An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
محمد
Muhammad
Muhammad · Medinan · 38 ayahs
47:1Page 507
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ١
Those who disbelieve and avert [people] from the way of Allāh - He will waste their deeds.1
(p-٣٢١)سُورَةُ "مُحَمَّدٍ" ﷺ
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أيْ: أعْرَضُوا، وامْتَنَعُوا عَنِ الدُخُولِ في الإسْلامِ، أوْ صَدُّوا غَيْرَهم عَنْهُ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: "صَدَّ عَنْهُ، يَصُدُّ، صُدُودًا": أعْرَضَ، و"صَدَّهُ عَنِ الأمْرِ، صَدًّا": مَنَعَهُ، وصَرَفَهُ عَنْهُ، وهُمُ المُطْعِمُونَ يَوْمَ "بَدْرٍ"، أوْ أهْلُ الكِتابِ، أوْ عامٌّ في كُلِّ مَن كَفَرَ وصَدَّ،
﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾، أبْطَلَها، وأحْبَطَها، وحَقِيقَتُهُ جَعْلُها ضالَّةً ضائِعَةً، لَيْسَ لَها مَن يَتَقَبَّلُها، ويُثِيبُ عَلَيْها، كالضالَّةِ مِنَ الإبِلِ، و"أعْمالُهُمْ": ما عَمِلُوهُ في كُفْرِهِمْ، مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وإطْعامِ الطَعامِ، وعِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ، أوْ ما عَمِلُوهُ مِنَ الكَيْدِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، والصَدِّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ.
47:2Page 507
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٖ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡ كَفَّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَأَصۡلَحَ بَالَهُمۡ ٢
And those who believe and do righteous deeds and believe in what has been sent down upon Muḥammad - and it is the truth from their Lord - He will remove from them their misdeeds and amend their condition.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾، هم ناسٌ مِن قُرَيْشٍ، أوْ مِنَ الأنْصارِ، أوْ مِن أهْلِ الكِتابِ، أوْ عامٌّ،
﴿وَآمَنُوا بِما نُـزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾، وهو القُرْآنُ، وتَخْصِيصُ الإيمانِ بِالمُنْزَلِ عَلى رَسُولِهِ مِن بَيْنِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، لِتَعْظِيمِ شَأْنِهِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِالجُمْلَةِ الِاعْتِراضِيَّةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ أيْ: اَلْقُرْآنُ، وقِيلَ: إنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ هو الحَقُّ، إذْ لا يَرِدُ عَلَيْهِ النَسْخُ، وهو ناسِخٌ لِغَيْرِهِ،
﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾، سَتَرَ بِإيمانِهِمْ وعَمَلِهِمُ الصالِحَ ما كانَ مِنهم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، لِرُجُوعِهِمْ عَنْها، وتَوْبَتِهِمْ،
﴿وَأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهُمْ، وشَأْنَهُمْ، بِالتَوْفِيقِ في أُمُورِ (p-٣٢٢)الدِينِ، وبِالتَسْلِيطِ عَلى الدُنْيا بِما أعْطاهم مِنَ النُصْرَةِ والتَأْيِيدِ.
47:3Page 507
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡبَٰطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡحَقَّ مِن رَّبِّهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمۡثَٰلَهُمۡ ٣
That is because those who disbelieve follow falsehood, and those who believe follow the truth from their Lord. Thus does Allāh present to the people their comparisons.1
﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ "ذَلِكَ"، مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، أيْ: "ذَلِكَ الأمْرُ - وهو إضْلالُ أعْمالِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ، وتَكْفِيرُ سَيِّئاتِ الثانِي، والإصْلاحُ - كائِنٌ بِسَبَبِ اتِّباعِ هَؤُلاءِ الباطِلَ - وهو الشَيْطانُ -، وهَؤُلاءِ الحَقَّ - وهو القُرْآنُ"،
﴿كَذَلِكَ﴾، مِثْلَ ذَلِكَ الضَرْبِ،
﴿يَضْرِبُ اللهُ﴾ أيْ: يُبَيِّنُ اللهُ،
﴿لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ﴾، والضَمِيرُ راجِعٌ إلى "اَلنّاسِ"، أوْ إلى المَذْكُورِينَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، عَلى مَعْنى أنَّهُ يَضْرِبُ أمْثالَهم لِأجْلِ الناسِ، لِيَعْتَبِرُوا بِهِمْ، وقَدْ جَعَلَ اتِّباعَ الباطِلِ مَثَلًا لِعَمَلِ الكافِرِينَ، واتِّباعَ الحَقِّ مَثَلًا لِعَمَلِ المُؤْمِنِينَ، أوْ جَعَلَ الإضْلالَ مَثَلًا لِخَيْبَةِ الكُفّارِ، وتَكْفِيرَ السَيِّئاتِ مَثَلًا لِفَوْزِ الأبْرارِ.
47:4Page 507
فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثۡخَنتُمُوهُمۡ فَشُدُّواْ ٱلۡوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلۡحَرۡبُ أَوۡزَارَهَاۚ ذَٰلِكَۖ وَلَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٤
So when you meet those who disbelieve [in battle], strike [their] necks until, when you have inflicted slaughter upon them, then secure [their] bonds,1 and either [confer] favor2 afterwards or ransom [them] until the war lays down its burdens.3 That [is the command]. And if Allāh had willed, He could have taken vengeance upon them [Himself], but [He ordered armed struggle] to test some of you by means of others. And those who are killed in the cause of Allāh - never will He waste their deeds.
﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، مِن "اَللِّقاءُ"، وهو الحَرْبُ،
﴿فَضَرْبَ الرِقابِ﴾، أصْلُهُ: "فاضْرِبُوا الرِقابَ ضَرْبًا"، فَحَذَفَ الفِعْلَ، وقَدَّمَ المَصْدَرَ، فَأُنِيبَ مَنابَهُ، مُضافًا إلى المَفْعُولِ، وفِيهِ اخْتِصارٌ، مَعَ إعْطاءِ مَعْنى التَوْكِيدِ، لِأنَّكَ تَذْكُرُ المَصْدَرَ، وتَدُلُّ عَلى الفِعْلِ بِالنَصْبَةِ الَّتِي فِيهِ، و"ضَرْبُ الرِقابِ"، عِبارَةٌ عَنِ القَتْلِ، لا أنَّ الواجِبَ أنْ تَضْرِبَ الرِقابَ خاصَّةً، دُونَ غَيْرِها مِنَ الأعْضاءِ، ولِأنَّ قَتْلَ الإنْسانِ أكْثَرُ ما يَكُونُ بِضَرْبِ رَقَبَتِهِ، فَوَقَعَ عِبارَةً عَنِ القَتْلِ، وإنْ ضَرَبَ غَيْرَ رَقَبَتِهِ،
﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾، أكْثَرْتُمْ فِيهِمُ القَتْلَ،
﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾، فَأسِرُوهُمْ، و"اَلْوَثاقُ"، بِالفَتْحِ، والكَسْرِ: اِسْمُ ما يُوثَقُ بِهِ، والمَعْنى: فَشُدُّوا وثاقَ الأُسارى، حَتّى لا يُفْلِتُوا مِنكُمْ،
﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ﴾ أيْ: بَعْدَ أنْ تَأْسِرُوهُمْ،
﴿وَإمّا فِداءً﴾، "مَنًّا"، و"فِداءً"، مَنصُوبانِ بِفِعْلَيْهِما مُضْمَرَيْنِ، أيْ: "فَإمّا تُمَنُّونَ مَنًّا، أوْ تَفْدُونَ فِداءً"، والمَعْنى التَخْيِيرُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ بَعْدَ الأسْرِ، بَيْنَ أنْ يَمُنُّوا عَلَيْهِمْ فَيُطْلِقُوهُمْ، وبَيْنَ أنْ يُفادُوهُمْ، وحُكْمُ أُسارى المُشْرِكِينَ عِنْدَنا: اَلْقَتْلُ، أوْ الِاسْتِرْقاقُ، والمَنُّ والفِداءُ المَذْكُورانِ في الآيَةِ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، لِأنَّ (p-٣٢٣)سُورَةَ "بَراءَةٌ"، مِن آخِرِ ما نَزَلَ، عَنْ مُجاهِدٍ: "لَيْسَ اليَوْمَ مَنٌّ ولا فِداءٌ، إنَّما هو الإسْلامُ أوْ ضَرْبُ العُنُقِ"، أوِ المُرادُ بِالمَنِّ أنْ يُمَنَّ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ القَتْلِ، ويُسْتَرَقُّوا، أوْ يُمَنَّ عَلَيْهِمْ فَيُخَلَّوْا لِقَبُولِهِمُ الجِزْيَةَ، وبِالفِداءِ أنْ يُفادى بِأُساراهم أُسارى المُسْلِمِينَ، فَقَدْ رَواهُ الطَحاوِيُّ مَذْهَبًا عَنْ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ -، وهو قَوْلُهُما، والمَشْهُورُ أنَّهُ لا يَرى فِداءَهُمْ، لا بِمالٍ، ولا بِغَيْرِهِ، لِئَلّا يَعُودُوا حَرْبًا عَلَيْنا، وعِنْدَ الشافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللهُ (تَعالى) -: لِلْإمامِ أنْ يَخْتارَ أحَدَ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ: اَلْقَتْلَ، والِاسْتِرْقاقَ، والفِداءَ بِأُسارى المُسْلِمِينَ، والمَنَّ،
﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾، أثْقالَها، وآلاتِها، الَّتِي لا تَقُومُ إلّا بِها، كالسِلاحِ، والكُراعِ، وقِيلَ: "أوْزارَها": آثامَها، يَعْنِي: "حَتّى يَتْرُكَ أهْلُ الحَرْبِ - وهُمُ المُشْرِكُونَ - شِرْكَهُمْ، بِأنْ يُسْلِمُوا"، أوْ "حَتّى"، لا يَخْلُو مِن أنْ يَتَعَلَّقَ بِالضَرْبِ والشَدِّ، أوْ بِالمَنِّ والفِداءِ، فالمَعْنى عَلى كِلا المُتَعَلَّقَيْنِ عِنْدَ الشافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللهُ - أنَّهم لا يَزالُونَ عَلى ذَلِكَ أبَدًا، إلى ألّا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ المُشْرِكِينَ، وذَلِكَ إذا لَمْ يَبْقَ لَهم شَوْكَةٌ، وقِيلَ: إذا نَزَلَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ -: إذا عُلِّقَ بِالضَرْبِ والشَدِّ، فالمَعْنى أنَّهم يُقْتَلُونَ، ويُؤْسَرُونَ، حَتّى تَضَعَ جِنْسُ الحَرْبِ الأوْزارَ، وذَلِكَ حِينَ لا تَبْقى شَوْكَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ، وإذا عُلِّقَ بِالمَنِّ والفِداءِ، فالمَعْنى أنَّهُ يُمَنُّ عَلَيْهِمْ، ويُفادَوْنَ، حَتّى تَضَعَ حَرْبُ "بَدْرٍ"، أوْزارَها، إلّا أنْ يُتَأوَّلَ المَنُّ والفِداءُ بِما ذَكَرْنا مِنَ التَأْوِيلِ،
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: الأمْرُ ذَلِكَ، فَهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوْ: اِفْعَلُوا بِهِمْ ذَلِكَ، فَهو في مَحَلِّ النَصْبِ،
﴿وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾، لانْتَقَمَ مِنهم بِغَيْرِ قِتالٍ، بِبَعْضِ أسْبابِ الهَلاكِ، كالخَسْفِ، أوِ الرَجْفَةِ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ،
﴿وَلَكِنْ﴾، أمَرَكم بِالقِتالِ،
﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾،، أيْ: اَلْمُؤْمِنِينَ بِالكافِرِينَ، تَمْحِيصًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَمْحِيقًا لِلْكافِرِينَ،
﴿والَّذِينَ قُتِلُوا﴾، "بَصْرِيٌّ وحَفْصٌ"، "قاتَلُوا"، غَيْرُهُمْ،
﴿فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾
(p-٣٢٤)﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾، إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، أوْ إلى الصَوابِ في جَوابِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ،
﴿وَيُصْلِحُ بالَهُمْ﴾، يُرْضِي خُصَماءَهُمْ، ويَقْبَلُ أعْمالَهم.
47:6Page 507
وَيُدۡخِلُهُمُ ٱلۡجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمۡ ٦
And admit them to Paradise, which He has made known to them.
﴿وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾، عَنْ مُجاهِدٍ: "عَرَّفَهم مَساكِنَهم فِيها، حَتّى لا يَحْتاجُوا أنْ يَسْألُوا"، أوْ طَيَّبَها لَهُمْ، مِن "اَلْعَرْفُ"، وهو طِيبُ الرائِحَةِ.
47:7Page 507
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ ٧
O you who have believed, if you support Allāh, He will support you and plant firmly your feet.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللهَ﴾ أيْ: دِينَ اللهِ، ورَسُولَهُ،
﴿يَنْصُرْكُمْ﴾، عَلى عَدُوِّكُمْ، ويَفْتَحْ لَكُمْ،
﴿وَيُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾، في مَواطِنِ الحَرْبِ، أوْ عَلى مَحَجَّةِ الإسْلامِ.
47:8Page 507
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٨
But those who disbelieve - for them is misery, and He will waste their deeds.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾، في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ: ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ﴾، وعَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿وَأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾، عَلى الفِعْلِ الَّذِي نَصَبَ "تَعْسًا"، لِأنَّ المَعْنى: "فَقالَ: تَعْسًا لَهُمْ"، و"اَلتَّعْسُ": اَلْعُثُورُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "يُرِيدُ في الدُنْيا القَتْلَ، وفي الآخِرَةِ التَرَدِّي في النارِ".
47:9Page 507
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٩
That is because they disliked what Allāh revealed, so He rendered worthless their deeds.
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: اَلتَّعْسُ والضَلالُ،
﴿بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْـزَلَ اللهُ﴾ أيْ: اَلْقُرْآنَ،
﴿فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾
47:10Page 507
۞ أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۖ وَلِلۡكَٰفِرِينَ أَمۡثَٰلُهَا ١٠
Have they not traveled through the land and seen how was the end of those before them? Allāh destroyed [everything] over them,1 and for the disbelievers is something comparable.
﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾، يَعْنِي: كُفّارُ أُمَّتِكَ،
﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾، أهْلَكَهم هَلاكَ اسْتِئْصالٍ،
﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾، مُشْرِكِي قُرَيْشٍ،
﴿أمْثالُها﴾، أمْثالُ تِلْكَ الهَلَكَةِ، لِأنَّ التَدْمِيرَ يَدُلُّ عَلَيْها.
47:11Page 507
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ لَا مَوۡلَىٰ لَهُمۡ ١١
That is because Allāh is the protector of those who have believed and because the disbelievers have no protector.
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: نَصْرُ المُؤْمِنِينَ، وسُوءُ عاقِبَةِ الكافِرِينَ،
﴿بِأنَّ اللهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ولِيُّهُمْ، وناصِرُهُمْ،
﴿وَأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أيْ: لا ناصِرَ لَهُمْ، فَإنَّ اللهَ مَوْلى العِبادِ جَمِيعًا، مِن جِهَةِ الِاخْتِراعِ، ومِلْكِ التَصَرُّفِ فِيهِمْ، ومَوْلى المُؤْمِنِينَ خاصَّةً، مِن جِهَةِ النُصْرَةِ.
47:12Page 508
إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأۡكُلُونَ كَمَا تَأۡكُلُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ وَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡ ١٢
Indeed, Allāh will admit those who have believed and done righteous deeds to gardens beneath which rivers flow, but those who disbelieve enjoy themselves and eat as grazing livestock eat, and the Fire will be a residence for them.
(p-٣٢٥)﴿إنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ﴾، يَنْتَفِعُونَ بِمَتاعِ الحَياةِ الدُنْيا أيّامًا قَلائِلَ،
﴿وَيَأْكُلُونَ﴾، غافِلِينَ، غَيْرَ مُتَفَكِّرِينَ في العاقِبَةِ،
﴿كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾، في مَعالِفِها، ومَسارِحِها، غافِلَةً عَمّا هي بِصَدَدِهِ مِنَ النَحْرِ، والذَبْحِ،
﴿والنارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، مُنْزَلٌ ومُقامٌ.
47:13Page 508
وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةٗ مِّن قَرۡيَتِكَ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَتۡكَ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ ١٣
And how many a city was stronger than your city [i.e., Makkah] which drove you out? We destroyed them; and there was no helper for them.
﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ أيْ: "كَمْ مِن قَرْيَةٍ!"، لِلتَّكْثِيرِ، وأرادَ بِالقَرْيَةِ أهْلَها، ولِذَلِكَ قالَ: "أهْلَكْناهُمْ"،
﴿هِيَ أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ﴾ أيْ: "وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أشَدَّ قُوَّةً مِن قَوْمِكَ الَّذِينَ أخْرَجُوكَ!"، أيْ: كانُوا سَبَبَ خُرُوجِكَ،
﴿أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ أيْ: فَلَمْ يَكُنْ لَهم مَن يَنْصُرُهم ويَدْفَعُ العَذابَ عَنْهم.
47:14Page 508
أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ كَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم ١٤
So is he who is on clear evidence from his Lord like him to whom the evil of his work has been made attractive and they follow their [own] desires?
﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: عَلى حُجَّةٍ مِن عِنْدِهِ، وبُرْهانٍ، وهو القُرْآنُ المُعْجِزُ، وسائِرُ المُعْجِزاتِ، يَعْنِي رَسُولَ اللهِ ﷺ،
﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾، هم أهْلُ مَكَّةَ، الَّذِينَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ شِرْكَهُمْ، وعَداوَتَهم لِلَّهِ ورَسُولِهِ، وقالَ: "سُوءُ عَمَلِهِ"،
﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾، لِلْحَمْلِ عَلى لَفْظِ "مَن"، ومَعْناهُ.
47:15Page 508
مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ فِيهَآ أَنۡهَٰرٞ مِّن مَّآءٍ غَيۡرِ ءَاسِنٖ وَأَنۡهَٰرٞ مِّن لَّبَنٖ لَّمۡ يَتَغَيَّرۡ طَعۡمُهُۥ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ خَمۡرٖ لَّذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ عَسَلٖ مُّصَفّٗىۖ وَلَهُمۡ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡۖ كَمَنۡ هُوَ خَٰلِدٞ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيمٗا فَقَطَّعَ أَمۡعَآءَهُمۡ ١٥
Is the description of Paradise, which the righteous are promised, wherein are rivers of water unaltered,1 rivers of milk the taste of which never changes, rivers of wine delicious to those who drink, and rivers of purified honey, in which they will have from all [kinds of] fruits and forgiveness from their Lord... [Are its inhabitants] like those who abide eternally in the Fire and are given to drink scalding water that will sever their intestines?
﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾، صِفَةُ الجَنَّةِ العَجِيبَةِ الشَأْنِ،
﴿الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾، عَنِ الشِرْكِ،
﴿فِيها أنْهارٌ﴾، داخِلٌ في حُكْمِ الصِلَةِ، كالتَكْرِيرِ لَها، ألا تَرى إلى صِحَّةِ قَوْلِكَ: "اَلَّتِي فِيها أنْهارٌ"، أوْ حالٌ، أيْ: "مُسْتَقِرَّةً فِيها أنْهارٌ"،
﴿مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾، غَيْرِ مُتَغَيِّرِ اللَوْنِ والرِيحِ والطَعْمِ، يُقالُ: "أسِنَ الماءُ"، إذا تَغَيَّرَ طَعْمُهُ ورِيحُهُ، "أسِنٍ"، "مَكِّيٌّ"،
﴿وَأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾، كَما تَتَغَيَّرُ ألْبانُ الدُنْيا إلى الحُمُوضَةِ، وغَيْرِها،
﴿وَأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ﴾، تَأْنِيثُ "لَذٌّ"، وهو اللَذِيذُ،
﴿لِلشّارِبِينَ﴾ أيْ: ما هو إلّا التَلَذُّذُ الخالِصُ، لَيْسَ مَعَهُ ذَهابُ عَقْلٍ، ولا خَمارٌ، ولا صُداعٌ، ولا آفَةٌ مِن آفاتِ الخَمْرِ،
﴿وَأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى﴾، لَمْ يُخْرَجْ مِن بُطُونِ النَحْلِ، فَيُخالِطَهُ الشَمْعُ وغَيْرُهُ،
﴿وَلَهم فِيها (p-٣٢٦)مِن كُلِّ الثَمَراتِ ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ﴾، "مَثَلُ"، مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ: ﴿كَمَن هو خالِدٌ في النارِ وسُقُوا ماءً حَمِيمًا﴾، حارًّا، في النِهايَةِ،
﴿فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾، والتَقْدِيرُ: "أمَثَلُ الجَنَّةِ كَمَثَلِ جَزاءِ مَن هو خالِدٌ في النارِ؟!"، وهو كَلامٌ في صُورَةِ الإثْباتِ، ومَعْناهُ النَفْيُ، لِانْطِوائِهِ تَحْتَ حُكْمِ كَلامٍ مُصَدَّرٍ بِحَرْفِ الإنْكارِ، ودُخُولِهِ في حَيِّزِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [محمد: ١٤]، وفائِدَةُ حَذْفِ حَرْفِ الإنْكارِ زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِمُكابَرَةِ مَن يُسَوِّي بَيْنَ التَمَسُّكِ بِالبَيِّنَةِ، والتابِعِ لِهَواهُ، وأنَّهُ بِمَنزِلَةِ مَن يُثْبِتُ التَسْوِيَةَ بَيْنَ الجَنَّةِ - الَّتِي تَجْرِي فِيها تِلْكَ الأنْهارُ - وبَيْنَ النارِ - الَّتِي يُسْقى أهْلُها الحَمِيمُ.
47:16Page 508
وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَ حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُواْ مِنۡ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡ ١٦
And among them, [O Muḥammad], are those who listen to you, until when they depart from you, they say to those who were given knowledge,1 "What has he said just now?" Those are the ones of whom Allāh has sealed over their hearts and who have followed their [own] desires.
﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا﴾، هُمُ المُنافِقُونَ، كانُوا يَحْضُرُونَ مَجْلِسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيَسْمَعُونَ كَلامَهُ، ولا يَعُونَهُ، ولا يُلْقُونَ لَهُ بالًا تَهاوُنًا مِنهُمْ، فَإذا خَرَجُوا قالُوا لِأُولِي العِلْمِ مِنَ الصَحابَةِ: ماذا قالَ الساعَةَ؟ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ،
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾
47:17Page 508
وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى وَءَاتَىٰهُمۡ تَقۡوَىٰهُمۡ ١٧
And those who are guided - He increases them in guidance and gives them their righteousness.1
﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾، بِالإيمانِ، واسْتِماعِ القُرْآنِ،
﴿زادَهُمْ﴾، اَللَّهُ،
﴿هُدًى﴾ أيْ: بَصِيرَةً، وعِلْمًا، أوْ شَرَحَ صُدُورَهُمْ،
﴿وَآتاهم تَقْواهُمْ﴾، أعانَهم عَلَيْها، أوْ آتاهم جَزاءَ تَقْواهُمْ، أوْ بَيَّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ.
47:18Page 508
فَهَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗۖ فَقَدۡ جَآءَ أَشۡرَاطُهَاۚ فَأَنَّىٰ لَهُمۡ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ ذِكۡرَىٰهُمۡ ١٨
Then do they await except that the Hour should come upon them unexpectedly? But already there have come [some of] its indications. Then how [i.e., what good] to them, when it has come, will be their remembrance?
﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا الساعَةَ﴾ أيْ: يَنْتَظِرُونَ،
﴿أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ أيْ: إتْيانَها، فَهو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن "اَلسّاعَةَ"،
﴿بَغْتَةً﴾، فَجْأةً،
﴿فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾، عَلاماتُها، وهو مَبْعَثُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وانْشِقاقُ القَمَرِ، والدُخانُ، وقِيلَ: قَطْعُ الأرْحامِ، وقِلَّةُ الكِرامِ، وكَثْرَةُ اللِئامِ،
﴿فَأنّى لَهم إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ﴾، قالَ الأخْفَشُ: اَلتَّقْدِيرُ: "فَأنّى لَهم ذِكْراهم إذا جاءَتْهُمْ؟!".
47:19Page 508
فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مُتَقَلَّبَكُمۡ وَمَثۡوَىٰكُمۡ ١٩
So know, [O Muḥammad], that there is no deity except Allāh and ask forgiveness for your sin1 and for the believing men and believing women. And Allāh knows of your movement and your resting place.
﴿فاعْلَمْ أنَّهُ﴾، أنَّ الشَأْنَ،
﴿لا إلَهَ إلا اللهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ (p-٣٢٧)والمُؤْمِناتِ﴾، والمَعْنى: فاثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ بِوَحْدانِيَّةِ اللهِ، وعَلى التَواضُعِ، وهَضْمِ النَفْسِ، بِاسْتِغْفارِ ذَنْبِكَ وذُنُوبِ مَن عَلى دِينِكَ، وفي شَرْحِ التَأْوِيلاتِ جازَ أنْ يَكُونَ لَهُ ذَنْبٌ، فَأْمَرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ لَهُ، ولَكِنّا لا نَعْلَمُهُ، غَيْرَ أنَّ ذَنْبَ الأنْبِياءِ تَرْكُ الأفْضَلِ دُونَ مُباشَرَةِ القَبِيحِ، وذُنُوبُنا مُباشَرَةُ القَبائِحِ مِنَ الصَغائِرِ، والكَبائِرِ، وقِيلَ: اَلْفاءاتُ في هَذِهِ الآياتِ لِعَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، بَيْنَهُما اتِّصالٌ،
﴿واللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ﴾، في مَعايِشِكُمْ، ومَتاجِرِكُمْ،
﴿وَمَثْواكُمْ﴾، ويَعْلَمُ حَيْثُ تَسْتَقِرُّونَ مِن مَنازِلِكُمْ، أوْ مُتَقَلَّبَكم في حَياتِكُمْ، ومَثْواكم في القُبُورِ، أوْ مُتَقَلَّبَكم في أعْمالِكُمْ، ومَثْواكم في الجَنَّةِ، والنارِ، ومِثْلُهُ حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّقى ويُخْشى، وأنْ يُسْتَغْفَرَ، وسُئِلَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ فَضْلِ العِلْمِ، فَقالَ: "ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ؟ فَأُمِرَ بِالعَمَلِ بَعْدَ العِلْمِ".
47:20Page 509
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡلَا نُزِّلَتۡ سُورَةٞۖ فَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ مُّحۡكَمَةٞ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلۡقِتَالُ رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ نَظَرَ ٱلۡمَغۡشِيِّ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَأَوۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٠
Those who believe say, "Why has a sūrah1 not been sent down?" But when a precise sūrah is revealed and battle is mentioned therein, you see those in whose hearts is disease [i.e., hypocrisy] looking at you with a look of one overcome by death. And more appropriate for them2 [would have been]
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُـزِّلَتْ سُورَةٌ﴾، فِيها ذِكْرُ الجِهادِ،
﴿فَإذا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ﴾، في مَعْنى الجِهادِ،
﴿مُحْكَمَةٌ﴾، مُبَيِّنَةٌ، غَيْرُ مُتَشابِهَةٍ، لا تَحْتَمِلُ وجْهًا إلّا وُجُوبَ القِتالِ، وعَنْ قَتادَةَ: "كُلُّ سُورَةٍ فِيها ذِكْرُ القِتالِ فَهي مُحْكَمَةٌ، لِأنَّ النَسْخَ لا يَرِدُ عَلَيْها، مِن قِبَلِ أنَّ القِتالَ نَسَخَ ما كانَ مِنَ الصَفْحِ، والمُهادَنَةِ، وهو غَيْرُ مَنسُوخٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ"،
﴿وَذُكِرَ فِيها القِتالُ﴾ أيْ: أُمِرَ فِيها بِالجِهادِ،
﴿رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، نِفاقٌ، أيْ: رَأيْتَ المُنافِقِينَ فِيما بَيْنَهم يَضْجَرُونَ مِنها،
﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ أيْ: تَشْخَصُ أبْصارُهم جُبْنًا، وجَزَعًا، كَما يَنْظُرُ مَن أصابَتْهُ الغَشْيَةُ عِنْدَ المَوْتِ،
﴿فَأوْلى لَهُمْ﴾، وعِيدٌ بِمَعْنى: "فَوَيْلٌ لَهُمْ"، وهو "أفْعَلُ"، مِن "اَلْوُلْيُ"، وهو القُرْبُ، ومَعْناهُ: اَلدُّعاءُ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَلِيَهُمُ المَكْرُوهُ.
47:21Page 509
طَاعَةٞ وَقَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞۚ فَإِذَا عَزَمَ ٱلۡأَمۡرُ فَلَوۡ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ ٢١
Obedience and good words. And when the matter [of fighting] was determined, if they had been true to Allāh, it would have been better for them.
﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾، كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، أيْ: طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ، خَيْرٌ لَهُمْ،
﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾، فَإذا جَدَّ الأمْرُ، ولَزِمَهم فَرْضُ القِتالِ،
﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ﴾، (p-٣٢٨)فِي الإيمانِ والطاعَةِ،
﴿لَكانَ﴾، اَلصِّدْقُ،
﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾، مِن كَراهَةِ الجِهادِ، ثُمَّ التَفَتَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، بِضَرْبٍ مِنَ التَوْبِيخِ والإرْهابِ، فَقالَ:
47:22Page 509
فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ ٢٢
So would you perhaps, if you turned away,1 cause corruption on earth and sever your [ties of] relationship?
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ أيْ: فَلَعَلَّكم إنْ أعْرَضْتُمْ عَنْ دِينِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وسُنَّتِهِ، أنْ تَرْجِعُوا إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ، مِنَ الإفْسادِ في الأرْضِ، بِالتَغاوُرِ، والتَناهُبِ، وقَطْعِ الأرْحامِ، بِمُقاتَلَةِ بَعْضِ الأقارِبِ بَعْضًا، ووَأْدِ البَناتِ، وخَبَرُ "عَسى": "أنْ تُفْسِدُوا"، والشَرْطُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الِاسْمِ، والخَبَرِ، والتَقْدِيرُ: "فَهَلْ عَسَيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ، وتُقَطِّعُوا أرْحامَكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ".
47:23Page 509
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمۡ وَأَعۡمَىٰٓ أَبۡصَٰرَهُمۡ ٢٣
Those [who do so] are the ones that Allāh has cursed, so He deafened them and blinded their vision.
﴿أُولَئِكَ﴾، إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ،
﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ﴾، أبْعَدَهم عَنْ رَحْمَتِهِ،
﴿فَأصَمَّهُمْ﴾، عَنِ اسْتِماعِ المَوْعِظَةِ،
﴿وَأعْمى أبْصارَهُمْ﴾، عَنْ إبْصارِهِمْ طَرِيقَ الهُدى.
47:24Page 509
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ ٢٤
Then do they not reflect upon the Qur’ān, or are there locks upon [their] hearts?
﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾، فَيَعْرِفُوا ما فِيهِ مِنَ المَواعِظِ، والزَواجِرِ، ووَعِيدِ العُصاةِ، حَتّى لا يَجْسُرُوا عَلى المَعاصِي، و"أمْ"، في ﴿أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾، بِمَعْنى: "بَلْ"، وهَمْزَةِ التَقْرِيرِ، لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّ قُلُوبَهم مُقْفَلَةٌ، لا يَتَوَصَّلُ إلَيْها ذِكْرٌ، ونُكِّرَتِ القُلُوبُ لِأنَّ المُرادَ "عَلى قُلُوبٍ قاسِيَةٍ، مُبْهَمٍ أمْرُها في ذَلِكَ"، والمُرادُ بَعْضُ القُلُوبِ، وهي قُلُوبُ المُنافِقِينَ، وأُضِيفَتِ الأقْفالُ إلى القُلُوبِ لِأنَّ المُرادَ الأقْفالُ المُخْتَصَّةُ بِها، وهي أقْفالُ الكُفْرِ، الَّتِي اسْتَغْلَقَتْ، فَلا تَنْفَتِحُ، نَحْوَ الرَيْنِ، والخَتْمِ، والطَبْعِ.
47:25Page 509
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَى ٱلشَّيۡطَٰنُ سَوَّلَ لَهُمۡ وَأَمۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٥
Indeed, those who reverted back [to disbelief] after guidance had become clear to them - Satan enticed them and prolonged hope for them.
﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ أيْ: اَلْمُنافِقِينَ، رَجَعُوا إلى الكُفْرِ سِرًّا، بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ لَهُمْ،
﴿الشَيْطانُ سَوَّلَ﴾، زَيَّنَ،
﴿لَهُمُ﴾، جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَإٍ وخَبَرٍ، وقَعَتْ خَبَرًا لِـ "إنَّ"، نَحْوَ: "إنَّ زَيْدًا عَمْرٌو مَرَّ بِهِ"،
﴿وَأمْلى لَهُمْ﴾، ومَدَّ لَهم في الآمالِ، والأمانِيِّ، "وَأُمْلِيَ"، "أبُو عَمْرٍو"، أيْ: أُمْهِلُوا، ومُدَّ في عُمُرِهِمْ.
47:26Page 509
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمۡ فِي بَعۡضِ ٱلۡأَمۡرِۖ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ ٢٦
That is because they said to those who disliked what Allāh sent down,1 "We will obey you in part of the matter." And Allāh knows what they conceal.
(p-٣٢٩)﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَـزَّلَ اللهُ﴾ أيْ: اَلْمُنافِقُونَ قالُوا لِلْيَهُودِ: ﴿سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ أيْ: عَداوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والقُعُودِ عَنْ نُصْرَتِهِ،
﴿واللهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾، عَلى المَصْدَرِ، مِن "أسَرَّ"، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وحَفْصٌ"، "أسْرارَهُمْ"، غَيْرُهُمْ، جَمْعُ "سِرٌّ".
47:27Page 509
فَكَيۡفَ إِذَا تَوَفَّتۡهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ ٢٧
Then how [will it be] when the angels take them in death, striking their faces and their backs?
﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ: فَكَيْفَ يَعْمَلُونَ؟! وما حِيلَتُهم حِينَئِذٍ؟! ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "لا يُتَوَفّى أحَدٌ عَلى مَعْصِيَةٍ إلّا يُضْرَبُ مِنَ المَلائِكَةِ في وجْهِهِ ودُبُرِهِ".
47:28Page 509
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسۡخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضۡوَٰنَهُۥ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٢٨
That is because they followed what angered Allāh and disliked [what earns] His pleasure, so He rendered worthless their deeds.
﴿ذَلِكَ﴾، إشارَةٌ إلى التَوَفِّي المَوْصُوفِ،
﴿بِأنَّهُمُ﴾، بِسَبَبِ أنَّهُمْ،
﴿اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللهَ﴾، مِن مُعاوَنَةِ الكافِرِينَ،
﴿وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ﴾، مِن نُصْرَةِ المُؤْمِنِينَ،
﴿فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾
47:29Page 509
أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخۡرِجَ ٱللَّهُ أَضۡغَٰنَهُمۡ ٢٩
Or do those in whose hearts is disease think that Allāh would never expose their [feelings of] hatred?
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أضْغانَهُمْ﴾، أحْقادَهُمْ، والمَعْنى: "أظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّ اللهَ (تَعالى) لا يُبْرِزُ بُغْضَهُمْ، وعَداوَتَهم لِلْمُؤْمِنِينَ؟!".
47:30Page 510
وَلَوۡ نَشَآءُ لَأَرَيۡنَٰكَهُمۡ فَلَعَرَفۡتَهُم بِسِيمَٰهُمۡۚ وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِي لَحۡنِ ٱلۡقَوۡلِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٠
And if We willed, We could show them to you, and you would know them by their mark; but you will surely know them by the tone of [their] speech. And Allāh knows your deeds.
﴿وَلَوْ نَشاءُ لأرَيْناكَهُمْ﴾، لَعَرَّفْناكَهُمْ، ودَلَلْناكَ عَلَيْهِمْ،
﴿فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ﴾، بِعَلامَتِهِمْ، وهو أنْ يَسِمَهُمُ اللهُ بِعَلامَةٍ يُعْلَمُونَ بِها، وعَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: « "ما خَفِيَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ أحَدٌ مِنَ المُنافِقِينَ، كانَ يَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ"، »﴿وَلَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾، في نَحْوِهِ، وأُسْلُوبِهِ الحَسَنِ، في فَحْوى كَلامِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى كِتْمانِ ما في أنْفُسِهِمْ، واللامُ في "فَلَعَرَفْتَهُمْ"، داخِلَةٌ في جَوابِ "لَوْ"، كالَّتِي في "لَأرَيْناكَهُمْ"، كُرِّرَتْ في المَعْطُوفِ، وأمّا اللامُ في "وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ"، فَواقِعَةٌ مَعَ النُونِ في جَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، (p-٣٣٠)﴿واللهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾، فَيُمَيِّزُ خَيْرَها مِن شَرِّها.
47:31Page 510
وَلَنَبۡلُوَنَّكُمۡ حَتَّىٰ نَعۡلَمَ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَنَبۡلُوَاْ أَخۡبَارَكُمۡ ٣١
And We will surely test you until We make evident those who strive among you [for the cause of Allāh] and the patient, and We will test your affairs.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾، بِالقِتالِ، إعْلامًا، لا اسْتِعْلامًا، أوْ نُعامِلُكم مُعامَلَةً المُخْتَبِرِ، لِيَكُونَ أبْلَغَ في إظْهارِ العَدْلِ،
﴿حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصابِرِينَ﴾، عَلى الجِهادِ، أيْ: نَعْلَمَ كائِنًا ما عَلِمْناهُ أنَّهُ سَيَكُونُ،
﴿وَنَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾، أسْرارَكُمْ، "وَلَيَبْلُونَكم حَتّى يَعْلَمَ... ويَبْلُوَ"، "أبُو بَكْرٍ"، وعَنِ الفُضَيْلِ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها بَكى، وقالَ: "اَللَّهُمَّ لا تَبْلُنا فَإنَّكَ إنْ بَلَوْتَنا فَضَحْتَنا، وهَتَكْتَ أسْتارَنا، وعَذَّبْتَنا".
47:32Page 510
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗا وَسَيُحۡبِطُ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٣٢
Indeed, those who disbelieved and averted [people] from the path of Allāh and opposed the Messenger after guidance had become clear to them - never will they harm Allāh at all, and He will render worthless their deeds.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ وشاقُّوا الرَسُولَ﴾، وعادَوْهُ، يَعْنِي المُطْعِمِينَ يَوْمَ "بَدْرٍ"، وقَدْ مَرَّ،
﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾، مِن بَعْدِ ما ظَهَرَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ، وعَرَفُوا الرَسُولَ،
﴿لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا وسَيُحْبِطُ أعْمالَهُمْ﴾، اَلَّتِي عَمِلُوها في مُشاقَّةِ الرَسُولِ، أيْ: سَيُبْطِلُها، فَلا يَصِلُونَ مِنها إلى أغْراضِهِمْ.
47:33Page 510
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلَا تُبۡطِلُوٓاْ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٣
O you who have believed, obey Allāh and obey the Messenger and do not invalidate your deeds.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾، بِالنِفاقِ أوْ بِالرِياءِ.
47:34Page 510
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٞ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡ ٣٤
Indeed, those who disbelieved and averted [people] from the path of Allāh and then died while they were disbelievers - never will Allāh forgive them.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾، قِيلَ: هم أصْحابُ القَلِيبِ، والظاهِرُ العُمُومُ.
47:35Page 510
فَلَا تَهِنُواْ وَتَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلۡمِ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمۡ وَلَن يَتِرَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٥
So do not weaken and call for peace while you are superior; and Allāh is with you and will never deprive you of [the reward of] your deeds.
﴿فَلا تَهِنُوا﴾، فَلا تَضْغُفُوا، ولا تُذَلُّوا لِلْعَدُوِّ،
﴿وَتَدْعُوا إلى السَلْمِ﴾، وبِالكَسْرِ "حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ"، وهُما المُسالَمَةُ، أيْ: ولا تَدْعُوا الكُفّارَ إلى الصُلْحِ،
﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ أيْ: اَلْأغْلَبُونَ، و"تَدْعُوا"، مَجْزُومٌ لِدُخُولِهِ في حُكْمِ النَهْيِ،
﴿واللهُ مَعَكُمْ﴾، بِالنُصْرَةِ، أيْ: ناصِرُكُمْ،
﴿وَلَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾، ولَنْ يُنْقِصَكم أجْرَ أعْمالِكم.
47:36Page 510
إِنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤۡتِكُمۡ أُجُورَكُمۡ وَلَا يَسۡـَٔلۡكُمۡ أَمۡوَٰلَكُمۡ ٣٦
[This] worldly life is only amusement and diversion. And if you believe and fear Allāh, He will give you your rewards and not ask you for your properties.
(p-٣٣١)﴿إنَّما الحَياةُ الدُنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾، تَنْقَطِعُ في أسْرَعِ مُدَّةٍ،
﴿وَإنْ تُؤْمِنُوا﴾، بِاللهِ، ورَسُولِهِ،
﴿وَتَتَّقُوا﴾، اَلشِّرْكَ،
﴿يُؤْتِكم أُجُورَكُمْ﴾، ثَوابَ إيمانِكُمْ، وتَقْواكُمْ،
﴿وَلا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ أيْ: لا يَسْألْكم جَمِيعَها، بَلْ رُبْعَ العُشْرِ، والفاعِلُ "اَللَّهُ"، أوْ "اَلرَّسُولُ"، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: "غَيْضًا مِن فَيْضٍ".
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences