۡهَرُونَ ٣٣

And if it were not that the people would become one community [of disbelievers],1 We would have made for those who disbelieve in the Most Merciful - for their houses - ceilings and stairways of silver upon which to mount.

﴿وَلَوْلا أنْ يَكُونَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾، ولَوْلا كَراهَةُ أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى الكُفْرِ، ويُطْبِقُوا عَلَيْهِ،

﴿لَجَعَلْنا﴾، لِحَقارَةِ الدُنْيا عِنْدَنا،

﴿لِمَن يَكْفُرُ بِالرَحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾

43:34–35Page 492

وَلِبُيُوتِهِمۡ أَبۡوَٰبٗا وَسُرُرًا عَلَيۡهَا يَتَّكِـُٔونَ ٣٤

And for their houses - doors and couches [of silver] upon which to recline

وَزُخۡرُفٗاۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُتَّقِينَ ٣٥

And gold ornament. But all that is not but the enjoyment of worldly life. And the Hereafter with your Lord is for the righteous.

﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ ﴿وَزُخْرُفًا﴾ أيْ: لَجَعَلْنا لِلْكُفّارِ سُقُوفًا، ومَصاعِدَ، وأبْوابًا، وسُرُرًا، كُلُّها مِن فِضَّةٍ، وجَعَلْنا لَهم زُخْرُفًا، أيْ: زِينَةً مِن كُلِّ شَيْءٍ، والزُخْرُفُ: اَلذَّهَبُ، والزِينَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأصْلُ: "سُقُفًا مِن فِضَّةٍ وزُخْرُفٍ"، أيْ: بَعْضُها مِن فِضَّةٍ، وبَعْضُها مِن ذَهَبٍ، فَنُصِبَ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ "مِن فِضَّةٍ"، "لِبُيُوتِهِمْ"، بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن "لِمَن يَكْفُرُ"، "سَقْفًا"، عَلى الجِنْسِ، "مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو ويَزِيدُ"، و"اَلْمَعارِجُ"، جَمْعُ "مِعْرَجٌ"، وهي المَصاعِدُ إلى العَلالِي، "عَلَيْها يَظْهَرُونَ"، عَلى المَعارِجِ يَظْهَرُونَ السُطُوحَ، أيْ: يَعْلُونَها،

﴿وَإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا﴾، "إنْ"، نافِيَةٌ، و"لَمّا"، بِمَعْنى "إلّا"، أيْ: وما كُلُّ ذَلِكَ إلّا مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا، وقَدْ قُرِئَ بِهِ، وقَرَأ "لَما"، غَيْرُ عاصِمٍ وحَمْزَةَ، عَلى أنَّ اللامَ هي الفارِقَةُ بَيْنَ "إنْ"، اَلْمُخَفَّفَةِ، والنافِيَةِ، و"ما"، صِلَةٌ، أيْ: إنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَمَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا،

﴿والآخِرَةُ﴾ أيْ: ثَوابُ الآخِرَةِ،

﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، لِمَن يَتَّقِي الشِرْكَ.

43:36Page 492

وَمَن يَعۡشُ عَن ذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ نُقَيِّضۡ لَهُۥ شَيۡطَٰنٗا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٞ ٣٦

And whoever is blinded from remembrance of the Most Merciful - We appoint for him a devil, and he is to him a companion.

﴿وَمَن يَعْشُ﴾، وقُرِئَ "وَمَن يَعْشَ"، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّهُ إذا حَصَلَتِ الآفَةُ في بَصَرِهِ قِيلَ: "عَشِيَ، يَعْشى"، وإذا نَظَرَ نَظَرَ العُشْيِ، ولا آفَةَ بِهِ، قِيلَ: "عَشا، يَعْشُو"، ومَعْنى القِراءَةِ بِالفَتْحِ: "وَمَن يَعْمَ"،

﴿عَنْ ذِكْرِ الرَحْمَنِ﴾، وهو القُرْآنُ، كَقَوْلِهِ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨]، ومَعْنى القِراءَةِ بِالضَمِّ: "وَمَن يَتَعامَ عَنْ ذِكْرِهِ"، أيْ: يَعْرِفُ أنَّهُ الحَقُّ، وهو يَتَجاهَلُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها (p-٢٧٣)أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: نُسَلِّطْهُ عَلَيْهِ، فَهو مَعَهُ في الدُنْيا، والآخِرَةِ، يَحْمِلُهُ عَلى المَعاصِي، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَن داوَمَ عَلَيْهِ لَمْ يُقْرِنْهُ الشَيْطانَ.

43:37Page 492

وَإِنَّهُمۡ لَيَصُدُّونَهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ ٣٧

And indeed, they [i.e., the devils] avert them from the way [of guidance] while they think that they are [rightly] guided

﴿وَإنَّهُمْ﴾ أيْ: الشَياطِينَ،

﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾، لِيَمْنَعُونَ العاشِينَ،

﴿عَنِ السَبِيلِ﴾، عَنْ سَبِيلِ الهُدى،

﴿وَيَحْسَبُونَ﴾ أيْ: العاشُونَ،

﴿أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾، وإنَّما جَمَعَ ضَمِيرَ "مَن"، وضَمِيرَ الشَيْطانِ، لِأنَّ "مَن"، مُبْهَمٌ في جِنْسِ العاشِي، وقَدْ قُيِّضَ لَهُ شَيْطانٌ مُبْهَمٌ في جِنْسِهِ، فَجازَ أنْ يَرْجِعَ الضَمِيرُ إلَيْهِما مَجْمُوعًا.

43:38Page 492

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَٰلَيۡتَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَ بُعۡدَ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرِينُ ٣٨

Until, when he comes to Us [at Judgement], he says [to his companion], "How I wish there was between me and you the distance between the east and west; and what a wretched companion."

﴿حَتّى إذا جاءَنا﴾، عَلى الواحِدِ، "عِراقِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ"، أيْ: اَلْعاشِي، "جاءانا"، غَيْرُهُمْ، أيْ: اَلْعاشِي وقَرِينُهُ،

﴿قالَ﴾، لِشَيْطانِهِ،

﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾، يُرِيدُ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ، فَغُلِّبَ، كَما قِيلَ: "اَلْعُمَرانِ"، و"اَلْقَمَرانِ"، والمُرادُ: بُعْدَ المَشْرِقِ مِنَ المَغْرِبِ، والمَغْرِبِ مِنَ المَشْرِقِ،

﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾، أنْتَ.

43:39Page 492

وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ إِذ ظَّلَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ ٣٩

And never will it benefit you that Day, when you have wronged, that you are [all] sharing in the punishment.

﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ﴾، إذْ صَحَّ ظُلْمُكُمْ، أيْ: كُفْرُكُمْ، وتَبَيَّنَ، ولَمْ يَبْقَ لَكم ولا لِأحَدٍ شُبْهَةٌ في أنَّكم كُنْتُمْ ظالِمِينَ، و"إذْ"، بَدَلٌ مِن "اَلْيَوْمَ"،

﴿أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾، "أنَّكُمْ"، في مَحَلِّ الرَفْعِ، عَلى الفاعِلِيَّةِ، أيْ: ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اشْتِراكُكم في العَذابِ، أوْ كَوْنُكم مُشْتَرِكِينَ في العَذابِ، كَما كانَ عُمُومُ البَلْوى يُطَيِّبُ القَلْبَ في الدُنْيا، كَقَوْلِ الخَنْساءِ:

؎ ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي ؎ ولا يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُعَزِّي النَفْسُ عَنْهُ بِالتَأسِّي

أمّا هَؤُلاءِ فَلا يُؤَسِّيهِمُ اشْتِراكُهُمْ، ولا يُرَوِّحُهُمْ، لِعِظَمِ ما هم فِيهِ، وقِيلَ: اَلْفاعِلُ مُضْمَرٌ، أيْ: ولَنْ يَنْفَعَكم هَذا التَمَنِّي، أوْ الِاعْتِذارُ، لِأنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ، لِاشْتِراكِكم في سَبَبِهِ، وهو الكُفْرُ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَهُ مَن قَرَأ بِالكَسْرِ.

43:40Page 492

أَفَأَنتَ تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ أَوۡ تَهۡدِي ٱلۡعُمۡيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٤٠

Then will you make the deaf hear, [O Muḥammad], or guide the blind or he who is in clear error?

(p-٢٧٤)﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُمَّ﴾ أيْ: مَن فَقَدَ سَمْعَ القَبُولِ،

﴿أوْ تَهْدِي العُمْيَ﴾ أيْ: مَن فَقَدَ البَصائِرَ،

﴿وَمَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾، ومَن كانَ في عِلْمِ اللهِ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الضَلالِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском