An-NasafiAl‑An'am · 6:117–143

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:117–143

6:117Page 142

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦۖ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ١١٧

Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of the [rightly] guided.

﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيْ: هو يَعْلَمُ الكُفّارَ والمُؤْمِنِينَ. "مَن" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، ولَفْظُها لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، والخَبَرُ "يَضِلُّ" ومَوْضِعُ الجُمْلَةِ نَصْبٌ بِيَعْلَمُ المُقَدَّرُ، لا بِاعْلَمْ، لِأنَّ أفْعَلَ لا يَعْمَلُ في الِاسْمِ الظاهِرِ النَصْبَ، ويَعْمَلُ الجَرَّ، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: أعْلَمُ بِمَن يَضِلُّ، بِدَلِيلِ ظُهُورِ الباءِ بَعْدَهُ في "بِالمُهْتَدِينَ".

6:118Page 142

فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَٰتِهِۦ مُؤۡمِنِينَ ١١٨

So eat of that [meat] upon which the name of Allāh has been mentioned,1 if you are believers in His verses [i.e., revealed law].

﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ هو مُسَبَّبٌ عَلى إنْكارِ اتِّباعِ المُضِلِّينَ الَّذِينَ يُحِلُّونَ الحَرامَ ويُحَرِّمُونَ الحَلالَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: إنَّكم تَزْعُمُونَ أنَّكم تَعْبُدُونَ اللهَ، فَما قَتَلَ اللهُ أحَقُّ أنْ تَأْكُلُوا مِمّا قَتَلْتُمْ أنْتُمْ، فَقِيلَ لِلْمُسْلِمِينَ: إنْ كُنْتُمْ مُتَحَقِّقِينَ بِالإيمانِ فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ (p-٥٣٣)اللهِ عَلَيْهِ خاصَّةً، أيْ: عَلى ذَبْحِهِ، دُونَ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِهِ مِن آلِهَتِهِمْ، أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ.

6:119Page 143

وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تَأۡكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَيۡهِۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا لَّيُضِلُّونَ بِأَهۡوَآئِهِم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُعۡتَدِينَ ١١٩

And why should you not eat of that upon which the name of Allāh has been mentioned while He has explained in detail to you what He has forbidden you, excepting that to which you are compelled.1 And indeed do many lead [others] astray through their [own] inclinations without knowledge. Indeed, your Lord - He is most knowing of the transgressors.

﴿وَما لَكم ألا تَأْكُلُوا﴾ "ما" اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، و"لَكُمْ" الخَبَرُ. أيْ: وأيُّ غَرَضٍ لَكم في ألّا تَأْكُلُوا؟ ﴿مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ﴾ بَيَّنَ لَكم.

﴿ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ مِمّا لَمْ يُحَرَّمْ بِقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائِدَةُ: ٣]. فُصِّلَ وحُرِّمَ: كُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ، وبِفَتْحِهِما مَدَنِيٌّ، وحَفْصٌ. وبِضَمِّهِما غَيْرُهم.

﴿إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ مِمّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، فَإنَّهُ حَلالٌ لَكم في حالِ الضَرُورَةِ، أيْ: شِدَّةُ المَجاعَةِ إلى أكْلِهِ ﴿وَإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ﴾ (لِيَضِلُّونِ) كَوَفِيٌّ،

﴿بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: يَضِلُّونَ فَيُحَرِّمُونَ ويُحَلِّلُونَ بِأهْوائِهِمْ وشَهَواتِهِمْ، مِن غَيْرِ تَعَلُّقٍ بِشَرِيعَةٍ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ﴾ بِالمُتَجاوِزِينَ مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ.

6:120Page 143

وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَبَاطِنَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡسِبُونَ ٱلۡإِثۡمَ سَيُجۡزَوۡنَ بِمَا كَانُواْ يَقۡتَرِفُونَ ١٢٠

And leave [i.e., desist from] what is apparent of sin and what is concealed thereof. Indeed, those who earn [blame for] sin will be recompensed for that which they used to commit.

﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ عَلانِيَتَهُ وسِرَّهُ، أوِ الزِنا في الحَوانِيتِ، والصَدِيقَةَ في السِرِّ، أوِ الشِرْكَ الجَلِيَّ والخَفِيَّ،

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ يَكْتَسِبُونَ في الدُنْيا.

6:121Page 143

وَلَا تَأۡكُلُواْ مِمَّا لَمۡ يُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ ١٢١

And do not eat of that upon which the name of Allāh has not been mentioned, for indeed, it is grave disobedience. And indeed do the devils inspire their allies [among men] to dispute with you. And if you were to obey them, indeed, you would be associators [of others with Him].1

﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ عِنْدَ الذَبْحِ،

﴿وَإنَّهُ﴾ وإنَّ أكْلَهُ ﴿لَفِسْقٌ وإنَّ الشَياطِينَ لَيُوحُونَ﴾ لَيُوَسْوِسُونَ ﴿إلى أوْلِيائِهِمْ﴾ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿لِيُجادِلُوكُمْ﴾ بِقَوْلِهِمْ: لا تَأْكُلُونَ مِمّا قَتَلَهُ اللهُ، وتَأْكُلُونَ مِمّا تَذْبَحُونَ بِأيْدِيكُمْ! والآيَةُ تُحَرِّمُ مَتْرُوكَ التَسْمِيَةِ، وخُصَّتْ حالَةُ النِسْيانِ بِالحَدِيثِ، أوْ يُجْعَلُ الناسِي ذاكِرًا تَقْدِيرًا.

﴿وَإنْ أطَعْتُمُوهُمْ﴾ في اسْتِحْلالِ ما حَرَّمَهُ اللهُ ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ لِأنَّ مَنِ اتَّبَعَ غَيْرَ اللهِ في دِينِهِ فَقَدْ أشْرَكَ بِهِ، ومِن حَقِّ المُتَدَيِّنِ ألّا يَأْكُلَ مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ (p-٥٣٤)اللهِ عَلَيْهِ، لِما في الآيَةِ مِنَ التَشْدِيدِ العَظِيمِ، ومِن أوَّلِ الآيَةِ بِالمَيْتَةِ، وبِما ذُكِرَ غَيْرُ اسْمِ اللهِ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [الأنْعامُ: ١٤٥]. وقالَ: إنَّ الواوَ في ﴿وَإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ لِلْحالِ، لِأنَّ عَطْفَ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ لا يَحْسُنُ، فَيَكُونُ التَقْدِيرُ: ولا تَأْكُلُوا مِنهُ حالَ كَوْنِهِ فِسْقًا، والفِسْقُ مُجْمَلٌ، فَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [الأنْعامُ: ١٤٥]. فَصارَ التَقْدِيرُ: ولا تَأْكُلُوا مِنهُ حالَ كَوْنِهِ مُهَلًّا لِغَيْرِ اللهِ بِهِ، فَيَكُونُ ما سِواهُ حَلالًا بِالعُمُوماتِ المُحِلَّةِ، مِنها قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أجِدُ﴾ الآيَةُ [الأنْعامُ: ١٤٥]، فَقَدْ عَدَلَ عَنْ ظاهِرِ اللَفْظِ.

6:122Page 143

أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٢

And is one who was dead and We gave him life and made for him light by which to walk among the people like one who is in darkness, never to emerge therefrom? Thus it has been made pleasing to the disbelievers that which they were doing.

﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ أيْ: كافِرًا فَهَدَيْناهُ، لِأنَّ الإيمانَ حَياةُ القُلُوبِ. (مَيِّتًا) مَدَنِيٌّ ﴿وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في الناسِ﴾ مُسْتَضِيئًا بِهِ، والمُرادُ بِهِ: اليَقِينُ.

﴿كَمَن مَثَلُهُ﴾ أيْ: صِفَتُهُ ﴿فِي الظُلُماتِ﴾ أيْ: خابِطٌ فِيها ﴿لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ لا يُفارِقُها، ولا يَتَخَلَّصُ مِنها. وهو حالٌ. قِيلَ: المُرادُ بِهِما: حَمْزَةُ وأبُو جَهْلٍ، والأصَحُّ: أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ لِكُلِّ مَن هَداهُ اللهُ، ولِكُلِّ مَن أضَلَّهُ اللهُ، فَبَيَّنَ أنَّ مَثَلَ المُهْتَدِي مَثَلُ المَيِّتِ الَّذِي أُحْيِيَ، وجُعِلَ مُسْتَضِيئًا يَمْشِي في الناسِ بِنُورِ الحِكْمَةِ والإيمانِ، ومَثَلُ الكافِرِ مَثَلُ مَن هو في الظُلُماتِ الَّتِي لا يَتَخَلَّصُ مِنها ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما زُيِّنَ لِلْمُؤْمِنِ إيمانُهُ ﴿زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ﴾ بِتَزْيِينِ اللهِ تَعالى كَقَوْلِهِ: ﴿زَيَّنّا لَهم أعْمالَهُمْ﴾ [النَمْلُ: ٤] ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: أعْمالُهم.

6:123Page 143

وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجۡرِمِيهَا لِيَمۡكُرُواْ فِيهَاۖ وَمَا يَمۡكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ١٢٣

And thus We have placed within every city the greatest of its criminals to conspire therein. But they conspire not except against themselves, and they perceive [it] not.

﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: وكَما جَعَلْنا في مَكَّةَ صَنادِيدَها لِيَمْكُرُوا فِيها ﴿جَعَلْنا﴾ صَيَّرْنا ﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ لِيَتَجَبَّرُوا عَلى الناسِ فِيها، ويَعْمَلُوا بِالمَعاصِي. واللامُ عَلى ظاهِرِها عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ، ولَيْسَتْ بِلامِ العاقِبَةِ. وخَصَّ الأكابِرَ -وَهُمُ الرُؤَساءُ-، لِأنَّ ما فِيهِمْ مِنَ الرِياسَةِ والسَعَةِ أدْعى لَهم إلى المَكْرِ والكُفْرِ مِن غَيْرِهِمْ، دَلِيلُهُ: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ [الشُورى: ٢٧]. ثُمَّ سَلّى رَسُولَهُ ﷺ، ووَعَدَ لَهُ النُصْرَةَ.

﴿وَما (p-٥٣٥)يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ﴾ لِأنَّ مَكْرَهم يَحِيقُ بِهِمْ ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أنَّهُ يَحِيقُ بِهِمْ "أكابِرَ" مَفْعُولٌ أوَّلُ، والثانِي: ﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ و"مُجْرِمِيها" بَدَلٌ مِن "أكابِرَ" أوِ الأوَّلُ: "مُجْرِمِيها"، والثانِي: "أكابِرَ"، والتَقْدِيرُ: مُجْرِمِيها أكابِرَ.

6:124Page 143

وَإِذَا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ قَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ حَتَّىٰ نُؤۡتَىٰ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِۘ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَيۡثُ يَجۡعَلُ رِسَالَتَهُۥۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا كَانُواْ يَمۡكُرُونَ ١٢٤

And when a sign comes to them, they say, "Never will we believe until we are given like that which was given to the messengers of Allāh." Allāh is most knowing of where [i.e., with whom] He places His message. There will afflict those who committed crimes debasement before Allāh and severe punishment for what they used to conspire.

وَلَمّا قالَ أبُو جَهْلٍ: زاحَمَنا بَنُو عَبْدِ مَنافٍ في الشَرَفِ، حَتّى إذا صِرْنا كَفَرَسَيْ رِهانٍ، قالُوا: مِنّا نَبِيٌّ يُوحى إلَيْهِ، واللهِ لا نَرْضى بِهِ إلّا أنْ يَأْتِيَنا وحْيٌ كَما يَأْتِيهِ نَزَلَ ﴿وَإذا جاءَتْهُمْ﴾ أيِ: الأكابِرَ ﴿آيَةٌ﴾ مُعْجِزَةٌ، أوْ آيَةٌ مِنَ القُرْآنِ تَأْمُرُهم بِالإيمانِ ﴿قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ﴾ أيْ: نُعْطى مِنَ الآياتِ مِثْلَ ما أُعْطِيَ الأنْبِياءُ، فَأعْلَمَ اللهُ تَعالى: أنَّهُ أعْلَمُ بِمَن يَصْلُحُ لِلنُّبُوَّةِ. (اللهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ) مَكِّيٌّ، وحَفْصٌ. "رِسالاتِهِ" غَيْرُهُما "حَيْثُ" مَفْعُولٌ بِهِ، والعامِلُ مَحْذُوفٌ، والتَقْدِيرُ: يَعْلَمُ مَوْضِعَ رِسالَتِهِ ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ مِن أكابِرِها ﴿صَغارٌ﴾ ذُلٌّ، وهَوانٌ ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ في القِيامَةِ ﴿وَعَذابٌ شَدِيدٌ﴾ في الدارَيْنِ مِنَ القَتْلِ، والأسْرِ، وعَذابِ النارِ ﴿بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ في الدُنْيا.

6:125Page 144

فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٢٥

So whoever Allāh wants to guide - He expands his breast to [contain] Islām; and whoever He wants to send astray1 - He makes his breast tight and constricted as though he were climbing into the sky. Thus does Allāh place defilement upon those who do not believe.

﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ يُوَسِّعُهُ، ويُنَوِّرُ قَلْبَهُ. قالَ ﷺ: « "إذا دَخَلَ النُورُ في القَلْبِ انْشَرَحَ وانْفَتَحَ". قِيلَ: وما عَلامَةُ ذَلِكَ؟ قالَ: "الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ" »﴿وَمَن يُرِدْ﴾ أيِ: اللهُ ﴿أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا﴾ (ضَيْقًا) مَكِّيٌّ (حَرَجًا) (حَرِجًا) صِفَةٌ لـِ (ضَيِّقًا) مَدَنِيٌّ، وأبُو بَكْرٍ. بالِغًا في الضِيقِ (p-٥٣٦)"حَرَجًا" غَيْرُهُما، وصْفًا بِالمَصْدَرِ ﴿كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَماءِ﴾ كَأنَّهُ كُلِّفَ أنْ يَصْعَدَ إلى السَماءِ إذا دُعِيَ إلى الإسْلامِ، مِن ضِيقِ صَدْرِهِ عَنْهُ، أوْ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأرْضُ، فَطَلَبَ مَصْعَدًا في السَماءِ، أوْ كَعازِبِ الرَأْيِ، طائِرِ القَلْبِ في الهَواءِ. (يَصْعَدُ) مَكِّيٌّ، (يَصّاعَدُ) أبُو بَكْرٍ، وأصْلُهُ: يَتَصاعَدُ، الباقُونَ (يَصَّعَّدُ)، وأصْلُهُ: يَتَصَعَّدُ.

﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِجْسَ﴾ العَذابَ في الآخِرَةِ، واللَعْنَةَ في الدُنْيا.

﴿عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ والآيَةُ حُجَّةٌ لَنا عَلى المُعْتَزِلَةِ في إرادَةِ المَعاصِي.

6:126Page 144

وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسۡتَقِيمٗاۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ ١٢٦

And this is the path of your Lord, [leading] straight. We have detailed the verses for a people who remember.

﴿وَهَذا صِراطُ رَبِّكَ﴾ أيْ: طَرِيقُهُ الَّذِي اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ، وسُنَّتُهُ في شَرْحِ صَدْرِ مَن أرادَ هِدايَتَهُ، وجَعْلِهِ ضَيِّقًا لِمَن أرادَ ضَلالَهُ ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ عادِلًا، مُطَّرِدًا، وهو حالٌ مُؤَكِّدَةً ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظُونَ.

6:127Page 144

۞ لَهُمۡ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمۡۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٧

For them will be the Home of Peace [i.e., Paradise] with their Lord. And He will be their protecting friend because of what they used to do.

﴿لَهُمْ﴾ أيْ: لِقَوْمٍ يَذَّكَرُونَ ﴿دارُ السَلامِ﴾ دارُ اللهِ، يَعْنِي: الجَنَّةَ، أضافَها إلى نَفْسِهِ تَعْظِيمًا لَها، أوْ دارُ السَلامَةِ مِن كُلِّ آفَةٍ وكَدَرٍ، أوِ السَلامُ التَحِيَّةُ، سُمِّيَتْ دارَ السَلامِ، لِقَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يُونُسُ: ١٠] ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقِعَةُ: ٢٦] ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في ضَمانِهِ ﴿وَهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ مُحِبُّهُمْ، أوْ ناصِرُهم عَلى أعْدائِهِمْ.

﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بِأعْمالِهِمْ، أوْ مُتَوَلَّيْهِمْ بِجَزاءِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، أوْ هو ولِيُّنا في الدُنْيا بِتَوْفِيقِ الأعْمالِ، وفي العُقْبى بِتَحْقِيقِ الآمالِ.

6:128Page 144

وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ قَدِ ٱسۡتَكۡثَرۡتُم مِّنَ ٱلۡإِنسِۖ وَقَالَ أَوۡلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلۡإِنسِ رَبَّنَا ٱسۡتَمۡتَعَ بَعۡضُنَا بِبَعۡضٖ وَبَلَغۡنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيٓ أَجَّلۡتَ لَنَاۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثۡوَىٰكُمۡ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٢٨

And [mention, O Muḥammad], the Day when He will gather them together [and say], "O company of jinn, you have [misled] many of mankind." And their allies among mankind will say, "Our Lord, some of us made use of others, and we have [now] reached our term which You appointed for us." He will say, "The Fire is your residence, wherein you will abide eternally, except for what Allāh wills. Indeed, your Lord is Wise and Knowing."

" ويَوْم نَحْشُرُهم جَمِيعًا " وبِالياءِ حَفْصٌ، أيْ: واذْكُرْ " يَوْم (p-٥٣٧)نَحْشُرُهم " أوْ " ويَوْم نَحْشُرُهم " قُلْنا: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ﴾ ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ أضْلَلْتُمْ مِنهم كَثِيرًا، وجَعَلْتُمُوهم أتْباعَكُمْ، كَما تَقُولُ: اسْتَكْثَرَ الأمِيرُ مِنَ الجُنُودِ ﴿وَقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ﴾ الَّذِينَ أطاعُوهُمْ، واسْتَمَعُوا إلى وسْوَسَتِهِمْ،

﴿رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ أيِ: انْتَفَعَ الإنْسُ بِالشَياطِينِ، حَيْثُ دَلُّوهم عَلى الشَهَواتِ، وعَلى أسْبابِ التَوَصُّلِ إلَيْها، وانْتَفَعَ الجِنُّ بِالإنْسِ حَيْثُ أطاعُوهُمْ، وساعَدُوهم عَلى مُرادِهِمْ في إغْوائِهِمْ.

﴿وَبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ يَعْنُونَ: يَوْمَ البَعْثِ، وهَذا الكَلامُ اعْتِرافٌ بِما كانَ مِنهم مِن طاعَةِ الشَياطِينِ، واتِّباعِ الهَوى، والتَكْذِيبِ بِالبَعْثِ، وتَحَسُّرٍ عَلى حالِهِمْ.

﴿قالَ النارُ مَثْواكُمْ﴾ مَنزِلُكم ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ، والعامِلُ مَعْنى الإضافَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحِجْرُ: ٦٦]. فَمُصْبِحِينَ حالٌ مِن هَؤُلاءِ، والعامِلُ في الحالِ مَعْنى الإضافَةِ، إذْ مَعْناهُ: المُمازَجَةُ والمُضامَّةُ، والمَثْوى لَيْسَ بِعامِلٍ، لِأنَّ المَكانَ لا يَعْمَلُ في شَيْءٍ ﴿إلا ما شاءَ اللهُ﴾ أيْ: يُخَلَّدُونَ في عَذابِ النارِ الأبَدَ كُلَّهُ ﴿إلا ما شاءَ اللهُ﴾ إلّا الأوْقاتِ الَّتِي يُنْقَلُونَ فِيها مِن عَذابِ السَعِيرِ إلى عَذابِ الزَمْهَرِيرِ.

﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ فِيما يَفْعَلُ بِأوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِأعْمالِهِمْ فَيَجْزِي كُلًّا عَلى وفْقِ عَمَلِهِ.

6:129Page 144

وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعۡضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٢٩

And thus will We make some of the wrongdoers allies of others for what they used to earn.1

﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظالِمِينَ بَعْضًا﴾ نُتْبِعُ بَعْضَهم بَعْضًا في النارِ، أوْ نُسَلِّطُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، أوْ نَجْعَلُ بَعْضَهم أوْلِياءَ بَعْضٍ.

﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بِسَبَبِ ما كَسَبُوا مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، ثُمَّ يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ:

6:130Page 144

يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ شَهِدۡنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَاۖ وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ ١٣٠

"O company of jinn and mankind,1 did there not come to you messengers from among you, relating to you My verses and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "We bear witness against ourselves"; and the worldly life had deluded them, and they will bear witness against themselves that they were disbelievers.

﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ عَنِ الضَحّاكِ: بَعَثَ إلى الجِنِّ رُسُلًا مِنهُمْ، كَما بَعَثَ إلى الإنْسِ رُسُلًا مِنهُمْ، لِأنَّهم بِهِ آنَسُ، وعَلَيْهِ ظاهِرُ النَصِّ. وقالَ آخَرُونَ: الرُسُلُ مِنَ الإنْسِ خاصَّةً، وإنَّما قِيلَ: ﴿رُسُلٌ (p-٥٣٨)مِنكُمْ﴾ لِأنَّهُ لَمّا جَمَعَ الثَقَلَيْنِ في الخِطابِ صَحَّ ذَلِكَ، وإنْ كانَ مِن أحَدِهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرَحْمَنُ: ٢٢] أوْ رُسُلُهم رُسُلُ نَبِيِّنا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحْقافُ: ٢٩] ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ يَقْرَءُونَ كُتُبِي ﴿وَيُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ ﴿قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾ بِوُجُوبِ الحُجَّةِ عَلَيْنا، وتَبْلِيغِ الرُسُلِ إلَيْنا.

﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ بِالرُسُلِ.

6:131Page 144

ذَٰلِكَ أَن لَّمۡ يَكُن رَّبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا غَٰفِلُونَ ١٣١

That is because your Lord would not destroy the cities for wrongdoing1 while their people were unaware.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن بَعْثَةِ الرُسُلِ إلَيْهِمْ، وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ.

﴿أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ، أيِ: الأمْرُ ما قَصَصْنا عَلَيْكَ، لِانْتِفاءِ كَوْنِ رَبِّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ، عَلى أنَّ "أنْ" مَصْدَرِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَقِيلَةِ، والمَعْنى: لِأنَّ الشَأْنَ والحَدِيثَ ﴿لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾ بِسَبَبِ ظُلْمٍ أقْدَمُوا عَلَيْهِ، أوْ ظالِمًا، عَلى أنَّهُ لَوْ أهْلَكَهم وهم غافِلُونَ لَمْ يُنَبَّهُوا بِرَسُولٍ وكِتابٍ، لَكانَ ظالِمًا، وهو مُتَعالٍ عَنْهُ.

6:132Page 145

وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ ١٣٢

And for all are degrees [i.e., positions resulting] from what they have done. And your Lord is not unaware of what they do.

﴿وَلِكُلٍّ﴾ مِنَ المُكَلَّفِينَ ﴿دَرَجاتٌ﴾ مَنازِلُ ﴿مِمّا عَمِلُوا﴾ مِن جَزاءِ أعْمالِهِمْ، وبِهِ اسْتَدَلَّ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ رَحِمَهُما اللهُ عَلى أنَّ لِلْجِنِّ الثَوابَ بِالطاعَةِ، لِأنَّهُ ذُكِرَ عَقِيبَ ذِكْرِ الثَقَلَيْنِ ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ بِساهٍ عَنْهُ. وبِالتاءِ: شامِيٌّ.

6:133Page 145

وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفۡ مِنۢ بَعۡدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوۡمٍ ءَاخَرِينَ ١٣٣

And your Lord is the Free of need, the possessor of mercy. If He wills, He can do away with you and give succession after you to whomever He wills, just as He produced you from the descendants of another people.

﴿وَرَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ عَنْ عِبادِهِ، وعَنْ عِبادَتِهِمْ.

﴿ذُو الرَحْمَةِ﴾ عَلَيْهِمْ بِالتَكْلِيفِ، لِيُعَرِّضَهم لِلْمَنافِعِ الدائِمَةِ.

﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيُّها الظَلَمَةُ (p-٥٣٩)﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ﴾ مِنَ الخَلْقِ المُطِيعِ ﴿كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ مِن أوْلادِ قَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَكُونُوا عَلى مِثْلِ صِفَتِكُمْ، وهم أهْلُ سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ.

6:134Page 145

إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَأٓتٖۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ١٣٤

Indeed, what you are promised is coming, and you will not cause failure [to Allāh].1

﴿إنَّ ما﴾ "ما" بِمَعْنى الَّذِي،

﴿تُوعَدُونَ﴾ مِنَ البَعْثِ، والحِسابِ، والثَوابِ، والعِقابِ،

﴿لآتٍ﴾ خَبَرُ إنَّ، أيْ: لَكائِنٌ.

﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بِفائِتِينَ، رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: مَن ماتَ فَقَدْ فاتَ.

6:135Page 145

قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَامِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ١٣٥

Say, "O my people, work according to your position; [for] indeed, I am working. And you are going to know who will have succession in the home.1 Indeed, the wrongdoers will not succeed."

المَكانَةُ تَكُونُ مَصْدَرًا، يُقالُ: مَكُنَ مَكانَةً: إذا تَمَكَّنَ أبْلَغَ التَمَكُّنِ، وبِمَعْنى: المَكانِ، يُقالُ: مَكانٌ، ومَكانَةٌ، ومَقامٌ، ومَقامَةٌ،وَقَوْلُهُ: ﴿يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ: اعْمَلُوا عَلى تَمَكُّنِكم مِن أمْرِكُمْ، وأقْصى اسْتِطاعَتِكم وإمْكانِكُمْ، واعْمَلُوا عَلى جِهَتِكم وحالِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها، ويُقالُ لِلرَّجُلِ إذا أُمِرَ أنْ يَثْبُتَ عَلى حالِهِ: عَلى مَكانَتِكَ يا فُلانُ، أيِ: اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ.

﴿إنِّي عامِلٌ﴾ عَلى مَكانَتِي الَّتِي أنا عَلَيْها، أيِ: اثْبُتُوا عَلى كُفْرِكم وعَداوَتِكم لِي، فَإنِّي ثابِتٌ عَلى الإسْلامِ، وعَلى مُصابِرَتِكُمْ، وهو أمْرُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدارِ﴾ أيْ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أيُّنا تَكُونُ لَهُ العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ، وهَذا طَرِيقٌ لَطِيفٌ في الإنْذارِ [ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ﴾ أيِ: الكافِرُونَ]. "مَكاناتِكُمْ" حَيْثُ كانَ: أبُو بَكْرٍ. (يَكُونُ) حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ. ومَوْضِعُ "مَن" رَفْعٌ إذا كانَ بِمَعْنى أيٍّ، وعُلِّقَ عَنْهُ فِعْلُ العِلْمِ، أوْ نَصْبٌ إذا كانَ بِمَعْنى الَّذِي.

(p-٥٤٠)

6:136Page 145

وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلۡحَرۡثِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ نَصِيبٗا فَقَالُواْ هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعۡمِهِمۡ وَهَٰذَا لِشُرَكَآئِنَاۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمۡ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمۡۗ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ١٣٦

And they [i.e., the polytheists] assign to Allāh from that which He created of crops and livestock a share and say, "This is for Allāh," by their claim, "and this is for our 'partners' [associated with Him]." But what is for their "partners" does not reach Allāh, while what is for Allāh - this reaches their "partners." Evil is that which they rule.

﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ أيْ: ولِلْأصْنامِ نَصِيبًا، فاكْتَفى بِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ (بِزَعْمِهِمْ) عَلِيٌّ، وكَذا ما بَعْدَهُ، أيْ: زَعَمُوا أنَّهُ لِلَّهِ، واللهُ لَمْ يَأْمُرْهم بِذَلِكَ، ولا شَرَعَ لَهم تِلْكَ القِسْمَةَ ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللهِ﴾ أيْ: لا يَصِلُ إلى الوُجُوهِ الَّتِي كانُوا يَصْرِفُونَهُ إلَيْها مِن قِرى الضِيفانِ، والتَصَدُّقِ عَلى المَساكِينِ.

﴿وَما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ﴾ مِن إنْفاقِهِمْ عَلَيْها، والإجْراءِ عَلى سَدَنَتِها، رُوِيَ أنَّهم كانُوا يُعَيِّنُونَ أشْياءَ مِن حَرْثٍ ونِتاجٍ لِلَّهِ، وأشْياءَ مِنهُما لِآلِهَتِهِمْ، فَإذا رَأوْا ما جَعَلُوا لِلَّهِ زاكِيًا نامِيًا، رَجَعُوا فَجَعَلُوهُ لِلْأصْنامِ، وإذا زَكا ما جَعَلُوهُ لِلْأصْنامِ تَرَكُوهُ لَها، وقالُوا: إنَّ اللهَ غَنِيٌّ، وإنَّما ذاكَ لِحُبِّهِمْ آلِهَتَهم وإيثارِهِمْ لَها، وفي قَوْلِهِ: ﴿مِمّا ذَرَأ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ اللهَ كانَ أوْلى بِأنْ يُجْعَلَ لَهُ الزاكِي، لِأنَّهُ هو الَّذِي ذَرَأهُ ثُمَّ ذَمَّ صَنِيعَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ في إيثارِ آلِهَتِهِمْ عَلى اللهِ، وعَمَلِهِمْ عَلى ما لَمْ يُشْرَعْ لَهُمْ، ومَوْضِعُ "ما" رَفْعٌ، أيْ: ساءَ الحُكْمُ حُكْمُهُمْ، أوْ نَصْبٌ، أيْ: ساءَ حُكْمًا حُكْمُهم.

6:137Page 145

وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ قَتۡلَ أَوۡلَٰدِهِمۡ شُرَكَآؤُهُمۡ لِيُرۡدُوهُمۡ وَلِيَلۡبِسُواْ عَلَيۡهِمۡ دِينَهُمۡۖ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ١٣٧

And likewise, to many of the polytheists their partners1 have made [to seem] pleasing the killing of their children in order to bring about their destruction and to cover them with confusion in their religion. And if Allāh had willed, they would not have done so. So leave them and that which they invent.

﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: كَما زُيِّنَ لَهم تَجْزِئَةُ المالِ، زُيِّنَ وأْدُ البَناتِ ﴿قَتْلَ﴾ مَفْعُولُ زَيَّنَ ﴿أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ هو فاعِلُ زَيَّنَ، (زُيِّنَ) بِالضَمِّ، (قَتْلُ) بِالرَفْعِ، (أوْلادَهُمْ) بِالنَصْبِ، (شُرَكائِهِمْ) بِالجَرِّ، شامِيٌّ عَلى إضافَةِ القَتْلِ إلى الشُرَكاءِ، أيِ: الشَياطِينُ، والفَصْلُ بَيْنَهُما بِغَيْرِ الظَرْفِ، وهو المَفْعُولُ. وتَقْدِيرُهُ: زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلُ شُرَكائِهِمْ أوْلادَهم.

﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ لِيُهْلِكُوهم بِالإغْواءِ ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ ولِيَخْلِطُوا عَلَيْهِمْ، ويَشُوبُوهُ، ودِينُهُمْ: ما كانُوا عَلَيْهِ مِن دِينِ (p-٥٤١)إسْماعِيلَ حَتّى زَلُّوا عَنْهُ إلى الشِرْكِ ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ﴾ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكائِناتِ كُلَّها بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعالى ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ وما يَفْتَرُونَهُ مِنَ الإفْكِ، أوْ وافْتِراءَهُمْ، لِأنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ الِافْتِراءِ عَلَيْهِمْ، لا عَلَيْكَ، ولا عَلَيْنا.

6:138Page 146

وَقَالُواْ هَٰذِهِۦٓ أَنۡعَٰمٞ وَحَرۡثٌ حِجۡرٞ لَّا يَطۡعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعۡمِهِمۡ وَأَنۡعَٰمٌ حُرِّمَتۡ ظُهُورُهَا وَأَنۡعَٰمٞ لَّا يَذۡكُرُونَ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا ٱفۡتِرَآءً عَلَيۡهِۚ سَيَجۡزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ١٣٨

And they say, "These animals1 and crops are forbidden; no one may eat from them except whom we will," by their claim. And there are those [camels] whose backs are forbidden [by them]2 and those upon which the name of Allāh is not mentioned3 - [all of this] an invention of untruth about Him.4 He will punish them for what they were inventing.

﴿وَقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ﴾ لِلْأوْثانِ ﴿حِجْرٌ﴾ حَرامٌ، فِعْلٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، كالذِبْحِ، والطِحْنِ، ويَسْتَوِي في الوَصْفِ بِهِ المُذَكَّرُ، والمُؤَنَّثُ، والواحِدُ، والجَمْعُ، لِأنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الأسْماءِ غَيْرِ الصِفاتِ، وكانُوا إذا عَيَّنُوا أشْياءَ مِن حَرْثِهِمْ وأنْعامِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ، قالُوا: ﴿لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ يَعْنُونَ: خَدَمَ الأوْثانِ، والرِجالَ دُونَ النِساءِ. والزَعْمُ: قَوْلُ الظَنِّ يَشُوبُهُ الكَذِبُ.

﴿وَأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ هي البَحائِرُ، والسَوائِبُ، والحَوامِي.

﴿وَأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْها﴾ حالَةَ الذَبْحِ، وإنَّما يَذْكُرُونَ عَلَيْها أسْماءَ الأصْنامِ ﴿افْتِراءً عَلَيْهِ﴾ هو مَفْعُولٌ لَهُ، أوْ حالٌ، أيْ: قَسَّمُوا أنْعامَهُمْ: قِسْمٌ حِجْرٌ، وقِسْمٌ لا يُرْكَبُ، وقِسْمٌ لا يُذْكَرُ اسْمُ اللهِ عَلَيْها، ونَسَبُوا ذَلِكَ إلى اللهِ افْتِراءً عَلَيْهِ ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ وعِيدٌ.

6:139Page 146

وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ خَالِصَةٞ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِنَاۖ وَإِن يَكُن مَّيۡتَةٗ فَهُمۡ فِيهِ شُرَكَآءُۚ سَيَجۡزِيهِمۡ وَصۡفَهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٣٩

And they say, "What is in the bellies of these animals1 is exclusively for our males and forbidden to our females. But if it is [born] dead, then all of them have shares therein." He will punish them for their description.2 Indeed, He is Wise and Knowing.

﴿وَقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ كانُوا يَقُولُونَ في أجِنَّةِ البَحائِرِ والسَوائِبِ: ما وُلِدَ مِنها حَيًّا فَهو خالِصٌ لِلذُّكُورِ، لا يَأْكُلُ مِنهُ الإناثُ، وما وُلِدَ مَيِّتًا اشْتَرَكَ فِيهِ الذُكُورُ والإناثُ، وأُنِّثَ "خالِصَةٌ" وهو خَبَرُ "ما"، لِلْحَمْلِ عَلى المَعْنى، لِأنَّ "ما" في مَعْنى الأجِنَّةِ. وذَكَّرَ "وَمُحَرَّمٌ" حَمْلًا عَلى اللَفْظِ، أوِ التاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَنَسّابَةٍ ﴿وَإنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ أيْ: ﴿وَإنْ يَكُنْ﴾ ما في بُطُونِها "مَيْتَةً". (وَإنْ تَكُنْ مَيْتَةً) أبُو بَكْرٍ، (p-٥٤٢)أيْ: وإنْ تَكُنِ الأجِنَّةُ مَيْتَةً (وَإنْ تَكُنْ مَيْتَةٌ) شامِيٌّ، عَلى كانَ التامَّةِ. (يَكُنْ مَيْتَةٌ) مَكِّيٌّ، لِتَقَدُّمِ الفِعْلِ. وتَذْكِيرُ الضَمِيرِ في ﴿فَهم فِيهِ شُرَكاءُ﴾ لِأنَّ المَيْتَةَ اسْمٌ لِكُلِّ مَيِّتٍ ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ يَكُنْ مَيِّتٌ فَهم فِيهِ شُرَكاءُ ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ جَزاءَ وصْفِهِمُ الكَذِبِ عَلى اللهِ في التَحْلِيلِ والتَحْرِيمِ ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ﴾ في جَزائِهِمْ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِاعْتِقادِهِمْ.

6:140Page 146

قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓاْ أَوۡلَٰدَهُمۡ سَفَهَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفۡتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِۚ قَدۡ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٤٠

They will have lost who killed their children in foolishness without knowledge and prohibited what Allāh had provided for them, inventing untruth about Allāh. They have gone astray and were not [rightly] guided.

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهُمْ﴾ كانُوا يَئِدُونَ بَناتِهم مَخافَةَ السَبْيِ والفَقْرِ. (قَتَّلُوا) مَكِّيٌّ، وشامِيٌّ.

﴿سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ لِخِفَّةِ أحْلامِهِمْ، وجَهْلِهِمْ بِأنَّ اللهَ هو رازِقُ أوْلادِهِمْ، لا هم ﴿وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ﴾ مِنَ البَحائِرِ، والسَوائِبِ، وغَيْرِها.

﴿افْتِراءً عَلى اللهِ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ،

﴿قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ إلى الصَوابِ.

6:141Page 146

۞ وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٖ مَّعۡرُوشَٰتٖ وَغَيۡرَ مَعۡرُوشَٰتٖ وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٖۚ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ١٤١

And He it is who causes gardens to grow, [both] trellised and untrellised, and palm trees and crops of different [kinds of] food and olives and pomegranates, similar and dissimilar. Eat of [each of] its fruit when it yields and give its due [zakāh] on the day of its harvest. And be not excessive.1 Indeed, He does not like those who commit excess.

﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ﴾ خَلَقَ ﴿جَنّاتٍ﴾ مِنَ الكُرُومِ ﴿مَعْرُوشاتٍ﴾ مَسْمُوكاتٍ، مَرْفُوعاتٍ.

﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ مَتْرُوكاتٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ لَمْ تُعْرَشْ. يُقالُ: عَرَّشْتُ الكَرْمَ: إذا جَعَلْتَ لَهُ دَعائِمَ وسَمْكًا، تَعْطِفُ عَلَيْهِ القُضْبانَ.

﴿والنَخْلَ والزَرْعَ مُخْتَلِفًا﴾ في اللَوْنِ، والطَعْمِ، والحَجْمِ، والرائِحَةِ. وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ، لِأنَّ النَخْلَ وقْتَ خُرُوجِهِ لا أكْلَ فِيهِ حَتّى يَكُونَ مُخْتَلِفًا، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزُمَرُ: ٧٣] "أكُلُهُ" (أُكْلُهُ) حِجازِيٌّ، وهو ثَمَرُهُ الَّذِي يُؤْكَلُ، والضَمِيرُ لِلنَّخْلِ. والزَرْعُ داخِلٌ في حُكْمِهِ، لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ.

﴿والزَيْتُونَ والرُمّانَ مُتَشابِهًا﴾ في اللَوْنِ ﴿وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ في الطَعْمِ ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ مِن ثَمَرِ كُلِّ واحِدٍ، وفائِدَةُ: ﴿إذا أثْمَرَ﴾ أنْ يُعْلَمَ أنَّ أوَّلَ وقْتِ الإباحَةِ وقْتُ إطْلاعِ الشَجَرِ الثَمَرَ، ولا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ لا يُباحُ إلّا إذا أدْرَكَ ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ عُشْرَهُ. وهو حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ في تَعْمِيمِ (p-٥٤٣)العُشْرِ ﴿يَوْمَ حَصادِهِ﴾ (حَصادِهِ) بَصْرِيٌّ، وشامِيٌّ، وعاصِمٌ. وبِكَسْرِ الحاءِ: غَيْرُهُمْ، وهُما لُغَتانِ.

﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ بِإعْطاءِ الكُلِّ، وتَضْيِيعِ العِيالِ، وقَوْلُهُ: ﴿كُلُوا﴾ إلى ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ اعْتِراضٌ.

6:142Page 146

وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ حَمُولَةٗ وَفَرۡشٗاۚ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ١٤٢

And of the grazing livestock are carriers [of burdens] and those [too] small. Eat of what Allāh has provided for you and do not follow the footsteps of Satan.1 Indeed, he is to you a clear enemy.

﴿وَمِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ عَطْفٌ عَلى جَنّاتٍ، أيْ: وأنْشَأ مِنَ الأنْعامِ ما يَحْمِلُ الأثْقالَ، وما يُفْرَشُ لِلذَّبْحِ، أوِ الحَمُولَةُ: الكِبارُ الَّتِي تَصْلُحُ لِلْحَمْلِ، والفَرْشُ: الصِغارُ كالفِصْلانِ، والعَجاجِيلِ، والغَنَمِ، لِأنَّها دانِيَةٌ مِنَ الأرْضِ، مِثْلُ الفَرْشِ المَفْرُوشِ عَلَيْها ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ أيْ: ما أُحِلُّ لَكم مِنها، ولا تُحَرِّمُوها كَما في الجاهِلِيَّةِ ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ﴾ طُرُقَهُ في التَحْلِيلِ والتَحْرِيمِ، كَفِعْلِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ فاتَّهِمُوهُ عَلى دِينِكم.

6:143Page 147

ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۖ مِّنَ ٱلضَّأۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡمَعۡزِ ٱثۡنَيۡنِۗ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۖ نَبِّـُٔونِي بِعِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٤٣

[They are] eight mates - of the sheep, two and of the goats, two. Say, "Is it the two males He has forbidden or the two females or that which the wombs of the two females contain? Inform me with knowledge, if you should be truthful."

﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ ﴿مِنَ الضَأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، يُرِيدُ: الذَكَرَ والأُنْثى، والواحِدُ إذا كانَ وحْدَهُ فَهو فَرْدٌ، وإذا كانَ مَعَهُ غَيْرُهُ مِن جِنْسِهِ سُمِّيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما زَوْجًا، وهُما زَوْجانِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الزَوْجَيْنِ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ [النَجْمُ: ٤٥] ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ ثُمَّ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الضَأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ ﴿وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ والضَأْنُ، والمَعْزُ جَمْعُ: ضائِنٍ وماعِزٍ، كَتاجِرٍ وتَجْرٍ. وفَتْحُ عَيْنِ المَعَزِ: مَكِّيٌّ، وشامِيٌّ، وأبُو عَمْرٍو. وهُما لُغَتانِ. والهَمْزَةُ في ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ لِلْإنْكارِ، والمُرادُ بِالذَكَرَيْنِ: الذَكَرُ مِنَ الضَأْنِ، والذَكَرُ مِنَ المَعْزِ، وبِالأُنْثَيَيْنِ: الأُنْثى مِنَ الضَأْنِ، والأُنْثى مِنَ المَعْزِ. والمَعْنى: إنْكارُ أنْ يُحَرِّمَ اللهُ مِن جِنْسَيِ الغَنَمِ ضَأْنَها ومَعْزَها شَيْئًا مِن نَوْعَيْ ذُكُورِها وإناثِها، ولا مِمّا تَحْمِلُ الإناثُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ ذُكُورَةَ الأنْعامِ تارَةً، وإناثَها طَوْرًا، وأوْلادَها كَيْفَما كانَتْ ذُكُورًا، أوْ إناثًا، أوْ مُخْتَلِطَةً تارَةً، وكانُوا يَقُولُونَ: قَدْ حَرَّمَها اللهُ، فَأنْكَرَ (p-٥٤٤)ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. وانْتَصَبَ " آلذَّكَرَيْنِ" بِحَرَّمَ، وكَذا ﴿أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أيْ: أمْ حَرَّمَ الأُنْثَيَيْنِ، وكَذا ما في " أمًّا اشْتَمَلَتْ " ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ أخْبِرُونِي بِأمْرٍ مَعْلُومٍ مِن جِهَةِ اللهِ يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ ما حَرَّمْتُمْ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنَّ اللهَ حَرَّمَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском